الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
الخصومة بين القدماء والمحدثين
الخصومة بين القدماء والمحدثين
04-12-2012 09:02 PM



مراسلة عهود نجيب العدواني

عهود نجيب العدواني المرسل
الخصومة بين الطائيين وعمود الشعر العنوان
angel_77_75@hotmail.com البريد
الخصومة بين الطّائِيّيْن وعمود الشعر العربي. - د. وحيد صبحي كبّابة

دراســة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1997


ب- أطراف الخصومة ومظاهرها وقضاياها

1 - أطراف الخصومة.

لابد لنا، ونحن نتحدّث عن الخصومة بين الطائيين، أن نتعرّف إلى طرفي الصراع، وإلى هوية الفئات التي تنتمي إلى كل طرف.

لقد حمل لواء المحافظة كل من \" الكتاب والأعراب والشعراء المطبوعين وأهل البلاغة \" (1) وهم الذين كانوا يقيسون البلاغة \" بالمقاييس العربية الخالصة التي لايشوبها أيّ مقياس أجنبي \" (2) ويمكننا أن نعدّ من أنصار هذا الفريق: \" ابن الأعرابي، ودعبل ابن علي الخزاعي، وأبا هفان المهزمي، ومحمد بن عبد الملك بن صالح، ومخلد بن بكار الموصلي، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وإبراهيم بن المدّبر، وأبا حاتم السجستاني، وعبيد الله بن سليمان، وابن مهرويه \" (3)

أما لواء التجديد، فقد حمله \" أهل المعاني والشعراء وأصحاب الصنعة، ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي الكلام \" (4) وهم الذين كانوا يقيسون البلاغة \" بالمقاييس اليونانية الخالصة \" (5) . ويمكننا أن نعدّ من هذا الفريق: \" محمد بن حازم الباهلي، والحسن بن وهب، والحسن بن رجاء، وعصابة الجرجرائي، وإسحاق بن إبراهيم المصعبي، والقاسم بن إسماعيل، وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، وفضل اليزيدي، وعمارة بن عقيل، ومثقال الواسطي، وأبا مالك عون بن محمد، وابن ثوابة، وعمر ابن أبي قطيفة، ومحمد بن عبد الملك الزيات، وإبراهيم بن العباس الصولي، وعلي ابن الجهم، وأبا بكر محمد بن يحيى الصولي \" (6) .

ويمكننا أن نضيف، إلى هذين الفريقين المتصارعين، فريقاً ثالثاً، وقف موقفاً معتدلاً، مُنصفاً . نعدّ من أصحابه: \" المبرّد، وثعلب، وابن المعتز، والبحتري، وأبا الفرج الأصفهاني\" (7) .

2 - مظاهر الخصومة:

للخصومة بين الطائيين مظاهر متعدّدة تجلّت فيها، \" فكانت المنافسات الأدبية والرواية واحدة من هذه المظاهر، ثم جدّ مظهر آخر بتأليف الكتب (8) التي تتناول طرفيها مدحاً أو قدحاً. وبوسعنا أن نرى في كتب السرقات التي ألفت، وفيما كتب عن طريقة كلا الشاعرين ومعانيهما، سواء ما ألّف منها في القرنين الثالث والرابع أم ما تلاهما، مظاهر ممتدّة ومتعدّدة لتلك الخصومة \" (9) ويمكننا أن نضيف إلى هذه المظاهر أيضاً، \" مَيل كل فريق من فريقي الصراع إلى ما يشبه التحالف وتوحيد الجهود \" (10)

لكن ظاهرة الموازنة تعدّ أهم مظهر اتّخذته الخصومة حول الطائيين، وما كتاب الآمدي إلاّ صورة واضحة للتساؤل الذي كان يُطرح: أيّهما أشعر ؟(11)

وظاهرة الموازنة بين الشعراء ليست جديدة في تراثنا النقدي، فهي موجودة في الجاهلية (21) . وحكومة النابغة بين الشعراء، وموازنة أم جندب بين زوجها أمرئ القيس وعلقمة الفحل في وصف الفرس، أكبر دليل على ذلك. لكن الجديد في الموازنة الناشئة عن الخصومة بين الطائيين، أنها موازنة بين مذهبين مختلفين، وإن كان طرفاها شاعرين (13) ، وأنها موزانة بين أستاذ وتليمذه، وأنها أخيراً اتخذت طابعاً نقدياً منهجياً كما في كتاب الموازنة للآمدي )، على حين اقتصرت الموازنة القديمة على الملاحظات الجزئية اليسيرة (14) .

3 - قضايا الخصومة:

لم تقتصر الخصومة على المظاهر السابقة، وإنما أثارت قضايا عديدة، كانت هي بالتالي سبباً من أسباب الصراع. فالخصومة، والحال هذه، كانت ميداناً لنقاش الكثير من القضايا النقدية، التي يمكننا إجمالها في الأمور التالية:

أ- التقليد والتجديد

لعلّ هذه القضية أبرز القضايا التي كانت المناقشة تدور حولها بين طرفي النزاع . فالبحتري أشعر من أبي تمام لأنه \" أقوم بعمود الشعر \" (15) ، أي لأنه على مذهب القدماء. أما أبو تمام، فهو أشعر في نظر أنصاره، لأنه خرج على عمود الشعر.

إن معيار الصراع بين الفريقين، إذا، هو طريقة الأوائل، أو ما يسمّى بعمود الشعر. ومدى اقتراب الشاعر من هذه الطريقة أو ابتعاده عنها، هو مقياس الحكم عليه بالتقديم أوالتأخير. والمفارقة الطريفة في هذا المجال، هي أن ما يُعدّ سبباً في تقدم الشاعر عند طرف، هو نفسه سببُ تأخيره عند الطرف الآخر، والعكس صحيح. (16) .

لقد احتجّ أنصار أبي تمام، في تقديم صاحبهم، بأنه عنه \" أخذ البحتري وعلى حذوه احتذى، ومن معانيه استقى \" (17) وقد اعترف البحتري نفسه \" بأن جيّد أبي تمام خير من جيّده \" (18) .

والحجة الثانية لأنصار أبي تمام، هي أن صاحبهم انفرد بمذهب ابتدعه، وليس كذلك البحتري. يقول أدونيس: \" والنقطة الثانية التي يحتج بها أنصار أبي تمام، هي انفراده بمذهب أخترعه وتأثر به جميع الشعراء الذين أتوا بعده، فكان لهم إماماً وكانوا له تابعين (19) وليس للبحتري مثل هذا التفرّد وهذا التأثير\".(20)

ويناقش أنصار البحتري هذا الكلام، فيردّون على الحجة الأولى، بأن البحتري \" ما صحب أبا تمام ولا تتلمذ له ولا روى ذلك أحدٌ عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه \" (21) . وإذا كان البحتري قد استعار بعض معاني أبي تمام، فهذا يعود إلى \" قرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر أبي تمام، فيُعلّق شيئاً من معانيه، معتمداً للأخذ أو غير معتمد. وليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه. فهذا كثيرّ قد أخذ عن جميل، وتَلْمَذَ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحداً أطلق على كثيّر أن جميلاً أشعر منه، بل هو أشعر من جميل \" (22) .

ويتابع أنصار البحتري ردّهم على الحجة الأولى، بقولهم: \" وأمّا قول البحتري: \" جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه \"... فهو للبحتري، لا عليه ؛ لأن قوله هذا يدلّ على أن شعر أبي تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلِف الشعر... \" (23) .

أما الحجة الثانية التي تقول بانفراد أبي تمام بمذهب اخترعه، فيردّ عليها خصومه، بأنه ليس \" أولاً فيه، ولا سابقاً إليه، بل سلك في ذلك سبيل مسلم بن الوليد، واحتذى حذوه، وأفرط وأسرف وزال عن النهج المعروف والسنن المألوف \" (24) . وأصول هذا المذهب \" منثورة متفرقة في أشعار المتقدمين... وفي كتاب الله عزّ وجلّ \" (25) . وكلّ ما فعله أبو تمام، هو أنه تبع هذا المذهب وأكثر منه \" وأحبّ أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وَعْراً، و استكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت طلاوته، ونشف ماؤه \" 26).

هذان الجانبان كانا سبباً مهماً في نشوء قضية السرقات الأدبية. فخصوم أبي تمام، وهم يردّون على حجة أنصاره بسبقه في مذهبه، راحوا يبحثون عن أصول هذا المذهب في القديم، وعن سرقات خصمهم ممن تقدمه. وفي كتاب \" الموازنة\" نماذج كثيرة لسرقات أبي تمام من غيره (27) ، كما أفرد أحمد بن أبي طاهر كتاباً في سرقات أبي تمام، في \" الموازنة \" نماذج منها (28) .

وقد كان على أنصار أبي تمام أيضاً، وهم يصمون البحتري بسرقة معاني صاحبهم، أن يدللوا على دعواهم بالشواهد، مما قادهم إلى البحث عن سرقات البحتري من أبي تمام ؛ فألّف أبو الضياء بشر بن يحيى كتاباً في سرقات البحتري من أبي تمام (29) ودراسة سرقات البحتري من أبي تمام قادت أنصار الأخيرإلى دراسة سرقات الأول من غيره من الشعراء أيضاً (30) .

لقد أكدّ أنصار القديم أنّ \" كتابة الشعر، بالنسبة إلى الشعراء اللاحقين، نوعٌ من التفريع على الشعر القديم، والاشتقاق منه. وما النقد إلاّ دراسة هذا التفريع وهذا الاشتقاق قياساً على أصولهما \" (31) . هذا على حين رفض المجددون \" كلّ مالم يَعُدِ القصد منه يتطابق مع الحياة المستجدّة، وأكدوا على كذا) التفردّ والسبق والكشف في الشعر. وبذلك يصبح النقد إضاءة التفرّد والسبق والكشف، بحيث لايستمدّ أصوله النقدية من نصوص مَضَت، وإنما يستمدّها من النصوص المتفرّدة السبّاقة الكاشفة ذاتها. فكلّ تعبير جديد يفترض معايير جديدة أي نقداً جديداً \" (32) .

إنّ كلاّ من الفريقين المتخاصمين انطلق في حججه من التشبث بالماضي، وإن بدا الأمر غير ذلك. فأنصار الحديث يريدون أن يثبتوا أن لمذهبهم أصلاً في القديم، أما أنصار القديم فيردّون على خصومهم بأن تجديدهم في البديع مسبوقون إليه، وهو شائع بين الناس قبلهم (33) .

وعلينا أن نشير هنا إلى أن الخصومة في بعض جوانبها، لم تعارض المحدثين لحداثتهم، بل ‎‎ تناولت طريقة المحدثين في التجديد. فالبحتري قُبل لأنّ مذهبه وافق مذهب الأوائل، أما أبو تمام فرُفض لأن مذهبه خالف مذهب الأوائل(34) .

****

إن هذه القضية من أهم القضايا التي أثارتها الخصومة، لأنها أساس هذه المعركة. فطريقة الأوائل هي معيار الصراع بين الفريقين، ما شابهها حُكم له، وما خالفها حُكم عليه. فانطلقت المناقشات تحتجّ وتردّ، تهاجم وتصدّ، وثار غبار كثيف كان له فضل على الحركة النقدية الأدبية عند العرب. فالموازنات ومشكلة السرقات، ممّا زخرت به كتب التراث، مظهر بارز من مظاهر تلك الخصومة، إن لم يكن أبرزها. وكلها يبحث عن أصالة الشاعر وتفرّده وتميّزه بالنسبة إلى خصمه من جهة، وإلى المتقدمين من جهة أخرى.

إن عنوان أدبية النص وشاعرية الشاعر، هو التفرّد والأصالة. وكل ما ينقضهما، كالسبق والسرقة والتلمذة، يحطّ من شأن الشاعر، وينقص من أدبية أدبه.

وتستوقفنا في هذه المناقشة أمور في غاية الأهمية، نذكر منها ملاحظة أنصار البحتري أثر قرب بلدّي الشاعرَيْن في تشابه معانيهما، مما لا يطعن في شاعريتهما، ولا في أدبية شعرهما. كما تستوقفنا مناقشة الطرفين لصلة الشعر بالقديم، مما يدفعنا إلى القول إن أي تجديد شعري، إنما ينبغي أن ينطلق من الجذور، فيكون الجديد جديداً بمقدار ما فيه من تجاوز للقديم، من دون انقطاع عنه. فإذا كانت أدبية شعر البحتري تكمن في تقيّده بعمود الشعر - نسبياً -، فإن أدبية شعر أبي تمام، تكمن في خلقه مذهباً جديداً، أصوله البديعية مبثوثة في شعر القدماء. وإنما تجديده يكمن في تقيده بعمود الشعر - نسبياً -، فإن أديبة شعر أبي تمام، تكمن في خلقه مذهباً جديداً، أصوله البديعية مبثوثة في شعر القدماء. وإنما تجديده يكمن في وقوفه عند هذه النماذج وتطويرها وتركيبها، ممّا جعله خالقاً لمذهب جديد غير مألوف.

ولابدّ من الإشارة، هنا، إلى أن الإغراق في نعت البحتري بالتقليد يغمطه حقه، فهو الآخر كان مجدّداً، وللبديع أثره الواضح في شعره. وإنما شروط الموازنة بينه وبين أبي تمام، جعلته يبدو مقلّداً، فأخمدت بريق صوره وبديعه وتجديده.

ثاني القضايا التي أثارتها الخصومة، ووقف عندها المتخاصمون، هي قضية الوضوح والغموض. فقد شاع أن شعر البحتري واضح، وشعر أبي تمام غامض.. فما حجّتهم؟ وما دفاعهم؟







ب - الوضوح والغموض

يميل أصحاب البحتري إلى \" حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المأتى، وانكشاف المعاني\" (35) . أمّا أصحاب أبي تمام فيميلون \" إلى غموض المعاني ودقتها.. مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج (36) .

لهذا، عاب أصحاب أبي تمام مَن أعرض عن شعر صاحبهم، بعدم الفهم وقصور العلم، وقد \" فهمته العلماء وأهل النفاذ في علم الشعر \" (37) ويستشهدون على دعواهم بابن الأعرابي، الذي \" كان يردّ على أبي تمام) من معانيه ما لا يفهمه، ولا يعلمه، فكان إذا سُئل عن شيء منها، يأنف أن يقول: لا أدري، فيعدل إلى الطعن عليه \" (38) .

وأصحاب أبي تمام يعترفون بأن صاحبهم قد \" أتى في شعره بمعان فلسفية، وألفاظ عربية، فإذا سمع بعض شعره الأعرابيّ لم يفهمه.... فإذا فسّر له فهمه واستحسنه \" (39) .

فأبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب - 291)، أحد الطاعنين على أبي تمام، استحسن شعر الشاعر، بعدما شرحه له بنو نوبخت (40) .

وينبري أصحاب البحتري ليردّوا على خصومهم دعاواهم، فالعلماء الذين يقصر أنصار الحداثة عليهم فهم شعر صاحبهم، هاجموا أبا تمام شرّ هجوم (41) . أما قصور فهم ابن الأعرابي عن شعر ابي تمام، \" فالعيب والنقص في ذلك يلحقان أبا تمام، إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن الأعرابي وأمثاله \" (42) . هذا، على حين \" تعمّد البحتري) حذف الغريب والوحشي من شعره، ليقرّبه على فهم من يمدحه \" (43) لهذا، \" وقع الإجماع على استحسانه واستجادته، وروى شعره واستحسنه سائر الرواة، على طبقاتهم واختلاف مذاهبهم. فمن نفق على الناس جميعاً، أولى بالفضل، وأحقّ بالتقدمة \" (44) .

ويردّ أصحاب البحتري على الدعوى الأخيرة، في أنّ ما غمض من شعر أبي تمام على الأعراب ممكن فهمه إذا ما فسّر، بأنّ \" هذه دعاوٍ من أصحاب الشاعر) على الأعراب في استحسان شعر صاحبهم، إذا فهموه .ولا يصحّ ذلك إلاّ بالامتحان \" (45) .

إن الوقوف على الحجج التي تقدّم بها الطرفان المتخاصمان، يضعنا أمام قضايا هامة في النقد العربي القديم. فالحكم على جودة الشعر - في نظر أنصار القديم - مقترن بمقدار سيرورته بين الناس، فمن قبل الناسُ شعرَه هو دون شك أفضل. هذا يعني بالتالي أنه على الشاعر، تحقيقاً لتلك السيرورة، أن يتفق شعره وذوق المتلقين. وحتى يتم ذلك، ينبغي أن يكون واضحاً مفهوماً، وهذا ما فعله البحتري \"حين تعمّد حذف الغريب والوحشي من شعره \". وأثر الرواة واضح في هذا المقياس النقدي . غير أن نظرة أنصار الجديد تختلف، فالشعر عندهم \" لا يقيّم بمدى انتشاره بين الناس، بل يقيّم بمدى عمقه، وفهم ذوي الثقافة الشعرية العالية \" (46) فيصبح، بالتالي، الحكم على الشعر بحسب النص لا بحسب المتلقي. وهكذا، يرتقي الجمهور إلى الشاعر، بدل أن ينزل هو إليهم. ولا يعود الشاعر مضطراً لأن يقول ما يُفهم، بل على الجمهور أن يفهم ما يُقال (47) . بهذه النظرة الجديدة إلى الشعر تعود حقوق الإبداع إلى المبدع وحده، لا إلى الجمهور كما كان يريد أنصار القديم... وبهذه النظرة لايعود همّ الشاعر إرضاء ذوق المتلقّين، وقول ما ألفوه أو ما يتوقعّونه... وإنما يصير متحرّراً يقول مافي نفسه، خالقاً بأسلوبه لغته وصوره المميزّة.. لكن هذا الكلام لا يلغي أبداً دور الجمهور، فهو أيضاً مُبدع للنص بالقراءة.. وفعل الإبداع يعني أن يتجاوز القارئ المألوف، فيرتقي مع الشاعر إلى خلق عوالم جديدة، ماكان يعرفها.

والحديث عن قضية الغموض في الشعر يقودنا إلى الحديث عن ثقافة الشاعر، فأصحاب أبي تمام يرون أن \" الشاعر العالم أفضل من الشاعر غير العالم \" 48). وتعليل ذلك أن \" الأوّل يضيف إلى القارئ معرفة جديدة، أما الثاني فلا يضيف أي شيء، بل يعكس كذا) للقارئ معرفته، فكأنه يردّ له بضاعته \" (49) . لهذا فأبو تمام مُقدّم عند أصحابه، لأنه صاحب ثقافة واسعة في الشعر وروايته، وفي الفلسفة. وقد استطاع أن يوجد في شعره تآلفاً مبتكراً بين المعنى الفلسفي غير العربي، واللفظ العربي (50) وإذا كان الأعرابي لايفهم بعض شعره، فليس لأنه محال أو مستغلق. والدليل على ذلك أنه \" إذا فُسّرله، فهمه واستحسنه \" (51) . ومعنى ذلك أن عدم فهم الأعرابي لهذا الشعر، يعود إلى قلة إطلاعه وثقافته ودربته، لا إلى قصور في إدراكه، أو غموض في هذا الشعر. يقول أدونيس: \" إن عدم فهم الشعر لايعود إلى إغرابه، بل يعود إلى أن قارئه قليل الدربة والممارسة، ومنذ أن تنكشف له معانيه، بالممارسة والدربة، يزول إغرابه، ويصير واضحاً \" 52).

ويرفض أصحاب البحتري هذه المقولة، فشعر العلماء عندهم لايرقى إلى مستوى شعر الشعراء. يقول الآمدي على لسان صاحب البحتري مُعللاً: \" فقد كان الخليل بن أحمد عالماً شاعراً، وكان الأصمعي عالماً شاعراً، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر العلماء، ومابلغ بهم العلم طبقة مَنْ كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء . (53) . لهذا وجب تقديم البحتري على أبي تمام ؛ \" إذ كان معلوماً شائعاً أن شعر العلماء دون شعر الشعراء \" (53) .

وإذا كان أبو تمام قد أظهر ثقافته في شعره، متعمّداً \" أن يدُلَّ على علمه باللغة وبكلام العرب \"، فإن هذا جعله يدخل ألفاظاً غريبة في مواضع كثيرة من شعره، وذلك نحو قوله:

هُنَّ البَجَاريُّ يا بُجَيْر


أَهْدَى لها الأبؤسَ الغُديْرُ \"(53)




- هذا، في حين استسلم البحتري لطبعه في اختيار ألفاظه، إذ \" كان يتعّمد حذف الغريب الوحشي من شعره ليقربه من فهم من يمتدحه... ويرى أن ذلك أنفق له، فنفق، وبلغ المراد والغرض \" (54) .

أما ادعاء أصحاب أبي تمام باستحسان الأعراب شعر صاحبهم إذا فهموه، فهذا عند صاحب البحتري كلام \" لا يصح إلا بالامتحان\" (55) .

وخلاصة القول في هذه القضية عند صاحب البحتري، أن \" التجويد في الشعر ليست علته العلم، ولو كانت علته العلم لكان مَنْ يتعاطاه من العلماء أشعر ممن ليس بعالم \" (53) . لذلك، كان البحتري الشاعر غير العالم، خيراً من أبي تمام الشاعر العالم.

إن مادار من مناقشات حول هذه القضية، يمكن إرجاعه إلى تقصير النقاد في دراسة شعر المحدثين، بالنسبة إلى دراساتهم لشعر القدماء. يقول عبد العزيز سيد الأهل: \" إن شعر المحدثين في زمان أبي تمام لم يكن أهل عصره قد درسوه كالقديم، ولم يذّلله أئمّة لهم كالذي ذلّلوه، ولم يجد له رواة يحفظونه ويكثرون من روايته، ولم يعرفوا ما يضبطه وما يقوم به، وقصّروا فيه فعابوه \" (56) .

لهذا، كانت الأسس النقدية التي اعتمدها النقاد في نقد شعر أبي تمام، صحيحة بالنسبة إلى الشعر القديم الذي ألفوه، لا بالنسبة إلى ما يمكن أن يُستنبط من شعر أبي تمام من أحكام. يقول عمر فروخ: \" إن الأسس التي اتخذها النقاد لنقد شعرأبي تمام.. صحيحة بالإضافة إلى أنفسهم _ أي إلى ما ألفوا وما لم يألفوا - لا بالإضافة إلى مايمكن أن يفهم منها بعد إعمال الفكر \" (57) . وهذا ما يدفع إلى عدم التسليم بكل ما أخذه النقاد \" على أبي تمام، أو على غيره، فقد لا يكون المعنى من السوء بحيث يظنون، ولا الاستعارة من البعد بحيث يحسبون \" (58) . فأبو تمام \" يفكّر بطريقة صحيحة، ولكنها بعيدة عن مألوف الرجل العادي \" (59) . وما غموضه إلاّ لأنّه رائد نهضة شعرية، و\" كل شعر يبدأ نهضة، فهو غامض \" (60) .

لقد شغلت قضية غموض شعر أبي تمام كلاً من الخصوم والأنصار، فكلّهم متفقون على وجود هذا الغموض في شعره، ولا نعرف أحداً نفى هذه السمة عنه. لهذا يستوقفنا نص يخالف هؤلاء وأولئك، ويعترف فيه قائله لأبي تمام بالوضوح فقد \" كتب الحسن بن وهب إلى أبي تمام :\" أنت - حفظك الله - تحتذي من البيان في النظام، مثل ما نقصد نحن في النثر من الإفهام، والفضل لك - أعزك الله - إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار، وعلى غاية الاقتصار، وفي منظوم الأشعار، فتحلّ متعقّده، وتربط متشرّدة ،وتضمّ أقطاره، وتجلو أنواره، وتفصّله في حدوده، وتخرجه في قيوده، ثم لا تأتي به مهملاً فيستبهم، ولا مشتركاً فيلتبس، ولا متعقّداً فيطول، ولا متكلّفاً فيحول. فهو منك كالمعجزة، تضرب فيه الأمثال، وتشرح فيه المقال، فلا أعدمنا الله هداياك واردة، وفوائدك وافدة \" (61) .

في هذا النص دليل سافر على وجود فئة من الأدباء والنقاد، كانت لاترى غموضاً في شعر أبي تمام، بل، على العكس، كانت تراه واضحاً، ولا التباس فيه ولا تعقيد. ولئن غمض شعره على بعض الفئات، إنه كان مفهوماً من بعضها الآخر. وهذا يعني أن هذا الشعر ابن عصره، وأنه كانت هناك فئة تتذوّقه ولاترى فيه غموضاً.

****

وتبقى قضية الوضوح والغموض نسبية، بحسب ثقافة المتلقي وتفاعله مع الشعر والشاعر. فإذا كان أبو تمام يريد أن يرقى بالمتلقي إلى مستوى فهمه، فإنّ من واجب الشاعر أيضاً أن يسعى ليبلّغ المتلقي رسالته بوضوح وبلاغة فاعلة. وهذا لا يعني الابتذال، فالوضوح شيء والابتذال شيء آخر، كما أن الغموض الموحي الممتع بلّذة الكشف شيء والغموض المبهم المحبط شيء آخر.

ويبقى الشعر لغة الشعور وفسحة التقاء بين روحين، لتبلغا في لحظة صوفية روح الحقيقة المُطلقة.

جـ - الصدق والكذب

إن الحديث عن مطالبة القدماء الشعراء بالكتابة وفق أذواق المتلقين، ووفق مذهب الأوائل، يقودنا إلى الحديث عن قضية الصدق والكذب. والآمدي في موازنته يتعرض لهذه القضية، \" فيعرض طائفة من مآخذ الرواة على القدماء، وهي مآخذ تُردّ في أكثرها إلى مطالبة الشاعر بأن لايصف الأشياء كماهي في الواقع، بل كمثل أعلى، كما تُردّ إلى المبالغة في فهم بعض الأبيات مبالغة تفسد معانيها.. (62)

وعليه، يرى محمد زغلول سلام مع ابن رشيق \" أن المحديثن أكثر تلاؤماً مع العصر ومسايرة له، وأنهم أصدق تعبيراً من التقليديين الذين ينهجون مناهج القدماء، وأن شعر القدماء لا يوافق بحال أذواق العصر، وحياة البداوة مغايرة لحياةالحضارة. فصور الشعر القديم المشتقة من حياة القدماء، لا توافق أمزجة المحدثين الذين بدّلت الحضارة من حياتهم وعدّلت في أذواقهم. والمحدثون أصدق إحساساً وتعبيراً، لأنهم إنما يصوّرون ما يقع تحت أعينهم، ويديرون على ألسنتهم ما يقرّ في آذانهم \" (63) .

لقد كانت الخصومة حول مذهب أبي تمام، لأنه خالف الطريقة التقليدية للشعر العربي، في اعتماد مبدأ المثل في التصوير والمقاربة في التشبيه، ولإغراقه في طلب الغريب من المعاني والمبالغ فيها.

لقد اعتمد أبو تمام على ذاته وأخضع الآخرين له، بدل أن يخضع لهم (64) . وفي هذا تحدّ للذوق العام والتقليد الشعري، الذي يدعو إلى المقاربة في التشبيه واعتماد مبدأ المثل في التصوير.

ولعلّ للإطار الحضاري العام أثراً بارزاً في ما جاء به أبو تمام. فطريقته ليست غريبة في العصر الذي عاشه، ذاك العصر الذي: \" تزعزعت فيه فكرة النموذج أو الأصل، ولم يعد الكمال موجوداً، كما يقول التقليد الديني، خارج التاريخ. لقد أصبح الكمال في هذا العصر موجوداً داخل التاريخ. أصبح بمعنى آخر، كامناً في حركة الإبداع المستمرة، أي في الحاضر - المستقبل، ولم يعد قائماً في الماضي، كأنه ابتكر للمرة الأولى والأخيرة \" (65) .

استناداً إلى ما تقدّم، نرى أنّ أحد أهم أسباب الخصومة حول الشاعرين، هو ذاك المقياس النقدي الذي يحكم للشاعر بمقدار اتفاق شعره مع النموذج المثال المألوف... فإذا ما شاء الخروج على هذا المذهب، معتمداً نموذجه الخاص، فإنه مارق خارج على عمود الشعر.

وهكذا صار الكذب مقياس الأدبية، مادام متفقاً مع المثال التقليدي، وبات الصدق مرفوضاً، مادام يخالف ذاك المثال.

إن أهم ثورة تحققت في هذه الخصومة، هي إعادة حقوق الإبداع للمبدع، فيقول ما في نفسه، سواء أفهم القارئ أم لم يفهم، وسواء أطابق القولُ المثالَ الموجود في أذهان المتلقين أم قلب مفاهيمهم ‍

وإذا كنّا نقف حذرين أمام هذا الاستنتاج، فإن ذلك كان خطوة هامة لإقامة جسر التواصل بين الشاعر والمتلقي على أسس جديدة تحفظ لكل منهما حقّه في الفهم والإفهام، كما كان خطوة هامة نحو التجديد الذي يقوم على التجاوز المستمر للذات والمألوف. وفي بداية كل تجاوز غموض.

د ـ التجربة وتفاوت التعبير(1)

مما يؤخذ على أبي تمام التفاوت في التعبير الشعري، فهو يأتي بالبيت النادر ويقرنه بعده بالبيت السخيف، لهذا يقدّم البحتري عليه، إذ سلم شعره من هذا التفاوت. يقول المسعودي: \" قال عبد الله بن الحسن بن سعد): وسألته أي المبرّد) عن أبي تمام والبحتري، أيّهما أشعر؟ قال \" لأبي تمام استخراجات لطيفة، ومعان ظريفة، وجيدّه أجود من شعر البحتري، ومن شعر من تقدّمه من المحدثين. وشعر البحتري أحسن استواء من شعر أبي تمام، لأن البحتري يقول القصيدة كلها، فتكون سليمة من طعن طاعن أو عيب عائب، وأبو تمام يقول البيت النادر ويتبعه البيت السخيف، وما أشبهه إلاّ بغائص البحر يخرج الدرة والمخْشلبة، فيجعلها في نظام واحد. وإنما يؤتى هو وكثير من الشعراء من البخل بأشعارهم، وإلا فلو أسقط من شعره على كثرة عدده ما أنكر منه لكان أشعر نظرائه ..\" 66)

نحن، إذا، أمام مذهبين في النظم: مذهب أبي تمام، وهو\" مختلف لايتشابه، فجيّده \" لايتعلّق به جيد أمثاله، ورديّه مطرح مرذول \" (67) ومذهب البحتري، وهو مستو \" يشبه بعضه بعضاً ...فشعر البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، ليس فيه سنساف ولا رديّ ولامطروح\"(67)

أما سبب التفاوت في شعر أبي تمام، فيرجعه المبرّد إلى أن الشاعر كان يبخل على شعره بالتنقيح (68) . وهو مارآه الآمدي أيضاً بقوله: \" لكنه شَره إلى إيراد كل ما جاش به خاطره ولَجْلَجَهُ فكُره، فخلط الجيّد بالرديء، والعين النادرَ بالرّذْل الساقط، والصواب بالخطأ \" (69) ولو أنه عمد إلى التنقيح، \" وأسقط من شعره... ما أُنكر منه، لكان أشعر نظرائه \" (66) .

وقد أدرك أصحاب أبي تمام هذا الخلل في شعره، فهم لايدفعون\" أن يكون قد أوهم في بعض شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه\" 70) لكنهم، برغم ذلك، يحاولون تعليل هذه الظاهرة، فإذا كان الأمر كذلك، فإنه غير منكر لفكر نتج من المحاسن مثل مانتج، وولدّ من البدائع ما ولدّ - إن يلحقه الكلال في الأوقات، والزلل في الأحيان، بل من الواجب لمن أحسن إحسانه ان يسامح في سهوه، ويتجاوز له عن زلله \" 70).

ويرى أصحاب أبي تمام أيضاً أنه لما كان \" جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله... وكان كل جيّد دون جيده، لم يضره ما يؤثر من رديئه \"(71) . وإذا كان، أخيراً صاحبهم قد أساء في بعض شعره، فالبحتري أيضاً \"قد أساء \" (72)

أما أصحاب البحتري، في ردّهم على هذه القضية، فيقدّمون شاعرهم لأن \" المستوي الشعر أولى بالتقدمة من المختلف الشعر \" 73)، ولأن \" من أحسن ولم يسئ أفضلُ ممن أحسن وأساء \"(74) . وإذا كان جيد أبي تمام \" لا يتعلق به جيد أمثاله \"، فإنما وصف بهذه الصفة _ في نظرهم \" لأنه يأتي في تضاعيف الرديء الساقط، فيجيء رائعاً لشدّة مباينته ما يليه، فيظهر فضله بالإضافة. ولهذا، ما قال له أبو هِفّان \" إذا طرحت درّة في بحر خرء فمن الذي يغوص عليها ويخرجها غيرك؟ والمطبوع الذي هو مستوي الشعر، قليل السقط، لايبين جيده من سائر شعره بينونة شديدة، ومن أجل ذلك صار جيد أبي تمام معلوماً وعدده محصوراً \" (75) . ولهذا أيضاً، يفضل البحتري. وهذا \" هو الصحيح \" 76). بحسب الآمدي.

أمّا القول في إساءات البحتري، فيردّ أصحابه على الخصوم، بأنه ليس شيء مما عابوا) به البحتري من اللحن خارجاً عن مقاييس العربية، ولا بعيداً من الصواب، بل قد جاء مثله كثيراً في أشعار القدماء والأعراب والفصحاء(73) .

ويردون أيضاً على ما عابوا البحتري به، في قوله:

يُخفي الزجاجة لونها فكأنها


في الكفّ قائمة بغير إناء




فيقولون: \" لكنكم تأوّلتم في إنشاده، ثم اعظمتم وأكبرتم أن تَنْعْوا على شاعر مُحسن مُكثر بيتاً واحداً، فمازلتم تبحثون وتتحملون حتى وجدتم له ثانياً يحتمل من التأويل ما احتمل الأول \" (78) .

هذه هي حجج طرفي النزاع. ومما لاشك فيه أن حجّة أنصار أبي تمام \"تستند إلى فهم عميق لطبيعة التجربة الشعرية. فكل إبداع عظيم يتضمن، بالضرورة، أخطاء قد تكون، أحياناً، عظيمة. ومن هنا، التفاوت في كل نتاج يصدر عن التجربة الخلاقة. أما الاستواء، فمن شأن التجارب العادية... وهكذا لاتعود المسألة في نقد أبي تمام مسألة جزئية تقوم على تسقط بعض أخطائه، بروح المغالطة والتعصب والتحامل، وإبرازها بشكل مسرف، وإنما تصبح المسألة كلية تقوم على فهم التجربة الشعرية ككل، وإدراك ما يدخل هذه التجربة من التوتر والوهن، ومن التفجر والخمود \" 79).

غير أن اختلاف الشاعرين في أسلوب التعبير، جعل الموازنة بينهما غير عادية، إذ قامت المفاضلة بينهما من خلال بيت أو أبيات لهذا، وأبيات لذاك، فكانت أبيات أبي تمام المتفاوتة تقارن بأبيات البحتري المستوية، فيقع نتيجة ذلك ظلم فادح بأبي تمام، إذ يكون الحكم في هذه الحال لصالح الأبيات المستوية.. يفصّل عبد القادر القط هذا الأمر، فيقول: \" لو كانت القضية قضية مطلقة غير مقيّدة بشعر هذين الشاعرين، وكانت المفاضلة بين شاعرين لأحدهما قصائد قليلة ممتازة، ولكن شعره متوسط المستوي لاينحدر إلى درجة الإسفاف،، لما تردّد الناقد في تفضيل الشاعر الأول، لأنه قد أضاف بروائعه القليلة إلى التراث الأدبي، ونستطيع أن نسقط من حسابنا كل ما قاله من قصائد رديئة، أما الآخر فقد سار على الدرب المطروق ولم يقدّم لشعبه أو للإنسانية جديداً من الفن. ولكن الأمر لم يكن على هذا النحو، بل كانت المفاضلة بين بيت أو أبيات من قصيدة لأبي تمام وأبيات للبحتري، وكانت أبيات أبي تمام الرائعة القليلة تجيء وسط كثير من الأبيات الرديئة في القصيدة الواحدة، فيشعر القارئ إزاء هذا الخليط بشيء غير قليل من القلق ولايستطيع أن يفصل شعوره نحو الأبيات الكثيرة المُسفة من شعوره نحو تلك الأبيات الرائعة، وقد يؤثر في هذه الحال أن يقرأ شعراً مستوي الأسلوب \" لايعلو علواً حسناً ولا ينحطّ انحطاطاً قبيحاً \" كما يقول الآمدي \" (80) .

***

وخلاصة القول أن تفاوت شعر أبي تمام واستواء شعر البحتري كان سبباً رئيساً في الحكم على الأول لصالح الثاني.

غير أن هذا لايمنع من الوقوف عند النماذج الرفيعة عند أبي تمام ومقارنتها بأمثالها عند البحتري، لتجعلنا نقدّم موهبة الأول على الثاني، تلك الموهبة القائمة على التجاوز والابتكار.

وتستوقفنا هنا ظاهرة على درجة من الأهمية، وهي ما يُسمّى بالنقد الذاتي، إذ يعمد الشاعر إلى نقد شعره وتنقيحه وتثقيفه وغربلته، فلا يترك منه إلاّ مايرى أنه الأصلح للبقاء في التاريخ. وهذا ما لم يقم به أبو تمام، وكأنه شاء أن يعرض تجربته كاملة، بتوتّرات الإحسان والإساءة فيها، لتكون شاهداً على ما في شاعريته من تفجّر وخمود.

هـ الطبع والصنعة

يرى الآمدي أن أبا تمام والبحتري مختلفان، \" لأنّ البحتري أعرابي الشعر، مطبوع وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود الشعر المعروف.. ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة،... وشعره لايشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم \" 81).

لقد انتبه، إذاً، خصوم أبي تمام إلى ما في شعر خصمهم من تكلف وصنعة، وما في شعر صاحبهم من طبع، فكانت هذه القضية ميداناً للنقاش بينهم وبين الطرف الآخر. فأبو تمام في نظرهم خارج على عمود الشعر، لأنه تكلّف وخرج إلى الصنعة، فتبع مسلماً بن الوليد في إفساد الشعر، بل زاد عليه \" فاستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه الأصناف، فسلك طريقاً وعراً.. لقد أراد البديع فخرج إلى المحال \" 82).

لقد هاجم أنصار البحتري مذهب أبي تمام في البديع، \" لاستكثاره منه، وإفراطه فيه \" هذا على حين قبلوا شعر صاحبهم مع مافيه من الاستعارة والتجنيس والمطابقة \" 83)، لأنه \" ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة \"، أي لأنه لم يُغرق في الصنعة والتكلف. وهذا الكلام يعني أن النقاد القدماء لم يرفضوا الصنعة، لكنهم رفضوا الإغراق فيها. ولعلّ تنقيح الشعر الذي طالبوا الشعراء به، ما هو إلا صورة من صور الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي رغبوا فيها.

وتستوقفنا في كلام الآمدي المتقدم تلك العلاقة الغريبة التي يقيمها بين الطبع وكلام الأوائل. فالمطبوع من الشعر هو ما كان يجري مجرى القدماء، لا ما يجري مجرى الذات المبدعة للفنان. لهذا السبب، مال النقاد إلى شعر الأعراب. وتعليل ذلك عند الآمدي: \" أن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذ على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالرواية والاستجادة مما يورده المحتذي على الأمثلة \" 84).

انطلاقاً من هذا المبدأ رفض الأصمعي بيتي إسحاق بن إبراهيم الموصلي \" لأنهما لليلتهما... وأثر الصنعة والتكلف بيّن عليهما \" (85) وكأن القضية ما عادت قضية طبع وصنعة، وإنماهي قضية تقليد وتجديد، فكل مقلّد مطبوع وكل مجدِّد صانع، وشعره ساقط.

غير أنّ في موقف النقاد هذا تناقضاً سافراً، فهم مالوا إلى شعر الأعرابّي لأنه \" محتذٍ على غير مثال \"، ورفضوا شعر إسحاق بن إبراهيم لأنه لليلته.. فهم لم يحكموا على بيتي إسحاق انطلاقاً من روح الحكم النقدي على شعر الأعرابي أي الاحتذاء على غير مثال)، و إنما من منطلق المعاصرة، وإن كان فيها ابتكار وإبداع أو احتذاء على غير مثال.

ويرى خليل مردم بك، استناداً إلى هذه القضية: كون شعر أبي تمام مصنوعاً وشعر البحتري مطبوعاً، أنّ \" المفاضلة بين الشاعرين كالمفاضلة بين من يجيد الضرب على العود وبين من خلقه الله حسن الصوت \" (86) .

ويبقى، أخيراً، الحكم على شعر أبي تمام كله بالصنعة، وعلى شعر البحتري كله بالطبع، قاصراً، إذ أننا لانعدم وجود شعر مطبوع عند أبي تمام قد يفوق المطبوع من شعر البحتري، كما لا نعدم وجود شعر مصنوع عند البحتري. فالقضية إذا نسبية، ولا يمكن الكشف عنها إلاّ بالدراسة النقدية الموضوعية، لشعر كلّ منهما على حدة.

***

وخلاصة الكلام أن مقياس المفاضلة بين الشاعرين هو تلك الصنعة اللطيفة المحبّبة، التي لا تتعارض مع الطبع وتلقائية التعبير. أما سمات هذه الصنعة فتكمن في عدم الإغراق فيها مع شيء من التنقيح، وفي الإبداع على غير مثال. وهذا هو مذهب الأوائل.

وهكذا، تردّ قضية الطبع والّصنعة إلى مسألة التقليد والتجديد أو الأصالة والمعاصرة: فالأصالة في التقليد، أما التجديد والمعاصرة فمر فوضان وإن توافرت فيهما سمات الصنعة اللطيفة .

و - اللفظ والمعنى

كانت قضية اللفظ والمعنى، أهم قضية دار حولها النقاش بين القدماء والمحدثين، بل إنها القضية الرئيسة، وما سواها متفرّع منها.

يحدثنا طه حسين عن تطور هذه القضية في العصرين الأموي والعباسي، فيقول: \" كان القدماء والمحدثون أيام بني أمية يختلفون في اللفظ اختلافاً ظاهراً، (87) وكانوا يتخذون اللفظ مقياساً لجودة الشعر، فكلما قرب هذا اللفظ من البداوة، وكلما كان رصيناً يملأ الفم ويهز السمع كان الشعر جيداً، أي إن جزالة اللفظ، وشدة القرب بينه وبين ألفاظ البادية في العصر الجاهلي كانت هي المزية الأولى للشاعر، ثم تأتي بعد ذلك جودة المعنى والتعمق فيه \" (88) .

وقد استمرّ هذا الخلاف نفسه في أول العصر العباسي، \" فاختلف الشعراء العباسيون، واختلف معهم الأدباء واللغويون في أيّ الشعرين أجمل وأرقى وأحسن: الشعر الذي يحتذي شعراء الجاهلية والإسلام في متانة اللفظ ورصانته وبداوته، أم الشعر الذي يتخير الألفاظ السهلة العذبة التي ألفها الناس عامة، لا علماء اللغة خاصة؟ \" (89) .

وإلى جانب ذلك ظهر خلاف آخر حول معاني الشعر :\" أتبقى كما كانت بدوية أعرابية، أم تتحضر كما تحضّر الناس؟ ... أيعيش الشعراء عصرهم الذي هم فيه، أم يعيشون عصور الآباء والأجداد؟ \" (90) .

هذا الخلاف حول اللفظ، والمعنى: كان أشد أنواع الخلاف إنتاجاً وأكثرها خصباً ...وكان هذا كل ما عرف العرب من اختلاف في الشعر بين القدماء والمحدثين: اختلاف في اللفظ نشأت عنه مدرسة مسلم بن الوليد، التي أخرجت أبا تمام والمتبني وأمثالهما من أصحاب البديع، واختلاف في المعنى نشأت عنه مدرسة أبي نواس التي أخرجت البحتري وغيره من أولئك الشعراء، الذين آثرو اللفظ القديم والمعنى الجديد، ولم يتكلفوا بديعاً ولا استعارة ولا جناساً \" (91) .

لقد احتلّت قضية اللفظ والمعنى، إذاً، حيّزاً هاماً من النقاش الدائر بين أنصار القديم وأنصار الحدّيث. بل إن بعضهم يذهب إلى القول: \" إن محور تلك الخصومة كان تجديد المحدثين لمعاني القدماء وفشلهم أوتوفيقهم في ذلك \" (92) .

فالبحتري، بحسب الآمدي، \" يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام... ويتعمّد حذف الغريب والوحشي من شعره، ليقرّبه على فهم من يمدحه\" (93) . أما أبو تمام، فكان \" يستكره الألفاظ والمعاني،.. بل إنه) تعّمد أن يُدلّ في شعره على علمه باللغة وبكلام العرب. فتعمد إدخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من شعره \" 94).

هذا هو رأي أنصار البحتري في الشاعرين. أما خصومهم فيرون أن ما أُخذ على أبي تمام في اللفظ، والمعنى مسبوق إليه :\" ففحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة فيه، واتبعهم الشعراء، واحتذوا على حذوهم، وبنوا على أصولهم ـ ما عُصموا من الزلل، ولا سلموا من الغلط \"(95) وإن أساء صاحبهم، فالبحتري أيضاً \" قد أساء \" (96) .

ويعود أصحاب البحتري ليردّوا على خصومهم بأن \" أخذّ السهو والغلط على من أُخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين، في البيت الواحد والبيتين والثلاثة، وربما سلم الشاعر المُكثر من ذلك ألبتّة \" (97) . هذا، على حين كان أبو تمام \" لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أبيات عديدة، يكون فيها مخطئاً، أو مُحيلاً، أو عن الغرضِ عادلاً، أو مستعيراً استعارة قبيحة، أو مفسداً للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، أو مُبهماً له بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج \" (97) .

بعد هذا الدفاع عن المتقدّمين، يأبى أنصارهم إلاّ أن ينزّهوهم عن كل عيب وغلط، فينسبون أغلاطهم إلى السهو، \" والسهو فيه إنما دخل على الرواة.. وليس ينبغي له أي للمتأخر) أن يتبعهم أي العرب) فيما سهوا فيه \" 98).

ويتابع خصوم أبي تمام الدفاع عن صاحبهم، فإن كان البحتري قد أخطأ في بعض شعره، فإنه لايكون بذلك \" داخلاً في جملة المسيئين، ولا الخاطئين في الشعر، لجودة نظمه، واستواء نسجه، ووقوع لفظه في مواقعه، ولأن معانيه تصحّ في النقد، وتخلّصُ على السّبر والسبك، وأبو تمام يتبهرج شعره عند التفتيش والبحث، ولا تصحّ معانيه على التفسير والشرح \" 99).

لقد حدّد طرفا الخصومة، وهما يتبادلان الحجج بينهما، نظريتهما في اللفظ والمعنى. فأنصار القديم يميلون إلى المعنى القريب، البعيد عن التعقيد، و إلى اللفظ الواضح المطابق لدلالته المعنوية، لهذا قدّموا البحتري على أبي تمام. وهم، في موقفهم هذا كانوا يفصلون بين اللفظ والمعنى، وهذا يعني بالتالي \" أن الشعر عندهم) محاكاة، أوهو إعادة سبك لعناصر سابقة \" (100) أما كون المعنى قريباً، فهو يعني أنه: مسبق موجود قبلياً \" 101)، له رصيد سابق في أذهان المتلقين.

على هذه الرؤية التقليدية ثار أنصار الجديد، فلئن كانت \" اللغة مستودع الماضي\"، إنها \" في الوقت نفسه ينبوع المستقبل، من حيث إن الأساسي هو كلام الشاعر، الخاص به، ومن حيث إن الكلام يفتح بعضه بعضاً .\" (100) وعليه فإن الشاعرمدعو إلى تأسيس تعبير جديد تتحقق فيه الوحدة بين مايقال وطريقة القول\" (100) أي هو مدعو إلى أن يكون كلامه مطابقاً للمعنى الحادث الجديد، لا للمعنى المسبّق القديم، كمايريد التقليديون، وكما أصرّ علماء اللغة والنحو .102) وهنا يكمن سرّ النقد الموجه لأبي تمام، فهو \" يخالف قواعد اللغة لأنه متعمّق في المعاني، فيضطره هذا التعمق إلى أن يحمّل اللغة أكثر مما تطيق، ولا يجوز للمحدثين أن يتصرفوا في اللغة \"103).

وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى في حَرَم اللغة، وأمام قضية قدسيتها. وبذلك، تنحلّ مشكلة الخصومة حول اللفظ والمعنى، بين أنصار القديم والجديد. فالبحتري ملتزم بقدسية اللغة، محافظ على ألفاظها ودلالاتها المعنوية كما أقرّها عمود الشعر العربي. أما أبو تمام، فخارج على اللغة، يسعى إلى المعنى البعيد، فيضطر إلى تسخير اللغة له. وهكذا يقوم مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى على اعتماد \" المعنى غير المألوف، واستخدام الكلمة العربية بطريقة غير مألوفة، أي نقل اللفظ عن معناه المعروف.. وهو مذهب) جديد مخالف للطريقة التقليدية في كتابة الشعر آنذاك . لكنه، إذا كان خروجاً على الطريقة، فهو ليس خروجاً على الشعر، بل إنه أفق شعري آخر \". 104).

وعلى الرغم من مهاجمة النقاد مذهب أبي تمام في اللفظ والمعنى، نراهم، بالنسبة إلى المعنى، قد \" سلّموا له بالشيء الذي هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني \" 105 ).

أما فيما يخصّ اللفظ، فنرى الزمخشري يدعو إلى الاستشهاد بشعر أبي تمام نفسه، فيقول: \" وهو، وإن كان محدثاً لايُستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية، فاجعل ما يقوله بمنزلة مايرويه. ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيتُ الحماسة، فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه \" 106) ويذكر أن الزمحشري نفسه استشهد بشعر أبي تمام في الكشاف . 107) .

وقد كان للخصومة حول اللفظ والمعنى أثر كبير في دراسة السرقات، فادّعاء المحدثين 108) السبق والابتكار في ما أعادوا صياغته وتقعيده من معاني القدماء، كان أدعى لخلق مشكلة السرقات من موقف أنصار القديم \" 109). 110).

وقد دفعت دراسة السرقات، بالتالي، النقاد إلى الاهتمام بالموازنة \" فقد كان هؤلاء النقاد حريصين جداً على أن يكشفوا في كل جهود الشعراء، الصورة العارية، لأن هذه الصورة هي مأثورهم الذي يعتزون به... إن الاهتمام بالموازنة بين الشعراء كشف الاهتمام الغريب بالعناصر الثابتة، وخيل إلى النقاد أن العناصر الثابتة تنافس العناصر المتطورة أوالطارئة. فالمأثور أو أصل المعنى أو الصورة العارية ذات قدم راسخة.. إن الاهتمام بالموازنة بين المعاني في اللغة العربية، له دوافع تَخَفْىَ عَلَيْنا الآن، أهم هذه الدّوافع هو كما قلنا أن يُثبت الناقد أن الجماعة أهم من الفرد، أنّ المأثور ينافس المبتدع، أن الصورة العارية لها وجاهة وإن خلت من آثار الفردية والخيال. هذه الصورة الأولى تبلغ أقصى ما قدّر لها من حبّ حين تسمّى تسمية مشهورة هي الفطرة. والفطرة صافية نقية بسيطة كجمهور الناس، أي أن فكرة الجمهور أخذت مكانة ضخمة في ظل الفطرة أو الصورة الأولى أو المستوى الأوّل \" 111). وفي ذلك عودة إلى قضيتي الطبع والتقليد.

بقي علينا أن نشير إلى أن عناية أبي تمام بمعانيه والبحتري بألفاظه، جعلت الكثير من النقاد يقصرون إبداع الأول على المعاني، والثاني على الألفاظ، وإن كانوا قد انتبهو إلى عناية الأول باختيار ألفاظه، والثاني بانتخاب معانيه. يقول ابن الأثير: \" فأبو تمام ربّ معان وصيقل أذهان، وقد شهد له بكل معنى مبتكر، لم يمشِ فيه على أثر... أما البحتري فإنه أحسن في سبك اللفظ على المعنى، ولقد حاز طرفي الرقة والجزالة على الإطلاق.. وأتى في شعره بالمعنى المقدود من الصخرة الصمّاء، في اللفظ المصوغ من سُلافة الماء... \" 112).

***

ويبقى الشعر، أخيراً، إبداعاً لغوياً، أداته الرئيسة اللفظ، ومادته المعنى. ولمّا كان كل شاعر يسعى إلى الأصالة والتفرّد، كان لابدّ له أن يطوّر في لغته ومعانيه، وإلاّ بات نسخة طبق الأصل عمّن تقدّمه، فالشاعر يخلق لغته بالخروج على النسق المألوف، وبخروجه هذا يطوّر معانيه، إذ اللغة وعاء المعنى. وبذلك تصبح الصلة وثيقة بين الشعر والشاعر، فلايعود هذا مقلّداً أو مقيّداً بنماذج مألوفه، لها رصيد نفسي عميق لدى المتلقين. وبعودة حقوق الإبداع للمبدع، وبخروجه على تلك القيود، يصطدم بالآخر، فينشأ عن هذه الصدمة رفض ومعركة وخصومة.

ويبقى السؤال: أيهمّا أجمل، وأين تكمن الأدبية؟: في شعر معانيه مطروقة ولغته مألوفة، أم في شعر يصدمك في ألفاظه ويدهشك في معانيه؟ إن قيمة الإدهاش وما يرافقها من لذة ومتعة في الكشف، هي الحلقة المفقودة التي ينبغي البحث عنها في الحكم على الشعر. سواءٌ أوافق هذا الشعرُ مذهب الأوائل أم لم يوافقه ‍ فنحن حينذاك في محراب الشعر حقّاً.

ز- الصورة الفنية

كانت الصورة التشبيهية والاستعارية موضوعاً رئيسياً أيضاً، للنقد الموجه لأبي تمام. فقد انتبه النقاد إلى تجديد أبي تمام في الصور، وإلى خروجه على المألوف في التصوير الشعري، من خلال خروجه على دلالات الألفاظ ومعانيها. وما هذه الثورة إلاّ لارتباط التشبيه أوالاستعارة بالناحية المكانية المرئية أو المفهومة) من الصورة الأولى. يشرح ذلك عز الدين إسماعيل بقوله: إذا كنا نجد من النقاد من يتكلم على نقد اللفظ ونقد المعنى كقدامة بن جعفر في \" نقد الشعر \" مثلاً )، فإن ذلك ليس معناه أنه يتكلم على نقد الصورة الأولى ونقد الصورة الثانية، وإنما يتكلم في الواقع على نقد الصورة الأولى بمظهريها الزماني والمكاني. والذين ثاروا على معاني أبي تمام لم يثوروا على الصورة الثانية، وإنما ثاروا على العنصر المكاني المرئي أو المفهوم) من الصورة الأولى \" 113).

إن أوّل ما يصادفنا في شعر أبي تمام، اعتماده الشديد على الاستعارة في التصوير 114)، مما أثار عليه أنصار القديم من اللغويين، أولئك الذين تعلّقوا بالتشبيه طلباً للوضوح الفاقع والدلالة المألوفة فقد \" ظلّت الاستعارة بالنسبة إليهم عموماً مصدراً لسوء الفهم والارتباك، لما فيها من تغير لافت في الدّلالة، وإخلال بصفة الوضوح الفاقع التي يؤثرها اللغويون كلّ الإيثار. إنّ التشبيه هو أداة الشاعر القديم الأثيرة - في نظر اللغوي - وهو جار كثير في كلام العرب، ومن ثم فإن إيثاره إيثار القديم واحترام لفكرة التقاليد والنظام اللغوي الموروث \" 115). وأما سبب التهوين من شأن الاستعارة فيمكن إرجاعه إلى استنفاد القدماء المعاني، فصارت الاستعارة لذلك إخراجاً جديداً لمادة قديمة. يقول مصطفى ناصف: \" إن القدماء استنفدوا المعاني، وتركوا قليلاً رغبة عنه أواستهانة به أو لبعد مطلبه. بل إن هذا الوسواس الضئيل من المعنى لا وجود له... وعليه )، فالاستعارة عندهم) لاتزيد على تجربة قديمة المادة جديدة الإخراج : 116).

أما مآخذ أنصار القديم على استعارات أبي تمام، فأوّلها بعد هذه الاستعارات وخروجها على المألوف. يقول الآمدي: أبو تمام \" شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفه إلى الاستعارات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة \" 117). وثاني هذه المآخذ غموض الصلة بين المستعار والمستعار له، وهو مالاحظه الربداوي في موقف الآمدي. فقد أرجع هذا الأخير \" قبح أكبر استعارات أبي تمام لسبب استعارته ألفاظاً لأشياء غير لائقة بها، وبذلك خالف مذاهب العرب في الاستعارة.. فالعرب استعارت \" المعنى لما ليس هو له إذا كان يقاربه أو يناسبه أويشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه، فتكون اللفظة المستعارة، حينئذ لائقة بالشيءالذي استعيرت له، ملائمة لمعناه \" 118)

ومما أخذ على أبي تمام أيضاً إغراقه في التشخيص والتجريد 119). يقول الربداوي: إن \" نزوع أبي تمام إلى التصوير) وهو حلية فنية مستحبّة، جعلت بعض نقاد القرن الثالث ينفرون من هذا اللون الذي خطا به أبو تمام خطوات واسعة نحو التشخيص. فابن الخثعمي يستنكر قول أبي تمام: خطوبّ يكاد الدهر منهن يصرع )، وعبد الصمد بن المعذّل يستنكر قول أبي تمام: لا تسقني ماء الملام) \" 120) ويعود سبب هذا النفور إلى كون التشخيص من خصائص الفن الفارسي، أي لأنه مظهر شعوبي، من جهة، ولندرة هذا الفن في شعرنا القديم، من جهة ثانية 121).

لكنّ أبا تمام في اعتماده على الاستعارة المكنية منها خاصة) في التصوير، لم يأت بجديد، إذ عرف القدماء هذا الفن التصويري 122) غير أن أبا تمام، أخذه فأسرف فيه، وأكثر منه.... ولم يقنع بالسهل اليسير منه، بل عمد إلى التقعّر والإغراب في إيراده. لهذا قال الآمدي :\" وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات متفرقة في أشعار القدماء - كما عرّفتك - لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها وأحبّ الإبداع والإغراب بإيراد أمثالها، فاحتطب واستكثر منها \" 123).

وإلى جانب الاستعارة، درس النقاد أيضاً تشابيه القدماء. فالصولي مثلاً يستحسن تشبيه الشاعر شيئين بشيئين في بيت واحد، كما في قول أمرئ القيس:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساً
لدى وكرها العنّاب والحشف البالي 124)



وقول بشار بن برد:

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا

وأسيافنا، ليلٌ تهاوى كواكبه 125).




كما درسوا المبالغات، المقبول فيها والمزدول. فثار بينهم نقاش حول بيت البحتري:

يُخفي الزجاجةَ لونها، فكأنها

في الكفّ قائمة بغير إناء 126)




وبيت أبي نواس:

وأخفت أهل الشرك حتى أنه

لتخافك النّطف التي لم تخلقِ 127).




إنّ دراسة الآمدي - وهو يمثل أنصار البحتري - لاستعارات أبي تمام، متحيّزة. فهو يطيل الوقوف عند الاستعارات الرديئة، ويتبنّى منهجاً تقليدياً في التذوق والنقد... إنه \" يقف عند الاستعارة الرديئة أكثر من وقوفه عند الاستعارة البليغة... وإنّ الكثير) من النقد الموجّه إلى استعارات أبي تمام، مصدره التشبث بالمدلولات التي يكاد يقرّها الجميع، ولاتقبل تغيّراً. ولا يذاق المدلول الحيوي لأيّ سياق، إلاّ في نطاق استجابته لما استقرّ في الذوق العام \" 128).

ويتابع مصطفى ناصف حديثة، فيتّهم النقد العربي بالتقصير والتقاعس في تذوق صور المحدثين، وبالركون إلى ما اعتادت الأذواق عليه من حدود ثابتة. يقول: \" إن النقد العربي كالناعس لاينتبه، من غفوته، إلا على ضجّة وصوت رائع، ليس يعرف إلا الثورة على الخارج على ما يشبه الإجماع. وتلك الصفة حرمت النقاد من أن يصوّروا ما في استعارات المحدثين من عمق ونفاذ، وأن يشخصوها في كل مجالاتها، ثم جعلتهم يقصّرون في تتبّع استعارات القدماء أنفسهم، فإنهم يحلّلون منها فحسب، النماذج التي تعين على كشف الحدود التي لا يُستطاع تجاوزها. أما الحدود التي يجري فيها القدماء وبعض المحدثين، فلم تظفر منهم بالتفاتٍ قوي \" 129).

لهذا السبب يدعو عمر فرّوخ إلى عدم إقرار النقاد على كل ما أخذوه على أبي تمام وغيره، \"فقد لا يكون المعنى من السوء، بحيث يظنون، ولا الاستعارة من البعد، بحيث يحسبون \" 130). فما أخذوه عليه ،مثلاً، من \" تشبيه القلب بإنسان يشيب رأسه \" صحيح المعنى 131) أو ما \" أقاموا عليه الدنيا وأقعدوها من تشخيص )، وله أمثلة فذّة في الشعر العربي، وإن كانت قليلة. فهذا امرؤ القيس يقول مخاطباً الليل:

فقلت له لما تمطّى بصلبه


وأردف أعجازاً وناء بكلكل




فجعل لليل صلباً يتمطى، كما جعل له أعجازاً مُردَفة وكلكلاً ينوء به\"132).

***

إنّ الصورة، إلى جانب النغم، عنصر رئيس في بنية الشعر، فهي التي تميزّه من سائر الأنواع الأدبية. إنها صوت الخيال مجسّداً بالكلمات، متحداً بالانفعال، في قالب موسيقي.

لهذا، كان الحكم على الصورة إنما هو حكم على شاعرية الشاعر، وأدبية النص. ولهذا كان التقليد في الصور يخلّ بهذه الشاعرية الموهوبة. وإذا كان القدماء وقفوا عند ألوان الصور البلاغية، فإنهم لم يتجاوزا الصورة الأولى في تركيبها بحسب عز الدين إسماعيل )، كما إنهم لم يقفوا عند البعد النفسي في تكوينها، مما يجعل الشعر صدى لتجربة الشاعر، وكشفاً عن عوالم جديدة غير مألوفة.



r





r هوامش أطراف الخصومة ومظاهرها وقضاياها:


الموازنة 1/4.


البلاغة تطور وتاريخ 65-66، لشوقي ضيف، دار المعارف بمصر 1965 .


الأعرجي: الصراع بين القديم والجديد 57-58؟


الموازنة 1/4


البلاغة تطور وتاريخ 66


الصراع بين القديم والجديد 58- 59.


المرجع نفسه 59


انظر البحتري بين نقاد عصره 38-39، وديوان أبي تمام 1/17 -18، وعمر فروخ: أبو تمام 100، والنقد المنهجي لمندور 91-92 تح: محمد عبده عزّام، ط1، دار المعارف بمصر، 1964


البحتري بين نقاد عصره 37-38.


الصراع بين القديم والجديد 136- 137


يقول الصولي: \" وكنا عند أبي علي الحسين بن فَهْم، فجرى ذكر أبي تمام، فقال رجل: أيمّا أشعر: البحتري أو أبو تمام ؟... \" أخبار أبي تمام 101 -102

ويقول الآمدي :\" ولست أحب أن أطلق القول بأيهما أشعر عندي\" الموازنة 1/5.


أنظر البحتري بين نقاد عصره 51-52.


يقول أدونيس: \" ليست الموازنة مقارنة بين شاعرين، بقدر ماهي مقارنة بين مفهومين أو نظرتين للشعر: قديمة يمثلها البحتري، ومحدثة يمثلها أبو تمام \" الثابت والمتحول 2/183.


انظر البحتري بين نقاد عصره 51- 52


الموازنة 1/21، 18.


ينقل التوحيدي عن ابن المعتز قوله في رسالة يذكر فيها محاسن أبي تمام ومساوئه: \"سهّل الله عليكم سبيل الطلب، ووقّاكم مكاره الزلل فيما رأيت من تقديم بعضكم الطائي على غيره من الشعراء أمراً ظاهراً، وهو أوكد أسباب تأخير بعضكم أيّاه عن منزلته في الشعر لما يدعو إليه اللجاج... \" البصائر والذخائر 2/ 698، تح: إبراهيم الكيلاني، مكتبة أطلس، دمشق، د. ت.


الموازنة 1/ 6، 55


المصدر نفسه 1/6


أنظر الموازنة 1/13، وأخبار أبي تمام 37.


الثابت والمتحول 2/185 .


الموازنة 1/7


المصدر نفسه 1/8، 9


المصدر نفسه 1/11


المصدر نفسه 1/14


المصدر نفسه 1/14


المصدر نفسه 1/17-18


المصدر نفسه 1/58 وما بعد


المصدر نفسه 1/112 ومابعد


المصدر نفسه 1/324


المصدر نفسه 1/313


الثابت والمتحول 3/17-18


المرجع نفسه 3/18، وانظر أيضاً 2/179 الفقرة الثالثة.


انظر الأعرجي: الصراع بين القديم والجديد 125- 130


المرجع نفسه 57 - ولنا أيضاً في أبي رياش القيسي شاهد على ما نقول. فقد كان هذا الرجل من ألدّ أعداء أبي تمام والبحتري، لكنه حين سمع شعراً للبحتري، استحسنه لأنه مطبوع ورجع عن رأيه. فموقف هذا الراوي يدلنا على أن الخصومة كانت حول المذهب، لا حول أشخاص المحدثين، فهو يقبل البحتري لا لأنه محدث، وإنما لأنه مطبوع على مذهب الأوائل. انظر خبر أبي رياش في: الوساطة 51-52) هذا في حين نجد أخباراً أخرى عن استهجان العلماء الشعر بعد استحسانهم له، حين يعلمون أنه لأحد المحدثين.


الموازنة 1/4


المصدر نفسه 1/4


المصدر نفسه 1/19


م. ن 1/22، وانظر أخبار أبي تمام 14-15، 175 - 176.


الموازنة 1/27


انظر أخبار أبي تمام 15-16


من هؤلاء العلماء: ابن الأعرابي، وأحمد بن يحيى الشيباني، ودعبل بن علي الخزاعي، وحذيفة بن محمد، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأبو سعيد الضرير، وأبو العميثل الأعرابي، والمبرّد - انظر الموازنة 1/19 - 22.


الموازنة 1/23


المصدر نفسه 1/19


المصدر نفسه 1/27


الموازنة 1/21


الثابت والمتحول 2/186


انظر الموازنة 1/21


الموازنة 1/25


الثابت والمتحول 2/188


يقول الآمدي: \" إن أبا تمام أتى في شعره بمعان فلسفية وألفاظ عربية\" الموازنة 1/27


الموازنة 1/27، وانظر خبر ثعلب وبني نوبخت في :\" أخبار أبي تمام 15-16.


الثابت والمتحول 2/188


الموازنة 1/25


المصدر نفسه 1/26


المصدر نفسه 1/27


عبقرية أبي تمام 63


فروخ: أبو تمام 60


المرجع نفسه 58


المرجع نفسه 53


م. ن 56


زهر الآداب للحصري 3/855، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، ط 3، مطبعة السعادة القاهرة 1953؟


البلاغة تطور وتاريخ 129، وانظر الموازنة 1/37 -52


تاريخ النقد العربي 2/ 146، لمحمد زغلول سلام، دار المعارف بمصر، د. ت


يقول إبراهيم السامرائي: \".. ولعل الكلمة القصيرة التي توجه بها إسحاق الموصلي إلى أبي تمام في قوله: \" يافتى، ما أشدّ ما تتّكئ على نفسك \"، خير ما يوضح نظر النقاد التقليدي الجامد، أولئك الذين لم يؤمنوا بالتجديد والخروج على طرائق القول عند المتقدمين \". لغة الشعر بين جيلين 135، ط 2 ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1980.


الثابت والمتحول 3/ 267


مروج الذهب 3/ 481، للمسعودي، دار الأندلس ،بيروت، 1966؟


الموازنة 1/3


انظر الربداوي: الحركة النقدية 46 ،وقد أشار إلى ذلك المسعودي نقلاً عن المبرد الهامش (66) )


الموازنة 1/ 139 - 140


المصدر نفسه 1/37


المصدر نفسه 1/54


المصدر نفسه 1/28


المصدر نفسه 1/ 11


المصدر نفسه 1/ 27


المصدر نفسه 1/54


المصدر نفسه 1/55 وانظر أيضاً الثابت والمتحول 2/ 189


الموازنة 1/29


الموازنة 1/33


الثابت والمتحول 2/189


حركات التجديد، لعبد القادر القط 447


الموازنة 1/4


المصدر نفسه 1/17 -18، 20


المصدر نفسه 1/18


المصدر نفسه 1/23


المصدر نفسه 1/24


شعراء الشام في اقرن الثالث، لخليل مردم بك، ص 96 مطبعة الترقي، دمشق، 1925


يرى طه حسين أن العصر الأموي \" كان عصر تجديد قوي ظاهر في اللفظ والمعنى \" حديث الأربعاء 2/14


حديث الأربعاء 2/ 7، وانظر موقف أصحاب اللفظ من تقديم اللفظ على المعنى، عند محمد نجيب البهبيتي: أبو تمام الطائي 187، ط 2 دار الفكر، بيروت، 1970 .


حديث الأربعاء 2/7


المرجع نفسه 2/7 -8


المرجع نفسه 2/8


البحتري بين نقاد عصره 34، وانظر النقد المنهجي 86، ومقالات في النقد الأدبي، لمحمد مصطفى هدارة، ص 60 يقول الأخير: \" ويمكننا أن نحصر عناصر الخصومة الحقيقية بين القدماء والمحدثين في اختلافهم على عمود الشعر ونهج القصيدة، وفي الإيمان بفكرة استنفاد القدماء للمعاني فأغلب مافي الخصومة كان دائراً حول تجديد المحدثين لمعاني القدماء، وذلك عن طريق وضعها في صورة شعرية جديدة، مادامت المعاني قد استأثربها القدماء، ولابد للمحدثين من التوارد عليها \"مقالات في النقد الأدبي، دار القلم، 1964 - 1965 .


الموازنة 1/4، 26


المصدر نفسه 1/4، 25


المصدر نفسه 1/51 وماقبل


المصدر نفسه 1/28


المصدر نفسه 1/52

المصدر نفسه 1/52، 217 - ويعلق الأعرجي على هذا الموقف بقوله: \" إن موقف أنصار القديم هذا )، لا يمليه سدّ الطريق على أنصار الجديد في التشبث بالضعيف، قدر مايمليه سد الطريق عليهم في استغلال منافذ القديم، دفاعاً عن جديدهم، مستندين في ذلك إلى أن \" العيب من كل أحد معيب، وإنما الاقتداء في الصواب لا في الخطأ \" الصراع بين القديم والجديد 135


الموازنة 1/36 -37


الثابت والمتحول 3/ 18


المرجع نفسه 3 / 17


يقول ابراهيم السامرائي: \" لم يكن لعلماء اللغة وعلماء النحو بصر بالشعر ونقده، ولكنهم باشروا هذا الفن، فقصروا همهم على النظر في الاستعمالات اللغوية، وانصراف اللفظ إلى معنى دون غيره. ولم يكن القول بفكرة تبدّل المعاني والدلالات، وتطوّر ذلك تبعاً للزمان والمكان، مفهوماً عندهم. على أن هؤلاء الشعراء المحدثين، ما كانوا ليأبهوا بأقوال هؤلاء... \" لغة الشعر بين جيلين 136


من حديث الشعر والنثر 105


زمن الشعر 30، لأدونيس، ط 2 دار العودة، بيروت، 1978


الموازنة 1/ 397


شعراء ودواوين 214، لعبد الوهاب الصابوني، مكتبة الشرق، بيروت، 1978.


شعراء ودواوين 214، لعبد الوهاب الصابوني، مكتبة الشرق، بيروت، 1978.


يقول الصولي: \" إن المتأخرين إنما يجرون بريح المتقدمين، ويصبون على قوالبهم، ويستمدون بلعابهم، وينتجعون كلامَهم، وقلما أخذ أحدّ منهم معنى، من متقدم إلاّ أجاده. وقد وجدنا في شعر هؤلاء معاني لم يتكلم القدماء بها، ومعاني أومؤوا إليها، فأتى بها هؤلاء وأحسنوا فيها... \" أخبار أبي تمام 17.

وإلى هذا النص يستند مندور في حكمه على الخصومة بأنها \" كانت دائرة حول تجديد المحدثين لمعاني القدماء وإصابتهم في ذلك أو إخفاقهم \" النقد المنهجي 86


يقول الآمدي في حديثه عن أبي تمام : \" ومع هذا، فلم أر المنحرفين عن هذا الرجل يجعلون السرقات من كبير عيوبه، لأنه باب ما يعرى منه أحد من الشعراء إلا القليل، بل الذي وجدته يعيبونه كثرة أخطائه وإخلاله وإحالاته، وأغاليطه في المعاني والألفاظ \" - الموازنة 1/138


البحتري بين نقاد عصره 35


نظرية المعنى 57 -58، لمصطفى ناصف، دار القلم ، القاهرة، 1965


جواهر الأدب / 372 -373، لأحمد الهاشمي، ط 26، القاهرة، 1965 - نقلاً عن المثل السائر.


عز الدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي 176، ط 3 دار الفكر العربي، القاهرة 1974.

ويشرح معنى الصورة الأولى والثانية بقوله: \" كل عمل فني له سطح هو ما يسمى بالسطح الجمالي، وهو المقصود بالصورة الأولى. ووراء هذا السطح شيء يفهم أو يحسّ، وهو المقصود بالصورة الثانية \" المرجع نفسه 173.


يقول مصطفى ناصف: \" كان أبو تمام يشعر شعوراً جدياً بأن الخيال البياني يؤتى من طريق الاستعارة والاتكاء عليها \" - الصورة الأدبية 96، ط1، دار مصر، القاهرة، 1958.


الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، لجابر عصفور، ص 149، دار الثقافة، القاهرة، 1974 -وانظر الصورة الأدبية لمصطفى ناصف 96 وما قبل.


الصورة الأدبية 105


الموازنة 1/23


الحركة النقدية 190 وانظر أمثلة ذلك في: زمن الشعر لأدونيس 23-33


يرى مندور أن \" الفارق بين المذهبين: مذهب القدماء العريق في حقيقة الشعر، من حيث إنه يصاغ من معطيات الحواس المباشرة، بعيداً عن التجريد والإغراب، ومذهب المحدثين الذين يسرفون ويقتسرون ويضربون في عالم المجرّدات \" - النقد المنهجي 89 وانظر أخبار أبي تمام ص 17 ومابعد .


الحركة النقدية 121 - وانظر أمثلة ذلك في زمن الشعر لأدونيس 33 .


انظر حفني محمد شرف: الصور البيانية بين النظرية والتطبيق 328، ط 1، دار نهضة مصر القاهرة، 1965.


يذكر الآمدي نماذج من الاستعارة المكنية) من القرآن والشعر الجاهلي - انظر الموازنة 1/14 -15. ويرى بدوي طبانة أن ابن المعتز \" بذل جهوداً جبارة في البحث عن تلك الألوان البيانية... \" - دراسات في نقد الأدب العربي 267 ط6، دار الثقافة، بيروت، 1974، ويحمل شوقي ضيف ابن المعتز مسؤولية توجيه النقاد إلى هذا الجانب من شعر أبي تمام، فيقول: \" وربما كان ابن المعتز هو أول من وجّه نقاد أبي تمام إلى هذا الجانب في شعره، إذ رآه يكثر من الاستعارات المكنية، ويغرب فيها، إغراباً لم يعرف لشاعر من قبله \" - البلاغة تطور وتاريخ 130


الحركة النقدية 191 - وهذا ما يذهب إليه أيضاً ابن المعتز في كتاب البديع انظر طبانة: دراسات في نقد الأدب العربي 268) ويرى مصطفى ناصف أن الآمدي تأثّر بابن المعتز في هذا الرأي انظر الصورة الأدبية 98).


أخبار أبي تمام 17


المصدر نفسه 18


انظر الموازنة 1/28، 32


المصدر نفسه 1/40


الصورة الأدبية 97 129) المرجع نفسه 105-106


أبو تمام 61


المرجع نفسه 105-106.


المرجع نفسه والبيت المنقود:





شاب رأسي، وما رأيت مشيت الـ


رأس إلاّ من فضل شيب الفؤاد


وبعده :وكذاك القلوب في كل بؤس


ونعيم طلائع الأجساد




132) حفني محمد شرف. الصور البيانية 328 - 329 الرسالة



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 9327


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


وحيد صبحي كبابة
تقييم
9.00/10 (199 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.