الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
المرويات النقدية والشعرية العربية + مدونة ابن سلام
المرويات النقدية والشعرية العربية + مدونة ابن سلام
04-12-2012 08:24 AM


آمل من الطالبات ملاحظة ما أدرج في نهاية المبحث الثاني
أولاً : النقد الجاهلي بين النظرة الذاتية والتأطير المنهجي


د. شوادفي أحمد السيد علام ( منتديات ستار تايمز)

من القناعات التي سيطرت في مجال الدراسات النقدية حتى غدت من الثوابت التي لا تقبل الجدال أن أي رؤية نقدية جادّة لا تقدم عادة إلا بعد مجاهدة حية لمجموعة من العوائق والصعاب التي تجعل الكلمة الناقدة في الأغلب تساق بشكل نسبي، وذلك أن النقد وإن كانت تحكمه مجموعة من المقاييس والركائز الفنية إلا أنه يظل إلى حد بعيد نتاج نفس بشرية تتذوق وتستشعر، ومن ثم تبني بمساعدة مجموعة الركائز والمقاييس هذه الرؤية النقدية.
ولعل ذلك يتكشف بوضوحٍ حين يتوجه النظر النقدي إلى تأمُّل سبيل الممارسين للنقد من القدماء، بل يبدو هذا الأمر غصيباً، متأبياً على الوصول فيه إلى كلمة فاصلة حين النظر في التجربة النقدية، التي مورست في العصر الجاهلي، حيث يبدو التناقض واضحاً، والبْونُ شاسعاً بين تجربتين فنيتين لابد- جدلاً- أن تتبع إحداهما الأخرى، فتكون في مستواها الفني أو قريبة من هذا المستوى على أقل تقدير، وهما:
- التجربة الشعرية. التجربة النقدية.
ومن المعلوم أن التجربة الشعرية الجاهلية قد وصلت إلينا ناضجةً مكتملةً، تشير إلى قدرة إبداعية عالية، كان وراءها حسُّ مرهف، ووجدان متحرك نابض، وقريحة متوقدة…، … مما أحال هذا الشعر سجلاً وافياً لمفردات حياة العربي في ذلك الزمن، ومعيناً حيَّاً ثراًّ ينهل منه الناس فيما تلا ذلك من أيام الزمان، وإلى يومنا هذا- لتهذيب النفوس وصهر المكالمات، وتثقيف الأذواق، ورفد الأبناء في ميادين التقيف والتربية، والإحساس بمفردات خلاصة تجارب معاناة السابقين لوقائع الأيام، وأحداث الزمان… و..
وقد كان ذلك كله في مقابل أن التجربة الثانية (التجربة النقدية) لم يكشف ما وصل إلينا منها- في عمومه أو في ظاهره - إلا على مجرد التمتْرس وراء النظر النقدي الذاتي الآني الجزئي الخاص، أو الرؤية الفطرية التي لم تشحذها التجارب، والتي لا تعلن عن دربة أو خبرة، متولدة من كثرة المران والمطّالعة والممارسة أو هكذا بدا الأمر للناظرين في مفرداتها، فهي غير مؤدلجة وفق مقاييس أخذت حظها من التقنين، أو لم يدفع بها ذوق مصقول، يهيئ لطرح نقدي لا يثور حول جدليته خلاف بما فيه من دقة، وإعمال قريحة.
لقد كان المنتظر أن تأتي التجربة النقدية الجاهلية مساوقة، أو موازية في المستوى الفني للتجربة الشعرية التي تمخَّضت عنها أحداث هذا العصر الجسام، وخاصة أن الشاعر الجاهلي كان يقوم بدور الرائد وصانع السياق الثقافي، فإبداعه يقوم بدور التثقيف، وصقل الملكات، وتأصيل التقاليد الفنية الأدبية، التي يجب أن تكون معروفة مرعية، فهو يرسخ هذه التقاليد التي تجعل الملتقى إذ ذاك ممتلئاً بما يستطيع به التعبير عن رؤيته في التجربة الشعرية التي يطلُع بها عليه الشاعُر الجاهلي صباح مساء، ولدى كل ثنية طريق وعند منعطفه، بل بما يمكنه من أن يكون مشاركاً، فاعلاً في إثراء هذه التجربة، وإغنائها، بل توجيهها إلى جادة الطريق إن هي حادت، وذلك عن وعي وفهم متولدين من كثرة التثقيف، تلك التي كان الشاعر يقوم بها كل يوم، فهل حدث ذلك أو بعضه؟ لعل شيئاً من ذلك قد كان موجوداً، بل لعله كله كان حادثاً، ثم لم تصل إلينا أخباره، أو المرويات التي تؤكده، وتدعم تصوره.
ولا يغيب عن أذهان الناظرين حقيقة أن النقد وعلى أي مستوى يقوم أولاً على الذوق كمنطلق ومرتكز، أو أساس، ومن المعلوم المقرر أن الأحكام النقدية، وعلى رأسها تلك التي تمخضت عنها عملية التفاعل الثقافي الحضاري بين الأمم، وأفرزها الاطلاع على كثير من الاتجاهات والمذاهب المختلفة إن هي إلا أحكام رفدنا بها في الأساس الذوق المثقف الخبير، فالتذوق أو الذائقة هما الأساس والمنطلق الأول للممارسة النقدية.
ومن المقرر الثابت لكل ذي بصير أن الذوق ملكة فطرية ذاتية معقدة: إذ هي مزيج من الحس والشعور والعقل، مرتبط بالذكاء وتوقد الذهن، متأثر بعوامل أخرى متعددة، وسياقات كثيرة مختلفة، منها الملامح النفسية للذات الناقدة والزمن الذي تعيش فيه، وكذا التنشئة، و… وأشياء أخرى كثيرة وعديدة.
وليس من شك في أن هذه العوامل مختلفة باختلاف الناس، بل الأفراد، ومن هنا تبزغ حقيقة استحالة الوصول إلى حكم نقدي تتفق كل الطروحات الناقدة حول حرفيته اتفاقاً تاماً، حال النظر إلى عمل أدبي بعينه، فضلاً على النظر إلى نتاج عصر أدبي بأكمله.
هذا والصعوبات التي تواجهه مهمة الناقد - بعد - كثيرة لسنا بصدد استقصائها الآن، ويكفينا النص على حقيقة أن الذوق المدرب الخبير، الذي تدعمه الثقافة العميقة، المتأنيّة، المستوعبة لشتى أنواع المعارف والفنون، بشكل عام والمعارف النقدية بشكل خاص تتولد لديه القدرة على إصدار الحكم النقدي الفني، الذي يفسر العمل الأدبي تفسيراً ناضجاً، متكاملاً، أو يكاد .
وتبقى برغم كل ذلك حقيقة أن من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة حقيقة قائمة، لا تتخلف، أو تتوارى كثيراً.
ولهذا كله وغيره نجد نقادنا القدامى وقد أجهد الكثير منهم نفسه في النص على ما يجب على المتصدي لممارسة النقد أن يتسلح به، فأهل العلم بالشعر في نظرهم - وبشكل عام- أو أحق الناس بتقديره، أو تقيمه هم أولئك الذين يتمتعون بثقافات متنوعة، ومنهم وحدهم تصدر الأحكام، التي تحظى بالقبول، لاعتدادها بالنص على العناصر الفنية في العمل الفني إيجاباً أو سلباً- أساساً للإحساس الكامل بما فيه من مواطن القبح ومكامن الجمال، منطلقة من ذلك إلى التعليل والتحليل، الذي يحيل النقد بناءً، وسبيلاً هاماً من أبنية وسبل المعرفة والثقافة.
وليس ذلك إلا لأن نقد مثل هؤلاء يتنكّب الاتكاء فقط على مجرد الذوق، وخاصة أنه قد يتخذ مطية للانطلاق إلى أحكام ليست إلاَّ من عمل الهوى لا أكثر، وإنما يساق إلى إعمال الذوق المدرب الخبير، أو المتكئ على ركيزة قوية من العلم والمعرفة والثقافة.
ومن المعروف أن الثقافة بالمعنى الذائع لها اليوم لم تكن من الصور الحاضرة في ذهن العربي الجاهلي الذي مارس النقد. كما أنه من البدهي أيضاً أننا نظلمه كثيراً حين ننص على حرمانه من كل آلية تسعفه في تفسير العمل الأدبي، لمجرد أنه لم تصل إلينا صورة من صور النقد الذي نريد اليوم تُعزَى إليه، وذلك أن السياق الثقافي للمجتمع كله في العصر الجاهلي كان يستدعي وجود هذه الآلية، بل وجود حركة نقدية ناهضة أو قريبة من ذلك، لتكون مساوقة للتجربة الشعرية، قادرة على متابعتها، نقول ذلك في ظلال معرفتنا أن الشاعر الجاهلي لم يكن منعزلاً عن السياق، بل كان أول الممارسين للعملية النقدية، وانصبَّ نقده - كما تنطق المرويات والأخبار في الصدد -على الصياغة والمعنى. فتمدح في شعره - مثلاً - بقوة النظم وشدة الأسر، ومتانة اللفظ. وجودة السبك، ودقة المعنى، وإصابة المحز، وتطلَّبَ ذلك في شعر غيره. والصياغة والمعنى هما أهم ما يتصدى له النقد الأدبي عامة.
وعلى ذلك مثلاً كان حديث تميم بن أبّي بن مقبل العجلاني عن شعره، فهو شعر ذو أثر على متلقيه، إيجابيّ يزيح عن النفس آلامها وهمومها، بل هو للنفس أطب وأنجع، وهو أعني الشاعر قادر على صياغة الأبيات الفرائد، السائرة، المهذبة، التي تعانق النفس حال سماعها، وتتأبى على كل الشعراء صياغة أمثالها، فهي السهل الممتنع، ولذلك ترى الشعور بجماله لدى المتلقين يدفعهم إلى العناية به والإحساس بجماله وغرابته، فهم لذلك يمسحون البيت الواحد منه إعجاباً بتفرده وجماله كما تمسح الأيدي الأغرَّ المشهَّر.
إذا متُّ عن ذكْر القوافي فلن ترى لها تالياً مثلي أطبّ، وأشعرا
وأكثر بيتا ما رداً، ضُرِبَتّ له حزونُ جبال الشعر، حتى تَيَسَّرَا
أغرَّ غريباً ، يمسح الناسُ وجهّه كما تمسح الأيدي الأغرَّ المشهَّرا(1(
ولسنا نسعى إلى الإعلان عن لون من الممارسة النقدية المنهجية المنظمة أو المؤطرة بأطر فنية تعلن عن فكر نقدي موصل أو مؤثل، بل غاية ما نستشفه من مجموع بعض المرويات النقدية أنها ممارسة نقدية تتفق مرحلياً وروح عصرها، وإن كان المجال قد أفسح فيها للنظرات النقية المنهجية، مما يشكك في مصداقية أن يكون العمل النقدي في الجاهلية قد كان قائماً فقط على النظرة الآنية الوقتية الذاتية الفطرية.
وبدهي أنه لم يكن من المنتظر أن يمارس النقد في ذلك العصر في صورة أبعد من تلك النقدات التي لا تنطلق – في عمومها - من فكر نقدي مؤسس . فالسياق الثقافي للعصر كله لم يكن قد وصل في جانب من جوانيه إلى هذا المستوى، وهذا على أقل تقدير هو ما تحرص المرويات على بث معرفته فنياً، ولذلك وقفت نقدات الممارسين للنقد فيه عند النظرة الذاتية الممزوجة بالنظرات الموضوعية التي أخذت من السياق العام شرعية وجودها على هذا النحو، فكانت مجردة تعتمد بشكل أساسي، أو تقوم على ما تجود به القرائح والأذواق بشكل وقتي، مع الالتفات كثيراً لأهمية ما عرف بعد بالتحليل والتعليل، والنظر الموضوعي.
ونظلم العصر الجاهلي حين نفتش بين جنباته عما هو أبعد من ذلك في ميدان الممارسة النقدية، فحياة القوم فيه لم تكن في جانب من جوانبها تعتمد إلا على الوضوح والبساطة، ومن ثم البعد عن التعمق، أو على الأقل الإيغال فيه.
يطرح ذلك - على الأقل - في سياق الحديث عن النسق العام للحياة، وتبقى الأبواب مفتوحة لحدوث طفرة فردية في مستوى الطرح الإبداعي على المستوى الشعري والنقدي، وإن كان الأمر لم يصل - فيما نعتقد، وعلى حسب ما تفيده تجارب الممارسة النقدية التي وصلت إلينا- بحال إلى النحو الذي كان معروفاً لدى قدامى النقاد اليونانيين من إعمال الفكر المنظم أو ما شاكل ذلك.
ومن المعلوم أن حياة العرب لم تكن مستقرة، ومن هنا لم تتح لهم الفرصة التي تسلمهم إلى التأمل العميق، والتفكير الدائم، الذي يفرز القدرة على التحليل الموضوعي المدعوم بالأدلة، والمقدم في ظلال الأسانيد والبراهين، أو الذي يقدم من خلاله الشرح المستفيض، الذي يهدف إلى طرح رؤية شمولية عامة للقصيدة موضوع النظر، أو العمل الأدبي موضوع الممارسة النقدية.
فإلى حد بعيد كانت النظرة لديهم جزئية، إذ تقتصر على البيت أو البيتين من الشعر، فلا تبعد، وتكتفي في ذلك بمجرد الإعلان عن الاستحسان أو الاستهجان، لا تعدو ذلك إلا لتقدم التعليل أو التحليل السريعين.
وصحيح أن بعض هذه الصور قد كانت تنتهي بذكر بعض العلل لذلك الاستحسان أو هذا الاستهجان، بل صحيح أن \"الصياغة والمعاني هي ما ينقذ في الشعر في العصر الجاهلي، وهي أهم ما يتصدى له النقد الأدبي في العصور الأخرى، بل إن الشعراء أنفسهم حين كانوا يمتدحون بأشعارهم لا يجدون ما يصفونها به إلا جودة السبك وقوة المعنى\"(2) لكن هذه العلل التي كانت تقدم كأسانيد تدعم نقدات بعضهم لم تكن وليدة الفكر النقدي المؤسس، ولكنها كانت ابنة النظرة الفطرية، ووليدة الإحساس الذاتي المؤدلج بمدى التأثر، والعيش في سياق شعري عام لا أكثر.
والمعلوم أن هذه النظرة تكون إلى حد ما رهينة الأهواء، والميول الذاتية التي قد تعمل إذ تعمل بشكل تحكمي في بعض المواقف، وإن كان عملها لديهم قد كان مؤسساً على الإحساس الفني، وهو كان على المستوى المرحلي على الأقل كفيل بطرح رؤية نقدية .
ومع كل ذلك فإن كل النقدات التي أفلتت من بين أيدي النسيان فوصلت إلينا لا يمكن أن تجحد، أو تنكر قيمتها، خاصة إذا وضعت في سياقها الزماني والمكاني، حيث بساطة الحياة، وبعدها عن التعقيد، وعزوفها عم ميادين التعمق في استخراج الفكرة، أو الشطط في استغراق المعنى، وهو ما أجمله الدكتور مندور في قوله:
\"إن النقد العربي - في أول نشأته- كان نقد خواطر، يقوم على الذوق، أو الهوى دون احتياط، أو استقصاء، أو تفصيل في التعليل. ومع ذلك نستطيع من الناحية الفنية أن نطمئن إلى ما أجمله عبدالعزيز الجرجاني عن مقاييسهم الأولى، عندما قال (في الوساطة): \"وكانت العرب إنما تفاضل بين الشعراء وتحكم بالجودة والحسن بشرف المعنى، وصحته، وجزالة اللفظ، واستقامته، وتسلّم السبق لمن وصف فأصاب، وشيه فقارب، ويَدَه فأغذر، ولمن كثرت أمثاله ، وشوارد أبياته، ولم تكن تعبأ بالتجنيس والمطابقة، ولا تحفل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.
ومن هذا النص نستطيع أن نحكم - على الأقل بأن مقاييس القدماء لم تكن شكلية ولا كانت أوجه البديع قد أفسدتها..\"(3)
ومن هنا أيضاً نستطيع النص على أن المفردات أو المصطلحات التي ليس لها مكان إلا في عالم النقد وأبوابه، والتي وجدت بكثرة وإلحاح بين أوساط الشعراء في ذلك العصر لا يمكن أن تفرغ من مضمونها، بل لا يمكن إلا أن تكون دالة على حركة نقدية تجاوزت بكثير مرحلة الإحساس الذاتي إلى حيث أصبحت تشكل نسقاً نقدياً فنياً، يناسب المرحلة على أقل تقدير.
فالتمحيص والتجويد، والتحليك، والعناية، والتحبير، والشاعر، والخنزير، والمغلّب، والمرقّش، والمهلهل، والنابعة… والقافية الشرود، والغربية… إلى غير ذلك من الأوصاف والمصطلحات التي لا يمكن أن تكون وليدة فعل نقدي ليس على نحو من الأنحاء حسب، ولكن على نحو فني أعملت فيه القرائح، وذهبت الذائقة في استخراجه كل مذهب. أمر ينبغي وضعه في الحسبان.
بل ينبغي أن نستحضر في أنفسنا دوماً أن هذه الأوصاف أو المصطلحات تشير إلى أن الشاعر الجاهلي كان دوماً يعيش حالة الحاجة النفسية إلى هتاف الجمهور له، والانتشار لأشعاره على ألسنة الناس وفي ذاكرة الرواة.
والعربي الجاهلي أعلن عن مستوى من التمكن والقدرة على الوصول إلى فرق ما بين القول الهابط غير الهادف أو الصائب، وغيره وضده. ولعل مما يرسم ذلك بصدق ووضوح قول معقر بن حمار البارقي متحدثاً عن المستوى الشعري، هبوطاً في الدرجة وصعوداً فيها بنَسَقٍ يعرب عن الحميمة بينه وبين عالم الشعر هذا:
الشعرُ لبٌّ المرء يعرضه، والقول مثُل مواقع النبل
منها المقصّر عن رميَّته ونوافذٌ يذهبن بالخصل(4)
فالشعر لديه مختلف الدرجة باختلاف القدرات والأمزجة بين البشر، ومختلف المستوى باختلاف الشعراء.
ومن المهم ها هنا أن نلتفت إلى أن المفردات النقدية التي ملأت الساحة الجاهلية قديماً، والتي ذكرنا بعضها آنفاً على أنها لم تكن من عبث القول، ولكنها مفرز نقدي، يشير الكثير منه إلى إطالة النظر، وإدامة التأمل، وإعمال عين التنقيب، والفحص للشعر من قبل مبدعه، قبل أن يخرج به على الناس، أو يذيعه في المحافل والأسواق التي كانت - لذلك العهد- بمثابة المنتديات الأدبية ، التي يعلو فيها نجم الشاعر أو يهبط، فتتبعه قبيلته في الصعود وفي الهبوط.
ونحظى بما يؤكد على ذلك مبثوثاً في كتب التراث، والتي يأتي على رأسها كتب التراجم والأمالي والمجالس، ولدى ابن سلام، وابن قتيبية وأبي الفرح، والجاحظ، وغيرهم.
ولعلنا لا نجاوز حدود النظرة الصائبة حين نفهم من قول المسب بن علس، وهو جاهلي، لم يدرك الإسلام (خال الأعشى):
فلأهدين من الرياح قصيدة مني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياة فلا تزال غريبة في القوم بين تمثل، وسماع(5)
أقول لعلنا لا نكون متجاوزين للحقيقة حين نستمع إلى هذا القول فنجزم بأن الشاعر الجاهلي ما كان يقدم على إذاعة شعره إلا بعد أن يراه صالحاً للنظرات، التي هي بمثابة السهام توجهه إليه، وأنه كان يدرك أن شعره سيتعرض لحالة من التفرُّس فيه بعد أو حال سماعه، فمفردتنا: التمثّل والسماع تعنيان- فيما نرى- : التعليم والمتعة، بعد التأمل والفحص.
ولم تقف الذائقة العربية الجاهلية عند هذا التأمل أو الفحص غير الموظف، بل أُعملت ذلك في سبيل النص على الجيد الرفيع من الكلام، في مقابل الساقط الهابط منه.
ومن هنا مثلاً كان \"يقال لطفيل الغنوي في الجاهلية: محبِّر، لتحسينه الشعر، وهو مأخوذ من التحبير..\"(6). بل بحث يعضهم عما عرف بعد من مضمون مصطلح الوحدة العضوية، الذي يبحث في مدى جودة البناء الشعري، فوجدنا عمرو بن لجأ التيمي يقول رامياً شعر خصمه بافتقاده هذه الوحدة، وسوء صورته لضياع الترابط بين أبيات قصيده:
وشعر كبعر الكبش، ألَّف بينه لسانُ دعيٍّ في القريض دخيل(7)
فالمعلوم لكل ذي عينين يومذاك، وإلى الآن أن الملْحظ الأظهر في بعر الكبش والحيوان عامة أنه يقع إذ يقع، فلا يقع إلا متفرقاً، لا انتظام له. ولا ائتلاف بين مفرداته، بل نجزم بأن الشاعر ما سعى من وراء طرح هذه الصورة إلا للتأكيد على تلك الصورة، ويروقنا هنا أن نلتفت إلى ما يستشف من مضمون هذا البيت حول مساحة النظرة النقدية لقائله، إذ تخطت حدود النظرة الجزئية التي تقف عند البيت أو البيتين إلى حيث صارت حكماً عاماً يشمل شعر الشاعر كله.
وفي كتب التراث تحظى بما يفيد تفعيل الأسواق التي كانت تقام بشكل ثابت في مجال النقد والأدب، وتروي هذه الكتب – مثلاً - أن النابغة الذيباني كانت تضرب قبة من أدَم بسوق عكاظ، فيسرع إليه الشعراء من كل وجه فيعرضون عليه قصيدهم(8) في محفل لابد كان حاشداً، إذ المكان سوق، ويعلن هو بدوره على الملأ حكمه، أو نظرته النقدية فيما سمع، استحسانا، أو استهجاناً ذاتيين انطباعيين في بعض الأحيان، وموضوعيين معللين في الأحيان الأخرى.
وكما تنطق بعض نقداته كان يلجأ إلى الاعتداد - في نقده - بالجانب الدلالي للألفاظ، ويحتفل بمواقعها، وقدرتها على التأثير في سياقها الخاص، وكل ذلك هو ما عرف أغلبه بعد تحت اسم فقه اللغة. كما أنه كان يهتم - في نقده - بأصول المعاني، ويضع اعتباراً كبيراً للعرف القائم والظرف السائد، بل كان في بعض الأحيان - يقدم ما يفرضه الإطار البيئي، وهو ما عرف بعد تحت اسم السياق الثقافي، وتنادى الناظرون بوجوب مراعاته.
ومما يروى في هذا الصدد مثلاً أن الأعشى جاءه، فأنشده قصيدته التي يقول مطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي، وما ترد سؤالي؟
فأعجب بشعره أيمَّا إعجاب (استحسان غير معلل، وربما كان معللاً، واجتزئت الرواية) وجاءه حسان بن ثابت رضي الله عنه بقصيدة، كان منها قوله مفتخراً، مباهياً بما لقومه من عزّ ومجد وكرم:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضحى، وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء، وابني محرِق، فأكرم بنا خالاً، وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة: إنك لشاعر، لولا أنك أقّلَلْت أسيافك وجفانك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك. ولو قلت الجفان لكان أكثر،.. وقلت:
لنا الحفنات الغر يلمعن بالضحى، ولو قلت: .. يبرقن بالدجى لكان أبلغ، لأن الضيْف بالليل أكثر طروقاً، وقلت: وأسيافنا يقطرن من نجده دما، ولو قلت:.. يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.
وهنا قام حسان منكسراً، مغضباً، منقطعاً(9)
وباد للعيان هاهنا أن الناقد قدْ وجَّه اهتمامه إلى الأبعاد التي أشرنا إليها سلفاً حين أنكر على الشاعر أن يأتي في ميدان المباهاة وسياق المفاخرة بالمفردات اللغوية التي لا تتناسب مع جو المباهاة، الذي يفتح الباب فيه للمبالغة المطلوبة المستملحة، والتي عرفت فيما بعد عصر التأليف بجموع القلة (من جمع التكسير) وجمع الإناث، وأرشد إلى ما يقتضيه السياق من استعمال الصيغ التي تفيد الكثرة.
وإذن فليس ثمة نظرة جزئية خالصة، فللسياق لديه أهميته التي ينبغي أن تراعي، أو التي تفرض على الشاعر أن يحتفل بمستلزمات النجاح في المحافظة عليه، ولهذا السبب عينه كان تفضيله صياغة فعليه (يبرقن، يجّرين( على أخرى (يلمعن، يقطرن(.
لقد جاءت الخنساء - كما تنص الرواية - بعقب حسان، فأنشدت النابغة في رثاء أخيها صخر قصيدتها التي مطلعها:
قذىً بعينيك أم بالعين عُوَّار؟ أم أقفرت مذخلت من أهلها الدار(10(
حتى قالت:
وإن صخراً لها دينا، وسيدنا وإن صخْراً – إذا نشتوا – لنحَّار
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار
فكان أن قال النابغة لها: والله لولا أن الأعشى أنشدني آنفاً لقلت: إنك أشعر من بالسوق.
و- نعم - تلك نظرة استحسان عام، فهي غير محللة ولا معللة، ولكنها تنبني على موازنة نقدية سريعة تمت في الخاطر بين مستويين شعريين يمثلهما: شعر الأعشى في مقابل شعر الخنساء، فهي نظرة تساق في إطار يبتعد بها عن النظرة الجزئية أولاً، ثم النظرة الذاتية الخالصة ثانياً.
ومما حمله كتاب الأغاني ويدخل في إطار الاحتكام إلى الذوق العام ما أورده بشأن المسيب بن علس وقد مرَّ بمجلس بني قيس بن ثعلبة. فأثاروه لقول الشاعر، فأنشدهم قصيدته التي يقول مطلعها:
ألا أنعم صباحاً أيها الربع واسلم نحييك عن شحط وإن لم تكلم
إلى أن بلغ قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناج عليه الصيعرية مكدم
وفي القوم يلعب طرفة بن العبد وهو صبي، فقال حين سمع هذا: \"استنوق الجمل\"، وضحك القوم فصارت مثلاً. وفي الشعر والشعراء أن القصة حدثت مع المتملس الضبعي، وأنه حين سمع تعليق الصبي طرفة أتاه، \"فقال له: أخرج لسانك ، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويْلٌ لرأسه من لسانه\"(11(
فالحسّ اللغوي الذي تَشكَّل لدى عامة الجمهور الجاهلي أفرز هذا الاستعداد النقدي المتحفز، والذي لا ينطلق بوحي أسس مقننة، وإنما ينطلق بوحي أسس مألوفة شكلت حسّا لغويا فنياً عميقاً، مكنت من التعامل مع دلالات الألفاظ في السياقات المختلفة والمواقف المتعددة.
ومثل هذه المواقف تدفعنا إلى الإفصاح عن السؤال الذي يتردَّد صوته في الحنايا حول حقيقة وصول التجربة الشعرية الجاهلية إلينا ناضجة، مكتملة، تامة القيم على مستوى الشعور والتعبير، والأوزان والقوافي، في حين أن التجربة النقدية وهي ممارسة تتبع الشعر، وتسير مقتفيه أثره، متتبعة خطاه هبوطاً أو صعوداً، أو هكذا يفترض، ومع ذلك وصلت إلينا من هذه التجربة صورة الممارسة النقدية فإذا هي كالنّبت الذي يشق أيام طوره الأولى في وهن وضعف.
ألا يعني ذلك أو يشير إلى ضياع كثير من أخبار ومرويات مواقف هذه الممارسة وتجاربها؟
ثم ألا تكون عملية تأخر تدوين الشعر الجاهلي وراء مثل هذا الضياع المتخيل خاصة وأن التجارب النقدية المرصودة في الجاهلية لا يمكن - من حيث الكم على الأقل- أن توضع بإزاء هذا النتاج الشعري الكبير، والذي لم يصل إلينا منه بعد إلا مجرد العشر؟
إن إدراكنا حقيقة أن العربي كان بطبعه مهيأ للممارسة الإبداعية في مجال الشعر، من حيث إنه كان دقيق الحس، مرهف الوجدان، يهتاج لأدنى الأسباب، والشعر إحساس وعاطفة وشعور. أقول إن إدراكنا لهذه الحقيقة يدفعنا إلى اليقين بضياع كثير من التجارب النقدية التي لابد وأن العرب قد أكثروا منها، كما أكثروا من التجارب الشعرية؟ فالنقد أخو الشعر في ميدان المرتكز على الأقل، ومصاحب له أو تابع في كل الأحوال.
فإذا كان الشعر يصدر أولاً عن ملكة تثور، وتهتاج لمثير مّا فإن النقد ترفدنا به - في المقام الأول- ملكة مركوزة تثور أيضاً، وهكذا تثور ملكة الشعر فتتمخَّض ثورتها هذه عن قصيدة مجلّ، وتثُور ملكة النقد فتفرز لنا رؤية نقدية هادفة.
والأمر بعد شائك وخطير، بل هو طريق كثير المهاوى ملئ بالمنحنيات الخطرة، فالبحث في أمر النقد الذي وصلت إلينا صورته شاحبة على هذا النحو، في حين أنه وليد التجربة الشعرية التي جعلت العصر الجاهلي كله عصر العربية الزاهرة يجعل أعتى الأقلام تزل بها الأقدم.
ولعل أكبر دليل على ذلك هو تلك الصورة المكررة في كل رؤية، أو دراسة أو طرح حال النقد في العصر الجاهلي.
بل لعل كل ذلك هو ما دفع ناقداً مجلياً مثل المرحوم الأستاذ طه إبراهيم لا يلحظ في النقد الجاهلي إلا مجرد قيامه \".. على الإحساس بأثر الشعر في النفس، وعلى مقدار وقع الكلام عند الناقد، فالحكم مرتبط بهذا الإحساس قوة وضعفاً، والعربي يحسّ أثر الشعر إحساساً فطرياً، لا تعقيد فيه، ويتذوقه جبلة وطبعاً، وعماده في الحكم على ذوقه، وعلى سليقته، فهما اللذان يهديانه إلى الجيد من فنون القول، وإلى المبرز من الشعراء. فليست لديه أصول مقررة للكلام الجيد كما عند المحدثين، وليست لديه مقاييس يأتنس بها في المفاضلة بين الشعراء، ليس لديه غير طبعه وذوقه\"(12(
وما من شك في أن مثل هذا التصور وارد، ولكنه في ظل بعض المواقف النقدية المرصودة، والتي تجاوزت الرؤية الناقدة فيها مرحلة الاتكاء فقط على مجرد الإحساس بأثر الشعر في النفس، ومقدار وقع الكلام عند الناقد ، والتي أشرنا الآن إلى بعضها يحتاج إلى إعادة نظر، فالعربي كان يركن - بجانب طبعه وذوقه الخاصين - إلى الحس اللغوي العام، وإلى دلالات الألفاظ وما يوحي به استعمالها المختلف من صور متعددة، بل كان يحث على انتقاء اللفظة التي تناسب المقام، ويستدعيها السياق كما رأينا - مثلاً في موقف طرفة.
كما كان العربي يتخطى حدود النظرة الذاتية الوقتية الانطباعية إلى النظرة الموضوعية التعليلية، والتحليلية إلى حد ما، كما رأينا في موقف النابغة الذيباني.
ولعل فيما ضاع من المرويات النقدية، والذي أشرنا إليه قبلاً ما يكون مترجماً لصور نقدية تخطت هذه الأبعاد، وتجاوزت هذه الحدود، بل ليس ثمة ما يمنع من ذلك، وفي ضياع تسعة أعشار الشعر الجاهلي ما قد يؤكد على ذلك.
وفي الظن أن مثل المرحوم طه إبراهيم لو كان قد وجه اهتمامه إلى البحث في سبب قلة ما وصل إلينا من مرويات نقدية، قياساً على ما وصل إلينا من شعر ربما اهتدى إلى ما جعلنا اليوم نقف على جلية الأمر، إذ ليس يعقل أن تنكص ملكة النقد في مثل عصر العربية الزاهر إلى حد أن تكون وقفاً على هذه النظرات المعدودة حسب.
ونقول إن النبع منه كان – فيما نرى - على ضربة معول، لأن طرحه أثار مجموعة من الاستفهامات التي تحث على استكناه الأحكام النقدية، التي صدرت بحق شعر البارزين من شعراء هذه المرحلة، من مثل علقمة والأعشى، والخنساء، وغيرهم، من حيث لم يرد هو إلا التشكيك فيما عزي إلى هذا العصر كله من نقد بشكل عام، وما روي بشأن جلوس النابغة الذيباني حكماً بين الشعراء بسوق عكاظ بشكل خاص.
ولم يلفته شئ من الصور النقدية التي تعد من الصور الناضجة في الرأي إلى حدّ يشارف الإلمام العام بمستلزمات الممارسة النقدية، وخاصة تلك التي وجدنا صورة منها لدى النابغة في نقده شعر الشعراء الذين وردت أسماؤهم آنفاً.
بل قصارى ما أجهد نفسه لإثباته أن الرواية ملفقة، وعلى فرض صحتها - في رأيه - فلابد أن تكون قد حدثت خالية من أي حكم نقدي على أي وجه.
وفي الظن أيضاً أنه لو كان استحضر حقيقة ما يفرضه وصول التجربة الشعرية الجاهلية إلينا ناضجة مكتملة من تصور أن يكون النقد - وهو تابع لها - قد وصل إلى صورة من الممارسة الفاعلة على الأقل، أقول: لو كان الأمر كذلك ما انتآى به الظن إلى حيث الشك في مثل هذا الخبر النقدي خاصة أنه قد حملت هذه الرواية كتب لا يقدح مؤلفوها بحال.
وتقول مع المرحوم طه إبراهيم: نعم \"لم يكن الجاهلي يعرف جمع التصحيح، وجمع التكسير وجموع الكثرة والقلّة، ولم يكن يفرق بين هذه الأشياء كما فرق بينها ذهنُ الخليل، وسيبويه..\"(13(
لكن ذلك لا يعني البتة انتقاء قدرته على إدراك الفروق الجوهرية التي تفرق ما بين صيغة وأخرى بل لا يعني انتفاء قدرته على انتقاء ما يناسب السياق العام، وانتخابه من بين كم المفردات اللغوية الهائل.
فإن كانت معرفته بهذه المصطلحات على المستوى العلمي الذي وصل إليه أمثال الخليل وسيبويه رحمها الله غير واردة، وهي كذلك حقاً فإن معرفته بهذه المصطلحات على مستوى التذوق والممارسة اليومية لا يمكن لأحد أن يجحدها أو ينكرها.
والجاهلي ما صدر في نقداته تلك عن إعلان معرفته هذه المصطلحات النحوية، ولا ادعَّي بعض ذلك، ولكن هي السليقة والطبيعة والملكة، وشئ من إعمال الذهن في السياق العام إضافة إلى الحس المتوقد، والذهن الحاضر والاستعداد، أو التهيء للنظر في الشعر بغرض الحكم عليه. كل ذلك أسلم في النهاية إلى صدور مثل هذا النقد، على هذا المستوى بشكل طبيعي لا تعمل فيه.
وليس من المنطق أو العدل – بعدُ - أن نستكثر صدور مثل هذه الممارسة في عصر شكل سياقه الثقافي مجموعة الشعراء الذين حققوا - في اقتدار- لشعرهم صورة من الاكتمال في الخلق، والتعبير، والصحة في الأداء، والسلامة من القصور في أي جانب، على مستوى القيم الشعورية والقيم التعبيرية، بل أعلنوا في تجاربهم عن معاناة حقة، أعمل فيها الذوق والموهبة، والاقتدار الخلاق على الإبداع النابض المؤثر، حتى وصلت إلينا على الصورة التي نراها، والنابغة الذيباني لم يكن واحداً من هؤلاء الشعراء حسب، ولكنه كان من أعلى المبرزين منهم في هذا الميدان، أعني ميدان القدرة على تشكيل السياق الثقافي العام.
ومثل هذا كله يجرنا إلى النظر- مثلاً - في نقد أم جندب، زوج امرئ القيس، الذي تمخض عنه موقف تنازع زوجها وعلقمة الفحل ومن ثم احتكامهما إليها في الشعر، وحكمها الذي أتى لصالح خصم زوجها بعين الثقة والاطمئنان، بل الرصد للنقلة النوعية التي يعلن عنها نقدها، رافضين بذلك كل شكّ يحاول أن يجد لنفسه مكاناً مّا حول هذه القصة، وما شاكلها مما يشير إلى شئ من القدرة على تفعيل الممارسة النقدية في هذا العصر، بحجة أن مستوى نقداتهم لا يتصور صدوره إلا عمن عرفوا المصطلحات العلمية، التي عرفها المجتمع العربي الإسلامي بعد عصر التأليف في العلوم فقط.
نقول ذلك كله في ضوء ما سبق، ثم في ضوء استحضارنا حقيقة أن أم جندب لم تكن امرأة من عرض الطريق، ولكنها كانت زوج أبرز الشعراء الذين شكلوا السياق لا الثقافي للمجتمع حسب ولكن السياق الفني أيضا، فهي - لذلك – أقدر - أولاً - على أن تمارس النقد، ثم هي – ثانياً - أبصر بالمزالق التي قد يتعرض لها الزوج في ميدان الإبداع والخلق، أو تكاد.
وبالتالي لا يستبعد أن تكون على درجة من الوعي، أو القدرة على إعمال الذوق الذي يركن إلى شئ من التعليل أو التحليل، الذي يتناسب والمرحلة التي كانت تعيشها على الأقل.
وتقول القصة كما ذكرها ابن قتيبة - رحمه الله- في ترجمة علقمة بن عبدة: \".. وهو الذي يقال له: علقمة الفحل، وسمي فحلاً لأنه احتكم مع امرئ القيس إلى امرأته أم جندب، لتحكم بينهما .
فقالت: قُولا شعراً تصفان فيه الخيل على روىٍّ واحدٍ، وقافية واحدة، فقال امرؤ القيس:
خليليَّ مُرَّأ بي على أم جُنْدب، لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يَكُ حقاً كل هذا التجنب
ثم أنشداها جميعاً، فقالت لامرئ القيس: علقمةُ أشعر منك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:
فللسَّوْط أُلْهوبُ، وللسّاق درَّةٌ وللزجْر منه وقعُ أخْرَج مُهْذب
فجهدت فرسك بسوطك، ومرْيَّته بساقك، وقال علقمة:
فأدركهن ثانياً من عنانه يمرُّ كمرّ الرائح المتحلب
فأدرك طريدته، وهو ثانٍ من عنان فرسه، لم يضربه بسوط، ولا مَرَاه بساق، ولا زجرَهُ.
قال: ما هو بأشعر مني. ولكنك له وامِق، فطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي بذلك: \"الفحلُ\"…\"أهـ(14)
وذلك نقد موضوعي تعليلي يشير إلى نقلة نوعية في مجال الممارسة النقدية الفاعلة، حملت المرحوم طه إبراهيم على الشك في القصة برمتها، إذ قال معقباً على هذه القصة أن رأى فيها التفاتة واضحة إلى بعض الأسس النقدية التي ينبغي أن تراعى أو التي هي من الوضوح بمكان .
\"فإن صحت هذه القصة كانت لها دلالات كبيرة في النقد الأدبي، فأم جندب تريد مقياساً دقيقاً، تستند عليه في الموازنة، هو وحدة الروي، ووحدة القافية، ووحدة الغرض.
وهذا يكفي لأن يكون أساساً من أسس النقد في العصر الجاهلي، وهذا يكفي دليلاً على أن النقد في بعض الأحيان لم يكن سليقة وفطرة، بل كانت له أصول يعتمد عليها.
ولكن في القصة طعنا إن لم يحمل على رفضها جملة فهو يحمل على رفض كثير منها.
في قصيدتي علقمة وامرئ القيس توافق في غير بيت، وفيهما مشاركة في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني.
ولو جعلنا قصيدة امرئ القيس أصلاً، إذ إنه الذي أنشد أولاً كانت قصيدة علقمة تكراراً لها في أبيات بتمامها، وفي شطرات. والحكم بتفضيله على امرئ القيس يكون إذن غير معقول لأن علقمة كرر ما قاله صاحبه، فإن يكن هناك بيت لامرئ القيس يشم منه أنه حمل فرسه على الجري حملاً فقد استدرك ذلك في البيت الذي يليه.
أضف إلى الريبة التي يحمل عليها التوافق في النص، والتي يحمل عليها الانحراف في الحكم أن امرأ القيس عرف بوصفه الخيل والصيد، وشهر بذلك دون الجاهلين وهو في المعلقة، وفي قصيدته اللاميَّة الأخرى لا يجاري في هذا الصدد.
ولعلَّ ذلك ما حمل عبد الله بن المعتز على أن ينكر القصيدة فيما أنكره من شعر امرئ القيس، وذلك محتمل جداً، فهي وإن جرت على مذهبه الشعري خالية من طابعه الذي نحسه في شعره الصحيح.
ثم إن الموازنة على شريطة الجمع بين ثلاثة أشياء فكرة على شيء من الدقة لا تتلاءم مع الروح الجاهلي في النقد الأدبي.
هذا إلى أننا نرتاب في أن جاهلياً يدرك الفرق بين الروي والقافية، ونرتاب في أن هذه الألفاظ تستعمل في العصر الجاهلي بمعناها الاصطلاحي.
وإن كان لابد من الاطمئنان إلى شيء من هذه القصة فإننا نأخذها كما رواها أبو عبيدة من أن شاعرين تحاكما إلى زوج امرئ القيس دون أن يذكر للحكم أسساً، وهي بهذا تلائم العصر الجاهلي، وترينا أن النقد لا يزال فطريَّا لأن معنى علقمة أجود من غير شك من معنى امرئ القيس، على نحو ما فهمته الطائية\" أهـ (15)
قلت: سبق أن عرضنا القصة نقلاً عن الشعر والشعراء لابن قتيبة، وهو من هو، وذكرها في كتابه تعليلاً لتلقيب علقمة بالفحل، أو رويت هي هكذا له.
واللقب الذي كان وراء ذكر هذه القصة يريح على صاحبه شيئاً غير قليل من إعلان الاقتدار الإبداعي، الذي يمكن له بأن يكون خصمه في ميدان الخصومة- مغلَّباً، ففيه من القوة والعرامة ما يمكِّن - في ميدان المنافسة الشعرية- من مواجهة امرئ القيْس، ثم التغلب عليه.
ولم يستطع قلم المرحوم طه إبراهيم - برغم احتشاده الواضح لإنكار هذه القصة بكل ما أوتي من قدرة في النظر والفحص - أن يجد واحداً من الأعلام الثقات من القدامى قد أنكر هذه القصة، وقصارى ما وصل إليه أنه وجد عبدالله بن المعتز - وهو متأخر نسبياً - قد أنكر قصيدة امرئ القيس ضمن ما أنكر من قصائده، وإن كان لم ينكر القصة موضوع الطرح.
بقي أن نلتفت إلى أن شك المرحوم طه إبراهيم لا ينبني على متابعة لواحد من القدماء الموثوق بهم، أو حتى المشكوك فيهم، ولكنه ينبني فيما بعد ذلك على انطباعات تفجرت في نفسه تجاه القصة ، فجعلته يقول (نرتاب … ونرتاب) فرأيه ذاتي إذاً ، وقد أعلن ذلك صراحة من طريقين:-
- طريق نظري: شكله قوله :\".. فهي (يعني قصيدة امرئ القيس) وإن جرت على مذهبه الشعري خاليه من طابعه الذي نحسُّه (تأمل) في شعره الصحيح\".
وتحكيم الإحساس الذاتي الخاص لا ينشئ نظراً نقدياً موضوعياً سديداً كما علمنا، وتعلمنا، إضافة إلى أنه لا يصح لأحد أن يرتاب في أن العرب كانوا يعرفون فرق ما بين الرويّ والقافية .
- طريق تطبيقي: وقد أداره حول مجموعة من النقاط التي وجد أنها تحمل الطعن الصريح الذي يدفع إلى إنكار القصة كلها، أو بعضها على أقل تقدير ، وهذه النقاط هي:
- ---التوافق الذي لوحظ بين قصيدتي الشاعرين (امرؤ القيس، وعلقمة الفحل) في غير بيت، وتكرار أبيات، وأشطر بعينها في القصيدتين، والمشاركة في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني.
ولست أدري كيف لم يتهيأ لمثل الأستاذ طه إبراهيم – رحمه الله - إدراك أن ذلك التوافق الذي يلحظ بين القصيدتين في بعض الأبيات إلى حد تكرار لأبيات وأشطر قد يكون من عمل الرواة الذين حُمل الشعر الجاهلي وغيره عبرهم إلى الأجيال المتلاحقة.
وأما المشاركة بين قصيدتي الشاعرين في كثير من الألفاظ والعبارات والمعاني فالمعروف أولاً أن اللغة إرث جماعي مشترك، ليس ملكاً خاصاً لأحد أو بأحد، يضاف إلى ذلك أن هذه المشاركة ليست خاصة بالشاعرين، بل هي أمرٌ شائع في الشعر الجاهلي، فإن كان ذلك يحمل على الشك في قصيدتي الشاعرين، أو في القصة موضوع الطرح فإن الشك إذاً يندرج على كل الموروث الجاهلي، بل والموروث الإسلامي في ميدان الشعر، وهو ما ترفضه الذائقة الأدبية، ويأباه المنطق، وينكره الواقع، ولو حمل المرحوم هذه المشاركة في بعض العبارات والمعاني على أنها شيء من عمل الموقف (موقف الاحتكام الذي لا يتم في الظن والفهم إلا بأسلوب المناقضة) ونتيجة له لكان – فيما نرى – أقرب إلى الصواب، وألصق.
--- إحساسه بانحراف أم جندب في الحكم أن لم يأت حكمها لصالح امرئ القيس؛ وذلك بما أنه قد عرف بالتبريز في \"وصف الخيل والصيد، وشُهر بذلك دون الجاهليين وهو في المعلقة، وفي قصيدته اللامية الأخرى لا يجاري في هذا الصدد\"، هذا الإحساس جعله سبباً من الأسباب الرئيسة لإنكار القصة، ومن ثم الدعوة إلى نفض اليد منها. ومن ثم عدم الاكتراث أو الالتفات إلى ما تحمل من رؤية نقدية تترجم هذه النقلة النوعية في النقد الجاهلي.
قلت : ومتى كان الاشتهار بالتفوق في غرض أو موضوع من موضوعات الشعر أساساً نقدياً يسلم إلى الحكم بزيف قصة أخذت عمن لا يتهم بحال، بل أساساً للحكم بالتميز والغلبة لشاعر على آخر، وإن كان هذا الشاعر هو امرأ القيس؟ ثم أليس من المنطقي ها هناك الاحتكام إلى مقولة:
لكل سيف نبوه ، ولكل جواد كبوة .. !؟
هذا إذا تناسينا مكانة خصم امرئ القيس في ميدان الإبداع الشعري. فهو علقمة الفحل، الشاعر الجاهلي الذي اشتهر \"بخصب الخيال، وعذوبة الموسيقى، ورصانة التعبير والأسلوب، ودقة التصوير والوصف، فهو يسب في وصفه الإبل والخيل، وذكر طير النعام.. الخ\"(16)-
يعتدُّ الأستاذ المرحوم طه إبراهيم بورود لفظتي: (روى، قافية) في القصة، ثم اشتراط أم جندب أن تكون المباراة بين الشاعرين داخل إطار موضوع شعري واحد، هو وصف الخيل دليلاً على أن القصة مختلفة، أو على الأقل لا تحظى بقبول، فضلاً على أن ينتفع بما خلفت من نقد،س أو أن يشار إليه.
والأمر في ذلك أهون من أن يؤدي إلى ارتياب من أي نوع، خاصة وأن اشتراط موضوع شعري واحد ليكون ميداناً للمباريات لا يحتاج إلى أسس مقننة فكرية أو غير فكرية، بل هو من البدهيات التي لا يعلن اشتراطها عن قدرة عقلية أو فكرية.
وأما لفظتا: الروي والقافية فهما من الألفاظ المألوفة للشعراء في العصر الجاهلي، لا أقول في بُعدها الاصطلاحي الكامل، ولكن في سياقها الذي أسس البعد الاصطلاحي بعد ذلك بوحيه وعلى هديه على أهون تقدير .
والخطأ كل الخطأ في تصور الانفصال التام بين دلالة اللفظة على المستوى اللغوي ومضمونها الاصطلاحي، ومن هنا تبزع حقيقة وجود جذر للمعنى الاصطلاحي لأغلب المفردات، إذ وضع العلماء اصطلاحاتهم بالتأكيد في غير ما غيبة تامة للمعنى اللغوي، بل لا يتصور ذلك.
وكلمة قافية – مثلاً – لم تكن غائبة عن الذائقة اللغوية قبل عصر التأليف، بل استعملها الشعراء في المعنى الذي صار بعد اصطلاحياً إن لم يكن بشكل حرفي كامل فهو يكاد، فهي في اللغة قديماً تعني: الإتيان أو المجيء ختاماً في إثر سابق، \"وقفيت على أثره بفلان، أي اتبعته إياه\"(17)، وفي القرآن الكريم: \"ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ..\" (الحديد 27(
وليس من المتصوَّر البتة بناء على ذلك أن كل الاستعمالات التي اصطلح عليها علماء الأمة في عصر التأليف في كل المجالات المعرفية والثقافية كانت مغايرة لسياقها اللغوي السابق. والمعلوم المؤكد – وأشرنا إليه سابقاً – أن اللغة إرث جماعي، تحمل المفردات فيه السياق أو الارتباطات من شخص إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، بل من عصر إلى عصر فتشكل تأثيراً واحداً، أو يكاد في التخيل والإحساس مع الاحتفاظ بأثر المستجدات العصرية أو الزمنية في تشكيل التوجه، وتوجيه التخيل.
بل لِمَ نُبعد كثيراً والمعلوم المشتهر أن الشاعر العربي الجاهلي - انطلاقاً من سياق ثقافي فنّي عام - كان يطلق مصطلح القافية وهو يريد القصيد على ما سنجد في بعض الأشعار قريباً.
ومن هنا فإن عين المراد من كلمة قافية اصطلاحياً هو مراد أم جندب أو على الأقل بعضه بل أكثره، أقول ذلك مع النص على أن أم جندب قد نطقت ذلك، وهي لا تهدف إلى اصطلاح مَّا، ولكن المفهوم سكنها فعبرَّت عنه، وجاء المعنى الاصطلاحي بعد موافقاً ليس لاستعمالها هي حسب، لكن لاستعمال جمهور الشعراء في عصرها، وما تلاه.
وأما كلمة \"رويِّ\" فنوجز القول فيها بذكر قول النابغة الذبياني:
فحسبك أن تهاض بمحكاتٍ يمرُّ بها الرويُّ على لساني(18(
والشواهد على ذلك كثيرة، بل ناصة في العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام على ما عرف بعد كمضمون اصطلاحي لكلمة قافية، ومن ذلك قول امرئ القيس بن بكر بن امرئ القيس الكندي (جاهلي)، مفتخراً باقتداره الشعري:
أذود القوافي عني ذيادا ذياد غلام جرئ جرادا
فلما كثرن وأعيينني تنقيتُ منهن عشراً جيادا
فأعزل مرجانها جانباً وآخذ من درها المستجادا

وكذلك قول تميم بن أُبيّ بن مقبل العجلاني (جاهلي إسلامي) هادفاً إلى الغاية ذاتها:
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها تالياً مثلي أطبَّ وأشعرا
وأكثر بيتا مارداً ضربت له حزون جبال الشعر، حتى تيسرا
أغرَّ غريباً يمسح الناس وجهه كما تمسح الأيدي الأعرَّ المشهرا(19(
وقول كعب بن زهير (إسلامي) مجيباً الحطيئة إلى طلبه ذكره في الشعر:
فمن للقوافي شأنها من يحوكها إذا ما مضى كعب وفوّز جرولُ
كفيتك لا تلقى من الناس واحداً تنخل منها مثل ما يتنخل
يثقفها حتى تلين كعوبها فيقصر عنها من يسيء ويعملُ(20(
ويطول بنا الحديث ويمتد إن أردنا في حديثنا الاستقصاء، والبعض في هذا الصدد مُغنٍ عن الكل؛ إذ هو من بابه وسنخه.
وكل الشعراء في هذا الصدد أرادوا المعنى الذي فهم بعد من المضمون الاصطلاحي لكلمة قافية، إذ أطلق كل الشعراء الجزء، وأرادا الكل، وتلك سبيل بلاغية عرفتها اللغة قديماً في مستويات تعبيرية متنوعة، وقدمها القرآن الكريم، كما قدم صورتها الثانية، وذلك في مثل قوله تعالى: \"يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ..\" (البقرة 19)
وبناءً على كل ما سبق طرحه نقول: ليس ثمة من مبرر يبرر ارتياب الأستاذ طه إبراهيم – رحمه الله – وشكه في مثل هذه القصة، وإذن فهي صحيحة.
ويترتب على ذلك أن هذه القصة – كما قال هو: \"لها دلالة كبيرة في النقد الأدبي، فأم جندب تريد مقياساً دقيقاً؛ تستند عليه في الموازنة هو: وحدة الروي، ووحدة القافية، ووحدة الغرض، وهذا يكفي لأن يكون أساساً من أسس النقد في العصر الجاهلي. وهذا يكفي دليلاً على أن النقد – في بعض الأحيان – لم يكن سليقة وفطرة، بل كانت له أصول يعتمد عليها..\" ا هـ.
وتظل حقيقة أن الشك حين يطلق له الشاك العنان ينطلق مارداً، لا يحكمه منطق ولا تحجزه حقيقة، ولا تمنعه وضوح رؤية، فهو يطمس كل معالم الحقيقة التي تتكشف في الطريق أمام ناظري الشاك، أو – على الأقل – تجعله لا يتقبل من الرؤى إلا ما كان موافقاً لطريقه في الشك، وسبيله في الارتياب.
أقول: تظل هذه الحقيقة حاضرة في حوارنا هذا مع طرح المرحوم الأستاذ طه إبراهيم، وذلك أن كل طرحه بخصوص الممارسة النقدية في العصر الجاهلي يقوم على الرفض – المسبق فيما يبدو – لكل ما يعزى إلى هذا العصر مفيداً تجاوز الممارسة النقدية لمجرد الاكتفاء بالارتكاز على الفطرة والسليقة، أو الوقوف فقط عند النظرة الجزئية الذاتية، أو الانطباعية السريعة التي لا تغذَّي إلا - فقط – بماء الإحساس بأثر الشعر في النفس، ووقعه على الروح.
ومن هذا الباب نراه قد أسلم نفسه إلى الشك مرة أخرى ، فأسلمه الشك إلى تخبط في الرأي بصدد اختيار الجاهليين للمعلقات ثم كتابتها، وتعليقها في الكعبة، لا لشيء إلا لمجرد أن التسليم بحدوث ذلك يتبعه التسليم بالقدرة الفنية ، التي تمكن من النقد المبني على أسس فنية للعرب الجاهليين، وهو ما يحرص على إعلان ضده وإثبات أن العرب الجاهليين لم يكونوا يمتلكون هذه القدرة ولا بعضها، يقول:
\"بقيت مسألة أخرى، وهي مسألة المعلقات، وكتابتها، وتعليقها، ولو أن العرب فعلوا ذلك لكان هذا نوعاً من النقد، إذ إنها اختيار لقصائد بعينها، وحكم ضمني بجودتها، وتفضيلها على سواها.
ولو صحت تلك القصة لوجب أن تعد من مظاهر النقد في العصر الجاهلي ، ولكان لنا أن نقول : إن الجاهليين اختاروها لعناصرها الفنية، أو صلتها بالحياة الاجتماعية عند العرب، أو حسن تصويرها لتلك الحياة\" ا هـ.
قلت : هذا الذي قدمه على أساس أنه افتراض هو حقيقة لا تدع المجال للارتياب فيها، والنظرة العجلى في نسيج هذه المعلقات مقارنة بغيرها من قصائد الشعر الجاهلي تدعم حقيقة تميزها الذي حقق لها انتشاراً واسعاً، ووجوداً حياً خارج الإطار الزمني والمكاني للعصر الجاهلي، حيث \".. تداولتها الأجيال، ورأت فيها ثروة حية للتراث الفني والجمالي في العصر الجاهلي، من حيث معمار القصيدة ، وما زخرت به من لمحات اجتماعية ، وما أشارت إليه من قيم كان يعتد بها العربي القديم، وما أرسته من تقاليد فنية..\"(21)
ثم إن خبر تعليق المعلقات لم ينكره من العرب، قدمائهم ومحدثيهم إلا اثنان من أدباء الأمة ولغوييها، وهما أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس (ت 486هـ) في القديم، والمرحوم مصطفى صادق الرافعي في العصر الحديث.
ويبقى جمهور علماء الأمة على التسليم بحدوث ذلك، لأنه ليس ثمة ما يمنع منه ، وخاصة بعد التأكد من معرفة العرب للكتابة في ذلك العصر، وبعد الوقوف على معتاد أمرهم حين يكون بيدهم وثيقة، أو نص مكتوب يحملون له في أنفسهم قداسة ما، أو يعرفون ما له من أهمية تجعله فريداً عزيزاً، إذ كانوا يضعونه في جوف الكعبة، والظن كل الظن أن أحداً لا يستطيع بحال أن ينكر مثلاً خبر صحيفة المقاطعة التي بموجبها تم عزل المسلمين وحصارهم ... و ... وأن هذه الصحيفة قد وضعها العرب في جوف الكعبة.
وإذن فثمة مؤشرات تجعل من غير المستبعد أن يكون للجاهليين ملكة نقدية فاعلة تناسب – على أقل تقدير – روح المرحلة التي كانوا يحيونها، وتشير – في بعض مواقفها – الخاصة ، أو التي قد لا تشكل نسقاً عاماً إلى نقله نوعية – في الممارسة النقدية – تناسب ما كان عليه العربي في ذلك العصر من دقة الحسّ ،وتوقد الخاطر، وما كان يمتلكه من ملكة لغوية نافذة، تجعله مؤهلاً لتقديم النقدات اللامحة السريعة إلى الصياغة والمعاني على حد سواء. وتلك هي المهمة الأساس التي تعني بها الممارسة النقدية.
وكما ألمعنا سابقاً لا يوجد ما يتعارض مع حدوث ذلك، في مقابل أنه يوجد ما يدفع إلى ذلك ويؤدي إليه حيث الملكة اللغوية التي اكتسبت خبرة في مجال كيفية التعامل مع السياق، ومن ثم النص على مواطن القبح، ومكامن الجمال، وإن كان ذلك قد تم - في الأغلب – بإجمال.
نقول ذلك حيث إن أغلب الذين مارسوا العملية النقدية – إن لم يكن كلهم – قد كانوا من الشعراء، وهم الذين وصلت إلينا إبداعاتهم ناضجة مكتملة على نحو يستدعي أن تكون إبداعاتهم النقدية إن لم تكن ناضجة مكتملة فهي هادفة موضوعية في أغلبها.
وبعض البارزين من شعراء هذه المرحلة، وهو النابغة الذبياني الذي مارس النقد على هذا المستوى قد عرف عنه مثلاً أنه كان مؤهلاً للنقد الموضوعي الذي لا يخلو من تحليل وتعليل، يتناسبان مع السياق الثقافي للمجتمع.
وذلك ما جعل نقاد الشعر الجاهلي ودارسيه يضعونه \"في الطبقة الأولى من المجودين مع زهير بن أبي سلمى ، زعيم مدرسة المجودين للشعر، والمنقحين له فهو يقول عن شعره :
فحسبك أن تهاض بمحكمات يَمر بها الرَّويُّ على لساني
فشعره مجودٌ، محكم، منتشر.
وقد اكتسب النابغة هذه المكانة أيضاً بتجاربه، وأسفاره، واتصاله بالغساسنة والمناذرة، مما أخصب شعره بالتجارب، بل ما جعله رائداً لموضوع شعر الاعتذار في الأدب العربي..\"(22)
وكل ذلك مما يسوقنا إلى محاولة توصيف التجربة النقدية في العصر الجاهلي، وذلك بطرح بعض مظاهرها كما تكشفت لنا، وهي على النحو التالي:
أولاً : أن اكتمال صورة الممارسة النقدية أمرٌ وإن لم يتحقق في العصر الجاهلي فإنه لا يعني انزواء التجربة النقدية – فقط – داخل إطار النظرة التي تسوقها الفطرة والسليقة، بل أعلنت بعض المواقف النقدية عن تحفزها لأن تشب عن الطوق ، لتخرج لنا من نفسها صورة إن لم تكن موازية لاكتمال صورة التجربة الشعرية التي وصلت إلينا، كانت متحركة إلى ذلك، أو غاذة السير إليه في تؤده.
ثانياً : أن الزخم الفني الذي أعلن عن نفسه في صور كثيرة – خلال العصر الجاهلي – منها ، مثلاً – كثرة الأسواق التي لم تكن تجارية الهدف حسب، بل كانت فرصة كبرى لاجتماع القبائل بغايات متعددة، وتلاقي الشعراء للمفاخرة والتنازع والاحتكام، وذلك على النحو الذي أحالها منتديات أدبية نقدية مثمرة في ميدان الدرس النقدي.
كما كان منها كثرة التقاء الشعراء في مناسبات أخرى، كالتقائهم بأفنية قصور الأمراء والملوك .. وغير ذلك ، مما شكل باعثاً على أن يقوم بعضهم بنقض شعر الآخر، والتفرس فيه، وهو ما أوجد سياقاً عاماً دافقاً، ودافعاً إلى تحريك الذائقة اللغوية، بل إعمالها على نحو غير متبلد أو رتيب، أو قاصر على مجرد إعمال السليقة والفطرة حال النظر في الشعر، وهو ما أفسح المجال للنظرة الموضوعية المعللة.
ثالثاً : كان المبدعون من الشعراء يمارسون النقد الذاتي لأعمالهم، قبل أن يطلعوا بها على الناس، أو يخرجوا بها إلى المحافل والأسواق، ووصل الأمر ببعضهم في هذا الجانب إلى حد صار معه يقضي العام الكامل في تنقيح قصيدته، وإعمال قريحته في غربلة ألفاظها، وتجويد معانيها. كما أثر عن زهير بن أبي سلمى، صاحب الحوليات، ومن لاذ لواذه من أصحاب مدرسة الصنعة في الشعر.
وما كان ذلك منهم إلا رغبة في علو الشأن والبلوغ – في الفن – مرتبة رفيعة تؤدي إلى الاشتهار بالتبريز فيه.
وكل ذلك أهلهم للنظر في نتاج غيرهم بعين الفحص الفاعلة، ولعل الحقيقة – مثلاً – تنطق برفض لبيد بن أبي ربيعة الشعر الذي ينطلق – فقط – من مجرد الرغبة في التقليد ، حين قال:
والشاعرون الناطقون أراهم سلكوا طريق مرقشٍ ومهلهل(23)
رابعاً: وصل النقد إلى حال من وضوح المهمة، وظهور الطريق في أذهان ممارسيه أو بعضهم إلى حد الوقوف على أهمية نزاهة الحكم، والنأي عن التأثر بالميول النفسية التي تكون مع، أو ضد في إصدار الحكم حتى وجدنا الشاعر الذي نصَّب نفسه للنقد ينصف ألدَّ أعدائه، وهذا هو حسان بن ثابت رضي الله عنه - في الجاهلية كما يستشف من القول – يقول:
\" إنا إذا نافرتنا العرب، فأردنا أن نخرج الحبرات من شعرنا أتينا بشعر قيس بن الخطيم\"(24)، ألا يشير ذلك إلى روح الإنصاف التي رأى السياق الثقافي إذ ذاك أن على الشاعر التحلي بها. كما أدرك بعضهم مضمون ما عرف بَعدُ تحت مصطلح السرقات الأدبية في المجال النقدي، فتحدث عنه.
قال طرفة بن العبد:
ولا أغير على الأشعار أسرقها عنها غنيتُ، وشر الناس من سرقا(25)
كما قال حسان بن ثابت، مبعداً إلى حيث التفت إلى قضية توارد الخواطر إضافة إلى نصه على قضية السرقات:
لا أسرق الشعراء ما نطقوا بل لا يوافق شعرهم شعري(26)
خامساً : يستطيع الناظر في حركة النقد الأدبي الجاهلي أن يفرق في توصيفها بين طرحين اثنين :
- طرح يطلب أثر التنظير الفكري النقدي الذي يشكل منهجاً نقدياً في هذا العصر، ويبحث عنه في المواقف التي تعلن عن ممارسة النقد في العصر الجاهلي، فلا يجده، فيعود باللائمة على العصر كله، والحركة النقدية فيه.
- طرح يطلب المنحى الفني الخالص من أثر التعمق الفكري،س والمنطلق من أسس فنية صنعها السياق الثقافي، فيجده، فيرصد للحركة النقدية حضوراً وحياة، فيكتفي بذلك، واضعاً في اعتباره أن ذلك عصر حكم حياة الأفراد فيه مبدأ عدم الاستقرار الذي هو مطية إعمال الفكر.
والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل،،،
____________________________________
الهوامش
-- ديوان ابن مقبل، تحقيق د. عزة حسن، ص 136، طبع وزارة الثقافة ، دمشق ، 1381هـ - 1962م.
-- تاريخ النقد الأدبي عند العرب في العصر الجاهلي إلى القرن الرابع، المرحوم طه أحمد إبراهيم، ص 22، دار الكتب العلمية، بيروت ، ط1، 1405هـ 1985م
-- النقد المنهجي عند العرب، د. محمد مندور، ص 376، دار نهضة مصر، الفجالة، القاهرة (د.ت)
-- الحيوان للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، 3/62، دار الجيل ، بيرون، والشاعر معقر بن حمار البارقي جاهلي وهو صاحب البيت الشهير: فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قرَّ عينا بالإياب المسافر
-- الشعر والشعراء لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، 1/180–181، طبع دار التراث العربي، 1968م.
-- لسان لعرب لابن منظور، ط دار المعارف (حبر(
-- البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، ط المدني ، 1/66، ط5، 1405هـ – 1985م، والبيت لأعرابي قيل: إنه نزل البصرة. فهو إذاً يعيش على الفطرة في التصور والنظر، واسمه أبو البيداء الرياحي.
-- عزى ابن قتيبة هذا الخبر للأصمعي، الشعر والشعر، 1/173-174، وانظر 1/351 من المصدر عينه.
-- الرواية في الأغاني.
والموشح.
وهي في الشعر والشعراء مع بعض اختصار ، 1/351.
-- كذا ورواية البيت كما في ديوان الخنساء شرح ثعلب، وابن سيار النحوي، تحقيق د. أنور أبو سويلم، ص 378، جامعة مؤته، الأردن، ط1، 1409هـ – 1988م.
ما هاج حزنك أم بالعين عوار؟ أم ذرفت أم خلت من أهلها الدار؟
-- الشعر والشعراء، 1/189، والخلاف بين الاسمين: المسيب بن علس والمتلمس الضبعي وارد متخيل فالشاعران يجمعهما صفة نادرة هي أنهما من أشعر المقلين في الجاهلية. انظر 1/188، من المصدر السابق.
-- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، المرحوم طه إبراهيم، ص23.
-- السابق ، ص24.
-- الشعر والشعراء، 1/224-225، ولكنك له وامق أي: محبة.
- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، المرحوم طه إبراهيم، ص26.
-- ديوان علقمة الفحل، شرح سعيد نسيب مكارم، ص 7 من المقدمة ، طبع دار صادر، ط1، 1996م.
-- لسان العرب لابن منظور، (قفا(
-- ديوان النابغة الذبياني، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ص112، طبع دار المعارف، ذخائر العرب (52)، من قصيدة له في هجاء يزيد بن عمرو بن الصعق الكلابي ومطلعها:
لعمرك ما خشيت على يزيد من الفخر المضلّل ما أتاني

-- ديوان ابن مقبل، تحقيق د. عزة حسن، ص136.
-- الشعر والشعراء لابن قتيبة ، 1/162.
-- في الأدب العربي القديم، د. محمد صالح الشنطي، 1/80، دار الأندلس للنشر والتوزيع، حائل- السعودية، ط2، 1417هـ - 1997م، ضمن سلسلة (الأدب العربي عصوره وفنونه، وقضاياه، ومختارات مدروسة من نصوصه(
-- فصول في النقد الأدبي وتاريخه ، دراسة وتطبيق، د. ضياء الصديقي، د. عباس محجوب، ص65، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة مصر، ط1، 1409هـ – 1989م.
-- ديوان لبيد بن ربيعة العامري، ص 128، طبع دار صادر، بيروت، من قصيدة له يذكر فيها الموت، ومطلعها:
لله نافلة الأجل الأفضل وله العلى وأثيت كل مؤثل
-- ديوان قيس بن الخطيم، تحقيق د. ناصر الدين الأسد، ص9 من المقدمة، طبع دار صادر، بيروت، نقلاً عن معجم الشعراء للمزرباني، ص 196.
- – ديوان طرفة بن العبد، ص 70، طبع دار صادر بيروت، وبعده البيت الشهير :
وإن أحسن بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا
- – من قصيدة له مطلعها:
حَيِّ النضيرة ربَّة الخِدر أسرتْ ، ولم تكن تُسري
انظر ص 106 من ديوان حسان بن ثابت . شرح وتقديم: أ/ عبد أمهنا. دار الكتب العلمية . بيروت. ط: الثانية. 1994م.
ثبت المصادر والمراجع
-- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
-- البيان والتبيين للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، طبع المدني ، ط5، 1405هـ – 1985م.
- تاريخ النقد الأدبي عند العرب من العصر الجاهلي إلى القرن الرابع، للمرحوم الأستاذ طه أحمد إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ - 1985م.
- الحيوان للجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، دار الجيل، بيروت.
-- ديوان الخنساء، شرح ثعلب، وابن سيار النحوي، تحقيق د. أنور أبو سويلم، جامعة مؤته، الأردن، ط1 ، 1409هـ - 1988م.
-- ديوان علقمة الفحل، شرح سعيد نسيب مكارم، طبع دار صادر ، بيروت، ط1، 1996م.
-- ديوان قيس بن الحطيم، تحقيق د. ناصر الدن الأسد، طبع دار صادر، بيروت.
-- ديوان ابن مقبل، تحقيق د. عزة حسن، طبع وزارة الثقافة، دمشق ، 1381هـ - 1962م.
-- الشعر والشعراء لابن قتيبة، تحقيق أحمد محمد شاكر، طبع دار التراث العربي، 1968م.
-- فصول في النقد الأدبي وتاريخه، دراسة وتطبيق د. ضياء الصديقي، د. عباس محجوب، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، مصر، ط1، 1409هـ - 1989م.
-- في الأدب العربي القديم، د. محمد صالح الشنطي، دار الأندلس للنشر والتوزيع ، حائل – السعودية، ط2 ، 1417هـ - 1997م، ضمن سلسلة (الأدب العربي، عصوره ، وفنونه، وقضاياه، ومختارات مدروسة من نصوصه(
-- لسان العرب، جمال الدين بن منظور، طبع دار المعارف، مصر.
-- الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء.
-- النقد المنهجي عند العرب، د. محمد مندور، طبع دار نهضة مصر، الفجالة، القاهرة، (د.ت(
_____________________


ثانيا : طبقـات فحـول الشعـراء
عرض وتحليل ونقد

د. نبيل خالد أبو على
أستاذ النقد الأدبي المشارك
الجامعة الإسلامية ـ غـزة
الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي للابحاث والدراسات
ملخـص:
قد تبدو العودة إلى كتاب طبقات فحول الشعراء ودراسته من جديد مستغربة بعد تلك الدراسات العديدة التي تعرضت له ؛ التي جاءت في معظمها في بطون كتب النقد كجزء ضروري لتمثيل بدايات التأليف النقدى .
ولكن الأكثر غرابة حقاً ألاَّ نجد دراسة متأنية تحاول استكناه حقيقة الكتاب والوقوف على ماهية ضوابط ابن سلام النقدية ؛ التي كانت في نهاية المطاف أبلغ تصوير لحالة النقد الأدبي في صورته الأولى المنظمة .
لذلك استعرضت هذه الدراسة مختلف المباحث والقضايا التي عالجها الكتاب ، واهتمت بالقضايا الأدبية والنقدية منها واعتنت بتحليلها وإبداء الرأي فيها ، وقد حرص الباحث على الكشف عن ماهية مقاييس ابن سلام النقدية ومدى موضوعيتها ، واستجلاء حقيقة مقاييس الجودة التي اعتمدها ابن سلام في تصنيف فحول الشعراء وإنزالهم منازلهم من طبقاته ، ثم إبداء الرأي في تلك الطبقات ومناقشتها في ضوء منجزات الحركة النقدية والتنبيه على أوجه القصور ومواطن الإصابة .

أمـا قبـل :
فقد حظي كتاب ابن سلام باهتمام كثيرٍ من النقاد والدارسين ، وأكاد أزعم أنه لا يخلو كتاب في النقد أو الأدب من ذكر ابن سلام وطبقاته . وقد وقفت على العديد من تلك الكتب التي تعرض أصحابها لطبقات ابن سلام ، ورأيت أن بعضهم كان مدفوعاً وهو يتحدث عن النقد الأدبي عند العرب إلى التعرض لذكر مصنف ابن سلام لأنه فقط يمثل البداية التي لا يمكن إغفالها ، ولمّا كانت العجالة هي سمة تلك الدراسات فإن أصحابها تسرعوا في إصدار الأحكام وأغفلوا بعض جوانب الكتاب وقضاياه الهامة.
أما البعض الآخر فكان أكثر عناية بالكتاب ومباحثه ، إذ دفعهم الإعجاب بمقدمة ابن سلام النظرية وعقليته العلمية ـ على حد رأيهم ـ إلى تناول قضايا الكتاب وإظهار الرأي فيها . ولأنهم ـ في الغالب ـ اتبعوا الطريقة الانتقائية فيما تناولوا من قضايا الكتاب ، واستغنوا ـ غالباً ـ بما أجمله ابن سلام في مقدمته عن البحث في ثنايا الكتاب ، فقصروا في البحث عن مقاييس ابن سلام النقدية أو بعضها ، وأغفلوا ذكر بعض القضايا التي يعد ابن سلام أبا عُذْرَتِها، رأيت لكل ذلك وبعد طول نظر أن أحبّر هذا البحث الذي يستعرض أبواب الكتاب وفصوله ، ويقف على مباحثه وقفات منقرة ، ويناقش قضاياه النقدية ، ويبين ما لها وما عليها ، ويحاول الوقوف على ما استقر في ثناياه من ضوابط النقد الأدبي ومعاييره الفنية .
* * *
محمد بن سلام :
هو أبو عبد الله محمد بن سلاّم بن عبيد الله بن سالم الجمحىّ البصرىّ ، مولى قُدامة بن مظعون الجمحىّ بالولاء، ولد بالبصرة سنة 139 هجرية ، 756 ميلادية ، وتوفى في بغداد سنة 232 هجرية ،847 ميلادية . نشأ في البصرة بيئة علماء العربية الأوائل وفحولها ، والتقى كثيراً من علماء اللغة والنحو ورواة الأدب والأخبار الثقات ، وسمع من شيوخ العلم والحديث والأدب وروى عنهم ، فحدّث عن حماد بن سلمة ، ومبارك بن فَضَالة ، وزائدة بن أبى الرُّقاد ، وأبى عَوَانة ، والأصمعى ، وأبى عبيدة...
وقد اشتهر بسعة علمه وصدق روايته ، وممن روى عنه من الثقات : أحمد بن يحى ثعلب ، وأبو حاتم السجستانى ، وأبو الفضل الرياشى ، والمازنى ، والزيادىّ ، وأحمد بن حنبل ، وابنه عبد الله بن أحمد ، وأبو خليفة الجمحى . وقد ذكر صاحب الفهرست أن لابن سلاّم إلى جانب \" كتاب طبقات فحول الشعراء \" ثلاثة كتب أخرى هى : الفاصل في مُلَح الأخبار والأشعار، وبيوتات العرب ، والحلاب وأجر الخيل ، وأضاف ياقوت كتاباً رابعاً هو: غريب القرآن
إن كتاب طبقات فحول الشعراء من أقدم كتب النقد الأدبي، ومؤلفه من أوائل النقاد الذين اعتنوا بالشعر والشعراء ؛ فهو أول من خص النقد الأدبي بدراسة مستقلة بعد أن كان جُملاً وفقرات متناثرة في بطون الكتب.
ماهيـة الكتـاب :
افتتح ابن سلام كتابه بمقدمة قيِّمة تعكس أهمية الكتاب وغايته ومنهجه ، أما أهمية الكتاب فتتجلى في عدة أمور ؛ منها : اهتمامه بالشعر العربى القديم ، وحيوات قائليه وأحوالهم ، يقول : \" ذكرنا العرب وأشعارها ، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها ، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب ، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها ، فاقتصرنا من ذلك على مالا يجهله عالم ، ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب ، فبدأنا بالشعر.
وهو في عمله هذا لا يهدف إلى جمع أشعار القدماء والحديث عن أخبارهم وأيامهم فحسب ، بل إن هدفه الرئيس هو تخليص ذلك الشعر مما علق به من شوائب ، وما أضيف عليه من مصنوع مُفْتَعَلٍ ، ثم التنبيه على مكانة كل شاعر ومنزلته بين شعراء عصره .
ولكى يحقق ابن سلام هذه الغاية نراه قد استعرض معظم المقاييس النقدية التي كانت سائدة في عصره ، ثم حدد بعض الثوابت التي سيأخذ بها ؛ من ذلك ما نراه من تبرير رفضه الأخذ بما ورد في بطون الكتب من أشعار ، يقول : \" وقد تداوله قوم ـ أى الشعر ـ من كتابٍ إلى كتابٍ ، لم يأخذوه عن أهل البادية ، ولم يعرضوه على العلماء . وليس لأحد ـ إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه ـ أن يَقبل من صحيفة ، ولا يروى عن صُحُفى، ومنها ما نراه من اِلتزامه برأى الجماعة حين يقول : \" وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر ، كما اختلفت في سائر الأشياء ، فأما ما اتفقوا عليه ، فليس لأحد أن يخرج منه\" . ثم تحدث عن أهمية عمل الناقد وما ينبغى أن يتزود به من صنوف العلم والثقافة ، إضافة إلى الذوق والفطرة ؛ والدربة والممارسة، وذلك لكى يتمكن من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه ، والتى منها إضافة إلى تمييز الجيد من الردئ ؛ تخليص ذلك الشعر مما دخله من مصنوع .
وفى مقدمة كتابه تحدث أيضاً عن الكثير من الأمور التي تتعلق بالشعر وبداياته ، وبعض ما أصابه من عيوب وآفات تتعلق بالنشأة الأولى وتدلل عليها ، وأبرز أخبار الشعر والشعراء ، وما طرأ على الشعر في الإسلام .. ، وكذلك اللغة العربية وأول من تحدث بها ، والنحو العربى ونشأة مباحثه وتطورها .. ، وقبل أن يشرع في بناء طبقاته حدد المنهج الذى سيسير عليه بقوله : \" .. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً ، فألَّفْنا مَنْ تشابه شعره منهم إلى ُنَظرائه ، فوجدناهم عشر طبقات ، أربعة رهط كل طبقة ، مُتَكافِئين مُعْتِدلين ، وقال في موضع آخر : \" .. ثم إنا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهْطٍ أربعة ، اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة ، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ . وسنسوق اختلافهم واتفاقهم ، ونسمِّى الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم ـ وليس تَبْدِئَتُنَا أحدهم في الكتاب نحكم له ، ولا بد من مبتدأٍ ـ ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى.
القضايا النقدية التي تناولها ابن سلام في طبقاته
أولاً : قضية الانتحال:
تعد قضية الشعر الموضوع أبرز القضايا النقدية التي عالجها ابن سلام في كتابه ، وهو أول من انتبه إلى خطورة هذه القضية في عصره ؛ ذلك العصر الذى ازدهرت فيه حركة التدوين ، حيث اهتم علماء العربية بجمع العلوم والمعارف العربية والإسلامية من أفواه الرواة، وعكفوا على تحقيقها والتأكد من صحة روايتها وتخليصها مما علق بها من أغاليط الرواة ووضع الوضَّاعين . وقد لاحظ ابن سلام أن بعض الشعر الجاهلى الذى يتناقله الرواة مصنوع ، واستدل على ذلك بدليلين ، أولهما : عدم وجود قرينة على انتماء بعض ما يتداوله الرواة مكتوباً إلى العصر الجاهلى ، فهو لم يأت مروياً عن أهل البادية ، ولم يعرض على علماء العربية الثقات . وثانيهما : يعود إلى ضعف مستوى ذلك الشعر ، فهو شعر \" مصنوعٌ مُفْتَعَلٌ موضوعٌ كثير لا خيرَ فيه ، ولا حُجَّةَ فىعَرَبِيَّةٍ ، ولا أدبٌ يُستفاد ، ولا معنىً يُسْتخرج ، ولا مَثَلٌ يُضْرَب ، ولا مديحٌ رائعٌ ، ولا هجاءٌ مُقْذِعٌ ، ولا فخرٌ مُعْجِبٌ ، ولا نسيبٌ مُسْتَطْرَفٌومن هؤلاء الرواة نجده ينتقد محمد بن إسحق صاحب السيرة ، إذ يرى أنه هجَّن الشعر وأفسده وأورد في كتابه أشعاراً لأناس لم يقولوا الشعر قط ، بل أورد أشعاراً ترجع إلى قوم عاد وثمود ، قال : \"كتب في السِّيَر أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط ، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال ، ثم جاوز ذلك إلى عادٍ وثمودَ ، فكتب لهم أشعاراً كثيرة ، وليس بشعر ، إنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ معقودٌ بقَوَافٍ\" ، الأمر الذى جعل ابن سلام ينفى هذا الشعر ، ويرفضه ؛ مبيناً الأدلة التي تستدعى رفضه ، وهى :
1 ـ أدلة قرآنية : وتتمثل فيما جاء في القرآن الكريم من آيات عديدة تتحدث عن الأمم السابقة وانقطاع دابر بعضها ، فالله يقول : ] وأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الأُولَى وثَمُودَ فَمَا أبْقَى ,ويقول في عاد فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِن بَاقِيَةٍ فإذا كان الله قد أهلك قوم عاد وثمود جميعاً فمن إذن حمل هذا الشعر ؟ ، ومن أدَّاه منذ آلاف من السنين؟.
2 ـ أدلة تاريخية : وتتمثل في رجوع ابن سلام إلى تاريخ اللغة العربية ؛ واختلاف لهجات العرب ، وكذلك إلى تاريخ الشعر العربى ، حيث يرى :
ـ أن اللغة العربية لم تكن موجودة في عهد عاد وثمود ، وليس يصح في الأذهان أن يوجد شعر بلغة لم توجد بعد . فأول من تكلم بالعربية هو إسماعيل بن إبراهيم واسماعيل كان بعد عاد وثمود.
ـ أن الشعر الموضوع ـ المنحول ـ الذى نسبه الرواة إلى قوم عاد لا يمثل لغة عاد ، فعاد من اليمن ؛ ولسان اليمانيين يختلف عن هذا اللسان العربى ، ويستدل ابن سلام على ذلك بقول أبى عمرو بن العلاء: \" العرب كلُّها وَلَدُ اسماعيلَ ، إلاّ حِمْيَرَ وبقايا جُرْهُم\" ، وقوله : \" مالسانُ حِمْيَرَ وأقاصِى اليمن اليوم بلساننا ولا عربيَّتهم بعربيَّتنا ويقيم الحجة على رواة تلك الأشعار الموضوعة فيقول : \" فكيف بما على عهد عاد وثمود ، مع تداعيه وَوَهْيِه ؟ فلو كان الشعر مثل ما وُضِع لابن إسحاق، ومثل ما روى الصُّحُفِيُّون ، ما كانت إليه حاجة ، ولا فيه دليل على علم\" .
ـ أن تاريخ الأدب العربى لا يذهب بالشعر الجاهلى إلى ذلك العصر الموغل فى القدم ، بل إن ازدهار الشعر لم يكن قبل الإسلام بكثير ، \" ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل فى حَاجتِة ، وإنَّما قُصّدَتْ القصائد ، وطُوِّلَ الشعر فى عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف ، وذلك يدلّ على إسقاط شعرِ عادٍ و ثمودَ وحِمْيَرَ وتُبَّع.
ثم يحدد ابن سلام الأسباب التى جعلت العرب تصنع الشعر وتنسبه لأناس لم يقولوه ، فيرى أن الانتحال يرجع إلى عاملين :
الأول : العصبية القبلية فى العصر الاسلامى : إذ حرصت بعض القبائل العربية على أن تضيف لإسلامها ضروباً من المكانة والمجد ، فوجدت فى الشعر ضالتها . ومعلوم أن الشعر الجاهلى قد ضاع منه الكثير ، قال أبو عمرو بن العلاء : \" ما انتهى إليكم ممَّا قالت العرب إلاّ أقُّله ، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير\" . أما أسباب ضياع ذلك الشعر فقد بيَّنها ابن سلام فى قوله : \" فجاء الإسلام ، فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ، ولَهَتْ عن الشعر وروايته . فلما كثر الإسلام ، وجاءت الفتوح ، واطمأنَّت العرب بالأمصار ، وراجعوا رواية الشعر ، فلم يؤولوا إلى ديوان مُدوَّن ولا كتاب مكتوب ، وألْفَوا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل ، فحفظوا أقل ذلك ، وذهب عليهم منه كثير. لذلك لاحظ ابن سلام قيام بعض القبائل التى قَلَّ نصيبها فيما بقى من شعر بالوضع على ألسنة شعرائهم ، يقول ابن سلام : \" فلما راجعت العرب رواية الشعر ، وذِكر أيامها ومآثرها ، استقلَّ بعض العشائر شعر شعرائهم ، وما ذهب من ذكر وقائعهم . وكان قوم قلَّتْ وَقائعُهم وأشعارهم ، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار ، فقالوا على ألسنة شعرائهم ثم كانت الرُّواة بعد ، فزادوا فى الأشعار التى قيلت. .
الثانى : الرواة وزيادتهم فى الأشعار : لم يقتصر دور بعض الرواة على وضع الشعر ونسبته إلى غير قائليه بل تجاوز ذلك بكثير ، فهم رغم وضعهم فى المرتبة الثانية بعد تزيد العشائر أشد خطراً على الشعر والشعراء ، حيث لم يقتصر دورهم على الوضع بل تجاوزه إلى التزييف والخلط ، من ذلك مثلاً ما كان يفعله حمَّاد الراوية ، الذى \" كان ينحل شعرَ الرجُلِ غيرَه ، وينحله غيرَ شعره ، ويزيد فى الأشعار\" . وقد ذكر ابن سلام العديد من الروايات والوقائع التى تدلل على تزيد الرواة فيه ؛ وتزييفه وخلطه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن ابن سلام قد وضع قاعدة نقدية هامة من قواعد الدرس النقدى التطبيقى ؛ حيث لفت الأنظار إلى ضرورة تحقيق النص قبل دراسته ، والتأكد من صحة نسبته لقائله ؛ و صحة روايته ، وهو يرى أن هذا الأمر رغم صعوبته إلا أنه لا يخفى على أهل العلم : \" وليس يُشْكِلُ على أهل العلم زيادةُ الرواةِ ولا ما وَضَعوا ، ولا ما وضع المولَّدون ، وإنما عَضَّلَ بهم أن يقولَ الرجلُ من أهل البادية من وَلَدِ الشُّعراء ، أو الرجلُ ليس من ولَدِهم ، فَيُشْكِل ذلك بعض الإشكال.
ثانياً : فكرة الطبقات :
سعى ابن سلام ـ منذ البداية ـ إلى جمع شتات مشاهير الشعراء وجعلهم فى طبقات تبين مكانتهم ، وهذا العمل كان يتطلب من ابن سلام التعرض للنصوص الأدبية بالتحليل حتى يظهر جمالها الفنى ويعلل قصورها ، إلا أنه انصرف إلى الشعراء أنفسهم ذاكراً لهم مايراه جيداً دون أن يذكر أسباب تلك الجودة فى الغالب ، و لو نظرنا إلى مصنفه سنجد أنه يشتمل على 114 شاعراً جاء توزيعهم فى الطبقات التالية :
1 ـ طبقات الشعراء الجاهليين : وهى عشرة ، فى كل طبقة أربعة شعراء.
2 ـ طبقات الشعراء الإسلاميين : وهى عشرة ، فى كل طبقة أربعة شعراء .
3 ـ طبقة أصحاب المراثى : وتضم ثلاثة شعراء وشاعرة ـ الخنساء ـ، وهى المرأة الوحيدة التى أوردها ابن سلام فى طبقاته .
4 ـ طبقة شعراء القرى العربية : وتنطوى على اثنين وعشرين شاعراً ، قسِّموا على النحو التالى :
أ ـ شعراء المدينة خمسة ، ثلاثة من الخزرج و اثنان من الأوس .
ب ـ شعراء مكة تسعــــــة .
ج ـ شعراء الطائف خمسة .
د ـ شعراء البحرين ثلاثــة .
هـ ـ طبقة شعراء اليهود وتشمل ثمانية شعراء .
وقد نبَّه ابن سلام ـ وهو يُقْدِم على وضع الشعراء فى طبقات ـ على أن ذكره شاعر قبل قرنائه فى الطبقة الواحدة لايعنى أنه الأعلى مكانة ؛ المُقَدَّم على باقى شعراء الطبقة ؛ بل إن هذا الأمر لا يخضع لأى معيار نقدى ؛ لأنه لا بد أن يبدأ بذكر أحدهم ، يقول : \" وليس تَبْدِئَتُنا أحدَهُم فى الكتاب نحكُمُ له ، ولا بُدَّ من مُبْتَدَأٍ. ومع ذلك فإننا نجد ابن سلام ـ فى كثير من الأحيان ـ يوازن بين شعراء الطبقة الواحدة ، أو بين شاعر وآخر داخل الطبقة ، فيورد رأى العلماء فيهم ويختار من شعرهم ما يؤكد هذا الرأى ، ثم يفسر بعض الكلمات الغريبة التى قد ترد فى الشعر ـ وهذا قليل ـ أو يورد آراء علماء اللغة فيها ، وفى حالات قليلة يبيِّن رأيه ، وشواهد ذلك فى طبقاته كثيرة ؛ من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى المفاضلة بين شعراء الطبقة الأولى من الجاهليين ؛ وهم : امرؤ القيس والنابغة الذبيانى وزهير بن أبى سلمى والأعشى ، حيث يورد العديد من آراء العلماء واختلافهم فى المفاضلة بين شعراء هذه الطبقة ، من ذلك قوله : \" أخبرنى يونس بن حبيب : أن علماء البصرة كانوا يقدِّمون امرأ القيس بن حُجْر ، وأهل الكوفة كانوا يقدِّمون الأعشى ، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدِّمون زهيراً والنابغة، وفى تبرير تفضيل امرئ القيس على شعراء طبقته قوله : \" فاحتجّ لامرئ القيس من يُقدّمه قال : ما قال ما لم يقولوا ، ولكنه سَبَقَ العربَ إلى أشياء ابتدَعها ، واستَحْسَنَتْها العربُ ، واتَّبعتْه فيها الشعراء : استيقافُ صَحْبِه ، والتَّبْكَاءُ فى الدِّيار ، ورقَّةُ النَّسيبِ ، وقُرْب المأخَذ ، وشَبَّه النِّساءَ بالظِّباءِ والبَيْضِ ، وشَبَّه الخَيْل بالعِقْبان والعِصِىِّ ، وقَيَّدَ الأوَابد ، وأجادَ فى التشبيه ، وفَصَلَ بين النَّسيب وبين المعنَى ، أما ابن سلام فيرى أن امرأ القيس : \" كان أحسن أهل طبقته تشبيهاً ، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرُّمَّة. ثم يورد آراء من احتج من العلماء للنابغة وزهير والأعشى ، ويناقش بعضها ويبيّن رأيه فيها أحياناً .
وقد اعتمد ابن سلام فى مفاضلته بين الشعراء وتصنيفهم فى طبقات تبين مكانتهم الأدبية ومرتبتهم الشعرية على ثلاثة مقاييس عامة ؛ هى :
1 ـ كثرة شعر الشاعر .
2 ـ تـعـدد أغــراضــه .
3 ـ جـــودة شـــعـــره .
أما مقياس الكثرة واعتماد ابن سلام عليه فى المفاضلة بين الشعراء فنراه جلياً فى غير موضع من كتابه ، من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير تأخر منزلة طَرَفَة بن العبد وعَبيد بن الأبرص وعَلْقَمَة بن عَبَدَة وعَدِى بن زيد ، إلى الطبقة الرابعة ، إذ يقول: \" وهم أربعة رَهْطٍ فحولٌ شعراء ، موضعهم مع الأوائل ، وإنَّما أخلَّ بهم قلَّة شعرهم بأيدى الرُّواة. وكذلك قوله فى معرض حديثه عن الطبقة السابعة : \" أربعة رَهْط مُحْكِمون مُقِلّون ، وفى أشعارهم قِلّةٌ ، فذاك الذى أخَّرهم.
وكذلك مقياس تعدد الأغراض الذى يتضح أثره بصورة جلية فى مواضع عديدة من طبقاته ، من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير وضع كُثَيِّر عزة فى الطبقة الثانية من فحول الإسلام ، وجميل بن مَعْمَر فى الطبقة السادسة ؛ مع أن جميلاً مُقَدَّمٌ فى التشبيب على كُثَيِّر وعلى أصحاب النسيب جميعاً ، قال ابن سلام : \" وكان لكُثَيِّر فى التشبيب نصيبٌ وافرٌ ، وجميلٌ مُقَدَّمٌ عليه ـ وعلى أصحاب النسيب جميعاً ـ فى النسيب ، وله فى فنون الشعر ما ليس لجميل . وكان جميلٌ صادق الصبابة ، وكان كُثَيِّر يتقوَّل ، ولم يكن عاشقاً ، وكان راوية جميل.
ولا يخفى على الدارس أن الكثرة وتعدد الأغراض لايمكن بحال الاعتماد عليهما كمقياسين نقديين لدرس الشعر وتقويمه ، وأن ابن سلام نفسه كان قد أشار ـ فى مقدمته ـ إلى قضية الإنتحال والوضع فى الشعر ، وأن الرواة لعبوا دوراً خطيراً فى الإقلال من شعر شاعر ، والإكثار من شعر غيره .. لذلك أرى أن أهمية هذين المقياسين تنبع من ارتباطهما بمقياس الجودة ، فالشاعر المكثر المجيد مُقدًَّم ـ عند ابن سلام ـ على الشاعر المُقلّ المُجيد ، والمُكثر المُجيد المُتعدد الأغراض مُقدَّم على المكثر المجيد الذى لم يَقُل إلاّ فى غرض أو اثنين ، أما كثرة الشعر وتنوع أغراضه فإنهما لا يجعلان الموصوف بهما مُقدّماً إذا كان شعره رديئاً . لذلك نرى ضرورة التعرف على كيفية حكم ابن سلام على الشعر بالجودة ، وما هى أسس تلك الجودة حين يقول ـ مثلاً ـ : \" كان قُرَاد بن حَنَش من شعراء غطفان ، وكان قليل الشعر جيِّدَه، أو يقول فى حسان بن ثابت : \" وهو كثير الشعر جيده، أو يقول: \" وكان الأسْودُ شاعراً فَحْلاً ، وكان يُكثِر التنقُّل فى العرب يُجاوِرهم ، فيَذمُّ ويَحْمَدُ، وله فى ذلك أشعارٌ . وله واحدةٌ رائعةٌ طويلةٌ، لاحقةٌ بأجْودِ الشعر ، لو كان شَفَعها بمثلها قدَّمناه على مرتبته.
إذن ما هى المقاييس التى استند إليها ابن سلام وهو يصدر الحكم بالجودة فيقدم شاعراً على آخر ، أو يقرن شاعراً بآخر ؟
ــ لم ينكر ابن سلام جهود السابقين ونظراتهم فى الشعر والشعراء ، بل يكاد الاعتماد على آراء أهل العلم والخبرة أن يكون أهم مقاييس الجودة عنده ، هذا ما يقرره ابن سلام فى مقدمة كتابه حين يقول : \" واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حُجَّة ، وما قال فيه العلماء، وكذلك حين يقول : \" ثم إنَّا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمَّن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهط أربعة اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة ، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ . وسنسوق اختلافهم واتفاقهم ، ونسمِّى الأربعة ، ونذكر الحجة لكل واحد منهم. فهو غالباً ما يستقصى آراء العلماء فى منزلة شعراء طبقاته ، وأحياناً يناقش تلك الآراء ويبيّن رأيه فيها . وأمثلة ذلك كثيرة متنوعة ، منها قوله فى النابغة الجعدى : \" كان الأصمعى يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف، وقوله كان علماؤنا يقولون : أحسنُ الجاهلية تشبيهاً امرؤ القيس ، وأحسن أهل الإسلام تشبيهاً ذو الرُّمَّة\" .
ومما تجدر ملاحظته فى هذا الموضع أن عدم تعقيب ابن سلام على بعض ما يورده من آراء العلماء ، إنما يعنى موافقته على تلك الآراء ، أو فلنقل عدم تحفظه عليها ، وإلاّ لما وجدناه يخالف ما لا يروقه من تلك الآراء فى مثل قوله : \" وكان كُثَيِّر شاعر أهل الحجاز ، وإنهم ليُقَدِّمونه على بعض من قَدَّمنا عليه\"، وكذلك قوله فى رؤبة بن العجّاج : \" وقال بعضهم : إنه أفصحُ من أبيه . ولا أحسِب ذلك حقاً، ومثل هذه الآراء على قلتها تدلل على إعمال ابن سلام فكره وتقليبه الرأى قبل أن يعتد به ويعتمده.
ــ إن السبق والإبداع مقياس هام من مقاييس الحكم بالجودة عند ابن سلام ، حيث رأيناه يبرر تقديم امرئ القيس على فحول شعراء الجاهلية بقوله : \"ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها ، واستحسنتها العرب ، واتبعه فيها الشعراء، كما نراه يبرر وضع الراعى النميرى فى طبقة فحول الإسلاميين الأولى بقوله : \" وكان يُقال له فى شعره : كأنه يَعْتَسِفَ الفلاة بغير دليل ! أى أنه لا يحتذى شعر شاعرولا يعارضه.
ــ وللمقاييس الفنية العامة أثر واضح فى حكم ابن سلام على الشعر بالجودة ، وهى كثيرة متنوعة تتصل بلفظ الشعر ؛ أو بلغته ؛ أو معانيه وصوره ..، وهى فى معظمها عامة تحتاج إلى توضيح وتحديد . ففى مفاضلته بين بيت شعر لجرير وآخر للأخطل ؛ نجده يقول : \" قال لى معاوية بن أبى عمرو بن العلاء : أى البيتين عندك أجودُ ؟ قول جرير :
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا وأنْدَى العَالَمِين بُطُـــــــونَ راحِ
أم قولُ الأخطل :
شُمسُ العَدَاوَةِ حتى يُسْتَقَادَ لهم وأعْظَمُ النَّاسِ أحْلاماً إذا قَدَرُوا
فقلتُ : بيت جرير أحلى وأسْيَر ، وبيت الأخطل أجزل وأرزن\" ، ه

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2723


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


شوادقي علام + نبيل ، سلوى
تقييم
6.07/10 (178 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.