الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
الشعرية وإعجاز القرآن
الشعرية وإعجاز القرآن
04-12-2012 08:00 AM


في الشعرية العربيَّة قراءَة جديدة في نظرية قديمة ـــ طراد الكبيسي
دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2004

Updated: Monday, February 28, 2005 12:25 PM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

في الشعرية العربية إعجاز القرآن للباقلاني قراءة جديدة

مقدِّمة‏

مع أنَّ العوامل الرئيسة لتأليف الباقلاني، كتابه هذا، شأنه شأن جميع من ألَّفوا في إعجاز القرآن، هي بيان وجوه الإعجاز في القرآن، ولماذا هو مُعجز، ونفي الشعر عن القرآن، إلاّ أن السؤال الذي طرحه أكثر من باحث: لماذا الحاجة إلى الدفاع عن القرآن في كونه ليس شعراً، لو لم تكن هناك صورة للشعر في الذهن العربي، بالمعنى الأقدم للشعر، جعلتهم يقاربون بين الشعر والقرآن؟‏

لا سيما وأن الآية \"وما عَلّمناه الشعر \"تستلزم بالضرورة وجود نوع من الصنعة التي تميّز الأسلوب الشعري، وينبغي تعلّمها\"(1).‏

ثمّ أن الباقلاني من خلال نفيه لأيّة مقاربة بين القرآن والشعر، يُقدِّم مفهومه للشعر.‏

أساليب الكلام عند العرب‏

في معرض مُباينة النظم القرآني لأساليب الكلام عند العرب، يُميّز الباقلاني خمسة أساليب للكلام البديع الفني عند العرب، هي:‏

1-الشعر على اختلاف أنواعه: \"نظمٌ مُقفَّىً موزون لـه رويّ\"‏

2-الكلام الموزون غير المُقفَّى.‏

3-الكلام المعدل المسجَّع غير الموزون.‏

4-الكلام المعدل الموزون غير المسجَّع.‏

5-الكلام المرسل: غير موزون وغير مقفَّى(ص35 و 162).‏

والقرآن خارج عن هذه الوجوه /الأساليب/ ومُباين لهذه الطرق، فهو ليس من قبيل الشعر، ولا من باب السجع، ولا الكلام الموزون غير المقُفَّى. (ص35 و 50).‏

إذنْ، من أَين جاءت دعوى (كُفّار قريش) أنَّ القرآنَ، شِعر؟.‏

ما هو الشعر؟‏

في رأي الباقلاني:‏

1-الشعر صنعة تميّزه عن غيره من الكلام، وفي القرآن أيضاً، صنعة تميّزه عن سائر نظم الكلام. ومن هنا جاءت المقاربة بين الصنعتين، رغم تباينهما في النظم والأسلوب. قال: \"إنَّ قولهم –أيْ الكفار- إنه شاعر، وإن هذا شعر –ولا بد أن يكون محمولاً على أنهم نسبوه إلى أنه يُشْعِرُ بما لا يُشْعِرُ به غيره من الصنعة اللطيفة في نظم الكلام، لا أنهم نسبوه في القرآن إلى أن الذي أتاهم به هو من قبيل الشعر الذي يتعارفونه على الأعاريض المحصورة المألوفة\"(ص76).‏

2-والشعر فطنة، والشاعر يفطن لما لا يفطن لـه غيره، وفي القرآن، أيضاً، فطنة لما لا يفطن لـه غيره: (الأخبار عن الغيوب، مع الصدق والإصابة، والأخبار عن قصص الأولين وسير المتقدمين ممن لم يقف أحد على أخبارهم.. الخ)(ص48) وهكذا \"إذا قدر الشاعر على صنعة الشعر كان على ما دونه أقدر..)(ص51).‏

3-لا يكون الكلام شعراً إلاّ متى قَصَدَ القاصدُ إليه. (وإنّما يُعَدُّ شعراً ما إذا قصده صاحبه: تأتَّى لـه ولم يمتنع عليه) (لأنه لو صَحَّ أن يُسَّمَى كل مَنْ اعترض في كلامه ألفاظ تَتَّزنُ بوزن الشعر، أو تنتظم انتظام بعض الأعاريض، كان الناسُ كلِّهم شعراء، لأنَّ كل مُتكلّم لا ينفكّ من أن يَعْرِض في جملة كلام كثير بقوله، ما قد يَتَّزنُ بوزنِ الشعر وينتظمُ انتظامه).‏

ومن هنا قالوا: (إن البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعراً. وأَقلّ الشعر بيتان فصاعداً..) (وقد قيل: إن أقلَّ ما يكون منه شعراً، أربعة أبيات، بعد أن تتفق قوافيها. ولم يتفق ذلك في القرآن بحال، فأمَّا دون أربعة أبيات منه أو ما يجري مجراه في قلّة الكلمات، فليس بشعر).‏

وعلى هذا، فإن ما جاء في القرآن، موزوناً، لا يُعَدُّ شعراً، نحو: (والعاديات ضَبْحاً، فالموريات قَدْحَاً). لأسباب عدّة:‏

الأول: أَنَّ الوزن جاء اتفاقاً غير مقصودٍ إليه.‏

الثاني: أنَّ من شروط الكلام الموزون أن تتساوى أَجزاؤه في الطول والقِصر، والسواكن والحركات.. وليس القرآن من هذا القبيل.‏

والثالث: أَن يكون مُتَّسق التقفية، فما لم يكن كذلك ليس بشعر.‏

والرابع: أن يكون الوزن مُقوِّماً أساسياً في الشعر: (وأما الكلام الموزون فإن فائدته تتمُّ بوزنه)(ص53-56).‏

إذن، كيف يمكن تفسير ما جاء في القرآن من وجوه البلاغة والنظم والتقفية؟‏

يجيب الباقلاني: (إنَّ صورة الشعر قد تتَّفق في القرآن، وإنْ لم يكن لـه حُكم الشعر) (ص285) مثلما فد تتّفق صورة الكلام على مثال السجع، وإن لم يكنْ سجعاً، لأن ما يكون به الكلام سجعاً يختص ببعض الوجوه دون بعض، لأنَّ السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يُؤدّي السجع، وليس كذلك ما اتَّفق مما هو في تقدير السجع من القرآن، لأنّ اللفظ يقع فيه تابعاً للمعنى). (ص58).‏

فضلاً عن أَن للسجع: (منهجٌ مُرتَّب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أَخلّ به المتكلم- كأنْ تفاوتت أوزانه، واختلفت طُرقه- وقع الخلل في كلامه، ونُسِب إلى الخروج عن الفصاحة)(ص59).‏

كيف اتَّفق الشعرُ للعرب:‏

اختلفوا في ذلك: (فقد قيل: إنه اتَّفق في الأصل غير مقصود إليه. على ما يعرض من أصناف النظام في تضاعيف الكلام. ثم لمّا استحسنوه واستطابوه ورأوا أنه قد تألفُه الأسماع وتقبلُه النفوس، تَتَبَّعوه من بَعْدُ وتعمَّلوه. وحكى غُلام ثُعلب عن ثعلب: أَنَّ العربَ تعلِّم أولادها قول الشعر بوضع غير معقول، يُوضَع على بعض أوزان الشعر كأنه على وزن: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) ويُسمّون ذلك الوضع \"المتير\" واشتقاقه من المَتْر، وهو الجذب أو القطع، يقال: مَتَرْتُ الحبلَ، أيْ قطعته أو جذبته). (ص63).‏

هذا احتمال. واحتمال آخر أن الشعر اتَّفق للعرب على سبيل المواضعة: (أنَّهم تواضعوا على هذا الوجه من النظم) أو أنَّه أتاهم على سبيل التوفيق: (وأن الله تعالى أَجْرى على لسان بعضهم من النظم ما أجرى، وفطنوا لحسنه فتتبَّعوه من بَعْدُ، وبنوا عليه وطلبوه، ورتَّبوا فيه المحاسن التي يقع الإطْرابُ بوزنها، وتهشُ النفوس إليها، وجَمَع دواعيهم وخواطرهم على استحسان وجوهٍ من ترتيبها، واختبار طرائق من تنزيلها، وعرَّفهم محاسن الكلام، ودَلَّهُمْ على طريقةٍ عجيبةٍ..)(ص63).‏

مهما يكن من أمر نشأة الشعر عند العرب. فإنَّ ما ينبغي التَّنبُّه لـه هو التناقض في كلام الباقلاني حول ما يُعَدُّ شعراً. فهو من جهة يؤكد مسألة القَصْد: (وإنّما يُعَدُّ شعراً ما إذا قصده صاحبه..) ومن جهة أخرى، يرى أن الشعر اتّفق في الأصل غير مقصود إليه: مصادفةً، أو تواضعاً، أو توقيفاً، فالأمر سيّان.‏

وما كان ليقع في هذا التناقض، لولا مغالاته في نَفي أيَّةِ سمة أو شُبْهَةٍ للقرآن بالشعر أو (أساليب الكلام البديع المنظوم) عند العرب. والتشديد على البينونة القاطعة بين النظم في الأسلوب القرآني. والنظم في تلك الأساليب.‏

ولعلّه كان في وسع الباقلاني أن يُجيب بما أجاب به الوليد من المغيرة، الذين قالوا: نقول بأن القرآنَ، شِعرٌ، والرسولَ شاعر؛ حيث قال: \"ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كُلَّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر\"(1).‏

خصائص الشعرية عند الباقلاني:‏

على أية حال.. وما دام غرضنا هنا، هو تبيّن مفهوم الباقلاني للشعريّة، فما هي خصائصها؟‏

أولاً: يؤد الباقلاني على مفهوم \"القَصْد\" في تجنيس الكلام الذي يقال شعراً. وبذلك يُخْرِج من مفهوم الشعر، كلَّ ما جاء موزوناً، أو موزوناً مُقفَّى في القرآن وعلى لسان الرسول (ص) أو في كلام العوام: (الكِلام المنثور)(2).‏

ثانياً: ويؤكد الباقلاني على أنَّ الوزن والقافية ووحدة الرويّ، مقوّمات أساسية في كون الشعر، شعراً. فالشعر: \"نظم مُقفى \"موزون لـه رويّ\".‏

ثالثاً: وهذا يعني، وبناءً على ما تقدم، أنَّ في الشعر، صنعةٌ وتَعَمُّلاً. تُميّزهُ عن غيره من أساليب الكلام الفنيّ الأخرى عند العرب، ولهذا يكون الشعر \"أَصعب تناولاً\". ورُبّما اتّفق فيه التعمُّل والتعلُّمُ والتصنُّع مع اتّفاقٍ من الطبع وقذف من النفس على اللسان\"(ص62).‏

وعلى هذا فإنّ ما يجيء في الشعر من أصناف البديع كالاستعارة والتشبيه والمماثلة والمطابقة والمجانسة والمقابلة والموازنة والإشارة والتكرار... الخ(ص69-107) \"يمكن استدراكه بالتعلّم والتدرّب به والتصنُع له، كقول الشعر، وَرَصْف الخطب، وصناعة الرسالة\" أيْ \"أنَّ هذا الفنْ –أي البديع- ليس فيه ما يخرق العادة ويخرج عن العُرف\" في رأي الباقلاني (ص111)، ورُبَّما قَصَد أنه مألوف معروف في أساليب الكلام عند العرب، ولكنه أي البديع بأنواعه- في الوقت الذي لا يُشكّل فيه لوحده دليلاً على إعجاز القرآن، فإنه في الشعر \"باب من أنواع البراعة، وجنس من أجناس البلاغة\" (ص112) وفيه تتفاوت أقدار الشعراء في \"الإبانة عن الأغراض القائمة في النفوس\"(ص119) كما تتفاوت قدرات القُرَّاء والنقاد في تمييز الشعر الجيد من الرديء\". وقد قَلَّ مَنْ يُميّز أصناف الكلام\"(ص119-120).‏

رابعاً: ومع أن مبدأ التفاوت، مبدأ معروف بين نصوص الشعراء، وفي نصوص الشاعر الواحد وفي النص الواحد. إلاَّ أن الباقلاني نظر إلى مبدأ التفاوت، من الوجهة السلبيَّة وحسب، مُعلِّلاً هذا بالطول الذي يستوعبه النظم. فقد يتفق الشاعر أن يُجيد في (قطعة عجيبة شاردة، تُباين جميع ديوانه في البلاغة، ويقع في ديوانه بيت واحدٌ يخالف مألوف طبعه) وسبب ذلك في الجملة، (هو التقدّم في الصنعة)(ص286).‏

فهو، مثلاً، في نقده لقصيدة امرئ القيس: (قفا نبك.. (يُركّزُ على \"تفاوت أنواع الخطاب وتباعد مواقع أنواع البلاغة\" دون أن ينكر أنه \"أبدع في طرائق الشعر أموراً أُتّبع فيها\". (ص158).‏

وهكذا يفعل مع البحتري في قصيدته التي مطلعها: (أَهلاً بذلكم الخيالِ المُقْبِل) مُتتبعّاً (الخَلل) والتفاوت (مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح) (ص220) غافلاً عن حقيقة \"أن بعض التفاوت في طبيعة النظم نفسه مما يقتضيه اختلاف الأحوال النفسية بين موقف وموقف(3)) وهو القائل (أن من أهل الصنعة من يختار الكلام المتين، والقول الرصين. ومنهم مَنْ يختار الكلام الذي يروق ماؤه، وتَرُوع بهجتُه ورُوَاؤه، ويسْلسُ مأخذهُ، ويَسْلَم وجهه ومَنْفَذُه ويكون قريبَ المُتناول، غير عويص اللفظ، ولا غامض المعنى. كما قد يختار قوم ما يغمض معناه، ويَغْرُبُ لفظه، ولا يختار ما سَهُلَ على اللسان، وسبق إلى البيان). (ص113 ـ 114).‏

خاصة وأَنَّ الباقلاني يرى \"أنَّ الكلام موضوعٌ للإبانة عن الأغراض التي في النفوس\". (ص117) أو \"تصوير ما في النفس، وتشكيل ما في القلب\" وهذا التصوير والتشكيل \"قد يقعُ بالإشارة، ويحصل بالدلالة والأمارة، كما يحصل بالنطق الصريح، والقول الفصيح ـ فالإشارات أيضاً مراتب، وللسان منازل، وربَّ وصَفٍ يُصوِّر لنا الموصوف كما هو على جهته لا خُلْفَ فيه، ورُبَّ وصفٍ يَبزُّ عليه ويتعدَّه، ورُبَّ وصفٍ يقصر عنه\". (ص244).‏

ومن هنا نجد الباقلاني، أيضاً، يوافق الذين شبّهوا الخطَّ والنطقَ بالتصوير. (وأجمعوا أنَّ مِن أحذق المُصَوّرين، من صوَّر لكَ الباكيَ المُتضَاحِكَ، والباكي الحزين، والضاحِكَ المُتَباكي، والضاحك المستبشر، وكما أنه يحتاج إلى لُطْفِ يد في تصوير هذه الأمثلة، فكذلك يحتاج إلى لُطْفٍ في اللسان والطبع في تصوير ما في النَّفْس للغير). (ص119).‏

وهذا يعني أنَّ الباقلاني شأن الجاحظ وابن سينا والقرطاجني وغيرهم، يرى أنَّ الشِعْر مَنْزع ذاتي لتخييل وتصوير ما في النَّفْس، أو النفوس من المنازع والمشاعر والأغراض \"التي يمكن التوصّل إليها بأنفسها، وهي محتاجة إلى ما يُعبِّرُ عنها، فما كان أقرب في تصويرها، وأظهر في كشفها للفهم الغائب عنها، وكان مع ذلك أحكم في الإبانة عن المراد، وأَشدّ تحقيقاً في الإيضاح عن المَطْلب، وأعجب في وضعه، وأرشق في تصرُّفه، وأبرع في نظمه ـ كان أولى وأحقُّ بأن يكون شريفاً\". (ص119) مُميّزاً بين مصطلحين، هما:‏

البراعة: وتعني: \"الحذْقَ بطريقة الكلام وتجويده\" والفصاحة، وتعني: \"الاقتدار على الإبانة عن المعاني الكامنة في النفوس، على عبارات جليَّة، ومعانٍ نقيَّة بهيَّة\" (ص127).‏

خامساً: ومن قواعد الشعريَّة، كعلمٍ لفهم الشعر ونقده، عند الباقلاني، أنَّ الشعر لا يجوز أن يوازن بغيره من أساليب الكلام ـ القرآن مثلاً (ص215) لأنه قد تتفق صورة الشعر في القرآن، وإن لم يكن لـه حُكم الشعر (ص285). وإنما يوازن بالشعر نفسه من جهة، وبما يَعْدِلُه من الشعر في الزمان والمكان من جهة ثانية: (وإنما يوازن شعر البحتري بشعر شاعرٍ من طبقته، ومن أهل عصره، ومَنْ هو في مضماره أو في منزلته) (ص243) وهكذا أبو نواس، مثلاً، \"إنما يُعْدَلُ شِعْرُه بشعر أشكاله، ويُقابَلُ كلامه بكلام أضرابه من أهل عصره. وإنما يقع بينهم التباين اليسير، والتفاوت القليل) (ص216).‏

وذلك لتشابك وتشاكل الفروع والأصول، واشتباه الطُرائق، وتماثل الصور، وتقارب السَّبْك.. إلى غير ذلك ما يفترضه عنصرا الزمان والمكان: وإطار الثقافة والوعي الفني.. الخ. مما يجعل (من الفَصْل بين أهل الزمان إذا تفاضلوا في سَبَق، وتفاوتوا في مضمار، فَصْل قريب، وأمر يسير).‏

ولكنْ، مع ذلك، ورغم أنَّ العلماء بالشعر أعز من الكبريت الأحمر (ص203) فإنّ المتقدم في هذه الصنعة (القارئ الذكي والناقد البصير، لا تخفى عليه وجوه الاختلاف مهما كانت يسيرة، فهو يستطيع أنْ يُميّز سَبْك أبي نواس، من سَبْك مسلم بن الوليد، ونسْجَ ابن الرومي من نَسْج البحتري. ومعرفة سارق الألفاظ أو المعاني من مخترعها.. ومَنْ يُجاهر بالأخذ ممن يكاتم به ومَنْ يخترع الكلام اختراعاً، ويَبْتَدِهُهُ إبتداهاً، ممن يُروّي فيه، ويُجيل الفكر في تنقيحه، ويصبر عليه حتى يتخلَّص لـه ما يريد.. (ص122) \"فلكلِّ شيء طريق يتوصل إليه به، وباب يؤخذ نحوه فيه، ووجه يؤتى منه\". (ص244).‏

سادساً: حين يؤكد الباقلاني على ضرورة وحدة الوزن والقافية والرويّ في القصيدة لتحقيق الشعر. (فما كان على وزنين، إلاّ أنه يختلف وزنهما أو قافيتهما فليس بشعر) (ص54) فإنه يؤكد على مبدأ بات معروفاً اليوم، هو التوازي. والوزن، حسب ياكوبسن، هو بالضبط الذي يفرض بنية التوازي(4) والخصيصة النوعية للغة الشعرية هي، بداهة، خطاطتها العروضية، أي شكلها كـ (شعر)(5). ولن يتحقق هذا، بدوره، إلا إذا وقع من قاصد إليه، لأن الكلام المُتَّزن قد يقع في كلام المنثور اتفاقاً غير مقصود إليه، ثم أنّ بنية التوازي في النثر، على العكس من الشعر، تنظّمها الوحدة الدلالية.‏

ثمَّ لما كان جوهر التقنية الفنية الخاصة بالشعر، يعتمد فيما يعتمد، التكرار: تكرار البيت، والأجزاء العروضية، البُنى التطريزية، والوحدة النغمية، وعلامات مكانية، والتدرج أو التسلسل العمودي للأبيات.. الخ(6). فإن هذه لا يمكن أن تظهر إلاّ إذا كان الِشعْرُ أكثر من بيتٍ. ولهذا قالوا: (إنّ البيت الواحد وما كان على وزنه لا يكون شعراً، وأَقلّ الشعر بيتان فصاعداً..) (وقيل: إنَّ أَقلَّ ما يكون منه شعراً أربعة أَبيات. بعد أن تتَّفق قوافيها..) (ص53 ـ 55). لأن اختلاف القوافي أو الرويّ، وعدم التعادل والتساوي في الأجزاء، يُخرج الكلام أن يكون شعراً. (وأَمّا الكلام الموزون فإنَّ فائدته تتمُّ بوزنه) (ص56). ذاك أن الوزن من حيث أنه يُبَنْينُ الشعرَ، بَصَريّاً، يضبط وحداته الصوتية، شأن السجع: (إذا تفاوتت أوزانه. واختلفت طرقه، كان قبيحاً من الكلام) (ص59) أَي إذا خرج السجع عن اعتدال الأجزاء، فكان بعض مصاريعه كلمتين وبعضها أربع كلمات... (ص64) خصوصاً وأنَّ السجع ـ كما يقال ـ كان مبدأ الشعر الذي تطوَّر عنه إلى الرجز فالقصيد.‏

(1) د. جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام_ دار العلم للملايين – بيروت 1978: 9/174.‏

(2) يلاحظ مقالنا: (مفهوم القصد ودوره في تجنيس الشعر وبَنْيَنَتهِ) مجلة (الأقلام) 8/1990.‏

(3)د. إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب- بيروت 1971/ ص353.‏

(4) ياكوبسن: (قضايا الشعرية) ترجمة محمد الولي ومبارك حنون ـ دار توبقال ـ الدار البيضاء ـ المغرب 1988/ص108.‏

(5) ياكوبسن: نصوص الشكلانيين الروس. ترجمة إبراهيم الخطيب ـ ص81.‏

(6) ياكوبسن: قضايا الشعرية: ص108 وتودوروف: (الشعرية) ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة. دار توبقال ـ الدار البيضاء المغرب 1987/ص64 ـ 65.‏




E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1812


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


طراد الكبيسي
تقييم
8.59/10 (163 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.