الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
المؤلفات
عكاظ وحي الإبداع وتجليات الوعي ( تحديث )
عكاظ وحي الإبداع وتجليات الوعي ( تحديث )
02-23-2012 08:50 AM








عكـــــــاظ
وحي الإبداع وتجليات الوعي


د. عالي سرحان القرشي د. عاطف السيد بهجات

الفهــرس

تقديم أ.د. جريدي المنصوري، رئيس مجلس إدارة النادي الأدبي بالطائف
الفصل الأول : عكاظ : تأويل الفعل واستجلاء الرمز.
• تأويل المتن اللغوي لعكاظ.
• من الحرب .. ضد الحرب.
• عكاظ والتأسيس لوعي جديد.
• عكاظ القيم والقيمة.
• الرمز النقدي.
• بهل الغادرين.
• قس مخاض بياني جديد.


الفصل الثاني : رمزية عكاظ الشعرية.
• عكاظ بين الدلالة والرمزية.
• رمزية الحرب.
• الاحتشاد والتجمع.
• الفخر والمدح.
• الفقد.
• الرمزية المكتنزة (المتداخلة).
• عكاظ مضرب المثل.
• الهوامش والإحالات.





تقديم
أ.د/ جريدي المنصوري
رئيس نادي الطائف الأدبي الثقافي
قرابة (1300) ألف وثلاثمائة سنة مضت وسوق عكاظ التاريخي الشهير لم تفتح أبوابه ولم يقف الناس على ترابه، فمنذ سنة (129هـ) حين نهبه الخوارج الحرورية غربت شمسه واندثر رمسه، ولم يعد له وجود إلا في صفحات التاريخ، وأصبح قفرا بلقعاً اختلط بما حوله حتى تنازعته القبائل والجهات فاحتاج تحديد موقعه إلى تدخل الدولة والعلماء ولولا ذلك للحق بعبقر الذي كان ملهماً للشعراء فأصبح المؤرخون يقولون أنه لا يعرف مكانه ولعله من أودية الجن.
وهذا الكتاب الذي نقدم له أحد كتب ثلاثة تصدر بالتزامن مع افتتاح سوق عكاظ لأول مرة بعد تلك القرون المتصلة من الانقطاع، وقد قام على إعدادها ثلاثة من الأصدقاء، وقد اكتشفت أنهم يمثلون أشهر القبائل ذات العلاقة بسوق عكاظ فأولهم من هوازن والثاني من ثقيف والثالث هذا القرشي، وقد سعدت بهذا الأمر الذي جاء – وأرجو أن تصدقوني – دون قصد كما سعدت بأن الثلاثة جميعاً هم زملائي بالنادي الأدبي.
والكتاب الذي أقدم له اليوم يظهر فيه جهد مشكور للدكتور / عاطف بهجات الناقد المصري المتهم بشعر الطبيعة وأدب الصعاليك بالاشتراك مع الناقد الدكتور / عالي القرشي الذي كان بين أجداده القرشيين وأجدادي من هوازن أيام العصبية الجاهلية أشهر أيام العرب في التاريخ، والغريب أنها كانت في عكاظ، وكانت الأشعار التي قيلت فيها من أهم الأدلة التي اعتمد عليها العلماء في تحديد موضع عكاظ استدلالاً بموضع (العبلاء) في قول خداش بن زهير شاعر هوازن :
ألم يبلغكم أنا جدعنا
ضربناهم ببطن عكاظ حتى
لدى العبلاء خندق بالقياد
تولوا طالعين من النجاد

واعتماداً على موضع (شرب) في قول شاعر قريش وكنانة، أمية بن الأشكر:
ألا سائل هوازن يوم لاقوا
لدى \" شرب\" وقد جاشوا وجشنا
فوارس من كنانة معلمينا
فأوعب في النفير بنو أبينا

وقد كان يوم العبلاء لهوازن على قريش وكنانة، وكان يوم شرب لقريش على هوازن، والعبلاء وشرب موضعان مشهوران بهما يعرف سوق عكاظ.
والدكتور عالي القرشي اليوم من أبرز أصدقائي وهو من الباحثين الذين تجدهم يضربون بسهم في كل فن ويجتهدون في مشاركاتهم في كل مناسبة علمية وهو مع كثرة أعبائه وتزاحم أعماله لا يدخر جهداً في خدمة المعرفة فعلى الرغم من ضيق الوقت فقد استطاع إنجاز عمله هذا في فترة قياسية لأنه مغرم بالكتابة ولسان حاله يقول :
برعتُ على أهل الغرام بوصفها
كأني قس والغرام عكاظ

وهذا الكتاب يواجه عدداً من القضايا والموضوعات من أبرزها تأويل المواقف الأدبية والنقدية والاجتماعية التي ارتبطت بسوق عكاظ ولهذا جاء الاهتمام بالخطابة والخطباء والنقد والنقاد والشعرية والشعراء بالإضافة إلى قضايا اجتماعية مثل المفاخرة والمباهلة والزواج والنسب والصلح والحرب وهكذا تتوارد الأخبار وتتناسل القصص المرتبطة بسوق عكاظ التي يرتفع الواقع في كثير منها إلى آفاق الخيال.
إن عوالم الحياة الأدبية في سوق عكاظ التي تعلي من شأن الشاعر والخطيب كانت تهيئ العقل العربي لمستوى آخر من الوحي، وحي علوي سماوي على أثره توجهت كل القوى الخفية للملكات والقدرات البشرية لمناجزته والحديث عن بلاغته وإعجازه، وانتقل الضوء إلى أماكن أخرى توارى معها مكان عكاظ حتى أصبح طللا صح فيه قول أحد شعراء سوق عكاظ :
عرفت ديار زينب بالكثيب
كخط الوحي بالورق القشيب

والآن يعود عكاظ في ظل علو صوت الدولة والشعب على صوت القبيلة وسيطرة لغة الوحدة على لغة الفرقة، وتحكم العقل والمنطق في سلوك القوم وفكرهم في ظل قيادة حكيمة تسعى لخدمة الثقافة والمعرفة وقيم الحضارة الخالدة.
أسأل الله أن يوفق الجميع لما فيه خير الإنسانية.




مقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه ورسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد :
فنقدم لقراء العربية هذا الكتيب، الذي كان ثمرة لتعاون بين اثنين من المشغولين بالهم الثقافي، أرادا أن يلتقي جهدهما في \"عكاظ\" التي كانت ملتقى للفكر العربي، فالتقيا من قطرين عربيين على هذا الصنيع الذي يتقدمان به إليكم عن سوق عكاظ.
شغل هذا الأثر الثقافي الذهنية العربية بما جرى على صعيده من مناشط، وما سن من تقاليد، وما رشح عنه من أخبار منذ أن كان يقوم بفعله إلى أن خبا فعله، إلى أن تجدد الاهتمام به حديثا من قبل حكام هذه البلاد، والباحثين.
وكم هي سعادتنا، ونحن نقدم هذا المبحث، في أول سوق يقام لعكاظ يرعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي يوجه دائماً إلى استثمار طاقات فكر هذه البلاد، وإخراج كنوزها ورموزها الثقافية إلى مستوى المنافسة والعمل على أن تحقق السبق في كل المحافل والمنتديات ، وأن يجئ هذا الإصدار في سياق هذه الاحتفالية، التي تقوم لعكاظ بعد غياب دام 1300 سنة وقادها معالي محافظ الطائف الأستاذ فهد بن عبد العزيز بن معمر، الرجل الذي شغل بعكاظ منذ أن كان صغيرا يبحث في خبئها عما يعن له خيال أمثاله، من كنز أو ذهب مطمور، وتنامى خياله إلى أن اجتهد في إخراج كنز عكاظ الثقافي والفكري إلى الوجود، فكان له ما أراد بأن يخرج هذا السوق إلى الوجود في التاريخ الحديث على يديه، بعد أن أستأذن ولاة الأمر، فجاءته رعاية ومساندة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة، الرجل الذي يدرك بعد عكاظ الثقافي والفكري، وضرورة تطويره إلى أن يكون ملتقى عالمياً للفكر والإبداع، كيف لا وقد نهل ذلك من توجيه والده الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي وجه رحمه الله إلى إجراء البحوث لتحديد السوق، وكان عازماً على جعله ملتقى ثقافيا وأدبياً، ومنه نشأت فكرة إنشاء الأندية الأدبية، التي انتشرت في أنحاء البلاد ترعى الثقافة والإبداع، بجهود الأمير فيصل بن فهد بن عبد العزيز يرحمه الله، ثم بالدعم المتواصل من وزارة الثقافة والإعلام حينما آل إليها أمر الأندية الأدبية.
وحينما بدأنا التخطيط والإعداد لهذا الكتيب، كان أمامنا عدد من الأبحاث التي تناولت عكاظ تحديداً لموقعه، وذكراً لأخباره التي ترامت في المصادر التاريخية والأدبية، فجاء العزم منا على أن نجاوز ذلك إلى تقديم التفسير والتأويل الثقافي لما كانت تقوم به عكاظ في الثقافة العربية، ومحاولة تأمل سبب الالتفاف العربي حولها، وما برز فيها من تطور للذهنية العربية، وانتقال بحروبهم ونزاعاتهم إلى رمز الكلمة، واستثمارهم لطاقاتها.. فجاء ذلك في فصلين تناول الفصل الأول ( عكاظ : تأويل الفعل واستجلاء الرمز)، عرض فيه البحث للأخبار التي تداولتها الثقافة العربية عن عكاظ، ورؤية المتن اللغوي لتجليات كلمة \" عكاظ\" وما توحي به من دلالات، محاولاً أن يسوق ذلك في تأويل يقدم رسالة عكاظ، وتفسير لما كانت تستجليه من تحولات الوعي الثقافي والحياتي للإنسان العربي.
أما الفصل الثاني ، فحاول أن يستجلي الرمز الشعري لعكاظ في الشعر العربي، وما أصبحت تمثله عكاظ من شعرية لدى ذلك الإنسان، إلى الحد الذي أصبح الشاعر يلتف عليها، ويصبغ بها وجود كائناته الشعرية وحركتها.
ولا يسعنا في ختام تقديمنا إلا أن نشكر دارة الملك عبد العزيز، التي أفضلت علينا وعلى الباحثين، بالعمل على نشر هذا الكتيب، ونشكر كذلك الأخوين الفاضلين الدكتور محمد قاري عادل المشرف التنفيذي على لجان سوق عكاظ، والدكتور عايض الزهراني منسق عام اللجان لما كان يقومان به من تحفيز مستمر للباحثين على إنجاز هذا العمل، ومتابعة لإصداره. ونزجي الشكر كذلك لسعادة الأستاذ الدكتور جريدي المنصوري رئيس النادي الأدبي بالطائف، وعميد كلية الآداب بجامعة الطائف لتفضله بتقديم هذا البحث.
نأمل أن نكون بهذا الصنيع عند حسن ظن من توسم فينا ذلك، سواء من كلفنا بالعمل، أو من سيستقبله قارئا ومتأملا .. وأن نكون قد وضعنا لبنة في تاريخ عكاظ الحديث.
ونسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد، إنه سميع مجيب.

المؤلفان









الفصل الأول
عكاظ : تأويل الفعل واستجلاء الرمز


هذه عكاظ، تطل علينا من زحمة التاريخ، بعبقها، بفعلها، بذاكرتها، التي نسجت وجودها، وكونت شخصيتها، وأبت عليها أن تبقى في فسحة من الأرض، نهبا لقسوة الصحراء، وجبروت النسيان، فارتقت ورسخت في فعلها الثقافي، الذي أضحت به رمزاً، انتقلت فيه من ضيق المكان إلى سعة الذاكرة، فلم يرض الرمز بالحيز الذي كانت تقام فيه، فاختلفت حولها الثقافة، وتنافست عليها المعرفة، حتى أدى ذلك إلى التنافس حول الأرض التي تحمل الاسم؛ فبعد أن كان الاسم يطلق على المكان ويحتفظ به، أصبحنا في \" عكاظ\" لدينا الاسم، الذي نستثير فيه الثقافة العربية حتى نطلقه على ذلك الحيز أو ذاك، ولكن مهما اتسع الخلاف فهو لن يتسع ليقصي عكاظ عن الطائف، فهو مكان تترامى إليه أوديته، وتتدانى بالقاصد إليه طرقه، ليكون في حوزتها ..
اختلفت الآراء حول موقع عكاظ، ويبدو أن المكان الذي ارتضته اللجنة الوزارية المشكلة لهذا الغرض هو الموقع الذي يقام فيه السوق هذا العام لأول مرة منذ انتهائه ( ) ، وقد حل الإشكال لعدة أسباب :
- وقوع هذا الموقع في إطار التحديدات التي توارد عليها أكثر من حددوا السوق قديما وحديثاً ، حيث وادي الأخيضر، ووجود جبل الخلص، وأثر قديم يعود إلى العصر الأموي ( ).
- أن المسافات التي ذكرها الأقدمون تحديدا لهذا الموقع تقارب هذه المسافة.
- أن الوعي بالقيمة الرمزية والثقافية للمكان لا يعني التحديد العيني للمكان، بل الاحتفاء بالرسالة التي كان يحملها هذا الرمز.
وقد ارتبطت عكاظ بمواسم الحج، يتجر فيها العرب، فقد ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس  عنهما قوله : \" كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام فكأنهم تأثموا فيه فنزلت ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج\" قرأها ابن عباس( ).
وهكذا نجد المسلمين يحملون سماحة الإسلام، وفسحة لهم بالتجارة في هذه الأسواق، في مواسم الحج.
ويقول المرزوقي عن عكاظ :
\" وكانت عكاظ من أعظم أسواق العرب، وكانت قريش تنزلها، وهوازن، وغطفان، وخزاعة، والأحابيش – وهم عبد الله الحارث بن عبد مناة – وعضل ، والمصطلق، وطوائف من أفناء العرب، ينزلونها في النصف من ذي القعدة فلا يبرحون حتى يروا هلال ذي الحجة\" ( ).
ويروى أن السوق كان له آمر وقاض، وقد عد المرزوقي عدداً ممن كانوا يلونه من بني تميم ( ).
تأويل المتن اللغوي لعكاظ :
حين نراجع مادة \" عكظ\" في المتن اللغوي العربي نجد : \" عكظ دابته يعكظها عكظا\" : حبسها ، وتعكظ القوم إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم ، ومنه سميت عكاظٌ.
وعَكَظَ الشيء يعكظه : عركه وعكظ خصمه باللَّدد والحُجَج يعكظه عكظا: عركه وقهره. وعكظه عن حاجته ونكظه إذا صرفه عنها. وتعاكظ القوم : تعاركوا وتفاخروا\". ( )
نجد أن هذه المادة تترامى فيها معانٍ، رشحت عن الحرب، والمفاخرة، والصبر، ففي معانيها الحبس الذي يشير إلى ملازمة مكان في صبر ومجالدة نفس عن المضي عنه، و \" تعكظ القوم إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم\" فكأنهم هنا حين يجتمعون في هذا الموقع يحبسون أنفسهم عن أهوائها، وعن إعطائها رغباتها في النزاع، لينظروا في أمورهم في هذا التجمع الذي يعكظهم عن غير ما نذروا أنفسهم له في هذا الاجتماع.
وكان هذا التجمع الذي يجمعهم في هذا الموقف الذي سميت بسببه \"عكاظ\" دلالة أولى على تواطؤ اجتماعي قبلي على أعراف لهذا الموقف، تجعلهم يلتئمون فيه، ويصيخون لسلطته، ويتطلعون إلى حكمته .
ومن معانيها كما رأينا أيضاً العراك والمبارزة في الخصومة، والقهر، والصرف عن الحاجة، وذلك ما يشير إلى أن هذا التجمع يأتي ليحيل العراك الجسدي، والحروب، إلى عراك عقلي، وحوار جدلي، وخصومة بيانية، تحيل معايشة الحرب إلى معايشة رمزية في التفاخر، والقهر باللدد والحجج، والصرف عن الحاجة إلى الاستسلام للرأي الفاصل بعد أن تستنفذ حجج الخصمين، وتبرز طاقاتهم في الفصاحة والبيان، فيتعايش المتخاصمون إلى الخصومة الرمزية التي ترفع من شأن هذه الحجة، وتخفض من شأن تلك.
ولذلك جاء في لسان العرب \" وعكاظ : سوق للعرب كانوا يتعاكظون فيها\" ( ) فحملت عكاظ الاسم من فعلها الذي كانت تنجزه \" قال الليث : سميت عكاظ لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضاً بالمفاخرة، أي يدعك\" وإذا كانت المداعكة تترامى إلى الملاينة والتذليل وإزالة النتوء والخشونة كما نلحظ من هذه المعاني : دعك الثوب باللبس دعكا : ألان خشنته ، ودعك الخصم دعكاً لينه وذللـه. ورجل مدعك : شديد الخصومة. وتداعك الرجلان في الحرب أي تحرسا .. وتداعك القوم : اشتدت الخصومة بينهم\" ( ) فإن عكاظ بهذا الاغتراف من هذه المعاني، كانت المسرح الرمزي، والحوار الفكري، الذي يذيب الخصومات، وينهي التعارك والمداعكة بعد أن يكون قد فجرها في حوار لغوي، وتفاخر لفظي، واحتكام إلى ذوي الرأي والرشد.
ولما كانت هذه هي المحصلة النهائية لعكاظ، فقد كانت عكاظ تصنع أدوات هذا الفعل الذي يدعك ما في النفوس ليحيله إلى حوار ومجادلة وانصياع إلى الرأي، لتكون هذه الأدوات صناعة طاقات فكرية خلاقة، تحدث الممحاكة والمداعكة، وتبعث على الملاطفة والملاينة في صناعة الكلمة التي هيأ لها هذا السوق المكان الأعلى، واليد الطولى في الشهادة والمفاخرة والحكم فكانت \" قبائل العرب تجتمع بها كل سنة، ويتفاخرون بها، ويحضرها الشعراء فيتناشدون ما أحدثوا من الشعر، ثم يتفرقون\". ( )
فكانت عكاظ تنمي هذه الطاقة التي تستل سخائم النفوس، وتحيل الحرب والمواجهة إلى مفاخرات شعرية، على النحو الذي سنفصل فيه القول في موضعه إن شاء الله.
من الحرب .. ضد الحرب :
هذه عكاظ تقوم على متن لغوي يضج بالحرب والإقصاء، لكي تحقق السلم والالتئام والتلاقي، وهي كذلك أيضاً في المكان، قامت في مكان صحراوي يترامى إلى المجهول، ويتفانى في لم الشعث وتضميد الجراح، وفي مكان به علامة من الدماء، ومسميات لشواهد من أيام الطعان والحروب، والفجور.
قال أبو عبيد : \" عكاظ : صحراء مستوية لا علم فيها ولا جبل إلا ما كان من الأنصاب التي كانت بها في الجاهلية، وبها من دماء الإبل كالأرحاء العظام\" ( ) ، ثم قال : \" وعكاظ مشتق من قولك : عكظت الرجل عكظا إذا قهرته بحجتك، لأنهم كانوا يتعاكظون بالفخر وكانت بعكاظ وقائع مرة بعد مرة\" ( ) .. فهل كانت هذه الدماء التي أشار إليها أبو عبيد البكري افتداء للدماء التي كانت تسيح بين العرب؟
لئن لم تفصح الشواهد عن ذلك صراحة، فإن ذلك يلتقي مع الرسالة التي حملها عكاظ، حين جاءت العرب تتنافر فيها بالقول، وتتفاخر بالكلام، ويبذل الخطباء والشعراء الغاية في ذلك، حتى لا يبقون في القوس منزع، ولا في النفوس ظمأ، فكان هذا الصنيع المتجسد في عكاظ اشتغالاً على ترميز المناهضة، والمفاخرة في الحوار القولي، والمباهاة بذلك، وارتقاء على حرب السيوف، والنبال، وفعل الإغارات، فكان عكاظ الفداء لهذه النفوس من غوائل حروبها، وصلافة أيامها.
وكان هذا الذي حفظته الثقافة، وجسدته الذاكرة حين ترويه عن عكاظ، فتجعله ناهضاً على الدماء، ووقائع الحروب يحمل التشكيل الذي أرادته هذه الثقافة بآراء حكمائها من عكاظ، مفتديا حل الخصومات من النزاع، وتنازع القول من تنازع الأجساد وطعانها، والركون إلى الحكمة والرشاد من الخصومات والثأرات، فكأن ذلك يشير إلى أن عكاظ رمز ضد الحرب والتمزق والتشرذم، وأنه يجب الحفاظ على ما انتشلت منه النفوس، التي تنذر من غائلة ما كانت فيه، وتبصِّر بما كان عليه الأمر الذي قامت على أنقاضه عكاظ.
عكاظ والتأسيس لوعي جديد:
ونجد هنا الثقافة التي هيأت عكاظ لهذا الموقع والمآل تتوسل إلى ذلك بتعديل السلوك العربي، وتوجيه الطاقة واستثمارها، فإن كانت تفرغ ما في النفوس من لدد وخصومة في التباهي بالشعر ومنافرات القول، فإنها في الوقت ذاته تعتمد على مافي نسق هذه الثقافة من تعالٍ، وتفاخر، وإقصاء، فتستثمر النسق لترتقي به، فتعلو بالخصومة إلى حل أولي الرشد، وتستثمر الطاقات في الإنشاء والإبداع.
وإذا كانت عكاظ قد اتخذت سوقاً بعد الفيل بخمس عشرة سنة ( )، فإن هذا التاريخ يسترعي الانتباه، لما فيه من تأخر، وقرب من الحدث الخالد في الجزيرة العربية، حدث الإسلام. فكأن هذا التجمع في عكاظ تهيئة للالتقاء المشترك بين العرب، والتفات إلى قدرة الكلمة، التي يجتمعون حولها، ويتبصرون، حتى إذا ما نزل الوحي أدركوا إعجازها، وفهموا مراميها، فانطلقوا معها طائعين، وفاتحين.
وإذا كانت عكاظ تنفرد عن الأسواق الأخرى القريبة منها، مجنة، ذو المجاز، في التفاخر القولي، والاستماع إلى أرباب الشعر والبيان، وما يحصل فيها من إصلاح، وينفذ من حكومات فإن ذلك يعطينا دلالة على تحرك الرأي العربي، والثقافة العربية على استثمارها حركة التوجه للحج إلى الأماكن المقدسة في تجمع كبير في هذا المكان الفسيح القريب من مواقع الحج، وملتقى الطرق العربية، ليكون هذا التجمع كما أسلفنا برسالته المرتقبة على الإحن والحروب والبغضاء، والمستنفرة لطاقات الإبداع.
وكان حديث المرزوقي في الحماسة عن عكاظ يستجلي هذا الشأن الذي كان لعكاظ، والغايات التي يؤديها فيقول : \" عكاظ : وادٍ للعرب فيه سوق لهم يجتمع فيها طوائف الناس من جميع الأحياء، فيتعارفون فيها، ويتعلقون بالأخبار بعد التذاكر بها، والتسنم لها، وبينهم المواعدات والمقايضات والأحن والترات، والمنافرات والمناقضات، فكل فرقة تتجمل للأخرى، وتود أن تسمع فيها ما ليس عندها من حسن وقبيح ومحمود ومذموم، إلى غير ذلك من الأنباء السائرة، والأوابد العائرة، التي يتهادى بها، ويستطرف وقوعها، ويتبلغ باستماعها وأدائها\". ( )
ويستوقفنا في هذا الحديث أمور عدة :
مكانة عكاظ :
فتجد من خلال حديث المرزوقي أنه كان ينظر إلى عكاظ، وفق ما تناقلته الثقافة، والمرويات عنها، حيث غدت فيما سار عنها من الثقافة سوقاً مهما تنوعت أغراضه، وتعددت، فإن المتأمل لا يخطئ اجتماع العرب فيها من طوائف، وقبائل مختلفة للتعارف والتعلق بالأخبار، فكأن السوق أصبح ملتقى ثقافيا يعرف العرب ببعضهم، ويهيء قدراً من الثقافة تطير فيما بينهم، وتحمل معرفتهم عن بعضهم البعض، فقد أصبح هذا السوق هو المعلم الثقافي، الذي يحتضن تاريخ العرب، بل إنه أضحى المصنع الثقافي الذي يصنع تاريخهم.
* حرص العرب على تحويل ما بينهم إلى معرفة ثقافية :
من خلال ما حملته الثقافة العربية عن \" سوق عكاظ\" إلى المرزوقي، ورصده في هذا الحديث التعريفي بعكاظ نجد المرزوقي يستوقفه تحويل ما بين العرب من خصومات ونزاع إلى معرفة ثقافية، يتذاكر بها، ويتسنم لها فكل ما بين العرب يحضر هنا، وليس هنا دماء، أو مؤاخذات، وإنما هو الاستماع، وتلقى الأخبار، وحمل الفريد منها التي تصبح مثل الهدايا المستطرفة، لأنها أصبحت ذات شأن ثقافي، يعلو به الراوي، ويزهو به من حمل الخبر عنه، ومن ذكروا في إنتاج هذا الخبر.
* الاستعداد لعكاظ :
لا شك أن مكانا، وملتقى هذا شأنه أصبح يستدعي الاستعداد له، والتجمل فيه، لأن الأخبار منه تسير، وعنه تطير، ومنجزات كل حي وقبيلة لابد أن يحفظها لسان خطبائها وشعرائها، ومنافريها، ليتحول ما تكتنزه من إرث،وما ترغب أن يذكر عنها إلى خطاب ثقافي، تحمله النصوص، وتزينه الأخبار المسرودة التي يأتي العرب ليحملوها عن هذا الملتقى.

عكاظ : القِيَم والقيمة :
ولما كان الأمر كذلك في عكاظ، فقد كان عكاظ ملتقى مهيبا، يخشى العرب أن تحمل عنهم فيه أخبار السوء، وتلصق بهم أخبار الغدر، ولذلك كان \" عكاظ\" رمزا، حين يذكر تهاب العرب أن يلصق بها سوء يحمل في هذا السوق، ولذلك لم تخطئ هذه المرأة التي قتل زوجها في جوار الزبرقان بن بدر الطريق الذي يخشى منه الزبرقان، ويثقل عليه في التهديد، حين حملت في شعرها ذلك الرمز طريق تخويف، وتهديد حين قالت :
متى تردوا عكاظ توافقوها بأسماع مجادعها قصار ( )
نعم! فقد كان عكاظ مجمعا من المجامع التي يخوف بها الغادرون، وكان من الشأن الذي بلغته عكاظ في فضح الغادرين، بعد أن أصبح ذلك عرفا لدى العرب، أن أصبحت لدى الشعراء ذات دلالة يستثمرونها في التنقص من الغادرين، فهذا أحد الشعراء الهذليين، ويدعى أبو المورق، يقول في بني ليث من كنانة، وقد سجلوا غدرة في أحد أصحابه :
إذا نزلت بنو ليث عكاظا رأيت على رؤوسهم الغرابا ( )
بل أصبح عدم مثول راية الغدر في مثل تلك المجامع، علامة فخر واعتزاز، على النحو الذي جاء في افتخار الحادرة : ( )
فسمي ويحك! هل سمعت بغدرة رفع اللواء بها لنا في مجمع
ويشعرنا هذا بالتجمع الكبير الذي كان يتم في عكاظ، مما جعل منه ملتقى يحرص فيه نازلوه على السمعة الحسنة، ويؤثرون ألا يصدر عنهم شيء يعلق في خبر سيء، يسير على ألسنة الناس، وبين منازلهم وربوعهم في الجزيرة العربية، ومن يدري لعلهم كانوا يتوقعون جريان هذه الأخبار في الثقافة فيما بعد، وهو الأمر الذي حدث لها فعلاً، فكانوا يتوقون السوء، ويتقون الغدرات.
وقد استثمر بعض الشعراء دلالة هذا التجمع، ومشهد هذا السوق في بيان قيمة السلعة، وغلاء ثمنها، فهذا أبو ذؤيب الهذلي يتحدث عن مزج من العسل والخمر يشَبِّه به ريق محبوبته، فيجعل لهذه الخمرة طريقاً من أصل مكانها الشام، إلى بلوغها السوق، فيجعل لها من بلوغ السوق، وتدافع التجار حولها شأنا يعلي من مكانها، فكأنها أخذت تتعتق من هذا المرور على الأمكنة والتجمعات، ويأتي ذروة ذلك في بلوغها عكاظ يقول ( ):
وأقسم ما إن باله لطمية
ولا الراح راح الشام جاء سبيئة
عُقار كماء النئ ليست بخمطة
توصل بالركبان حينا وتؤلف الـ
فما برحت في الناس حتى تبينت
فطاف بها أبناء آل معتب
فلما رأوا أن أحكمتهم ولم يكن
أتوها بربح حاولته فأصبحت
يفوح بباب الفارسين بابها
لها غاية تهدي الكرام عقابها
ولا خلة يكوي الشروب شهابها
جوار و يغشيها الأمان ربابها
ثقيف بزيزاء الأشياء قبابها
وعز عليهم بيعها واغتصابها
يحل لهم إكراهها أو غلابها
تكفت قد حلت وساغ شرابها

وقد بلغت قباب عكاظ التي استثمرها أبو ذؤيب هنا شأنا عنده، جعلها موعداً لملتقاه مع محبوبته، فكأن هذا الملتقى يأخذه بعده من هذه القيمة التي يمنحها أبو ذؤيب لما يكون في قباب السوق، فإذا كان للخمرة التي عرضت هنا هذه المكانة، فقد أراد أيضاً أن يكون للقائه مع من ذكرها وتشوق ويهمنا من هذا الشعر هنا، استثمار الشاعر لإجلال العرب والمتسوقين حرمة الأشهر الحرم التي كانت يقام بها سوق عكاظ، وتواطؤهم على ذلك، ليجعل منه إعلاء لشأن السلعة حيث جعل الحيرة في تجار السوق في امتلاك هذه الخمرة رفعاً لشأنها وقيمتها، حيث أصبحوا حائرين أمام ثمن مرتفع لا يقدرون عليه، وليس لهم طريق إلى خيار آخر، فهم لا يقدرون على اغتصابها، لأنهم في سوق يحرم ذلك، وفي أشهر حرم يقام فيها، فارتفع ثمنها، وأصبح ذلك الارتفاع ارتقاء بشأنها، الذي مضى الشاعر في الحديث عنه حين قرنها بالعسل وتحدث عنه في أبيات تالية، معليا من شأنه أيضاً، وجاعلاً بلوغه عبر مخاوف ومسالك عسرة يجتازها مشتاره ليصل إليه، ويبلغه على الرغم من الخوف المحيط به .. ثم يقول بعد ذلك عن هذين العزيزين : الخمر، والعسل : ( ) :
فما إن هما في صحفة بارقيه
بأطيب من فيها إذا جئت طارقا
جديد حديث نحتها واقتضابها
من الليل والتفت عليّ ثيابها

إليها هذا البعد والعلو الذي يأتي من هذا الملتقى الحيوي الذي يحتشد فيه الألوف على حد قول أبي ذؤيب: ( )
نؤمل أن تلاقي أم وهب
إذا بُني القباب على عكاظ
تواعدنا الربيق لننزلنه
فسوف تقول إذ هي لم تجدني
بمخلفة إذا اجتمعت ثقيف
وقام البيع واجتمع الألوف
ولم تشعر إذن أني خليف
أخان العهد أم أثم الحليف

وقد روت الأخبار عن عكاظ قصة الأعشى مع المحلق، الذي أحسن إكرام الأعشى، رغبة في أن يذكره في شعره، حيث \" نحر له ناقته وكشط له عن سنامها وكبدها ، ثم سقاه وأحاطت بناته به يغمزنه ويمسحنه. فقال ما هذه الجواري حولي؟ قال بنات أخيك وهن ثمان شريدتهن قليلة. قال : وخرج من عنده ولم يقل شيئاً. فلما وافى سوق عكاظ إذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها وإذا الأعشى ينشدهم :
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
تشب لمقرورين يصطليانها
رضيعي لبان ثدي أم تحالفا
إلى ضوء نار باليفاع تحرق
وبات على النار الندى والملحق
بأسحم داج عوض لا نتفرق

فسلم عليه المحلق، فقال له، : مرحبا يا سيدي بسيد قومه. ونادى يا معاشر العرب، هل فيكن مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم! قال: فما قام من مقعده وفيهن مخطوبة إلا وقد زوجها\" ( ).
ويشير هذا الخبر إلى أمور عدة :
أولها : أن سوق عكاظ كان مجمعاً تأتي إليه العرب وأشرافها؛ فكان ذلك مؤهلاً للسوق لأن تكون مظنة استماعهم وتقبلهم لما سيقوله الأعشى من الشعر، ولذلك صمت حتى وافى السوق.
ثانياً : أن الأعشى استثمر في السوق التلقي الجماعي، وما يتم فيه من إذكاء روح التنافس، واستثمر كذلك سيرورة الخبر في أهل السوق، ولذلك أقبل الرجال على المحلق يخطبون بناته.
ثالثها : أن السوق كان يعتمد على الإمكانات المتوفرة في المكان، فالأعشى والمتحلقين حوله يجتمعون إلى ظل سرحة قد امتد فيئها.
ولما شهرت عكاظ بين العرب، وأصبحوا \" يتوافون بها من كل أوب\" ( ) أخذت تنزع شيئاً فشيئاً إلى استحداث تقاليد، وقوانين خاصة في هذا السوق تدعو إلى احترامه، فسوق يوافيها شرفاء القوم، كانوا يخشون على أنفسهم من الأسر، فلذلك كانوا يتقنعون في البداية فكان \" لا يوافيها شريف إلا على وجهه برقع مخافة أن يوسر يوما فيكبر فداؤه\"( ). وحين عانى الأشراف من ذلك بدأ نزع هذا القناع، \" فكان أول من كشف القناع طريف العنبري لما رآهم يطلعون في وجهه، ويتفرسون في شمائله قال : قبح من وطن نفسه إلا على شرفه ورمى بالقناع، وحسر عن وجهه\" وقال في ذلك :
أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلىَّ عريفهم يتوسم
ولم يكن في عكاظ عشور ولا خفارة. ( )
وبلغ من شأن التجمع فيها، أن كانت مظنة لمعرفة الأشراف من العرب، عن طريق إقبالهم على شراء الأشياء، والمقتنيات ذات القيمة، ولذلك كانت أيضاً مكاناً لتسويق التحف والنادر من ثمائن الملوك يقول المرزوقي:
\" وكانت فيها أشياء ليست في أسواق العرب، كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد، والحلة الحسنة، والمركوب الفاره – فيقف بها، وينادي عليه، ليأخذه أعز العرب؛ يراد بذلك معرفة الشريف والسيد فيأسره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته ...\" ( ) .
وهنا نجد أن عكاظ أصبحت تترقى بالذوق العربي، وتعمل على أن تحدث تآلفاً وتقارباً بين طبقة الملوك والأشراف والسادة، من خلال هذا التذوق الذي نم عنه القيمة المعطاة للأشياء.
الرمز النقدي :
وتحدثنا المصادر الأدبية عن تحكيم نابغة بني ذبيان، الشاعر المعروف بين الشعراء، فيأتي الخبر عن الأغاني على النحو التالي:
\" أن نابغة بني ذبيان كان تضرب له قبة من أَدَم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء؛ فدخل إليه حسان بن ثابت وعنده الأعشى وقد أنشده شعره، وأنشدته الخنساء قولها :
قذى بعينيك أم بالعين عُوَّار
حتى انتهت إلى قولها :
وإن صخراً لتأتم الهداة به
وإن صخراً لمولانا وسيدنا
كأنه علم في رأسه نار
وإن صخراً إذا نشتو لنحار

فقال : لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك قلت : إنك أشعر الناس! أنت والله أشعر من كل ذات مثانة. قالت : والله ومن كل ذي خصيتين. فقال حسان: أنا والله أشعر منك ومنها. قال : حيث تقول ماذا؟ قال : حيت أقول:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
ولدنا بني العنقاء وابني محرق
وأسيافنا يقطرن من نجده دما
فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما

فقال : إنك شاعر لولا أنك قللت عدد جفانك، وفخرت بمن وَلدَت ولم تفخر بمن وَلدك. وفي رواية أخرى : فقال له : إنك قلت \" الجفنات\" فقللت العدد ولو قلت \" الجفان\" لكان أكثر. وقلت \" يلمعن في الضحى\" ولو قلت \" يبرقن بالدجى\" لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقا. وقلت \" يقطرن من نجدة دما\" فدللت على قلة القتل ولو قلت \" يجرين\" لكان أكثر لانصباب الدم. وفخرت بمن وَلدت ولم تفخر بمن ولَدك. فقام حسان منكسراً منقطعاً\". ( )
وإذا كانت تفاصيل هذه الحكاية فيها أخذ ورد قديماً وحديثاً، حيث أشار طه أحمد إبراهيم إن \" مثل هذا النقد لا يصدر إلا عن وجل عرف مصطلحات العلوم، وعرف الفروق البعيدة بين دلالة الألفاظ، وألم بشيء من المنطق\" ( ) ، وأشار إلى ما حكاه ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه طعن في صحة هذه الحكاية. ( )
إذا كان ذلك كذلك في التفاصيل فإن ذلك لا يلغي الحكاية من أساسها، ولا يلغي كون سوق عكاظ مقراً لحكومة النابغة، فما دار من حوار بين الشعراء والنابغة يقره منطق العصر الجاهلي، والبحث عن التفوق في الكلام، وكون سوق عكاظ مكاناً للمبارزة في الكلام، والمفاخرة والمنافرات فإنا نقبل عموم الحكاية، ونغض الطرف عن تفصيلاتها.
ويستوقفنا في هذا العموم ما استفاض في كتب الأدب من أن النابعة كانت تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء؛ فنجد أن فن العرب القولي الأول الذي به يتباهون، ويسجلون مآثرهم ومفاخرهم، قد أصبح يأخذ حيزاً ومكاناً في السوق، وأن أحد الشعراء أصبح له رأيه الذي يحتكم إليه في هذا الشعر، وهذا يتفق مع السياق الذي أشرنا إليه سابقاً من أن عكاظ أضحت مكاناً تعتلي فيه العرب على الحروب، وتستنفر طاقاتها في الإبداع، وتحول مفاخراتها وحجاجها إلى الكلام، فكان ذلك مجاله في القول الشعري، وكان الاتجاه إلى الفصل في ذلك إلى البصير بهذا الفن، وكان حرص الشعراء على أن يظفروا بكلمة في تمييز شعرهم، وإظهاره على الآخرين بقدر حرصهم أيضاً على أن يسير شعرهم في الآفاق من هذا المكان الذي يقصدونه .. فكانت عكاظ بشهرتها بين أسواق الجزيرة العربية تطير بها الأخبار، ويتناقلها الرواة في المحافل، ومن ثم كان ما تناقلته المصادر الأدبية والتاريخية، من صمت الأعشى حتى يأتي عكاظ فيمدح المحلق، ليلقى الأشراف الذين تزوجوا بنات المحلق، والرواة الذين تناقلوا شعره.
وتلحظ أن خبر النابغة المشار إليه بغض النظر – كما أسلفت – عن التفصيلات، يحاول أن يجسد المكانة التي كانت للنابغة بسبب ما كانت ترتجيه العرب من هذا الحكم، ومن فنها القولي الشعري، فتجدها تقيم له مكاناً مميزا و \" تضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء\" وكأن العرب أصبحت تعي ضرورة أن تضع رموزها الشعرية، فوضعت الرمز الناقد (النابغة)، وأحاطته بأبهة منظر مكانه في ذلك المجمع الذي تحتشد فيه الحشود الغفيرة، من المتجرين، وقاصدي الموسم، والباحثين عن الفخر، والتعلق بالأخبار؛ فكان مكان النابغة مميزاً بالقبة المصنوعة من الأدم.
صنعت العرب الرمز الناقد، الذي تشكل من حكمه الرموز الشعرية، وكأن العرب أرادت بذلك أن تتجه إلى الارتقاء على إحنها، وحروبها، إلى التحليق في آفاق الكلمة الشعرية، واستنطاق الأشواق والآمال، وتحقيق فسحة من انشراح النفوس المنقبضة، واتساعاً للهموم الضيقة.
وإذا اتجهنا إلى التفصيلات في هذا الخبر التي يحوم حولها الشك قديماً وحديثاً؛ فإن ذلك ولو كان مشكوكاً فيه يؤكد أيضاً على استنطاق واضعيه من العرب بعد الإسلام، ومن حملوا ثقافتهم، سياق وحركة الثقافة العربية، إذ إن هذه التفصيلات تستند إلى ما استنطقه العرب عند التدوين عن ذلك؛ فأسندوا هذه التفصيلات الواردة في الخبر من إشارة النابغة إلى حسان في تقليل عدد الجفان، وطلبه المبالغة، تستند إلى مااستنطقه العرب عند التدوين عن ذلك، فأسندوا إلى النابغة تفصيلات تنبع من حب العرب للمبالغة في الكلام. وهذا يعطينا مؤشراً آخر، على أن حب العرب لذلك ليس كذباً وتزويراً، إذ إنه أسند إلى النابغة وهو يحكم بين الشعراء، بين أفواج من العرب، تدرك فن الشعر، وطبقات القول فيه، فمن غير المعقول أن يسند إلى النابغة ما يتوقع منه مخالفة الذوق السائد في تلك الفترة، أو الانقلاب بالشعر إلى مماحكات المطابقة مع الواقع التي يرتقى عليها الشعر، ولذلك أسندت إليه هذه التفصيلات التي تتوافق مع حب العرب للمبالغة في الكلام، التي تأتي من جنوح العرب إلى خيمة الكلام التي تجسد أفعالهم وأمانيهم، وترتقي بشؤونهم، ووقائعهم، وأخبارهم، في بيوت الشعر التي يسير بها الركبان، وتحمل مفاخر العرب من مكان إلى مكان.
وظهور الخنساء الشاعرة المعروفة على مسرح هذا الخبر يحمل دلالات عدة منها :
• اتجاه الثقافة العربية إلى الاحتفاء بشعر المرأة، وطاقاتها الإبداعية، في سوق من أشهر أسواقهم، وأمام حشود غفيرة، وناقد مرتضى من العرب، وشعراء كبار حريصين على المنافسة، وألا يتقدمهم أحد، فضلاً عن امرأة، وكأن ذلك أيضاً يتفق مع رسالة سوق عكاظ التي أرادت أن ترتقي بمكانة المرأة العربية، وتتعالى بها عما كان يحدث لها من إقصاء واسترقاق، فكان ذلك ارتقاء بما يطلب من المرأة من خدمة الرجل، وحفظ النوع، إلى أن يكون إبداع المرأة وشعرها ملاذا لهموم العرب، واستنطاقاً لأشواقهم، وتجسيداً لأفعالهم على لسان المرأة، وبإبداعها.
• شعور المرأة بمكانة إبداعها، أعطى لها الجرأة في أن تتقدم لمنافسة الشعراء، في قبة النابغة، وأن تحاور الناقد، والشعراء.
• مع إن رسالة عكاظ واضحة في تقدير واحترام إبداع المرأة، كما أشرت إلى ذلك في الأمر الأول، إلا أن الحس الذكوري لا زالت له منافذه التي تتسرب إلى النابغة، ولذلك قال لها \" لولا أن أبا بصير أنشدني قبلك، لقلت إنك أشعر الناس. أنت أشعر من كل ذات مثانة\". وكأنه أراد أن يقصر تميزها الذي لمسه، وكاد أن يطلقه، ويجعلها أشعر الناس؛ فقصر ذلك التميز على النساء فقط. ووعت الخنساء الأمر، وعرفت أن تميزها الشعري على النساء فقط ليس ليس بذي بال، خاصة أن شعر المرأة عند العرب إزاء شعر الرجل محدود .. ولذلك جاء ردها \" .. والله ومن كل ذي خصيتين..\".
• أن رد الخنساء على النابغة، لا يحمل فقط رغبتها في اتساع مساحة تفوقها لتشمل الرجال، بل يشير إلى احتجاجها، على تصنيف الإبداع، وأن الشعر لا يفصل في التميز فيه بين رجل وامرأة.
وفي ختام هذه المناقشة لهذا الخبر، وما يرتبط به من سباقات نستطيع أن نؤكد على أن عكاظ أرادت أن تحمل البذور الأولى للتفكير في الإبداع الشعري، وأسباب التمايز فيه، وتوجيه الطاقات المبدعة إلى استثمار فعلها، وصنائعها في الارتقاء بالذوق العربي، وبالعقلية العربية، وتحويلها من فتنة الحرب إلى فتنة القول.
وما بلغته سوق عكاظ من تلقٍ متميز للكلام، وسماع الجديد، والتهيؤ لاستقبال الإعجاز القرآني فيما بعد، كان محفز للرسول محمد  أن يبلغ رسالته في ذلك السوق، حيث كان يقول \" يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا\". وكانت قريش تدرك سريان الخبر في عكاظ، وتدرك شأن التلقي في ذلك السوق، فكان يتبعه رجل يقول : \" إن هذا يريد أن يصدكم عن آلهتكم\" فكان ذلك الرجل أبا جهل. ( )

بهل الغادرين:
ويبدو أن إقامة عكاظ بالأشهر الحرم، والاتفاق الضمني بين العرب على أن تكون لهذا السوق حرمات وتقاليد لا تنتهك، يبدو أن ذلك سرب اعتقادات لدى مرتادي السوق بإجلال لهذا المكان، وأنه أصبح ذا حرمة يحرسها الله عز وجل، فتجدهم يتناقلون أخباراً تذكر عقوبات حلت بمن أساء في السوق، فهذا يزيد بن الصعق ينقلون أن سبب تسميته بذلك، أنه صنع طعاماً فأصابته الريح فسبها، فضرب بصاعقة ( ).
وبلغ من اعتقاد العرب في ذلك، أنهم كانوا يبهلون في عكاظ من غدر بهم، أي يتجهون إلى الله بالدعاء عليه. فهذا رجل من هذيل، يغدر به حيُّ آخر من هذيل يدعو (بنومؤمل)، حين جاروهم ولجأ إليهم، وقد سألهم واحد منهم يدعى رياح الوفاء، ورعاية حرمة الدين والعرض، قائلا : \" أن هذا لا يحل لكم في دينكم، ولا يجمل بكم في أعراضكم فانزعوا عن ظلم جاركم وابن عمكم\" فأبوا عليه، فأمهلهم حتى دخل الشهر الحرام، ونزل الناس عكاظ، فقام قائما فبهلهم فقال :
يا رب أشقاني بنو مؤمل
بصخرة أو عرض جيش جحفل
فارم على قفانهم بمنكل
إلا رياحاً إنه لم يفعل

فقض الله عليهم صخرة من سواء الجبل في الليل، فجعلت تقض الحجارة، وجعلت الحجارة يقض بعضها بعضاً، حتى مرت بأبياتهم فأرمدتهم، إلاخباء رياح له يدن منه حجر .. وقد قص ذلك على عمر بن الخطاب  فتعجب منه ( ).
ويقترن بهذه الحكاية، حكاية أخرى، ترتبط بعكاظ، وبالدعاء فيه، ففي سياق هذه الحكاية قال رجل من القوم الذين حضروا مجلس عمر بن الخطاب : ألا أحدثك يا أمير بأعجب من هذا أو بمثله قال ما هو؟ قال : قيس بن العجوة الهذلي، ظلمه أبو تقاصف الخناعي، فقال : يا أبا تقاصف، أنصفني من نفسك وأعطني الحق فقال : والله أنصفك من نفسي ولا أعطيك الحق! فأمهله قيس بن الفجوة حتى دخل الشهر الحرام، ونزل الناس عكاظ، فقام قائما فبهله :
يا رب كل آمن وخائف
إن الخناعي أبا تقاصف
فاقتله بين أهله ألالاطف
وسامعاً تهتاف كل هاتف
لم يعطني الحق ولم يناصف
في بطن كرٍ في صعيد زاحف

بين قنان العاذ والنواصف
فضرب الدهر من ضرب، فأقبل أبو تقاصف ومعه بنون له أربعة وإخوة تسعة، يحفرون كرا في المكان الذي سمى قيس بن العجوة، فكان قبرا لهم ( ) وتشعرنا هذه الحكايات بما أرادت أن تقيمه العرب في عكاظ للكلمة، فهي أن حملت مفاخراتهم، وحلت نزاعاتهم، وكان فيها الارتقاء الذهني والثقافي الذي أشرنا إليه سابقاً، فقد أراد العرب أن يعطوا هذه الكلمة مجال الفصل وقضاء الحقوق، ولذلك كان الدعاء بعكاظ ملتقى العرب، هذا الدعاء الذي تصنعه الكلمة، وكانت الحكايات التي تشيع نفاذ ما طلبته كلمات الدعاء.

قس : مخاض بياني جديد :
جاء خبر قس بن ساعدة، وإلقائه الخطبة بعكاظ في مصادر متعددة( ) . وقد اتصل خبره بالرسول محمد  ، وقد نقل البغدادي ذلك على النحو التالي : ففي سيرة ابن سيد الناس بسنده إلى ابن عباس قال : قدم الجارود بن عبد الله، وكان سيداً في قومه على رسول الله  فقال : والذي بعثك بالحق لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول؛ فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله. قال : فآمن الجارود وآمن من قومه كل سيد. فسر النبي  بهم، وقال : يا جارود، هل في جماعة وفد عبد القيس من يعرف لنا قساً؟ قالوا كلنا نعرفه يا رسول الله، وأنا من بين يدي القوم كنت أقفو أثره، كان من أسباط العرب، فصيحاً عمر سبعمائة سنة، أدرك من الحواريين ابن سمعان، فهو أول من تأله من العرب، كأني انظر إليه يقسم بالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله، وليوفين كل عامل عمله؛ ثم أنشأ يقول :
هاج للقلب من هواه ادكار وليـــــال خلالهن نهــــــار
في أبيات آخرها :
والذي قد ذكرت دل على الله نفوساً لها هدى واعتبار
فقال النبي  : على رسلك يا جارود، فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أورق، وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه. فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله، فإني أحفظه : كنت حاضراً ذلك اليوم بسوق عكاظ فقال في خطبته : يا أيها الناس اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا إنه من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت .. إلى آخر ما أورده من الوعظ .. انتهى.( )
وكان الجاحظ قد تحدث عن قس بن ساعدة في حديثه عن خطباء العرب، فذكر أن من خطباء إياد قس بن ساعدة، فقال : \" وهو الذي قال فيه النبي  : \" رأيته بسوق عكاظ على جمل أحمر، وهو يقول : أيها الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا. من عاش مات ، ومن مات فات ، وكل ما هو آت آت\" ( ) ثم استطرد الجاحظ إلى ذكر مقاطع من هذه الخطبة.
وقد ذكر هذا الخبر أيضاً الأصفهاني، فذكر أن قس \" خطيب العرب وشاعرها ، وحليمها وحكيمها في عصره، يقال : أنه أول من علا على شرف وخطب عليه. وأول من قال في كلامه : أما بعد، وأول من أتكأ عند خطبته على سيف أو عصا\"، ثم قال : \" وأدركه رسول الله  قبل النبوة ورآه بعكاظ فكان يأثر عنه كلاما سمعه منه وسئل عنه فقال : \" يحشر أمة وحده\". ( )
ويهمنا من خبر قس وخطبته الإشارة، ونحن بصدد التاريخ الثقافي لسوق عكاظ الإشارة إلى أمور عدة :
(1) حضور عكاظ في الخبر :
تحضر عكاظ احتضانا للخبر، يظل ملتصقا به، ومحرضاً للذاكرة، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام \" ما أنساه بعكاظ\" يشير إلى قوة عكاظ في التدليل على تذكر الخبر، واسترجاع ملابساته، وأن الخبر الذي ينسب إلى هذا المكان، يكون مستطيراً في الناس، وأن عكاظ مجال استرجاع للذاكرة الثقافية، حتى أن الرسول محمد  الذي جاء بالإسلام، لم يجد أن العودة إلى هذه الذاكرة الثقافية، التي انطلقت من هذا المكان الذي شهد جموع العرب، وقاصديه، تزاحم ما جاء به، بل وجدها استدلالاً على ذكر كلام استحسنه، من رجل استطاب ذكره، في سوق شهد خطبته.
(2) جريان هذه الخطبة وخبرها مع الرسالة التي اضطلع بها سوق عكاظ:
تمت الإشارة سابقاً إلى أن عكاظ أرادت أن تحمل ثقافة متجددة، تعين العرب على نبذ حياة التشرذم والتمزق، وأن تتجه إلى ما يرتقي بالذوق، وينمي فيها الحس الحضاري، والوعي بالأفكار الواسعة الأشمل من تزاحم على ماء، أو كلأ، أو رؤية الوجود في شفاء غل، أو الأخذ بثأر فجاءت هذه الخطبة التي ألقاها قس بما فيها من دعوة للتدبر في ملكوت الله في هذا الكون، وارتباط حركة الكون بمصير الإنسان، ناقلة العرب إلى الفكر الشمولي، الذي ستسقبله مع تباشير الإسلام، ولذلك كان ما نسب إلى قس في هذه الخطبة من قوله \" يقسم قس بالله قسما لا إثم فيه أن لله دينا هو أرضى له وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، فطوبى لمن أدركه فاتبعه، وويل لمن خالفه\". كان هذا القول من قس أو نسبة ذلك إليه – لا فرق – يؤكد على ما لعكاظ من رؤية في الثقافة العربية وتاريخها، جعلتها المكان المهيأ لقيادة العرب إلى التحول الذي يأخذ مداه الأوسع، وتغييره، في الإيمان برسالة محمد  .
(3) رفع رسالة الخطبة إلى امتداد تاريخي سابق، ودفعها إلى امتداد لاحق:
حين يقرن الخبر الحامل للخطبة قس بتاريخ طويل، يعلو على الإدراك، فيجعله يعمر سبعمائة سنة، ويتصل بسمعان أحد الحواريين .. فإن ذلك يشير إلى رغبة من الراوي، والمدون، في الثقافة العربية إلى رسم جريان ثقافة دينية ، متصلة بالأنبياء وحواريهم، ليجسد ذلك ما رامته الثقافة من صنع عكاظ لتحول في الثقافة العربية، يقوده مثل هذا الرمز الذي أوتي فصاحة الكلام، فأراد هذا الخبر أن يقرن تأثير الامتداد التاريخي لهذا الرجل، ولهذه الأفكار مع الفصاحة ليتسق ذلك من تأهيل سوق عكاظ للتحول التاريخي الذي جاء به الإسلام، وقد كان ذكر الرسول  للخبر، ورغبته في أن يستعيد سماع الخطبة فأعادها عليه أبو بكر  الذي كان حاضراً بالسوق يوم الخطبة، كان ذلك تقديراً لمكانة هذا الرجل، وقيمة أفكاره، ودفعاً لها للامتداد في الثقافة الإسلامية، وقد أكد ذلك ما جاء في الخبر من أن الرسول  قال \" يرحم الله قساً، إني لأرجو أن يبعث يوم القيامة أمة وحده\".( )

(4) الأوليات المنسوبة إلى قس بن ساعدة والتقاليد الجديدة :
حين ننظر إلى الأوليات التي ألحقتها الثقافة العربية بقس، والمتمثلة كما تروى المصادر في :
• أنه أول من علا على شرف وخطب عليه.
• أول من اتكأ عند خطبته على سيف أو عصا.
• أول من خطب على الراحلة.
• أول من قال في كلامه ( أما بعد).
نجد أن ذلك يشير إلى قيادة سوق عكاظ لتقاليد جديدة في الثقافة العربية فهذه التقاليد، على الرغم من شكليتها فإنها تشير إلى دلالات ما أحدثه هذا السوق، وما ثقفه من القادمين إليه، وما يجري فيه، فسجلت هذه الأوليات، التي أشارت إلى تميز الخطيب، لتميز ما يقول، فكما أشرنا سابقاً إلى تميز الناقد حين تضرب له قبة مميزة ، ويعقد فيها جلسة الاستماع والحوار، نجد قساً إما أن يخطب على شرف، أي مكان مرتفع، فيكون ذلك له منبراً، أو يخطب على راحلته (جمله الأورق) أو (الأحمر) .. وكان ذلك يشير إلى التصاق الخطيب بالمكان المشرف، وتميز المكان، فكأنه يريد أن يستثمر علو المكان ليس لإسماع الناس فحسب، بل للإشارة إلى أن المكان مجال استنباط وعبرة، وأن المكان أيضاً مجال استثمار، فلا يكون للتطاحن والحرب، وإنما يكون لنفع الناس، وإيصال الخير لهم، وتهيئة التأمل، والفكر لهم.
وكأن الراحلة أيضاً ليست هيئة تنافس في سباق، أو إثبات وجود بامتلاك، وإنما هي ناقلة فكر وتأمل.
وفي الاتكاء على العصا أو السيف نجد الإشارة التي تؤكد على اتخاذ أدوات الصراع، والحرب، والتسلط، مسخرة لانسياب التفكير، وطلب الهدوء فكأن ذلك تحويل للوجهة إلى الفكر والتوحد، ونبذ التمزق والصراع.
وأما قول \" أما بعد\" فكان يؤسس لتقليد، يبدأ منه الخطيب من مرجعية مشتركة بينه وبين سامعيه، فيها يُذَكِّر بالمشترك بينهم من توحيد وثناء على الله عز وجل، وتبصر في الكون، ثم البدء في النص الجديد الذي يريد أن يسمعهم إياه، فيقول : \" أما بعد\".
وإذا انتقلنا من هذه الأوليات الشكلية إلى أوليات أخرى، تتعلق بشخصية قس، وفكره، وتألهه فإنا نجد أن هذه الأوليات تشير إلى \" أنه أول من آمن بالبعث من أهل الجاهلية، وأظهر التوحيد بمكة، وهو أول من حرم في الجاهلية الخمرة والسكر والأزلام\" فإنا نلحظ من ذلك الذي ينسب إليه ومن ارتباطه بعكاظ، ما كانت تحمله عكاظ من ارتقاء فكري، واستحداث لعقلية جديدة، ومهاد للرسالة الخاتمة التي سيحملها محمد ، وسيبلغها وأصحابه، والمسلمون من بعده إلى العالم أجمع.
وهذا الذي ينسب لقس من حديثه وخطبته في عكاظ، ورواية الرسول  لخبره جعل الجاحظ ينظر في ذلك، ويتدبره، ويحس بالشرف الذي بلغه قس بن سعادة، وحققه لقومه، فقال \" ولإياد وتميم في الخطب خصلة ليست لأحد من العرب، لأن رسول الله  هو الذي روى كلام قس بن ساعدة، وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته، وهو الذي رواه لقريش والعرب، وهو الذي عجَّب من حسنه وأظهر من تصويبه\". ثم يثمن الجاحظ هذا الشرف والرفعة فيقول \" وهذا إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال\"، ( ) ولا يغفل الجاحظ عن النقلة في كلام قس للعقلية العربية، فيقول :
\" وإنما وفق الله ذلك الكلام لقس بن ساعدة لاحتجاجه للتوحيد، ولإظهاره معنى الإخلاص، وإيمانه بالبعث، ولذلك كان خطيب العرب قاطبة\". ( )
ولذلك أصبح قس بن ساعدة رمزاً ملتصقاً بعكاظ، حين يقول شاعر من إياد : ( )
فإنك ضحاك إلى كل صاحب
وأنطق من قس غداة عكاظها
ويحرص بنو إياد إلى أن يفخروا باستمرار ذلك الشرف فيها، فيشير هذا الشاعر إلى الخطيب عذرة الذي يقول فيه :
إذا شغب المولى مشاغب معشر
فعذرة فيها آخذ بكظاظها
وقد نقل الجاحظ افتخارات أخر ، لبني إياد، وعلق على أحدها، قائلاً :
\" فلم يضرب هذا الشاعر الإيادي المثل لهذا الخطيب الإيادي إلا برجل من خطباء إياد، وهو قس بن ساعدة. ولم يضرب صاحب مرثية أبي داود بن حريز الإيادي المثل إلا بخطباء فقط، ولم يفتقر إلى غيرهم حيث قال في عذرة بن حجيرة :
كقس إياد أو لقيط بن معبد
وعذرة والمنطبق زيد بن جندب\" ( )
وهنا نجد العرب إزاء قس، وإزاء اقتحامه عالم البيان بفن الخطابة، وإحداثه تقاليد جديدة فيه .. نجد العرب أصبحت تقدر فن الخطابة، وتصيخ لبيانه، وتعتد بقدرات أربابه.. فكأن قساً باشتهاره في الخطابة، وشقة لهذه التقاليد، قد أحدث للعرب باباً يتفاخرون به، فلذلك وجد الشاعر في افتخاراته عالم الخطابة، وأفرادها المشهورين من إياد مجالاً لفخره، فيفخر وهو الشاعر بالخطباء لا بالشعراء، مما يشى بتحول في تقدير قيمة الخطابة، ووصولها إلى الدرجة التي سكت فيها الشاعر عن الشعراء، وفخر بالخطباء .. وكأن ذلك أيضاً تهيئة لاستقبال العرب لقول من باب مختلف غير الشعر، هو القرآن الكريم الذي سيأتي به محمد .











الفصل الثاني
رمزية عكــــــاظ الشعرية


عكاظ بين الدلالة والرمزية
لا أنسى مقولة أستاذي التي كان يرددها – عن أستاذه – \" أول التجديد قتل القديم فهما\" ( ) فهل قتلنا قديمنا فهما؟!
الآن تبدو هذه المقولة ماثلة أمام عيني، ونحن نستدعي طقسا ثقافياً في ذاكرتنا العربية .. هذا الطقس الذي أسهم في تشكيل تلك الذاكرة، ورسم أبعادها على مستويات عدة : شعرية ، ونقدية ، ولغوية، واجتماعية.
ما أحوجنا إلي عكاظ في هذا الزمن، الذي يبحث فيه الجميع عن هوية، وعكاظ ركن ركين في تشكيل هويتنا، فقط علينا إنعاش ذاكرتنا؛ حتى نراها ماثلةً أمامنا .. تتجاوز التخيل إلى الحقيقة، وتعلو فوق الفكرة لتصل إلى مستوى الوجود، علينا فقط أن نجلو الصدأ .. نزيل الركام؛ حتى نكتشف جوهر المعدن الأصيل من جديد؛ فنستدعي هويتنا التي تكمن في تراثنا وهي قمة هذا التراث وقيمته ؛ بما تستحضر من نخبة العرب، وعوامهم .. بما تقيمه من احتفاء للنصر والشعر.
لقد تجاوزت عكاظ حدود المكان ، فصارت موجودة في كل مكان يعتنق العربية لغة، ويخرجها إبداعاً .. إنها رمز الإبداع وصومعة اللغة، فقديما قالوا : إن القصيدة التي لم تقل في عكاظ ليست بقصيدة، ولعل القصيدة تستدعى إلى الذهن القصد والتوجه، فقصدها الشعراء بقصائدهم؛ حتى يصيروا شعراء، وكأنها المعبر الذي ينتقلون – خلاله – من حياة إلى حياة : من حياة المغمورين إلى حياة المشهورين، من حياة الشعبيين إلى حياة النخبويين، وكلهم أمل في أن تضرب لأحدهم قبة مثل قبة النابغة، وكأن عكاظ تقدم تأويلاً خاصاً بها لمفهوم النخبة، وتعلنه : (النخبة مزيج من الشعر واللغة .. اللغة التي يتحدّثها كل الناس، ويدرك سرها بعض الناس)، وبعض الناس هم الشعراء، فصارت عكاظ ملتقى النخبة والشعبيين في وقت واحد، وكأنها تجمع الناس على كلمة شعر، فجمعت كل الأماكن في مكان واحد. ومن ليس عنده عكاظ شاكل عكاظ، وصنع لنفسه عكاظه الخاص فتجاوزت حد الواقع إلى حد الرمز .. رمز التفوق والنبوغ.
تجاوزت عكاظ حدود الزمان، ولا تزال تداعب مخيلتنا، وتخاطب عقولنا حتى الآن، فعكاظ ليست فترة زمنية كانت، ولكنها حاضرة في قراءتنا .. في كتابتنا .. في حديثنا.
إن الاكتناز الدلالي الذي تزخر به عكاظ يتساوى مع اكتنازها القيمي وتمكنها من العربية في القديم، والحديث : ففيها الحرب، والاحتشاد، والتجمع، والمماحكة والمشاكسة، وكأنها نقلت الصراع المادي عند العرب إلى صراع فكري – أو كما قلنا – غيرت مفهوم الحرب حتى تنتصر على الحرب والاقتتال بين القبائل.
ولعل هذا الاكتناز الدلالي هو الذي جعل الشعراء يتناولون عكاظ على أكثر من وجه ، وينظرون إليها نظرات متفاوتة، ويربطون بينها وبين أمور عدة، فأصبح الاكتناز الرمزي عند الشعراء معادلا للاكتناز الدلالي عند اللغويين، فتعددت رمزية عكاظ الشعرية كما تعددت معانيها.

أولاً : رمزية الحرب
تشكل الحرب معلما فارقا في حياة العربي القديم، فتكاد موضوعات الشعر العربي القديم وسياقاته تتمحور منها وإليها، إذ إن الأغراض الأساسية في الشعر العربي وهي : الحماسة – الوصف – الفخر – المدح – الهجاء – الرثاء، تتواشج مع الحرب في صورة من صور تَمَلُّك العادة أو الطقس من الذهنية العربية، مما أدى إلى أن تنضح المشاعر والعقل واللغة ببخار هذا الطقس الذي طال كل شيء في حياة العربي القديم.
ولا تقف عكاظ بعيدا عن هذا الفضاء، فإذا كانت ترتبط بالحرب دلالة، فإنها ترتبط به فعلا وواقعا في صورة من صور الاكتناز الرمزي، حيث تجمع الحرب في جعبتها بين المدح والفخر والشجاعة ، في كنف عكاظ ، فصارت الحرب ـ غالباً ـ تشكل المرتكز الدلالي ، وكذلك المرتكز الرمزي في عكاظ0
نرى ذلك في المواجهة بين النابغة الذبياني (18 ق0هـ ) وزرعة في صراعهما معا، ذلك الصراع الذي لا يعدم المقدمات المؤدية إليه، أو نقاط الوثوب التي تفضي إلى ذلك الصراع، عندما ينطلق النابغة من مركزية عكاظ ليقلل من شأن خصمه، ويصمه بالسفاهة والدونية، متخذا من عكاظ محورا لإثبات التفوق علو الشأن عندما يخاطبه قائلاً :
أرأيت يوم عكاظ حين لقيتني تحت العجاج فما شققت غباري ( )
وتترجّح عكاظ في هذا البيت بين الدلالة والرمزية، حيث تستدعي المفردةُ سوقَ عكاظ الأدبي، و تستدعي واحدةً من المعارك والأيام المشهورة في حروب العرب، وهو يوم عكاظ . من هذا المنطلق يرى النابغة في عكاظ مجالين- لا مجالا واحد – لإثبات الفخر والتفوق :
- على مستوى الأدب، فالنابغة واحد من المفوهين في تاريخ الشعر العربي القديم، كما أنه محكم مشهور في سوق عكاظ، وخيمته مضربها في السوق معروف ، ويقصدها الشعراء للحصول على الإجازة الأدبية من النابغة، أو الإذن بالدخول إلى حياة النخبة إذا أقرَّ لهم تفوقهم في الشعر0
فالصراع هنا صراع مزدوج بين النابغة وزرعة من ناحية، وبين الشعراء المتقدمين إلى النابغة من ناحية أخرى لأجل الانتقال إلى حياة تتصارع مع حياة سابقة عليها، ولا يكون تغلب إحداهما على الأخرى إلا من خلال خيمة النابغة في عكاظ ، فكل هذه الكوامن في سياق الصياغة تستدعي رمزية الحرب ... الحرب الكلامية.
- كما يستدعي السياق نفسه الحرب بمفرداتها وأدواتها .. الحرب المادية بمعنى القتال، وذلك من خلال مفردتي: العجاج ـ غبارى، وهكذا فإن النابغة يثبت لنفسه شجاعة في ميدان القتال لا نعرفها عنه،وعلى ذلك – رغم هذا الاستدعاء المادى – فارتباط عكاظ في هذا السياق بالشعر أقوى من ارتباطها بالحرب، أو أن ارتباطها بالحرب الكلامية أقوى من ارتباطها بالحرب المادية، ويصبح العجاج في تلك الحال معادلا أو رمزاً للاحتشاد والتجمع في عكاظ، كما يصير الغبار غبارا رمزيا،يقصد به تفوق النابغة في المجال الأدبي.
وإن كان الأمر لا يعدم الربط بين الحرب والشعر على وجه الإطلاق، عندما يربط النابغة صراحة بين عكاظ الحرب، وعكاظ الشعر في قوله :
فلتأتيَنْك قصائد ، وليَدْفعن جيشٌ إليك قوادمَ الأكوارِ ( )
وهنا ينتقل الصراع من مستوى الفكرة إلى مستوى اللغة من خلال الحوارية المتخيلة بين الراوي (النابغة)،والمخاطب المفقود(زرعة) 0 وقد عمد النابغة إلى أداء الدورين في وقت واحد فيتحدث عن نفسه ، ويروى عن الآخر، وكأنه يعمد إلى تغييبه حواريا، بحيث تصل صورة زرعة إلى الناس كما يريدها النابغة أن تصل0 فنحن أمام شخصيتين متناقضتين الذات الحاضر/المتكلم/النابغة ، والآخر/الغائب /المخاطب/زرعة ، فترمز الأولى للعلو والاكتمال و الأخرى للانحدار والنقص.
ولا تقف رمزية عكاظ عند إتيان التفوق، ولكنها تقترن بالاستصراخ أو الاستنقاذ اعتماداً على شهامة العربي، واستعداده الدائم للحرب نتيجة ظروف البيئة القاهرة، وهذا ما نراه عند طريف العنبري عندما يقول:
أو كلما وردت عكاظَ قبيلةٌ
فتوسموني إنني أنا ذا كم
تحتي الأغرُّ وفوق جلدي نُثرَةٌ
حولي فوارسُ من أُسَيْد شجعةٌ
بعثوا إلىّ رسولَهم يتوسمُ
شاكٍ سلاحي في الحوادث معلمُ
زعْفٌ تردُّ السيفَ وهو مثلمُ
وإذا غضبتُ فحول بيتي خضّمُ ( )

إن عكاظ هنا لا تقف عند حدود المكان، ولكنها تتجاوزه و تصبح رمزاً لكل معركة حربية، وكأنها صارت بذلك رمزاً دائماً لإثبات شجاعة طريف، وشجاعة كل فارس، فلم تعد رمزيتها حكرا على المكان، ولكنها تجاوزت المكان إلى الزمان، من خلال إيحاء الديمومة والاستمرارية الكامن في بداية الأبيات من خلال (أو كلما) بما فيها من ارتباط شرطي بين فعل الحرب، وفعل الاستصراخ أو الاستنقاذ.
وتتجاوز رمزية عكاظ الحرب إلى الفخر أيضاً من خلال الأبيات السابقةعندما يقدم طريف دواعي استصراخه والاعتماد عليه في الحرب فهو فارس متهيئ دائماً، وله شهرته في الحروب فيقول :
فتوسموني إنني أنا ذا كم
تحتي الأغر وفوق جلدي نثرة
حولي فوارس من أسيد شجعة
شاك سلاحي في الحوادث معلم
زعف ترد السيف وهو مثلم
وإذا غضبت فحول بيتي خضم( )

ونلاحظ أن عكاظ تمثل القاعدة أو المنطلق الذي تبدأ منه دراما الموقف ، وما يرتبط به من فخر0 فكأننا أمام خط طولي للأحداث:
عكاظ  القبيلة  الرسول  طريف  عكاظ0
فكما كان طريف حاضراً في الذهن قبل عكاظ في بداية الأحداث، فإنه حاضر بالفعل قبل نهايتها، وهو يفتخر بنفسه ، معددا مظاهر شجاعته التي تؤدي به إلى عكاظ0 فكأن عكاظ تمثل البدء والانتهاء في هذا الموقف العسكري ، الذي يتحدث عنه طريف العنبري0
وترتبط عكاظ بالثأر على مستوييه : المادي والمعنوي، كما نرى عند مالك الهذلي ، وهو يمتدح طاعة بنى لحيان لشيخهم، وعزمهم على الثأر في عكاظ ، وكان الكرامة والشهامة مرتبطة بالثأر كما نرى في قول مالك :
أبأنا بيوم العجر يوماً بمثله
فقتلَى بقتلاهم ، وسبياً بسبيهم
غداة عكاظ بالخليط المفرق
ومالاً بمالٍ عاهنٍ لم يفرق ( )

يلفتنا هنا أنهم تدرجوا في إدراك ثأرهم من خلال المساواة الدلالية بين أركان الثأر المادي الثلاثة: القتلى – السبايا – الغنائم – 0هذه المساواة الدلالية تتساوق مع المساواة المادية في القتل والسبي والغُنْم، وما يتركه ذلك من أثر معنوي متمثل في المهانة وضياع الكرامة، وهو شعور متبادل عند طرفي الثأر، وإن كان قد أصبح طي الغياب عند بني لحيان ، فإنه قد صار حاضرا عند أعدائهم، وكأنه هو المحرك الأساسي لإدراك الثأر في عكاظ ، التي تشهد سَوْقَ الأسرى مكبلين ماديا ومعنويا كما يقول مالك الهذلي :
فيبرح منهم مُوثَقٌ في حبالنا
مكبلةٌ قد خرَّق السيفُ حقوَها
وعَبْرَى متى يذكر لها الشجو تشهق
وأخرى عليها حقوُها لم يخرق ( )

فشعور الذل والمهانة عند الأعداء يسير من الخارج إلى الداخل، فهم مُكَبّلون جسديا، ومكبلون شعوريا ومعنويا لدرجة أنهم لم يستطيعوا أن يبكوا هزيمتهم وقتلاهم، وربما تحبس داخلهم دموعهم ؛ حتى تؤدى بهم إلى الموت خزيا وعارا.
ولا تقف حدود الذل عند ذلك ولكنها تتجاوزه إلى الخزي والعار الناتج عن أثر الحرب0 ويرتبط هذا الشعور بعكاظ كما في قول وهيبة بنت عبد العزى :
متى تردوا عكاظَ توافقوها
أجيرانَ ابنِ ميةَ خَبّروني
تَجَلّلَ خزيَها عوفُ بن كعبٍ
بأسماعٍ مجادعُها قصارُ
أَعَيْنٌ لابن مية أو ضمارُ
فليس لخلعها منه اعتذارُ ( )

فعكاظ هنا تلعب دور الشاهد على تلك المواقع ، وهاتيك المساجلات الحربية الدائرة بين القبائل ، بما يتمخض عنها من أثر مادي ومعنوي – كما أشرنا – وإن كان حضور الخزي في نص بنت عبد العزى حضوراً قويا لا مفر منه ولا مهرب.
يتجلى الأثر المادي في الآذان الطائشة عند الأعداء التي بترتها سيوف الحرب، وما قد يترتب عليها – من وجهة نظر الشاعرة – من عاهة مستديمة، تشهد عكاظ على وقوعها وبقائها .. وما ترتب على تلك العاهة من شعور ملاصق لعوف بن كعب ـ بالخزي والعار، أشبه بثوبه الذي لا يفارق جسده، فإن كان يستطيع أن يحيا عاريا، يستطيع في الوقت ذاته أن يحيا دون خزي أو عارٍ، والأمران كلاهما مستحيل طبقا للسياق.
وتتجاوز عكاظ في هذا النص رمزية الخزي والعار إلى رمزية الإعلان والتشهير، إذ تحولت إلى وسيلة من وسائل الإعلام، أو أصبحت مكاناً لتجريس المهزوم، ورفعة المنتصر، وما بينهما من مشاعر و خوالج نفسية ، تترّجح بين الفخر والمهانة0
كما وقفت عكاظ شاهداً علي شجاعة جيوش القبائل العربية ، تقف شاهداً علي شجاعة الإنسان الفرد ، عندما يفتخر القتّال الكلابي(70 هـ) بأبيه وأرومته قائلاً :
وإذا تُرُوفدت الخطوبُ وجَدْتني
فأبى الذي حبس الضبابَ وقد غدتْ
وتطايرت عبس فأصبح منهم
وأتى عكاظ فقال إني مانع
وأبا أبى وأبى عظِيمِي المرفد
عُصَبا تجهَّز للنجاء الأجرد
وادى الدواهن خاليا لم يورد
يا ابنَ الوحيد عكاظَ فاذهب فاقعد ( )

تلعب الصورة في بداية البيت الثاني مفتاح الرمزية في هذا المشهد الافتخاري (فأبى الذي حبس الضباب) ، حيث تلعب (الضباب) دورين : أحدهما حقيقي وهو الضباب في الأفق وهذا يعني أن شجاعة أبي القتال قد تجاوزت الأرض ،وبلغت مجاز الأفق لدرجة كبيرة من التحكم في حركة الضباب، فصار والده أشبه بالرياح التي تحركه من مكان إلى مكان، وهو ما يخلع على قوته وشجاعته صبغة أسطورية.
والآخر : مجازي وهو الضباب كناية عن تراب الحرب ، والأثر الناتج عنه من حجب للرؤية0فكأن أباه قد حبس جيشاً بأكمله، وهو فرد مقاتل يحمي حمى عكاظ في هذا الموقع0
فالإنسان العربي القديم يحمي عِرضه وأرضه، وكأن عكاظ صارت عِرضا يجب عليه منعته وحمايته من الأعداء، وقد يصل إحساسه بالشجاعة حد الغرور أو المبالغة غير المقبولة ؛ لدرجة أنه لا يريد أحدا معه، ويطلب من الاخرين ألا يشاركوه القتال بل عليهم أن يناموا.
اقترنت عكاظ في العصر الإسلامي بالرغبة في التصالح والجنوح إلى السلم كما جاء عند النابغة الجعدي (54 ق0هـ ـ 50هـ) في قوله :
ألم تعلموا ما ترزأ الحربُ أهلَها
لها السادةُ الأشراف تأتي عليهمُ
وعند ذوي الأحلام منها التجاربُ
فتهلكُهم، والسابحاتُ النجائبُ

حتى يقول :
وقالوا نُحالف صامتا ومزاحماً
تلاقي ركيبٌ منكم غير طائلٍ
عليهم نصاراً ما تفرّد راكبُ
إذا جمعَتْهم من عكاظ الجباجبُ ( )

يرى النابغة أن الحرب لا طائل من ورائها غير الهلاك، هلاك سادة القوم، ونجبائهم، وهذا ما جعله يدعو إلى المهادنة والجنوح إلى التحالف بدلا من التعادي، فالحرب ليست إلا أكذوبةٌ جوفاء مثل قرقعة الطبول : صوت أجوف يصم الآذان، كذلك الحرب هلاك ودمار، وهكذا فإن عكاظ – كما اقترنت بالحرب – تقترن هنا برفض الحرب وهو ما نراه أيضاً في قوله دريد بن الصمة ( 8هـ ):
تغيّبتُ عن يومَي عكاظَ كليهما
وإن يكُ يومٌ رابعٌ لا أعُد له
وإن يكُ يومٌ ثالثٌ أتغيبُ
وإن يكُ يومٌ خامسٌ اتنكبُ ( )

نحن أمام صوت مغاير لأصوات المجموع – آنذاك – ففي الوقت الذي يُعلى الجميع شأن الحرب، يرفضها الشاعر بعزم وإرادة وتصميم، وبذلك يصبح موقفه فعلاً مغايرا، وليس ردَّ فعل لموقف حادث، فعكاظ هنا رمز لقناعات دريد المتمثلة في رفض الحرب وإيثار السلام بدليل تغيبه أولاً : عن الحرب مرتين، وتكرار موقفه الرافض للحرب ثلاث مرات بعد ذلك ( ثالث .. رابع .. خامس .. ) ونحن نعلم أن خامساً تستدعي سادساً، وسادساً تستدعي سابعاً، وهلم جرا، الأمر الذي يعني الثبات على موقف رفض الحرب والاقتتال، والانتصار لموقف المصالحة والسلام طوال حياة الشاعر.
وبذلك صار عكاظ رمزا ورمزاً مغايرا في مطلع البيتين من خلال توظيف الفعل الماضي + ضمير المتكلم (تغيبت) الذي يجسد دالين متغايرين:
الأول : دالا حرفيا أو سطحيا وهو التغيب عن الحرب الحادثة والمستقبلية.
الآخر : دالا إيجابياً أو عميقاً وهو الحضور : حضور السلام المستشف من الغياب عن الحرب.
وتمثل عكاظ عند العرب رمزاً للمجد والفخر الدائم مقرونين بالحرب كما في قول عامر بن الطفيل (70ق0هـ ـ 11هـ ) ، مخاطبا أعداءه :
ويوم عكاظ أنتـم تعلمونه شهدنا فأقدمنا بها الحي مقدما ( )
فعكاظ أصبحت رمزاً للمجد والفخار في الماضي والحاضر من خلال التناوب في استخدام الأفعال :
- الفعل الماضي في معرض الحكاية (شهدنا فأقدمنا) .. إلى آخر الأبيات.
- الفعل المضارع في جملة الخبر (أنتم تعلمونه).
ونلاحظ أيضاً أن عكاظ تمثل بؤرة الحدث، ونقطة التقاء الحاضر بالماضي من خلال الفخر بما تعلق بالقبيلة في الأبيات السابقة على عكاظ ، وكأن عامرا يمهد لذكر عكاظ بما سبقه ، لأن عكاظ حدث جلل ويوم عظيم.


ثانياً: رمزية الاحتشاد والتجمع
سبق القول بأن عكاظ تحمل في رمزيتها اللغوية دلالة الاحتشاد والتجمع بوصفها مكانَ التقاء القبائل إما للقتال أو للجدال والتفاخر، ولم تغب هذه الرمزية عن الشعراء العرب وخصوصاً الأقدمين منهم، فها هو ذا أبو ذويب الهذلي (27هـ) يشير إلى ذلك في قوله :
تؤملُ أن تلاقيَ أمَّ وهبٍ
إذا بُنى القبابُ على عكاظ
تُواعدُنا عكاظَ لننزلنَّه
فسوف تقولُ إن هي لم تجدني
بِمَخْلَفَةٍ إذا اجتمعت ثقيفُ
وقام البيعُ واجتمع الألوفُ
ولم تعلم إذاً أني خليفُ
أَخانَ العهدَ أم أَثِم الحليفُ ( )

نحن أمام صورتين متغايرتين :
الأولى : صورة القوم وهم محتشدون ومجتمعون في عكاظ، يتبايعون ويتجادلون ويتلاججون ، وقد شغلتهم أمور دنياهم في عكاظ.
الأخرى : تقوم على قنص اللقاء بين الحبيبين من خلال انشغال القوم في عكاظ ، وكأن عكاظ تحمل الرمز (الاجتماع والاحتشاد)، والرمز المضاد (التخفي للقاء).
وتقوم هاتان الصورتان على حديث النفس (المونولوج) وحديث المحبوبِ المتخيلِ وجودُه حالَ انعقاد عكاظ.
ويلفتنا في هذه الصورة أننا أمام موضعين :
الأول : كبير وهو عكاظ ليتناسب مع احتشاد القبائل.
الآخر : صغير وهو (المَخْلَفة) التي تعني في لسان العرب الطريق ( ) حيث يلتقي أبو ذؤيب و محبوبته ، فنحن أمام صورتين حاضرتين، لا تُغَيِّب إحداهما الأخرى ، وتكتسب الصورة الخاصة مشروعيتَها من تحقُّق الصورة العامة.
كما يلفتنا أيضاً أن أبا ذؤيب يهوي التخلف عن عكاظ حال انعقادها، ليس بغضا أو تعففا، ولكن تحقيقا لمأرب عاطفي يسعى إليه، وكأن عكاظ إضافة إلى رمزية الاحتشاد والتجمع، قد صارت رمزاً للحب والمشاعر المختلفة، اعتماداً على ضوضاء السوق التي يمكن أن تحجب الأنظار عن المحبين.


ثالثاً:رمزية الفخر والمدح
ارتبطت عكاظ في ذهنية الشاعر العربي بالمدح الممزوج بالفخر أو بكليهما معا ، كما جاء عند الفرزدق (38ـ 110هـ) وهو يفتخر بقومه قائلاً :
أبي غالبٌ والله سمّاه غالباً
وصعصعةُ الخير الذي كان قبله
وَجَدّي عقالٌ من يكن فاخرا به
وعمي الذي اختارت معدٌ حكومةً
هو الأقرعُ الخيرُ الذي كان يبتنى
وكان جديرا أن يضرّ وينفعا
يُشرِّف حوضا في حيا المجد مُترعا
على الناس يُرفع فوق من شاء مرفعا
على الناس إذ وافَوا عكاظ بها معا
أواخيَ مجدٍ ثابتٍ أن يُنزعا ( )

فعكاظ هنا تمثل قمة هرم الفخر عند الفرزدق ، الذي تدرّج في فخره بقومه حتى وصل إلى عكاظ ، التي صارت قرين المجد والتقدم والرياسة التي لم تطلب، ولكنها تساق إلى صاحبها سَوْقاً كما فعلت معدٌ مع عم الفرزدق ، الذي اقترنت رياسته بعكاظ ، إما فخرا بشجاعته في الحرب ، أو إقراراً بتقدمه ورياسته وحكمه بين الناس في السوق.
ونلاحظ أن الفرزدق فخر بكل أصوله في بيت واحد، ولكنه فخر بعمه في بيتين اثنين، وكأنه أراد أن يقدم مبررات رياسته في عكاظ، كما نلاحظ استحضار هيبة المكان ، حيث إن القوم لا يَرِدوه دون حسم أمرهم وتقديمهم رئيسا أو سيدا عليهم قبل ورود عكاظ ، وكأن قيمة سيد قومه من قيمة عكاظ ، أو أن عكاظ تخلع قيمة على سيد قومه فوق قيمته ، وهذا ما جعل الفرزدق يقدم مبررات رياسة عمه في عكاظ من خلال البيت الأخير.
ولا تقف رمزية عكاظ عند حد الفخر ولكنها تنسل منه إلى المدح كما نرى عند صرّدر بن صرّبعر(465هـ ) وهو يشيد بكرم ممدوحه وبشمائله فيقول :
في كل يومٍ للمكارم عنده
وكأنما أموالُه مِن بذلها
سوقٌ عكاظٌ دونَها والموسمُ
نهبٌ بأيدي الغانمين مُقَّسّمُ ( )

والغريب هنا أن المدح يتخذ من عكاظ تُكأةً لتجاوز عكاظ ، فإذا تخيلنا الاحتشاد والاجتماع في عكاظ ، والقوم الذين يكثر عددهم ، تخيّلنا قيمة كرم ممدوح الشاعر، فكرمه لا يقف عند حد ولكنه يتسع للناس جميعاً ، ولو تجاوز عددهم مرتادي سوق عكاظ ، والحج أيضاً.
فرمزية عكاظ هنا تجاوزت عكاظ ، وصردر لا يعنيه المكان ، ولكن يعنيه الاحتشاد0وتأتي قيمة رمزية المدح عندما نعلم أن صردر كان أبناً لرجل بخيل ( ) فلا يقدر قيمة الكرم مثل بخيل0
ولا تتجاوز رمزية عكاظ المكان فقط ، ولكنها تتجاوز الحدث أيضاً على المستوى الأدبي والإبداعي ،عندما يرى أبو المعالي الطالوى (950 ـ 1014هـ ) في ممدوحه مثالاً لذلك التجاوز أوضَحه في بداية مدحه فقال :
صيّرتَ بدرَ النظم بعدك غارباً
وعلوتَ صهوتَه بثاقبِ فكرةٍٍ
لما امتطيتَ من البلاغةِ غاربَا
نظمتْ لكَ الزُّهرَ النجومَ كواكبَا ( )

فالطالوى ـ بدايةً ـ قد وضع ممدوحه في مكانةٍ ارتضاها له، مكانةٍ توارى بجانبها كلُّ ذي بلاغة أو إبداع، وكأننا نستحضر الصورة التي رسمها النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر في قوله :
فإنك شمسٌ والملوكُ كواكب إذا طلعتْ لم يبدُ منهن كوكبُ ( )
وبعد الانغماس في تفاصيل الصورة التي اعتمد الطالوى في رسمها لممدوحه علي الطبيعة ، هذه الصورة التي تناثر فيها الجمال بين المرأة واللغة والطبيعة ـ يصل إلى قمة الوصف عندما يقول عن بلاغة ممدوحه وتصنيف إبداعه :
وسَمت إلى الجوزاء فاستلبت حُلَى
ومشتْ فأزرتْ بالقضيب رشاقةً
يا حُسنها عربيةً لو ساجلتْ
أو طارحتْ قسّ الفصاحة لفظَها
ذاك النظامِ وقلدَتْه ترائبا
والظبى لحظاً والغزالةِ حاجبا
سحبانَ راح لذَيل عِىٍّ ساحبا
ما قام يوما في عكاظٍ خاطبا ( )

فهذه صورة تدريجية من أسفل إلى أعلى بدأها الطالوى من الأرض عندما امتطى الممدوح غارب البلاغة أو صهوتها فبلغ أثره السماء أو القمر0
وتدرجت هذه الصورة على المستويين :
- المادي عندما تدرج الطالوى في ارتفاع شهرة الممدوح وتفوقه من الأرض إلى السماء0
- المعنوي عندما وصل الممدوح قمة الإبداع ، وقد تفوق على رموز الأدب في عكاظ مثل سحبان بن وائل وقس بن ساعدة.
ولا يقلل ذلك التجاوز من قيمة عكاظ ، ولكنه يعضد قيمتها بوصفها مثالاً للأدب العربي الراقي في العصر القديم ، والإنسان لا يمدح إلا بالمثال، وإن تجاوزه فقد بلغ بممدوحه السنام 0 وهكذا الشاعر لا ينفصل عن ماضيه، ويستحضر صورا ونماذج عكاظية يرى مثاليتها.

رابعاً:رمزية الفقد
بعد فترة من قيام الدولة الإسلامية في الأندلس عانت اللغة العربية، والبيان العربي قدرا من الغربة والاغتراب ؛ نتيجة دخول أجناس أوروبية عديدة في نسيج الدولة آنذاك ، وقد وازى ذلك – زمنياً – ما حدث في الدولة العباسية في المشرق العربي، فقد رأينا الهمذاني و الحريري ينشئان المقامات ؛ للحفاظ علي اللغة العربية و البيان العربي ، كما هو ذائع في أحد تفاسير نشأة المقامات ن وهو ما يعني أن الأدباء و اللغويين كانوا يعانون من غربة اللغة و اغترابها0
وهذا ما نراه في بيئة الأندلس عندما يقول الشاعر الرصافي البلنسي 572هـ :
أبَنِي البلاغةِ فيمَ حفلُ النادي
أما البيانُ فقد أجرّ لسانه
عُرِشت سماءُ علائكم ما أنتمُ
هبها عكاظَ فأين قسُّ إيادِ؟
فيكم بفتكته الحِمامُ العادي
من بعدُ ذلكم الشهابُ الهادي ( )

تلفتنا بداية الأبيات عندما لجأ البلنسي إلى بنية النداء المضاف (أبني البلاغة) فلم يقل : (أبني العرب) مثلا، ولكنه ينسبهم لما شهروا به وعرفوا، فهم أهل بلاغة، ولكنه يتحسر على البلاغيين المفقودين، فالبلاغة قائمة ، والأدب قائم ، ولكن المبدعين يتقلصون، وعكاظ هي القمة وهي الرأس في ذلك ، إلا أن هذه القمة على وشك الضياع ، وذلك الرأس على وشك الحَذَََذ، وهذا ما جعله يشعر بالحسرة والفقد في ختام البيت ويسأل (فأين قسّ إياد؟) في إشارة إلى فقد الأديب الألمعي المتمكن.
ويستمر البلنسي في معاناة الفقد في البيت الثاني من خلال شفرته الكامنة في الفعل (أجرَّ) ( ) الذي يحمل معاني : الترك – التأخر – الطعن الذي قد يؤدي إلى القتل – ترجيع الأغاني كما جاء في لسان العرب لابن منظور.
والدلالات الثلاث الأولى ليست ببعيدة عن الدلالة الأخيرة، فالأولى تعني الفقد والضياع ، والأخيرة لا قيمة لها إن لم يكن ما تردده أو ترجعه شيئاً ذا قيمة، والدلالات كلها مرتبطة بـ ( الحِمام) 0 إنها أشبه بأغنية الموت السابقة على النهاية ، فالبلنسي يرثى ويؤبن.
ويصل إلى النتيجة في البيت الأخير حيث ضاعت هيبة البلاغة العربية، ولم يعد أصحابها ممن يُقتدى بهم في مجالهم0ويبقى التمني في بداية الشطر الثاني في البيت الأول أملاً ورغبة في عودة مجد عكاظ المفقود.
وإذا كان الرصافي البلنسي قد ربط رمزية الفقد في عكاظ بقضية عامة ، فإن عبد الكريم البسطي (897هـ) قد ربطها بقضية خاصة لصيقة بالرثاء أيضاً، عندما قال في رثاء ابن مفضل :
وعظ القلوبَ بموته ابنُ مفضل
وأني بما لم يأتِ إنذارا به
ومضى وخلَّف في الجوانح جمرة
لهفى عليه من مُصَلٍّ قانتٍ
ولَكَم غدا حيا من الوعاظ
قسُّ بن ساعدة بسوق عكاظ
أنحاؤها قد أُحرقت بشواظِ
للذكر معدودٍ من الحُفّاظ ( )

يلفتنا في هذه المقطوعة الشعرية التي تبلغ تسعة أبيات – أن عكاظ هي المحور وليس رثاء ابن مفضل ؛ بدليل قافية المقطوعة العكاظية، التي يبدو أن الشاعر كان مهموماً بها، وكان يستحضر صورتها قبل البدء في الرثاء بدءاً من قافية البيت الأول وحرف رويه.
ويقودنا ذلك إلى أن الشاعر لم يكن يعاني فَقْـدَ مَن رثاه فقط، ولكنه يعاني فـَقْد عكاظ أيضاً، وقد استحالت عكاظ في ذهنيته رمزاً لمجد عربي على وشك الزوال في الأندلس ؛ لأن الشاعر من معاصري نهايات الدولة العربية في الأندلس ، فكأنه يستشرف النهاية ؛ لأنه لم يعاصر السقوط.
إذا ما فقد الإنسان الأمل في الحاضر فإنه يستحضر الماضي، وهذا بعينه ما حدث للبسطي، فكأن فقَْـد ابن مفضل، كان المثير أو الدافع ، أو النقطة الممهدة لاشتعال الصراع النفسي داخل البسطي، ولا يوجد ما هو أعلى قيمة من رمز التفوق العربي : البلاغة العربية – عكاظ – قس بن ساعدة الأيادي0 فهو كان يبكي كل هؤلاء في بكاء ابن مفضل ، وكلها رموز لمجد على وشك الزوال ، وليس ذلك ببعيد عما كان يعانيه الرصافي البلنسي في الموقف السابق.
لقد مثَّل ابن مفضل في النص الشعري رمزية واضحة للحاضر، كما مثَّل قس بن ساعدة رمزية واضحة للماضي ، وإن كانت المجاملة أو الحب أو الهوى قد دفعت البسطي إلى ادعاء التفوق لابن مفضل على قس ابن ساعدة، فإن مصير كليهما واحد: فَقْـد ، وضياع مجد حاضر كما ضاع مجد سابق ، وهذا ما نلمس أثره على البسطي في البيتين الأخيرين، من نار حارقة في داخله ، وحسرة على المفقود أشبه بالندب والولوال.






خامساً :الرمزية المكتنزة (المتداخلة)
سبق القول أن عكاظ كما كانت تحتشد بالبشر على مستوى السوق، تحتشد بالدلالات على مستوى الكلمة، وها هي الآن تحتشد بالرمزية على مستوى الإيحاء والتخيل ، فلقد رأيناها ترمز لأشياء كثيرة : الحرب – الفخر – المدح – الاحتشاد – الفقْـد ، وقد ترمز إليها كلها مجتمعة هي وغيرها0وهذا ما لمسناه في بعض النصوص التي تناولت عكاظ ، حيث جاء النص مكتنزا بالرمزية، التي لا نستطيع أن نفصل مكوناتها ، ولكنّا نستطيع تلمّسها وكشفها ، وتحرّي العلائق الإبداعية بين أطرافها كما يقول النابغة الجعدي:
قالت أمامةُ كم عمرتَ زمانةً
ولقد شهدتُ عكاظَ قبل محلِّها
والمنذرَ بنَ محرق في مُلكه
وعمرتُ حتى جاء أحمدُ بالهدى
ولبستُ من الإسلام ثوبا واسعا
وذبَحْت من عتر على الأوثان
فيها وكنت أعدُّ من الفتيان
وشهدتُ يوم هجائن النعمان
وقوارعٍ تتلى من الفرقان
من سِيب لا حرمٍ ولا منان ( )

تبدو عكاظ في هذا النص كما لو كانت أحادية الرمزية، فترمز إلى طول العمر، كما أشار النابغة الجعدي ، وهو يتحدّث عن طول عمره وحياته قبل الإسلام وبعده ، وبدأ إشارته بذكر عكاظ التي صارت مزدوجة الرمزية بهذه الإشارة.
فإما أن يقصد سوق عكاظ- دون النظر إلى تحديد موقعها - وتصبح الرمزية هنا محتشدة حيث تستدعي إلى المخيلة جلبة السوق وحركته بما كان فيه من تجارة ، وأدب وتَجَمُّع للناس، وكان النابغة من المعدودين في هذا التجمع.
- أوأنه يقصد يوم عكاظ ، فتستدعي الصورة الحرب ، وتلاطم الخيول، وتفاخر الفرسان ، وصليل السيوف ، وعجاج أرض المعركة ، وكان للنابغة أيضا حضوره في ذلك اليوم طبقا للتأويل.
وأيّاً ما كان الأمر في أحد الوجهين فإن رمزية عكاظ قد خرجت إلى الرمزية الزمانية، وانتقلت من الحدث إلى الوعاء الزمني للحدث، فصارت علامة على الفعل وزمنه في وقت واحد.
كما أنها جمعت المكان، إضافة إلى الزمان – من خلال توظيف كلمة (محل) فصارت عكاظ ذات رمزية ثلاثية أو رباعية : جمعت الفاعل أو الراوي أو الشاهد المتمثل في تاء الفاعل في ( شهدت)، والمكان المتمثل في ( محلها)، والرمزية الزمنية المتمثلة في ورود عكاظ داخل سياق زمني، يضاف إلى ذلك، ما يتخيله الذهن من أحداث وقعت يوم عكاظ، أو أحداث شهدها السوق.
وعلى ذلك فإن عكاظ داخل هذا النص ليست مجرد دلالة،وليست رمزا واحدا ، ولكنها مفردة مكتنزة بالرموز المتداخلة التي تجسد قصة الإنسان (النابغة الجعدي خصوصاً والإنسان المعاصر له عموما) داخل الزمان والمكان ،على مدار قرن كامل أو يزيد يمثل عمر الشاعر بما شهده من أحداث تتعلق به ، وبغيره من مجايليه.
وتبدو رمزية عكاظ المكتنزة في إطار من التهديد كما قال حسان بن ثابت(54هـ) في نص يبدو أنه يعود إلى ما قبل الإسلام :
أتاني عن أميّ نثَا كلامٍ
بنى للؤم فاقتصرتْ يداه
سأنشر إن بقيتُ له كلاما
قوافيَ كالسِّلام إذا استمرت
وما هو في المغيب بذي حِفاظِ
عن المجدِ الرفيع لدى اللِّفاظ
يُسَيَّر في المجامع من عكاظ
إلى الصم المعجرفة الغلاظ ( )

فعكاظ هنا رمز سائد تمثلت سيادته على مستوى الشكل، حيث أجرى حسان أبياته على القافية العكاظية، فكأن عكاظ حاضرة في لاوعيه عندما أبدع قصيدته، أو أنها كانت تسيطر عليه في مرحلة ما قبل الإبداع، وهو ما يجسد سيطرة عكاظ بما لها من حضور طاغٍ – رغم أنها لا تعقد طوال العام - على ذهنية الشاعر العربي القديم.
وتتمثل سيادة عكاظ أيضاً في محل الذيوع والانتشار، فالخبر لن يعرف ، ولن يذيع إلا إذا سرى في عكاظ ، شأنه شأن الشعر الذي لا يصير شعرا حتى ينشد في عكاظ ، وبذلك فإن عكاظ تتجاوز المكان لتخترق الزمان وتسرى في الأماكن الأخرى ؛ لأنها في تلك الحال تؤدي دور وسيلة الإعلام في عصرنا الحاضر، فما أشبه عكاظ في نص حسان بإحدى قنوات الأخبار الفضائية ، وإن تميزت عكاظ على هذه القنوات أو معظمها بمصداقية عكاظ التي ليست محل شك عند أحد من العرب ، وهذا ما يؤدي إلى الرمزية القادمة في الأبيات، وهي رمزية التهديد – حيث تمثل عكاظ في ذلك الوقت أعلى مستوى من مستويات الذيوع والانتشار وإن شئنا الدقة أكثر – على مستوى النص – التجريس لأمية الذي يهدده حسان ، ونلاحظه بنية التحقير في الشطر الأول (أتاني عن أميّ) بما فيها من ترخيم ، فحسان قد بدأ تهديده مبكرا ، وهو يتحدث عن أميَّة بصيغة الغائب ، وكأنه يترفع عن مخاطبته0وكل هذه مقدمات للتهديد الأكبر في سوق عكاظ ، بمن يحضرونه من نخبويين ، وشعبيين ، وهذا ما جعل حسانا يرى أن الفضيحة سوف تلاحق أميَّة في كل مكان وزمان؛ لأنها ستنتشر بين أكبر جمع من الناس.
كان

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1584


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عاطف بهجات ، عالي سرحان
تقييم
4.23/10 (192 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.