الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
وحدة القصيدة عند ابن طباطبا
وحدة القصيدة عند ابن طباطبا
04-12-2012 08:58 PM



مراسلة عهود نجيب العدواني

عهود نجيب العدواني المرسل
وحدة القصيدة عند ابن طباطبا العنوان
angel_77_75@hotmail.com البريد
وحدة القصيدة في ( عيار الشعر ) - خليل الموسى
ناشر الموضوع : خادم العلم موقع (موسوعة دهشة)
وحدة القصيدة في ( عيار الشعر ) - خليل الموسى

يتضح لنا، من خلال مراجعتنا لكتاب \"عيار الشعر\" لابن طباطبا(1)، ومن خلال وقوفنا عند النصوص التي تدل من قريب أو بعيد على رأيه في \"وحدة القصيدة\"، أن لطبيعة الوحدة التي نادى بها هذا الناقد سمات، أهمها:‏

1 الوحدة المنطقية:‏

تتميز وحدة القصيدة، عند هذا الناقد الشاعر، بمنطقية صارمة؛ فعلى القصيدة أن تتسلسل تسلسلاً سببياً، ويكون المنطق حكماً فيها، فينسق الشاعر أبياتها ويحكِّم الوعي المنطقي وحده في ترتيبها، وهو يعول على المعنى في كل ذلك، ويطبق هذا المعيار على أشطر الأبيات ذاتها، فقد يتطلب منه المعنى أن يغير شطر بيت بآخر. يقول ابن طباطبا في ذلك: \"وينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره، وتنسيق أبياته، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه فيلائم بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه أو بين تمامه فصلاً من حشو ليس من جنس ماهو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت، فلا يباعد كلمة عن أختها ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع، هل يشاكل ما قبله؟ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر فلا يتنبه على ذلك إلا من دق نظره ولطف فهمه\"(2).‏

ويلاحظ على النص السابق اهتمام ابن طباطبا بالمستمع، وهذا ما دفعه إلى أن يهتم بالقصيدة، ولكن اهتمامه، هنا، ينحصر في معناها وتتالي أفكارها وانبثاق كل فكرة من سابقتها، وهو، في كل ذلك، يتفقد الشطور ويرتبها ترتيباً منطقيا أكثر مما هو شعري، وكأن السامع لا يتابع من القصيدة إلا معناها.‏

ورؤية هذا الناقد المنطقية تجعله يميز أيضاً بين بناء قصيدة وأخرى، ومعياره في ذلك العقل وحده؛ فإذا كانت القصيدة محكمة البناء، متقنة، أنيقة الألفاظ، عجيبة التأليف، بحيث إذا نقضت وجعلت نثراً لم تبطل جودة معانيها، ولم تفقد جزالة ألفاظها، خلدت كالقصور المشيدة، والأبنية الوثيقة الباقية على مر الدهور، أما إذا كانت القصيدة مهلهلة البناء مموهة بالزخرف اللفظي، تروق الأسماع والأفهام إذا مرت صفحاً، فإذا حُصِّلت وانتقدت بهرجت معانيها، وزيفت ألفاظها، ومجت حلاوتها، ولم يصلح نقضها لبناء يستأنف منه، فإنها كالخيام الموتدة التي تزعزعها الرياح وتوهيها الأمطار، ويسرع إليها البلى، ويخشى عليها التقوض(3)، واحتكامه للعقل وحده جعله يرى تسلسل المعاني معياراً رئيسياً في بنية القصيدة، لذلك جعل النثر نموذجاً، على الشعر أن يحتذيه، فخلود الشعر في معناه، ومعياره في ذلك أن يكون المعنى صحيحاً معافى إذا ما نثرت أبيات القصيدة، وبهذا ابتعد ابن طباطبا ببنية القصيدة عن إحساس المنطق الداخلي الذي قالت به المدرسة الرمزية SYMBOLISME والذي يحكم العلاقات الداخلية في شرايين القصيدة، كما ابتعد بها عن البنية العضوية والتسلسل العفوي والخيال الخلاق وعناصر التوتر وجنون النبض، وعن اللحظة المشرقة وصفاء الديباجة التي نجدها عند البحتري وأترابه، وعن جنون العبقرية والتفرد والخصوصية التي نجدها في قصائد المتنبي مثلاً.‏

ولم يكتفِ ابن طباطبا برؤيته المنطقية وامتثاله الشديد لآراء أرسطو أينما وقعت، وإنما راح يقيد الشاعر بقيود ليست من طبيعة الشعر، استقاها من فنون نثرية أخرى كفنّي الخطابة والبلاغة وغيرهما، وهو يرى في النثر نموذجاً صالحاً لأن يحتذيه الشعراء في قصائدهم، فإذا قدمنا بيتاً على بيت في القصيدة دخلها الخلل كما يدخل الرسائل والخطب إذا نقض تأليفها: \"فإن الشعر إذا أسس تأسيس فصول الرسائل القائمة بأنفسها، وكلمات الحكمة المستقلة بذاتها، والأمثال السائرة الموسومة باختصارها لم يحسن نظمه، بل يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها، نسجاً وحسناً وفصاحة وجزالة ألفاظ ودقة معان، وصواب تأليف، ويكون خروج الشاعر من كل معنى يصنعه إلى غيره من المعاني خروجاً لطيفاً.... حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً.... لا تناقض في معانيها ولا وهي في مبانيها، ولا تكلف في نسجها، تقتضي كل كلمة ما بعدها، ويكون ما بعدها متعلقاً بها مفتقراً إليها\".(4).‏

ويلاحظ أن ابن طباطبا لم يكتفِ بالتشديد على الوحدة المنطقية من حيث المعنى الذي تتعرض له القصيدة، وإنما يشدد منطقياً، على وحدة المبنى؛ فعلى القصيدة أن تتميز ب\"وحدة النسج\"، وأن تكون ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها نسجاً وحسناً وفصاحة، وهذا ما افتقده القدماء، مثلاً، في قصائد أبي تمام التي اختلفت بعض أبياتها مع بعض من حيث جودة النسج. وكان من الممكن لدى بعض النقاد السابقين لابن طباطبا أن يتخذوا بعض قواعد البلاغة الخطابية مقاييس للشعر، أما ابن طباطبا فقد محا الفروق بين القصيدة والرسالة النثرية في البناء والتدرج واتصال الأفكار، وهو يرى أن \"للشعر فصولاً كفصول الرسائل فيحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة... بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله\"(5). ومقطع القول الفصل أن \"الشعر رسائل معقودة والرسائل شعر محلول\"(6). ويظل ثمة فرق بين القصيدة والرسالة، فقد يجوز في الرسالة أن يُبنى فيها كل فصل قائماً بنفسه، أما القصيدة فلا يجوز فيها ذلك، بل يجب أن تكون كلها \"ككلمة واحدة\"، نسجاً وحسناً وفصاحة، وهذا ليس فرقاً بين كل قصيدة وكل رسالة، وإنما هو فرق بين القصيدة ونوع معين من الرسائل التي لا تعتمد وحدة البناء. هذا بالإضافة إلى أن ابن طباطبا قد وضع معياراً آخر للشعر المحكم المتقن، وذلك أنه إذا نقض بناؤه وجعل نثراً لم تبطل فيه جودة المعنى ولم تفقد جزالة اللفظ.‏

وهكذا نجد أن لوحدة القصيدة في \"عيار الشعر\"، مفهوماً منطقياً يرتكز على العقل وحده في القياس، والعقل، عند ابن طباطبا، الوحيد القادر على أن يهب للقصائد الخلود؛ وذلك بشرط أن تتناسب القصيدة في ذاتها تناسباً يقوم على تجانس عناصرها منطقياً. ومأخذنا يتلخص في أن هذا الناقد قد أهمل أولوية التجربة الشعرية وانحاز إلى العقل انحيازاً كلياً مما جعل القصيدة صناعة خالصة.‏

2 الوحدة الصناعية:‏

وإذا ما كان العقل مشرعاً ماهراً. فإن التشريع يحتاج إلى تنفيذ، ويتطلب التنفيذ الصناعة والإتقان، ولذلك يشترط ابن طباطبا أن تكون القصيدة \"كالسبيكة المفرغة، والوشي المنمنم والعقد المنظم، واللباس الرائع فتسابق معانيه ألفاظه، فيلتذ الفهم بحسن معانيه كالتذاذ السمع بمونق لفظه، وتكون قوافيه كالقوالب لمعانيه، وتكون قواعد للبناء يتركب عليها ويعلو فوقها\".(7).‏

ومما لاشك فيه أن صناعة الشعر عند ابن طباطبا هي الصناعة البدائية، بمعنى أن الصناعة تشمل مراحل القصيدة كلها منذ أن تكون فكرة إلى أن تصبح حقيقة، وهي بذلك تختلف اختلافاً جذرياً عن الصناعة الشعرية التي نعرفها في المدرسة الرمزية، وبخاصة عند ادغار آلان بو وبودلير ومالارميه؛ فالصناعة، في هذه المدرسة، مرحلة متأخرة من مراحل تكوين القصيدة؛ فقد كانت القصيدة، عندهم، تبدأ، أولاً، ضمن إحساس مجهول بنغم غريب مجنون يرتاد كيان الشاعر ويهزه، ويبقى هذا النغم مسيطراً على الحالة الشعرية ETAT POETIQUE حتى المراحل المتأخرة منها، وهذا ما حمل مالا رميه على القول: \"ليس بالأفكار تصنع القصائد، ياديغا، وإنما بالكلمات\"(8).‏

أما مرحلة الوعي الصناعية فهي مرحلة إحساسية أيضاً، أو هي تقوم على تداعي المنطق الداخلي في لغة الرمزيين، فقد كان مالارميه يقتصد الكلمات فيضغطها مما يجعلها تنوء بأثقالها فتتدفق معاني وأنغاماً، وتتفجر هنا وهناك بإشعاعات مركزية وبأسلوب فريد يطمح إلى رسم أثر الكلمات في النفوس، ولم يكن همه البحث عن الكلمات النادرة ولا عن الكلمة الجديدة:\"همه الوحيد اختصار الكلمات إلى حضورها الدال، بهدف واضح هو\"رسم لا الشيء\"، لكن الأثر الذي ينتجه. وإذاً ليست قصيدته رسماً لحقيقة ملموسة، ولكنها فن ساحر لمواقد التكثيف والإشعاع فيه حظ راجح\"(9). وهذا هو ما فعله ازرا باوند في قصيدة \"الأرض الخراب\" لإليوت(10). أما الشعر عند ابن طباطبا فهو صناعة خالصة، أو هو مادة خارجية لا علاقة للشاعر بها إلا من قبيل أنه يصنعها؛ فالشاعر: \"كالنساج الحاذق الذي يُفوِّف وشيه بأحسن التفويف ويسدّيه وينيّره، ولا يهلهل شيئاً منه فيشينه، وكالنقّاش الرفيق الذي يضع الأصباغ في أحسن تقاسيم نقشه، ويشبع كل صبغ منها حتى يتضاعف حسنه في العيان، وكناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها\"(11). هكذا لا يتعدى مفهوم الشاعر؛ عنده، أكثر من أن يكون نسَّاجاً حاذقاً، أو نقاشاً رفيقاً، أو ناظم جواهر، وهكذا يصبح الشعر صناعة خالصة، أو مادة شبيهة بالمواد الخام في الصناعات الأخرى، وبخاصة حين يضع تصميماً لكتابة القصائد، ومخططاً قبل الشروع في صياغتها: \"فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه، فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر، وترتيب لفنون القول فيه، بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه على تفاوت ما بينه وبين ما قبله. فإذا أكملت له المعاني، وكثرت الأبيات وفّق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها\".(12).‏

ويلاحظ على هذه الفقرة أن للشعر مواد أولية، منها المعنى والألفاظ والقوافي والأوزان، وتحضير المواد مرحلة أولى في تصميم ابن طباطبا، أما المرحلة الثانية فهي إثبات كل بيت على غير تنسيق بل يسجل دون ترتيب، وتحتاج صناعة الشعر، عنده، إلى مرحلة ثالثة، وهي مرحلة تنسيق الأبيات بحسب المعاني والأغراض. ويلاحظ على هذه المراحل جميعها إهمالها الإحساس الشعري والعبقرية المتوهجة والمنطق الخيالي الداخلي. ويلاحظ الطيب الشريف على هذا التصميم الذي يقترحه ابن طباطبا للقصيدة، طابع الوصف الذاتي، ويعني بذلك، أنه يصف منه منهجه الشخصي الذي يسلكه هو في نظم الشعر(13). ومن ثم فهو يخلو من أي منهج تحليلي موضوعي لطبيعة التجربة الإبداعية، بوصفها جهداً فكرياً مركباً، ينزع إلى تحقيق نوع من الوحدة في إطار أولي يعيشها الشاعر من الداخل. وتفرغ فيه الصور الملائمة لطبيعة المحتوى ينتظمه ذلك التخطيط الأولي، لأن كل جهد فكري يتضمن عدداً مشاهداً أو مضمراً من الصور التي تتدافع وتتزاحم بغية الدخول في تخطيط معين(14).‏

ويبدو لنا، أخيراً، أن الصورة الصناعية لا تفارق مخيلة ابن طباطبا في عمل الشعر؛ فالشاعر تارة كالنساج الحاذق، وتارة كالنقاش الرفيق، وتارة كناظم الجوهر. ثم إن تصور ابن طباطبا الوحدة في العمل الفني كالسبيكة المفرغة من جميع أصناف المعادن، حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغاً \"صنعة خالصة لا تنبعث فيها حركة من نمو ولا تمازجها حياة عضوية، تلك هي صورة \"الوحدة\" عند هذا الناقد الذي لا يعرف التأني العقلي الواعي في التقدير والرصف\".(15).‏

يبدو لنا، مما تقدم، اهتمام ابن طباطبا بالصنعة مما أدى إلى إهماله التجربة الشعرية إهمالاً يكاد يكون كاملاً، وكأن تفرد الشاعر عن غيره يتلخص في توفير المواد الأولية، أو ما يسميه كولردج الخيال الأولي المعرفة الضرورية. علماً بأن الشعر يحتاج إلى الخيال الثانوي الذي يقدر الشاعر بوساطته على صهر المواد الأولية في أتون الذات والتجربة عملاً فنياً موحداً ذا طعم واحد ونكهة واحدة؛ فالشعر تجربة قبل أن يكون أي شيء آخر، وشعرنا العربي القديم زاخر بالتجربة الحيوية، وإن كان بعضه لا يعدو أن يكون رصفاً لغوياً باهتاً؛ فالقصيدة، مثلاً، عند امرئ القيس، تعبّر عن تجربة كيانية حارة، سواء أكانت منظومة قبل يوم دمون حيث اللهو والخمرة والمجون أم بعد يوم دمون حيث المغامرة الصعبة والبحث عن الأب من خلال الثأر الذي لا يتحقق، مما أدى بالشاعر إلى أن يبقى جوالاً باحثاً عن أمر لا يراه يتحقق، عن المستحيل. والقصيدة، عند المتنبي، لا تقل تجربة حارة عن تجربة سلفه؛ فهو الشاعر الطموح الذي ما عرف السكون، إنه شاعر البحث عن المستحيل. ونحن، هنا، وإن رفضنا عقد مقارنة بين رؤية ابن طباطبا النقدية لبنية القصيدة، ورؤية المدرسة الرمزية لها، مجبرون على أن نقارن بين نقده وما توصلت إليه القصيدة العربية حتى عصره، بدءاً من امرئ القيس حتى شباب ا لمتنبي (ابن طباطبا ت 322ه/ المتنبي ت 354ه). مروراً بالشعراء الكبار بشار بن برد وأبي نواس ودعبل بن علي الخزاعي وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وغيرهم. وهكذا يبدو لنا أن الشعر بلا تجربة شعر بلا حركة، والحركة نمو وصراع وحياة، ومن الحركة والنمو والصراع وحدة القصيدة النامية، وقصيدة غير عضوية نامية أقرب إلى أن تكون جثة محنطة منها إلى أي شيء آخر.‏

3 الوحدة الالتصاقية (التجاوزية):‏

من خصائص وحدة القصيدة، عنده، أنها \"التصاقية\"، ونرى أن سبب تلصيق أبيات القصيدة بعضها ببعض يعود إلى المفهوم الشعري عند هذا الناقد الناظم؛ فالشاعر، عنده، ليس بأكثر من ناظم أو هو صانع شعر. وانطلاقاً من هذا المفهوم أهمل ابن طباطبا الإحساس الجمالي ليهتم بالمنطق، وأهمل التجربة الشعرية ليهتم بالنحت والصناعة، ولذلك ظن أن الشعر الخالد يستطيع أن ينتجه كل من توافرت لديه الأدوات والتصميم والمهارة. وكنا قد رأينا أن مراحل تكوين القصيدة، عنده، ثلاث؛ مرحلة جمع الأدوات والتصميم، ومرحلة تأليف بعض الأبيات وتثبيتها، ثم مرحلة ضم الأبيات بعضها إلى بعض.‏

ويمكننا أن نختصر هذه المراحل الثلاث في مرحلتين: مرحلة تصنيعية ومرحلة تلصيقية (تجاوزية). وهو، في المرحلة التصنيعية، لا ينسق أبيات القصيدة حين النظم، وإنما يصنِّع الأبيات بيتاً فبيتاً، ويحتفظ بكل بيت يتم صنعه، إلى أن تكتمل المعاني التي يريدها، وتنتهي القوافي التي جمعها، وتتراكم إلى جانبه الأبيات. ويبدأ، في المرحلة الثانية المرحلة الالتصاقية التجاورية بترتيب هذه الأبيات، وتنسيقها، وذلك حين يلصق بعضها ببعض، وهو في ذلك، ينشد وحدة القصيدة، وإذا ما احتاج، في مرحلته هذه، إلى بيت لاصق، نظمه حين الطلب، ثم عقد بينها وبين ما قبله وما بعده، فيكون لاصقاً لهذه الأبيات ونظاماً لها، وسلكاً جامعاً لما تشتت منها(16).‏

هكذا تظل وحدة البيت هدفاً في المرحلة الأولى وتأليف القصيدة هدفاً في المرحلة الثانية، ويبدو لنا أن \" تأليف القصيدة\"، غير \"وحدة الحياة\"، التي عبّر عنها برغسون (17). وغير الوحدة التي تحدث عنها أرسطو في كتابه \"فن الشعر\"، وغير الوحدة العضوية النامية، وحدة الكائن الحي كما نعرفها جميعاً في الرومانتيكية عند كولردج؛ لأن الكائن الحي لا يولد عضواً منفصلاً عن عضو. والكائن الحي لا يولد صناعياً، سواء أكانت هذه الصناعة يدوية بدائية أم آلية متطورة، وإنما من خلال عوامل داخلية طبيعية ذاتية، ويتحرك، في نموه، داخلياً تلقائياً من خلال الحركة التي يؤديها الكائن الحي في ذاته.‏

4 الوحدة التناسبية أو وحدة التكثر في القصيدة:‏

ظلت القصيدة، عند ابن طباطبا، على ما هي عليه في العصر الجاهلي من تعدد في الموضوعات. وإذا ما كان هذا التعدد، في القصيدة الجاهلية، عفوياً وضرورياً وحقيقة فرضتها التجربة وطبيعة العصر؛ لأن الشاعر الجاهلي كان في تجاربه يعيش على التعدد(مشهد الأطلال مشهد الرحلة مشهد الناقة....الخ).(18). فإن بقاءه في القصيدة العباسية(19)، بخاصة، أمر يحتاج إلى وقفة، وبخاصة إذا أدركنا أن كثيراً من الشعراء العباسيين رفضوا هذا التعدد في قصائدهم، لأنه لا يتلاءم مع طبيعة عصرهم، فرفضوا بعض أجزاء القصيدة كمشهدي الطلل والناقة وغيرهما(20). وهذا هو ابن طباطبا يتحدث عن ربط هذه الموضوعات بعضها ببعض وكأنه يعتقد أنه، بفعله هذا، يستطيع أن يحصل على وحدة القصيدة، وإذا ما استهدف الشاعر هذه الوحدة، فما عليه إلا أن \"يسلك منهاج أصحاب الرسائل في بلاغاتهم، وتصرفهم في مكاتباتهم، فإن للشعر فصولاً كفصول الرسائل، فيحتاج الشاعر إلى أن يصل كلامه على تصرفه في فنونه صلة لطيفة، فيتخلص من الغزل إلى المديح، ومن المديح إلى الشكوى، ومن الشكوى إلى الاستماحة، ومن وصف الديار والآثار إلى وصف الفيافي والنوق، ومن وصف الرعود والبروق إلى وصف الرياض والرواد، ومن وصف الظلمان والأعيار إلى وصف الخيل والأسلحة، ومن وصف المفاوز والفيافي إلى وصف الطرد والصيد، ومن وصف الليل والنجوم إلى وصف الموارد والمياه، والهواجر والآل، والحرابي والجنادب، ومن الافتخار إلى اقتصاص مآثر الأسلاف، ومن الاستكانة والخضوع إلى الاستعتاب والاعتذار، ومن الاباء والاعتياص إلى الإجابة و التسمح، بألطف تخلص وأحسن حكاية، بلا انفصال للمعنى الثاني عما قبله، بل يكون متصلاً به، وممتزجاً معه، فإذا استعصى المعنى وأحاطه بالمراد الذي يسوق القول بأيسر وصف وأخف لفظ لم يحتج إلى تطويله وتكريره\"(21).‏

يكفي هذا النص الطويل لأن ندرك أن الوحدة، عند هذا الناقد، متعددة الموضوعات. هذا مما يثبت أن ابن طباطبا لم يأخذ بالوحدة التي جاءت في كتاب \"فن الشعر\"، أو هو لم يفهمها تمام الفهم، أو أن الترجمة الركيكة لكتاب \"فن الشعر\"، قد أساءت فهمه، فالوحدة في \"فن الشعر\" ترتكز، قبل كل شيء، على وحدة الموضوع على حين أن وحدة القصيدة في \"عيار الشعر\"، تقوم على تعدد الموضوعات، وتلح على التناسب فيما بينها. ونخلص من خلال هذا النص، ومن خلال مابين أيدينا من شعر لابن طباطبا(22). إلى ملاحظة مفادها أن هذا الرجل، في شعره، أقرب إلى الشعر العباسي المحدث في لغته وبديعه وتراكيبه ومعانيه، وفي هيكل القصيدة، ونحن لا نجد في قصائده، حتى المدحية منها، أي أثر لمشهد الطلل، أو مشهد الناقة، أو مشهد الصيد، أو غير ذلك، على حين يتحدث في نقده، عن هذه المشاهد، وكأن ابن طباطبا الشاعر غير ابن طباطبا الناقد، فهو يختلف في نهجه الشعري عن تنظيره النقدي.‏

ويبدو لنا أخيراً، ومما تقدم، أن تعدد الموضوعات يسيء إلى وحدة القصيدة وتجربتها، وقد كان بإمكان ابن طباطبا أن يكون أكثر توفيقاً، في هذه الظاهرة، لو كان أكثر معاصرة لزمانه. أعني أنه لم يحالفه الحظ حين عاد إلى بنية قصيدة المديح في الجاهلية ليستنبط منها وحدة القصيدة بشكل عام، فعاد من قصيدة المدح هذه ببنية القصيدة التقليدية وبمفهوم مشوه عن الوحدة إذا ما قسناه بالتطور الذي طرأ على بنية القصيدة في زمانه، ويبدو لنا أنه لو عاد إلى بعض القصائد الجيدة التي عاصرها، والتي تتوافر فيها بنية نامية، وخيال عضوي خلاق ووحدة موضوع لاستطاع أن يتوصل إلى نتائج أفضل. ويرى الدكتور إحسان عباس أن القصيدة، عند ابن طباطبا، قد تتعدد موضوعاتها، وأن الوحدة فيها قد تكون وحدة بناء وحسب، فتلك هي الغاية الكبرى من هذا التدقيق في التوالي والتدرج وإقامة العلاقات بين الأجزاء(23). ولما نظر النقاد في الموروث الشعري وجدوا القصيدة الطويلة معرضاً لتفنن الشاعر، فقد كانت تسمح بتعدد الموضوعات في بنيتها، ولم يستطع النقاد أن يتنكروا للموروث، حتى لنجد بعضهم يجعل تعدد الموضوعات التي أجاد الشاعر عرضها في قصيدته علة لاختيارها. ولهذا كان كل حديث للنقاد عن الوحدة إنما يتم من خلال التكثر، أي كيف تمثل القصيدة وحدة رغم ذلك التكثر؟ فذهب ابن قتيبة إلى القول بالوحدة النفسية عند المتلقي، أي قدرة الشاعر على جذب انتباه السامع أولاً، ليضعه في جو نفسي قابل لتلقي ما يجيء بعد ذلك، ويرى الدكتور إحسان عباس أن هذا لا يثبت للقصيدة نفسها وحدة، إذ قد يكون الموضوعان فيها متباعدان حتى في الجو النفسي العام لدى الشاعر. ثم كأن ابن طباطبا أدرك أن كل هذا الذي قاله ابن قتيبة لا يحقق الوحدة التي يرغب فيها، ولهذا ألح على مبدأين يكفلانها: أولهما مبدأ التناسب وهذا المبدأ يحقق للقصيدة المستوى المطلوب من الجمال والثاني هو التدرج المنطقي (وهو يحل محل الترابط المعنوي عند ابن قتيبة)؛ فالقصيدة أولاً كيان نثري ينسج شعراً في تدرج صناعي خالص، كما ينسج الثوب، مع الحذف في الربط عند الانتقال، في داخل القصيدة، من موضوع إلى موضوع.(24).‏

يتبين لنا أخيراً، أن مفهوم الوحدة عند ابن طباطبا مفهوم شكلي صرف، يتجلى في ربط موضوعات عديدة ثابتة ربطاً خارجياً، فيتصل الموضوع بالموضوع اتصال التجاور لا اتصال التفاعل. وهذا الاتصال قريب من التناسب. والتناسب مفهوم خارجي جمالي قريب من مفهوم الوحدة، لكنه ليس الوحدة ذاتها. إنه وحدة النسيج أو تناسب الأعضاء بعضها مع بعض، أي وحدة الشكل. التناسب، إذاً، هو الوحدة التي تجمع عناصر ثابتة. الوحدة التي تجعل من القصيدة جسداً، لكنه لا ينمو ولا يتحرك. جسد جميل، لكنه بلا دماء. وهذا نتيجة للصناعة التي آمن بها ابن طباطبا وإهماله التجربة التي تدفع الدماء الحارة في جسد القصيدة. هذه الدماء التي تندفع في الشرايين، فتكيف الشكل الجسدي مما يؤدي إلى نموه نمواً طبيعياً ذاتياً داخلياً. أما أن نصل بين أطراف القصيدة وصلاً خارجياً، ونربط موضوعاتها بعضها ببعض. فنحن أقرب إلى أن نكون في غرف التشريح أو العمليات منا إلى أن نكون في قصيدة تضج بالحياة.‏

5 وحدة البيت:‏

لم يكن مفهوم وحدة القصيدة واضحاً تمام الوضوح لدى ابن طباطبا؛ فقد يختلط هذا المفهوم، في \"عيار الشعر\"، بوحدة البيت نظرياً وتطبيقياً. وقد مر معنا أن لصناعة الشعر لديه مرحلتين؛ يهتم، في المرحلة الأولى، بصناعة البيت، ويهتم، في الثانية، بصناعة القصيدة. وهو، في الأولى، يعد أدواته الشعرية، ثم يبدأ في صناعة كل بيت، على حدة، فيثبت ما يصنعه من الأبيات دون ترتيب، ويبدو لنا من ذلك أن الشاعر، عنده، يبدأ بنظم الأبيات نظماً تراكمياً عشوائياً؛ فالبيت لا يتناسل من الأبيات التي سبقته، وليس له أية علاقة بالأبيات التي تليه سوى علاقة الوزن والقافية والمعنى. وتبقى فكرة \"البيت المفرد حتى في المرحلة الثانية التي لا تتعدى الربط بين الأبيات بسلك، فتكون أقرب إلى \"عِقد\" منها إلى قصيدة. ويظل ابن طباطبا يهتم بالبيت على الرغم من قوله بالتناسب والوحدة، والنماذج البيتية التي اعتمدها في تطبيقه تقطع بعجزه عن تصور الوحدة في حدود أبعد من المقطع الجزئي المستقل بمعناه، والذي لا يكاد يتجاوز البيتين كثيراً. ولا يعدو أن يكون إدراكه للوحدة في البيت المفرد ذاته، أحياناً، نوعاً من التلاعب بالألفاظ، أو العلاقات اللفظية على الأصح، في شطرين ينتظمهما بيت يستمد وحدته من تقابل بين معنيين اقتضتهما ضرورة القافية ومنطقها ليس غير، في مثل هذا الشاهد الذي التمسه في شعر البحتري:‏

فإذا حاربوا أذلوا عزيزاً.‏

وقوله: فيقتضي هذا المصراع أن يكون تمامه: \"وإذا سالموا أعزوا ذليلاً\"، وهو اقتضاء القافية، وعلاقة التضاد بين كل من أذل وأعز، وعزيز وذليل(25). ويعتقد الدكتور عز الدين اسماعيل أننا نفيد، في الحكم على وحدة القصيدة عند ابن طباطبا من النقد الأوروبي الحديث في التفريق بين مفهوم القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة؛ فالقصيدة القصيرة تتمثل في الغنائية، أي العاطفة الواحدة المحددة، أما القصيدة الطويلة فيلزمها إلى جانب العواطف المفردة المحددة الكثيرة الفكرة العامة التي تسيطر على الجميع، وتوجهه. فعلى أساس هذا التفريق يرى عز الدين أننا نستطيع أن نتبين أن القصيدة العربية كما صورها لنا ابن طباطبا تصويراً مفصلاً تمثل القصيدة القصيرة. وهو يقول بعد ذلك \"إذا شئنا الدقة قلنا: إنها لا تمثل القصيدة القصيرة ولا الطويلة، وإنما الذي يمثل القصيدة القصيرة منها البيت المفرد: ففي هذا البيت تتمثل عادة العاطفة الواحدة المحددة المستقلة. وحينما لا نتمثل في القصيدة وحدة البيت، تتمثل لنا هذه العاطفة في بيتين أو بضعة أبيات، على أقصى تقدير، ولكنها تظل عاطفة واحدة محددة\".(26).‏

ونحن لا نسلم بهذه المقارنة غير العادلة، فقد تصح المقارنة بين وحدة القصيدة عند أرسطو ومثيلتها عند ابن طباطبا، أما أن نستعير مقياسين حديثين: مفهوم القصيدة القصيرة ومفهوم القصيدة الطويلة، من النقد الأوروبي المعاصر، ونحاول تطبيقهما على نقد ابن طباطبا العباسي فإننا نظلم الرجل ونغمطه حقه.‏

إن عز الدين أو غيره من النقاد يستطيع أن يصل إلى ثغرات واسعة في نقد ابن طباطبا لوحدة القصيدة. أما المعيار الثاني \"الغنائية\" فنعتقد أن عز الدين يطلب من ابن طباطبا أمراً مستحيلاً؛ فالغنائية من طبيعة القصيدة العربية منذ القديم، وهذا أمر لا يعيبها من جهة، ولا يطلب من ابن طباطبا تجاوزه من جهة أخرى. صحيح أن ابن طباطبا كان باستطاعته أن يتجاوز نقاد عصره، فيستنبط من بعض الشعر الغنائي العربي الذي عاصره، وحدة في الشعور والفكرة والموضوع، ولكن أن نطلب منه أن يجتاز غنائية القصيدة العربية، فذلك أمر مستحيل. من هنا نستطيع القول: أن بعض الخطأ الذي وقع فيه بعض نقادنا أنهم قارنوا مقارنة تامة بين وحدة القصيدة عند أرسطو ومثيلاتها عند بعض نقادنا القدامى، فطبيعة الشعر اليوناني في \"فن الشعر\" تختلف عن طبيعة الشعر العربي، كما يختلف الإنسان اليوناني عن الإنسان العربي، وأرسطو نفسه قد نفى الشعر الغنائي من كتابه وألحقه بفن الموسيقى. ولكن يجب ألا يفهم من كل هذا القول أننا ننكر إمكانية الاستفادة، في وحدة القصيدة، من أرسطو، وإنما نريد أن نقول: إن بعض نقادنا لم يفهموا هذه الوحدة كما جاءت في كتاب: \"فن الشعر\"، ولم يجيدوا تطبيقها على شعرنا العربي، وذلك لأنهم لم يحسنوا انتقاء النصوص التي تتوافر فيها هذه الوحدة، ووقع هؤلاء في التجزيئية حين اختاروا نصوصاً مجزأة الأوصال وقصائد متعددة الموضوعات، فشوهوا وحدة أرسطو، وأخفقوا في دفع عجلة الشعر العربي إلى الأمام. ومن هؤلاء ابن طباطبا نفسه، ولابد من أن نقول أخيراً: أن وحدة القصيدة التي نادى بها ابن طباطبا تعثرت في عروض كثيرة من نظريته وفي كثير من النصوص التي استشهد بها، فبرزت لديه وحدة البيت حين برزت عواطف كثيرة مسطحة فوضوية، ذات مستوى واحد وبُعد واحد، نتيجة إهماله التجربة واهتمامه الشديد بالصناعة الشعرية وشواهده المجزأة.‏

*هوامش:‏

(1) هو محمد بن أحمد أبو الحسن العلوي المعروف بابن طباطبا، شيخ من شيوخ الأدب، وشاعر مولده ووفاته بأصبهان. له كتب، منها: \"عيار الشعر\"، و\"تهذيب الطبع\"، و\"العروض\". وأكثر شعره في الغزل والآداب العامة. توفي سنة 322ه.‏

ينظر في ترجمته: المرزباني، معجم الشعراء، تحقيق عبد الستار أحمد فراج مصر دار إحياء الكتب العربية 1960م ص 427، وياقوت، معجم الأدباء مصر مطبعة دار المأمون 1937 م 17/ 143 144، والقفطي، المحمدون من الشعراء محمد عبد الستار خان أيم مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن الهند ط1 1966 م 1/11، والعباسي، معاهد التنصيص مصر المطبعة البهية 1316ه 1/ 179، وبروكلمان، تاريخ الأدب العربي ترجمة د.عبد الحليم نجار دار المعارف بمصر ط3 1974م 2/ 100.‏

(2) عيار الشعر تحقيق د.طه الحاجري، ود.محمد زغلول سلام مصر شركة فن الطباعة 1956م ص 124.‏

(3) ينظر في ذلك المصدر السابق ص 7.‏

(4) المصدر السابق ص 126 127.‏

(5) المصدر السابق ص 6.‏

(6) المصدر السابق ص 78.‏

(7) المصدر السابق ص 4 5.‏

(8) ‏ Leumers , Daniel - Préface - Poésies de Mallarmé - le livre de poche - librairiegénérale hrancaise - Paris - 1977. PV.‏

(9) Ibid...P.VI‏

(10) يجب أن نشير هنا إلى أننا لا نقيم مقارنة بين المدرسة الرمزية، وإليوت من جهة، وابن طباطبا من جهة ثانية، فهذا، إن حصل، إجحاف شديد بحق ابن طباطبا الذي له عصره وبيئته المختلفان عن عصر الرمزية البيئة التي مهدت لنشوئها، فهي ابنة البورجوازية الأوروبية التي أخفقت، علىصعيد الواقعين الاجتماعي والسياسي، في تحقيق طموحاتها، فاتجهت إلى الأدب للتعويض.‏

(11) عيار الشعر ص 5 6.‏

(12) المصدر السابق ص 5.‏

(13) من المعروف أن ابن طباطبا شاعر مثلما هو ناقد، ولذلك سنعود إلى قصيدة من قصائده الطويلة، في دراسة لاحقة، لنبين، من خلالها، ملامح وحدة القصيدة التي نادى بها، وهل استطاع ابن طباطبا الشاعر أن يكون حريصاً على مفهوم \"وحدة القصيدة\"، كما جاء في \"عيار الشعر\" عند ابن طباطبا‏

(14) ينظر في ذلك مقاله: \"ابن طباطبا ووحدة القصيدة العضوية\" الآداب س 9 ع 2 شباط 1961م، ص 79.‏

(15) عباس، د.إحسان تاريخ النقد الأدبي عند العرب مطابع دار القلم بيروت ط1 1971م ص 138.‏

(16) ينظر في ذلك: عيار الشعر ص 5.‏

(17) هنري برغسون (1859 1941). فيلسوف فرنسي معاصر دافع عن الروحانية ضد هجمات الوضعية والمادية، له: \"المحاولة في درس أوضاع الوجدان\". و\"المادة والذاكرة\"، و\"التطور الخلاق\"، وغير ذلك.‏

(18) سنعود، في دراسة مستقلة قادمة، إلى قصيدة جاهلية نتبين فيها ملامح البنية وصفاتها فيها.‏

(19) سنبين، في دراسة قادمة، كيف استطاع بعض الفحول من الشعراء العباسيين أن يتقدموا بالشعر على النقد المعاصر لهم أشواطاً بعيدة.‏

(20) كثرت هذه الظاهرة في ديوان أبي نواس، تحقيق أحمد عبد المجيد الغزالي بيروت دار الكتاب العربي 1953م يقول:‏

دع الأطلال تسفيها الجنوب وتبلي عهد جدتها الخطوب‏

وخل لراكب الوجناء أرضاً تخب بها النجيبة والنجيب.‏

ص11‏

ويقول:‏

حاشا لدرة أن تبنى الخيام لها وأن تروح عليها الإبل والشاء‏

ص7‏

ويقول:‏

أحسن من سير على ناقة سير على اللذة مقصور‏

ص15‏

ويقول:‏

بكيت وما أبكي على دمن قفر وما بي من عشق فأبكي من الهجر‏

ص36‏

ويقول:‏

عاج الشقي على رسم يسائله وعجت أسأل عن خمّارة البلد‏

ص46‏

ويقول:‏

دع الربع، ما للربع فيك نصيب وما إن سبتني زينب وكعوب‏

ص110‏

ويقول:‏

قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ما ضر لو كان جلس‏

ص134‏

وليكون معلوماً لدينا أن هذا الشاعر وأمثاله ممن ثاروا على منهج القصيدة لم يثوروا على عناصر ذلك المنهج في القصيدة الجاهلية، وإنما يثورون على استمرار بعض أجزاء هذا المنهج في القصيدة العباسية على الرغم من أن الحياة المعاصرة ما عادت بحاجة إلى تلك الأجزاء.‏

(21) عيار الشعر ص 6 7.‏

(22) سنعود إلى دراسة تائيته التي قالها في مدح أبي الحسين محمد بن أحمد بن يحيى بن أبي البغل، وهو من أعيان عصره، وأحد أصدقاء الشاعر، وهي في \"معجم الأدباء\"، 17/ 146 149، ومطلعها:‏

يا سيداً دانت له السادات وتتابعت في فعله الحسنات‏

(23) ينظر في ذلك: تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 138.‏

(24) ينظر في ذلك: المرجع السابق ص 32 33.‏

(25) ينظر في ذلك: الشريف، الطيب ابن طباطبا وحدة القصيدة العضوية الآداب ص 78.‏

(26) الأسس الجمالية في النقد العربي بمصر مطبعة الاعتماد ط1 1955م ص 366.‏

http://awu-dam.org/trath/18/turath18-012.htm الرسالة



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6668


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


خليل موسى
تقييم
1.41/10 (144 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.