الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة
تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة
04-27-2012 02:16 PM



مراسلة عهود نجيب العدواني

عهود نجيب العدواني المرسل
تأويل مشكل القران لابن قتيبه العنوان
angel_77_75@hotmail.com البريد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ,وبعد,هذا بحث في كتاب
تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة وهدفه هو الوقوف عند أهم القضايا اللتي تعرض لها في كتابه وهو يرد
على الطاعنين في النص القرآني واستكشاف منهجه والأسلوب الذي تفرد به هذا الناقد وهو يعالج
تلك القضايا اللتي اتصلت بالنص القرآني المعجز.
وأريد أن أعرف بهذا العالم الجليل في أول الأمر تعريفاً مبسطاً (( هو: أبو محمد عبدالله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وقيل: المرزوي, النحوي اللغوي.. كان فاضلا ثقة.. وتصانيفه كلها مفيدة تكاد تكون كلها دفاعاً عن النظم القرآني ومذهب أهل السنة)). (1)
والغاية النبيلة اللتي كان يسعى إليها في كتابه هو الرد على الطاعنين في القرآن الكريم ممن
اتهموا النص القرآني بأن فيه خلل في نظمه وإعرابه, فأراد أن يدفع هذه التهم ويثبت إعجاز
النص القرآني, فوقف عند القضايا المشكلة فيه دافعاً تلك التهم واحدة تلو الأخرى لإثبات تفوقه وإعجازه فقد (( بادرفي صدر كتابه \"تأويل مشكل القرآن\"ببيان وجه الاعجاز القرآني فقرر أنه معجز بتأليفه البديع ونظمه العجيب, يقول:\"وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين, وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين\" ثم بين أسرار النظم القرآني فيما يلي:
1- مافيه من الجمال التوقيعي الفريد والنسق الصوتي البديع الناشىْ من تقسيم الحركة والسكون فيه تقسيما عادلا, وتوزيع حروف المد والغنة بالقسطاس المستقيم فيتمكن القارىء له من ترجيع صوته والترنم به.
2- مافيه من معان خالدة, وما حواه من علوم خارجة عن متناول البشر.
3- مافيه من المعاني البلاغية التي تعتمد على دقة التعبير وإجادة التصوير بأسلوب يثير الخيال ويحفز على العمل وقد ذكر منها ابن قتيبة_عقب رأيه هذا_, الإيجازالذي هو التعبير عن المعاني الكثيرة بدقة وبعمق بألفاظ قليلة)) . (2)
وهناك دراسة ثرية للباحث الدكتور محمد تحريشي تعرّض فيها للقضايا اللتي أثارها ابن قتيبة في معرض دفاعه عن النص القرآني ,وإثبات إعجازه وتفرده, ولم يقف عند هذا الحد بل كشف لنا عن عقلية ابن قتيبه الناقدة ,وبصره الفذ, وأدواته, وربطها بالدراسات النقدية الحديثة, فتحدث في أول الأمر عن المجاز ومفهومه عند ابن قتيبه المرتبط بكل ماله علاقة بفن القول.يقول:
(( وقف ابن قتيبة عند الاستعمالات الجمالية التي تنهل من جمالية المجاز وطرق القول لتعطي للمتكلم طواعية في التعبير، وتوصل إلى المخاطب المعنى المراد. يقول: \"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومآخذه، ففيها الاستعارة والتمثيل والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، والإظهار، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص، مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى. وبكل هذه المذاهب نزل القرآن..\" إن ابن قتيبة يهتم ههنا بكل ما له علاقة بفن القول ليحدد جمالية النص القرآني وليكشف عن وجوه الإعجاز)). (3)
وكشف لنا عن تطور مفهوم المجاز عند ابن قتيبة فقد أتى أيضاً قسيماً للحقيقة بعد أن أطلقه أبو عبيده في كتابه مجاز القرآن بمعنى التفسير والتأويل فقط. (( ويقوم في الأساس بوضع قاعدة لمثل هذه المعالجة لما يذهب إلى وضع المجاز مقابل الحقيقة مبيناً على أن الكثير من الكلام لا يؤخذ على حقيقته؛ لأنه لو كان كذلك لوقع خطأ كبير مثل ما وقع للنصارى مع قول المسيح عندما أخذوا الكلام على حقيقته، يعلق على هذا قائلاً: \"ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأولوه هذا التأويل في الله ـ تبارك وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ـ مع سعة المجاز فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره، قوله حين فتح فاه بالوحي: \"إذا تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإن (أباك) الذي يرى الخفيات يجزيك به علانية، وإذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك وإذا صمت فاغسل وجهك وادهن وجهك لئلا يعلم بذلك غير أبيك\")). (4)
ورأى بأن هذا المفهوم للمجاز عند ابن قتيبة قد كشف لنا عن طريقته في تناوله للنص القرآني أو أنه أراد أن يمدنا بآلية لقراءة النص القرآني. يقول: (( والواقع أن مثل هذا يكشف لنا عن توجه ابن قتيبة هذا الناقد الذي تعامل مع النص من موقع محدد سلفاً، وهو بذلك يريد أن يقرأ النص في ضوء تلك الانزياحات التعبيرية في النص القرآني والتي تحدد مبادئ الإعجاز. يقول: \"قالوا في قولـه للسماء والأرض: )ائتيا طَوعاً أو كَرهاً قالتَا أتَينا طائِعِينَ( (فصلت: 11): لم يقل الله ولم يقولا، وكيف يخاطب معدوماً؟ وإنما هذا عبارة: لكوَّناهما فكانتا. قال الشاعر حكاية عن ناقته:
تَقُولُ إذا دَرَأْتُ لها وَضِيني:
أهَذا دِينُهُ أبَداً ودينِي

أكُلُّ الدَّهْرِ حَلٌّ وارْتِحَالٌ؟
أمَا يُبْقي عَليَّ ولا يَقِينِي

وهي لم تقل شيئاً من هذا، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها بأنها لو كانت ممن تقول لقالت مثل الذي ذكر...\".
إن مثل هذا التخريج يكشف لنا على أن ابن قتيبة كان يدرك بؤرة هذا التموقع للفظ ليدل مثل هذه الدلالة ولهذا راح يميز بين التعبير حقيقة والتعبير مجازاً ليبين تلك الفروق الدقيقة بين النصوص مخالفاً من سبقوه؛ يقول: \"وأما من قال منهم: إن قوله للملائكة: )اسجُدُوا لآدَم( ( البقرة: 34) إلهام، )وما كَانَ لِبَشَر أنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إلاَّ وَحْياً أوْ منْ وراءِ حِجَابٍ( ( الشورى: 51) أي إلهاماً ـ فما ننكر أنّ القول قد يسمى وحياً، والإيماء وحياً، والرمز بالشفتين والحاجبين وحياً، والإلهام وحياً. وكل شيء دللت به فقد أوحيت به، غير أن إلهام النحل تسخيرها لاتخاذ البيوت، وسلوك السبل والأكل من كل الثمرات.\" ولعل ابن قتيبة يمدنا بآلية قراءة النص القرآني، وما الوجوه التي قد يحمل عليها. إنه في هذه الوقفة يريد أن يرشدنا إلى طريقة متميزة في التعامل مع النص القرآني من موقع قداسته ومن موقع قدرته التعبيرية عن المتوقع والمحتمل والممكن الحدوث)).(5)
وقف هذا الباحث عند منهج ابن قتيبة في دفاعه عن النص القرآني واعتماده على المناقشة وربطه للنص القرآني بالنص العربي. يقول: (( إن ابن قتيبة لا يكتفي بهذا بل يذهب إلى مناقشة رأي من زعم أن المجاز باطل، يقول \"وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب، لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل. وهذا من جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقله أفهامهم. ولو كان المجاز كذباً، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً كان أكثر كلامنا فاسداً؛ لأنا نقول نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر.\" وبعد تقديم هذه المسلمة النقدية الأساسية يقف عند عينات من النص المقدس ليكشف لنا عن الغاية من مثل هذا الاستعمال، فيواصل \"وتقول كان الله، وكان بمعنى حدث، والله جل وعز، قبل كل شيء بلا غاية، ولم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن. والله تعالى يقول: )فإذا عزم الأمر( (محمد: 21) وإنما يُعزم عليه. ويقول تعالى )فمَا رَبحَتْ تِجَارَتُهُم( ( البقرة: 16) وإنما يُربح فيها. ويقول )وجاءوا على قميصِهِ بدَمٍ كذب( ( يوسف: 18) وإنما كُذِّبْ به.\" يعتمد ابن قتيبة في مناقشته على الأسس المكونة للخطاب العربي المرتبط بالمنطق الذي يدعو إلى مثل هذه الاستعمالات وهي كثيرة في اللغة العربية، وهي التي قد طورها القرآن الكريم.
ويحرص ابن قتيبة على ربط النص القرآني بالنص العربي، أو لنقل بكلام العرب ليؤكد على أنه من جنس هذا الكلام. فالقضية إذن قضية تتعلق بأصالة هذا النص وقدرته على الاستفادة من تقنيات التعبير في اللغة العربية؛ ولهذا يختم حديثه عن التشبيه بقوله: \"في أشباه لهذا كثيرة، سنذكر ما نحفظ منها في كتابنا هذا مما أتى في كتاب الله، عز وجل، وأمثاله من الشعر، ولغات العرب، وما استعمله الناس في كلامهم\". لقد عرفت العرب المجاز وهو حقيقة موجودة في كلامهم. و نلمس من رأيه أنه وجد من العرب من كان ينكر مثل هذا الاستعمال ويأخذ بحقيقة اللفظ فقط، إن المجاز عند ابن قتيبة ضرورة جمالية يقتضيها السياق ويبرر وجودها الحاجة التعبيرية التي لا يمكن الوصول إليها إلا به. والقضية لا تتعلق بالأساس الأخلاقي، فلا كذب ولا محال)). (6)
ونلاحظ تعبيره عن المجازات اللتي ذكرها ابن قتيبة بما عرف في الدراسات المعاصرة تحت مسمى الانزياح , واهتمام ابن قتيبة بهذه الانزياحات للكشف عن جمال النص القرآني وإعجازه. يقول( لم يُخفِ هذا الناقد إعجابه بالنص القرآني، وبالتشبيه فيه، أو لنقل بكل تلك الانزياحات التعبيرية التي تمثل جمال النص القرآني وتوفقه وإعجازه.
لم يكن ابن قتيبة في كتابه هذا بلاغياً يهتم بوضع الأسس النظرية للبلاغة العربية، بل إنه يسعى إلى الكشف عن جمالية النص القرآني من تلك الوقفات المميزة عند نماذج من النص على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر والتقييد، إنه يعنى بجمال النص)).(7)
وكشف لنا عن عقلية ابن قتيبة الناقدة من خلال منهجيته في الرد على هؤلاء الطاعنين
ومثّل لنا بباب الرد عليهم في وجوه القراءات. يقول: (( ومما يؤكد الرؤية النقدية لابن قتيبة أنه بدأ بمناقشة الكثير من الآراء التي دارت حول كتاب الله سبحانه وتعالى، وكانت عبارة عن ردود من ذلك باب: ذكر العرب وما خصهم الله به من العارضة والبيان واتساع المجاز؛ حيث كشف لنا عن تلك القدرة النقدية في مناقشة الآراء من دون خوف أو تردد. لقد وقف عند قضية \"تعدد القراءات\" بعد أن ناقش قضايا كان النقاش فيها دائراً، وهو في كل هذا له منهجية واحدة تعتمد على أساس تقديم الرأي ثم مناقشته مناقشة علمية ليصل في الأخير إلى الحكم النهائي. يقول في باب الرد عليهم في وجوه القراءات: \"أما ما اعتلوا به في وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه بقول النبي، e: [نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، فاقرؤوا كيف شئتم]. وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج. وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة. وقال قوم: حلال، وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال. وليس شيء من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل.... وليس يوجد في كتاب الله تعالى حرف قرئ على سبعة أوجه، يصح، فيما أعلم. وإنما تأويل قوله، e: نزل القرآن على سبعة أحرف، على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، يدلُّك على ذلك قول رسول الله، e: [فاقرؤوا كيف شئتم].\" وبعد أن يطمئن إلى هذا كله، يحدد دلالة كلمة \"الحرف\" في الاستعمال العربي، يقول: \"والحرف يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها.\"
وهكذا نجد هذا الناقد يتتبع مثل هذه القضايا بالملاحظة الثاقبة والتحليل الرصين والمناقشة العلمية الدقيقة لينتهي إلى رأي نقدي يطمئن إليه في المسألة التي يعالج. يقول: \"وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه: أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكاتب ولا يغيّر معناها نحو قوله تعالى: )هؤلاءِ بنَاتي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ( ( هود: 78) وأطْهَرَ لكُمْ......
ـ والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغيّر معناها، ولا يزيلها عن صوتها في الكتاب، نحو قوله تعالى: )رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أسْفَارنَا( ( سبأ: 19) ورَبُّنَا بَاعَدَ بين أسفارنا.....
ـ والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغيّر معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: )وانْظُرْ إلى العِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا( ( البقرة: 259) ونُنْشِرُهَا.....
ـ والوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغيّر صوتها في الكتاب، ولا يغير معناها، نحو قوله: )إنْ كَانَتْ إلاَّ زَقيَةً( و )صَيْحَةً( (يس: 29).....
ـ والوجه الخامس: أم يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو )وطَلْع مَنْضُودٍ( في موضع )وطَلْح مَنْضُودٍ( ( الواقعة: 29).
ـ والوجه السادس: أن يكون الاختلاف بالتقديم والتأخير. نحو قوله:
)وجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بالحَقِّ( (ق :19) وفي موضع آخر: )وجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ(.
ـ والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: )ومَا عَمِلَتْ أيْدِيهمْ(، و)مَا عَمِلَتْهُ أيْدِيهمْ( ( يس:35 )....\")). (8)

ويرى بأن وقوف ابن قتيبة هذا عند تعدد القراءة للنص القرآني قد ساهم في رسم صورة للنص القرآني وكشف عن جانب من جوانب إعجازه. يقول: (( هكذا نجد ابن قتيبة يسهم في رسم صورة هذا النص الجديد وفي الكشف عن الجوانب الإعجازية لـه من خلال الوقوف عند تعدد القراءة وهي خاصية من خصائص القرآن الكريم تيسيراً للقراء من المسلمين الجدد كل من قبيلة لها لغة خاصة لا تخرج عن اللسان العربي، وهو اختلاف في الفروع لا في الأصول. ويتوقع هذا الناقد مثل هذا فيقول: \"فإن قال قائل: هذا جائز في الألفاظ إذا كان المعنى واحداً، فهل يجوز أيضاً إذا اختلفت المعاني؟ قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد. فاختلاف التضاد لا يجوز، لست واجده بحمد الله في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ. واختلاف التغاير جائز، وذلك مثل قوله: )وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ( ( يوسف:45) أي بعد حين، و)بَعْدَ أمَهٍ( أي بعد نسيان له، والمعنيان جميعاً وإن اختلفا صحيحان؛ لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه، e، بالمعنيين جميعاً في غرضين...\" إن هذا الموقف يكشف لنا عن الموقف التلفيقي لابن قتيبة من حيث أنه يريد أن يتعامل مع النص القرآني من موقع العارف لا موقع المتعلم، إنه يدرك حدود النص، أين يبدأ وأين ينتهي؛ ولهذا نجده يكثر من الأمثلة الدالة على صحة ما يزعم وما يذهب إليه من الاختلاف في الشكل لا يؤدي بالضرورة إلى الاختلاف في المعنى)).(9)
وسعى الباحث لربط آليات ابن قتيبة بالآليات النقدية الحديثة, فقد رأى أن وقوفه عند تعدد القراءات في النص القرآني هو نوع من القراءة التأويلية اللتي يتنصر من خلالها لهذا النص, وكشف لنا عن دافع ابن قتيبه لتأليف هذا الكتاب يقول: (( وقد سمح هذا النوع من القراءة التأويلية للقارئ الوصول إلى مراده، ويكشف هذا أيضاً عن الانتصار للنص القرآني من خلال هذا التوجيه، وكيف أصبح النص المقدس أساساً ومرجعاً لكل قراءة بعد أن كان صواب العبارة القرآنية يقاس بصواب العبارة الشعرية والمأثور من قول العرب. وما يؤكد هذه النظرة التلفيقية أنه يقول: \"وكل ما في القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، فعلى مثل هذه السبيل\". لقد حرص ابن قتيبة على إبراز موقفه من كل قضية يعالجها، وهو بذلك دائم الحضور بشخصيته العلمية القوية التي تعتمد على مناقشة الرأي بما يخدم توجهه النقدي العام.
وربما هالذي دفع بابن قتيبة إلى تأليف هذا الكتاب المهم رداً على مستوى من القراءة المغرضة التي سعت إلى تشويه النص المقدس ابتغاء الفتنة وإثارة الشكوك من حوله، إنه اتخذ طريقاً قويماً في الرد على هؤلاء المشككين من وقوفه عند القضايا الإشكال في هذا النص وقد شغل نفسه بها على امتداد الكتاب.
ويشترط لذلك أن الدارس عالم بمذاهب العرب، يقول: \"وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات؛ فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيته العرب خصيصي من الله لما أرهصه في الرسول وأراده من إقامة الدليل على نبوته بالكتاب فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه....\". وفي هذا الإطار فإن ابن قتيبة يرى من الضروري الوقوف عند النص الشعري فبه تتضح الأمور أكثر؛ يقول: \"وللعرب الشعر الذي أقامه الله مقام الكتاب لغيرها وجعله لعلومها مستودعاً، وآدابها حافظاً، ولأنسابها مقيداً، ولأخبارها ديواناً لا يرث على الدهر، ولا يبيد على مر الزمان\" )). (10)
والأبواب اللتي وقف ابن قتيبة عندها ربطها أو جعلها تحت مايعرف لدى النقاد بالتغير والانحراف أو الانزياح .يقول: (( لقد وقف ابن قتيبة عند المجاز والاستعارة والمقلوب والحذف والاختصار وتكرار الكلام والزيادة فيه والكناية والتعريض ومخالفة ظاهر اللفظ معناه، وهذا من الصفحة 103 إلى الصفحة 298 من كتابه تأويل مشكل القرآن، وكل هذه الأبواب داخلة تحت ما يعرف عند النقاد بالتغير والانحراف وفي موقع آخر بالانزياح.
إن المجاز والتغيير والانحراف والعدول مفاهيم تلتقي حول معنى واحد، أو لنقل تدل على استعمال واحد عند النقاد العرب القدماء، والذين اهتموا بهذا المستوى من الاستعمال اللغوي الذي يعتمد على تكسير العرف اللغوي والخروج عن المألوف من العلاقات الإسنادية المتداولة، والتي درج الناس عليها، إلى مستوى أرحب يرتقي بالنص من خلال إضفاء سمة جمالية
على الأسلوب الذي يتخذ في الأساس مستويين من التعبير عن الأفكار وتصويرها )).(11)
وأوضح لنا كيفية رد ابن قتيبة على الطاعنين في القرآن لما فيه من مجاز واعتماده على النص الشعري للكشف عن جمالية النص القرآني يقول: (( نجد دائماً ابن قتيبة يعتمد على النص الشعري في سبيل الكشف عن جمالية النص القرآني، إنه يستفيد من مشروعية هذا النص الذي لم يمثل صعوبة في القراءة عند المتلقي على أساس أنه يمثل مستوى من الانحراف اللغوي، والذي استطاع النص القرآني أن يتمثله أحسن تمثيل، وما يؤكد شخصية هذا الناقد أنه راح يرد على بعض القراء للنص القرآني في الآيات التي استشهدوا بها ويخالفهم في رأيه. ويرد أيضاً على الطاعنين على اللغة العربية والقرآن الكريم بالمجاز، والذين ذهبوا إلى عدم جواز المجاز في القرآن لأن المجاز كذب، والقرآن منزه عنه؛ يقول: \"وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز؛ فإنهم زعموا أنه كذب، لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل. وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذباً، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً، كان أكثر كلامنا فاسداً؛ لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر..... والله تعالى يقول: )فإذا عَزَمَ الأمرُ( ( محمد:21) وإنما يُعزم عليه. وقال تعالى: )فمَا رَبحَتْ تجَارَتُهُمْ( ( البقرة:16) وإنما يُربح فيها ويقول: )وجاؤُوا على قميصِهِ بدمٍ كذِبٍ( ( يوسف: 18) وإنما كُذِّبْ به. ولو وقلنا للمنكر لقوله: (جدار يريد أن ينقض) كيف كنت أنت قائلاً في جدار على شفا انهيار: رأيت ماذا؟ لم يجد بداً من أن يقول: جدار يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض. وأياً ما قال فقد جعله فاعلاً، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ. وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله: )يريد أن ينقض( (الكهف: 77).
يريدُ الرُّمحُ صدْرَ أبي بَرَاءٍ

ويرغَبُ عَنْ دِماءِ بني عقيلِ\")) (12)





إن هذا الباحث المبدع لاحظ ارتباط مفهوم الاستعارة بالمجاز وتداخل الاستعارة والمجاز المرسل والكناية عند ابن قتيبة مما يدل على عدم اهتمام ابن قتيبة بتقسيمات البلاغيين فقد كان شغله الشاغل هو تتبع تلك الإنحرافات اللغوية اللتي تمثل تفرد النص القرآني. يقول : (( وترتبط الاستعارة بالمجاز عند ابن قتيبه، وهي نتيجة من نتائج استعماله في النص، وقد عقد ابن قتيبة للاستعارة باباً كاملاً في مؤلفه هذا لأهميتها ولقدرتها التعبيرية عن المعنى، ولجماليتها يقول: \"ونبدأ بباب الاستعارة؛ لأن أكثر المجاز يقع فيه فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاوراً لها، أو مشاكلاً. فيقولون للنبات: نوء لأنه يكون عن النوء عندهم. قال رؤبة بن العجاج:
وجفَّ أنواء السّحاب المرتَزَقْ

أي جف البقل. ويقولون للمطر: سماء؛ لأنه من السماء ينزل، فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم...\". ولا يخرج هذا التعريف عما وضعه البلاغيون العرب للاستعارة، ومن خلال ما ذكره عن هذا الفن البلاغي، نجده معنيّاً بتحديد العلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى المجازي كما فعل مع المثال الذي ذكرنا، أو مع تلك النماذج الأخرى التي جاء بها متتبعاً المجاز في الكثير من الآيات القرآنية، مبيناً كيف تمَّ التحول من المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي معتمداً في ذلك على مرجعية النص الشعري، وعلى ما ذكره بعض العلماء من أخبار أو مرويات. وكثيراً ما يصادفنا الأصمعي في هذا الباب. \"وقال: )وهوَ الذي جَعَلَ لَكمْ الليلَ لِبَاساً( ( الفرقان: 47) أي ستراً وحجاباً لأبصاركم. قال ذو الرمّة:
ودَوِّيّةٍ مِثلِ السّماءِ اعْتَسَفْتُها
وقدْ صبغَ الليلُ الحَصَى بسَوَادِ

أي لمّا ألبسه الليل سواده وظلمته، كان كأنه صبغه. وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى، لأن اللباس والثوب واقيان ساتران. وقال الشاعر:
كثوبِ ابن بيض وَقَاهُمْ بهِ
فسَدَّ على السَّالِكِينَ السَّبيلا

قال الأصمعي: ابن بيض رجل نحر بعيراً له على ثنية فسدها فلم يقدر أحد أن يجوز، فضرب به المثل فقيل: سد ابن بيض الطريق. وقال غير الأصمعي: ابن بيض رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتبعه مطالبه، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى، فلما أخذ الإتاوة رجع وقال: سدّ ابن بيض الطريق. أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سدّ الطريق.... وكان بعض المفسرين يقول في قوله عزّ وجلّ: )وهو الذي جَعَلَ لكم الليلَ لِباساً( ( الفرقان: 47) أي سكناً، وفي قوله تعالى: )هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ( ( البقرة: 187) أي سكن لكم. وإنما اعتبر ذلك من قوله: )جَعَلَ لكم الليلَ لتسكنوا فيه( (يونس:67) ومن قوله: )جَعَلَ مِنْهَا زوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا ( ( الأعراف: 189). ويكشف مثل هذا التحليل على أن ابن قتيبة كان متمثلاً لنظرته لمنهجه في تحليل أي قضية يقف عندها، فهو يستقرئ كل أشكالها، وهكذا نجده قد تتبع هذه الكلمة وانزياحاتها في النص القرآني، فاللباس هو ستر وحجاب للجسد فكذلك الليل هو ستر وحجاب للأبصار. وإذا كان قد ذهب هذا المذهب في التخريج؛ فإنه لا يلغي الآراء الأخرى، بل يثبتها لما يأتي بما ذهب إليه بعض المفسرين من اللباس هنا هو السكن اعتماداً على حقل دلالي تشكله مجموعة من الآيات الكريمة التي تربط بين الليل والسكن. إنه يؤسس لعمله من خلال ذكره لمجموعة من المرجعيات كلما وقف عند قضية من القضايا التي يعالج.
ولعل أهم نتيجة نصل إليها هي أن الرجل لم يكن معنياً بضرورة التقييد بتقسيمات البلاغيين؛ بل إنه كان حريصاً على تتبع تلك الانحرافات اللغوية التي تمثل خصوصية النص القرآني. ثم إنه يأخذ بلفظ استعار بمعنى انزاح ولا يقصد فقط به دلالته عند البلاغيين؛ ولهذا قد نصادف ما يشبه التداخل بين الاستعارة والمجاز المرسل والكناية. \"ومن ثم كانت الاستعارة عند ابن قتيبة مختلطة عنده بأنواع المجاز الأخرى. ولعل السبب في هذا الخلط فيما نعتقد ـ حرصه على التمثيل لكل ما ورد في تعريفه، ويحتمل أن تكون الاستعارة غير متميزة في ذهنه كما كانت عند سلفه الجاحظ فقد وجدناها عنده مختلطة بالتشبيه والمجاز والبدل والاشتقاق وقيام الشيء مقام غيره\".لقد كان العرب القدماء يعبّرون عن هذا الخروج عن المعنى الأصلي، وهذا العدول، بقولهم استعار. يقول الآمدي: \"وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقاربه أو يدانيه، أو يشبهه في بعض أحواله، أو كان سبباً من أسبابه؛ فتكون اللفظة المستعارة حينئذ لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه...\".)) (13)
ووقوف ابن قتيبة عند الاستعارة ليشعرنا بأهمية التعبير الاستعاري وربطها الباحث بما يعرف لدى النقاد بالنص المغلق والنص المفتوح .يقول: (( إن ابن قتيبة يريد أن يقف عند أهمية التعبير الاستعاري في النص؛ لأنه هو المسؤول عن نقل الكلام من مستوى إلى مستوى آخر، أو العدول عن المعنى الأصلي إلى المعنى المجازي. وهذا النقل أو الانحراف اللغوي هو أساس التعبير \"وإذا أهملت هذه العلاقة لن نستطيع أن نكشف كشفاً تاماً عن لب الاستعارة وبعبارة أخرى خرجنا من التشكيل الاستعاري إلى التعبير العادي ومن المجاز إلى الحقيقة.\". إن الاستعارة عند هذا الناقد هي قضية مفصلية في التعبير القرآني؛ ولهذا أدرجها ضمن مشكل تأويل القرآن، إنها تمد النص بقدرة جديدة تجعله نصاً مفتوحاً قابلاً لعدة قراءات وهي أساس التأويل والقراءة.)). (14)
وربط ابن قتيبة للنص القرآني بالنص الشعري هو مايعرف لدى النقاد بـ القراءة بالمماثلة يقول)) : لقد مارس ابن قتيبة نموذج القراءة بالمماثلة؛ أي مماثلة النص القرآني بالنص الشعري، إنها قراءة سياقية تعتمد على قراءة النص ضمن سياق عام يرتبط بسياق نص آخر قد يساعد على تأويل مشكلة، وقد تكون هذه القراءة قراءة توجيهية للنص القرآني؛ لأنها تتعامل مع اللفظ من خلال الاستعمال لتدل على صحة الانحراف وأنه ممكن الوقوع والحدث، أي مما انحرف به العرب عن المعنى الأصلي؛ ليكشف عن قدرة النص القرآني على التعامل مع المعنى المجازي وفق هذا التصور. يقول ابن قتيبة: \"... وكذلك قول الله عز وجل: )تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ منه وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتخِرُّ الجِبَالُ هَدّاً( ( طه: 90) إعظاماً لقولهم. وقوله جل وعز: )وإنْ كان مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ منه الجِبَالُ( ( إبراهيم: 46) إكباراً لمكرهم. وقرأ بعضهم )وإنْ كَادَ مَكْرُهُمْ(. وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله )وَبَلَغتْ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ( (الأحزاب: 10)؛ أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحُلوق. وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدة الفزع وتجف ويتصل وجيفها بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب. وهم يصفون القلوب بالخفقان والنزو عند المخافة والذعر. قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلاء:
كأنَّ قُلُوبَ أَدِلاَّئِهَا
مُعَلَّقةٌ بقرون الظِّباءِ

وهذا مثل قول امرئ القيس:
ولا مثل يوم في قدَارِ ظلِلْتُهُ
كأنِّي وأصْحابي على قرْن أعْفَرَا

أي كأنا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نكن.
هكذا نجد ابن قتيبة يربط بين النص القرآني والنص الشعري العربي من خلال استحضار نصوص تتفق مع النموذج الذي يقف عنده، وقد يجد نفسه منساقاً وراء الحديث فينتقل من موضوع إلى آخر كما فعل ههنا حيث وهو بصدد تخريج نص قرآني، يتحدث عن المبالغة في القول والإفراط وتجاوز المقدار ويختم حديثه هذا بقوله: \"وهذا كله على المبالغة في الوصف، وينوون في جميعه يكاد يفعل، وكلهم يعلم المراد به\".)). (15)

وتحدث عن وقوف ابن قتيبة عند المقلوب الذي بدأ بتحديد الغرض من هذا الاستعمال وتلا ذلك تتبع هذا المظهر المجازي وربطه بالسياق لفهم المعنى المراد ثم وقوفه عند الآيات اللتي أُشكلت بسبب هذا النوع من الاستعمال ويرى بأن وقوف ابن قتيبة عند هذا الاستعمال يشير إلى التقابل الذي يثري القدرة التعبيرية للكلمة يقول : (( وينتقل ابن قتيبة إلى مجال آخر من مجالات الانحراف اللغوي في النص القرآني، يقف عند المقلوب؛ حيث أشار إلى استعمال اللفظ في معنى آخر لعلاقة الضدية بينهما لأغراض أسلوبية ومقامية. يبدأ بتحديد الغرض من هذا الاستعمال، كأن يكون للتطير والتفاؤل، يقول \"ومن المقلوب: أن يوصف الشيء بضد صفته للتطيّر والتفاؤل، كقولهم للديغ: سليم، تطيّراً من السقم، وتفاؤلاً بالسلامة، وللعطشان: ناهل أي سينهل. يعنون: يروى. وللفلاة: مفازة. أي منجاة، وهي مهلكة. وللمبالغة في الوصف، كقولهم للشمس: جونة، لشدة ضوئها. وللغراب: أعور؛ لحدة بصره\". إن هذا الاستعمال المجازي هو تعبير فيه عدول عن الأصل، وخروج أسلوبي يكون الغرض منه المبالغة في الوصف كما حدد من قبلُ. وقد يكون لغرض الاستهزاء، يقول \"وللاستهزاء كقولهم للحبشي: أبو البيضاء. وللأبيض: أبو الجون. ومن هذا قول قوم شُعيب: (إنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشيد) كما تقول للرجل تستجهله: يا عاقل، وتستخفه: يا حليم.\" ومن هنا قد يخرج الكلام لغرض التهكم والسخرية، وهذا قمة في التعبير عن المعنى. وهكذا يستمر في تتبع هذا المظهر المجازي مبيناً عن أغراضه المتعددة، وقد يستعمل المقلوب لإرادة أحد المعنيين من ألفاظ الأضداد \"ومن ذلك أن يسمى المتضادان باسم واحد، والأصل واحد، فيقال للصبح صريم، والليل صريم. قال الله سبحانه: )فأَصْبَحَتْ كالصَّريم( ( القلم: 20)، أي سوداء كالليل؛ لأن الليل ينصرم عن النّهار، والنّهار ينصرم عن الليل\"(47) والواقع أن الوقوف عند الاستعمال يحيلنا إلى قضية مهمة وجادة تتعلق بقدرة العقل على تقبل هذا المستوى من التأرجح بين المعنيين من دون أن يفسد المطلوب والقرآن الكريم لما استعمل هذا المستوى من الانزياح كان يقصد الوصول إلى مستوى من التعبير عن المعنى من خلال هذا التقابل الذي يثري القدرة التعبيرية للكلمة، إن ابن قتيبة قصد بوقفته هذه تلك المنطقة التي تجعل الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل. ويسعى ابن قتيبة إلى تقديم السياق الذي تردد فيه مثل هذه الاستعمالات؛ لأن للسياق دوراً مهماً في تحديد المعنى المراد من الألفاظ الأضداد. يقول: \"وللظلمة: سدفة. وللضوء سدفة. وأصل السَّدفة: السترة، فكأن الظلام إذا أقبل ستر للضوء، والضوء إذا أقبل ستر للظلام.\" وبعد أن يفرش للموضوع ويقدم له، يقف عند بعض الآيات التي أشكلت بسبب هذه النوع من الاستعمال. يقول \"ولهذا جُعلت بعض بمعنى كل؛ لأن الشيء يكون كله بعضاً للشيء، فهو بعض وكلّ. وقال عزّ وجلّ )وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ( ( الزخرف: 63) وكلّ بمعنى بعض كقوله: )وَأوتيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ( ( النمل: 23) و)يَأْتِيَهَا رزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مكانٍ( ( النحل: 112)، وقال: )تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بأَمْرِ رَبِّهَا( (الأحقاف: 25).\")). (16)
وتظهر الشخصية الناقدة عند ابن قتيبة في من خلال تتبعه للآراء النقدية السابقة أو المعاصرة له مع تمحيصها وتدقيقها منبهاً على الخطأ في قراءة بعض النصوص القرآنية ولم يكتف بذلك بل فرّق بين النص القرآني والنص الشعري منتصراً في هذه المقارنة للنص القرآني. يقول: (( وتتحدد القدرة النقدية لهذا الرجل في تتبعه للآراء النقدية السابقة له أو المعاصرة منبهاً إلى الخطأ في قراءة بعض النصوص القرآنية، أو في توجيهها نحو قراءة خاصة. إنه يتتبع كل ما قيل حول إشكال القرآن ويبدي رأيه فيه، إنه صاحب موقف نقدي متميز يعتمد على تمحيص الآراء وتدقيقها وقول الكلمة الفيصل فيها؛ ومن ذلك قوله: \"وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى: )ومثلُ الذينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بمَا لا يَسْمعُ إلاّ دُعَاءً ونِدَاءً( ( البقرة: 171) إلى مثل هذا في القلب، ويقول: وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام، والمعنى للمنعوق به وهو الغنم. وكذلك قوله سبحانه: )ما إنَّ مَفَاتِحَهُ لتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أولي القُوَّةِ( ( القصص: 76) أي: تنهض بها وهي مثقلة\".
إن ابن قتيبة لا يقف عند ذلك الحد، بل يتجاوزه إلى موقف أكثر نضجاً وأكثر حزماً وأكثر انحياز للنص القرآني، فيفرق بينه وبين النص الآدمي وخاصة الشعري منه يقول معقباً عن ما قلب على الغلط \"وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عزّ وجلّ لو لم يجدْ له مذهباً؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت\". ثم يسرد لنا مجموعة من الأبيات الشعرية التي وقعت فيها ضرورة شعرية؛ ليعقب بعد ذلك بقوله: \"والله تعالى لا يغلط ولا يُضطرّ، وإنما أراد: ومثلُ الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله: )ومثل الذين كفروا(؛ وحذف ومثلنا؛ لأن الكلام يدل عليه. ومثل هذا كثير في الاختصار\".)).(17)
توصل الباحث بعد هذا العرض المسبق أن ابن قتيبة قد أسس لقراءة النص المقدس من زاوية جمالية خاصة تجعله معجزاً ويرى بأن ماذكره ابن قتيبة يلتقي مع الأسلوبية الحديثة ويعد أداة لقراءة بعض المستويات اللغوية. يقول: (( من هنا نجد ان ابن قتيبة، قد أسس لقراءة النص المقدس من زاوية قلّما استعملت، وهي قراءة لا تنظر إلى النص على أنه تشريع أو مجموعة قوانين منظمة لعلاقة الخالق بالمخلوق ولحياة المخلوق على وجه الأرض فقط؛ بل تتعامل معه على أنه نص له جمالية خاصة تجعله نصاً معجزاً. إن ابن قتيبة، وهو يمارس فعله المحبب على النص، يضع في الحسبان أن هذا النص يتطلب أدوات إجرائية خاصة نابعة منه؛ ولا شكّ أن ابن قتيبة قد استثمر حسن معرفته بالنص، وكثرة مراسه ومدارسته الشعر في سبيل الكشف عن خصوصية النص القرآني.
إن ما ذكره ابن قتيبة يلتقي كثيراً مع الأسلوبية الحديثة في عنصر من عناصرها الذي يقوم على الضدية والتقابل في رسم الصورة؛ وقد وظفت الدراسات الأسلوبية الحديثة هذا المفهوم أداة لقراءة بعض المستويات اللغوية.)). (18)
أما فيما ذكره ابن قتيبة عن الإيجاز فقد وقف عند إيجاز القصر وإيجاز الحذف, وقد ربط الباحث هذه الظاهرة بما يعرف في الدراسات الحديثة بالتضييق في اللفظ والتوسيع في المعنى ,وينوه باعتماد ابن قتيبة على نموذج القراءة بالمماثلة لتأكيدها. يقول: (( ويعدّ الإيجاز بنوعيه: إيجاز الحذف، وإيجاز القصر، أساساً من أسس النقد الجمالي عند ابن قتيبة، وأحد مقومات الانزياح الأسلوبي عن المعنى؛ إنه عدول عن المعنى الأصلي إلى معنى هو ردفه وتاليه.
فأما إيجاز القصر فقد ذكره في بداية الكتاب عندما قال: \"وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى قول رسول الله، e: [أوتيت جوامع الكلم]. .فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: )خُذِ العَفْوَ وَأمُرْ بالعُرْفِ وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلينَ( ( الأعراف: 199) كيف جمع له بهذا الكلام كل خُلق عظيم؛ لأن في (أخذ العفو) صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين. وفي (الأمر بالعرف) تقوى الله، وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات..... وفي (الإعراض عن الجاهلين): الصبر والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.
ويتقاطع ما ذكره ابن قتيبة ههنا مع الدراسات الحديثة التي تذهب إلى التأكيد على مبدأ هام قائم على التضييق في اللفظ والتوسيع في الدلالة، وهذا أساس من أسس التطور اللغوي عبر تغطية المعنى من خلال هذا التعدد في الاستعمال. وإنه يقوم، أيضاً، على الاقتصاد اللغوي الذي يعطي للغة طواعية وليونة في التعبير عن المعنى، كما يسمح للمبدع بإدراك ذلك المتخيل ونقله إلى الواقع المحسوس بيسر، ويمكن القارئ من تلقي النص بكل إيحاءاته ودلالاته.
لقد تطورت اللغة العربية بفضل هذا الاستعمال ـ التضييق في اللفظ والتوسيع في المعنى. وهذا قانون مهم في الدراسات الدلالية الحديثة قائم على قانون أقل جهد La loi du moindre effort (جهد المقل)، وله علاقة وطيدة بالتطور الدلالي للغة.
إن وقفة ابن قتيبة عند هذه القضية هي وقفة جاءت لتكشف عن دور القرآن في تطوير الاستعمالات اللغوية العربية من خلال استثماره لتلك الانزياحات، وتوظيفها أحسن توظيف حتى غدت معجزة. وللإيجاز صورة أخرى، وهي إيجاز الحذف والاختصار وقد ذكر له عدة أنواع وما ذلك إلا لأنه يشكل ظاهرة لافتة للنظر في النص القرآني:
ـ حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه: يقول: \"من ذلك أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له، كقوله تعالى: )وَاسْأَلِ القرْيَةُ الّتي كُنَّا فِيها( ( يوسف: 82) أي سل أهلها. )وَأشْربُوا في قُلوبهم
العِجْلَ( ( البقرة: 93) أي حبّه...\".
إن الحذف والاختصار يعد جمالية في النص القرآني، وربما ارتبط هذا بمبدأ هام قائم على الاقتصاد في اللفظ والتوسع في المعنى. فقد حذف المضاف وعُوض بالمضاف إليه ولم يؤدِ إلى فساد المعنى. ولم يكتفِ ابن قتيبة بمثال واحد بل تتبع أغلب النصوص التي وقع فيها هذا النمط الأسلوبي، واستشهد على ذلك بنصوص شعرية ليؤكد على أن هذا الفعل هو من خصائص اللغة العربية الأسلوبية.
ويذكر ابن قتيبة صورة أخرى للحذف \"ومن ذلك: أن يأتي بالكلام مبنيَّاً على أن له جواباً، فيحذف الجواب اختصاراً لعلم المخاطب به. كقوله سبحانه: )وَلو أنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بهِ الجِبَالُ أوْ قُطِّعَتْ بهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بهِ المَوْتَى بَلْ للهِ الأمْرُ جَميعاً( ( الرعد: 31) أراد: لكان هذا القرآن، فحذف. وكذلك قوله:
)ولولا فضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ( ( النور: 20) أراد لعذبكم، فحذف. قال الشاعر:
فأقْسِم لوْ شَيْ أتانا رسوله
سِواكَ؛ ولكنْ لمْ نَجِدْ لكَ مَدْفَعَا

أي لرددناه\"
وهكذا نجد ابن قتيبة يعتمد على النص الشعري في التأكيد على مثل هذه الانزياحات، إنه يعتمد على القراءة بالمماثلة؛ يقرأ النص القرآني بما يماثله من النصوص الشعرية. ولكن كيف أمكن لهؤلاء أن يقرأوا نصاً معجزاً بنص غير معجز؟، وكيف أمكن لهم أن يماثلوا مع وجود الفارق؟ لقد كان ذلك ممكناً ليثبتوا أن القرآن الكريم من جنس العربية ثم ليؤكدوا من بعد ذلك على خصوصيته الإعجازية.)) (19)
ثم تابع الباحث سرد القضايا القرآنية المشكلة اللتي وقف عندها ابن قتيبة, فذكر الاختصار والإضمار, وكشف لنا عن قدرة ابن قتيبة في تحويل المطاعن إلى ممادح في النص القرآني, ثم القسم بلا جواب, وأهميته في قضية الإعجاز القرآني ,والتكرار الذي يخرج لأغراض متعددة, ومن خلال هذا الخروج الذي ذكره ابن قتيبه أعطى للنص جمالية خاصة , وكشف عن تمكنه من النص القرآني باستعماله لأدوات إجرائية تليق به , فيقول: ((ويقف هذا الناقد عند مشكل قرآني آخر، يقول \"وقد يُشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمار. كقوله: )أفمَن زُيِّنَ له سُوءُ عملِهِ فرآهُ حَسَناً فإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدي من يَشَاءُ فلا تَذهَبْ نفسُكَ عليهمْ حَسَراتٍ( ( فاطر:8) والمعنى: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسناً، ذهبت نفسك حسرة عليه؟ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات/ فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
وقد يرجع السبب في هذا كله إلى أن الاختصار والإضمار قد يُشكل إذا لم يكن المخاطب عالماً بحال الخطاب، وقد يحتاج إلى تأويل وتخريج؛ لغموض الكلام وإضماره.
إن ابن قتيبة لا يفارق القراءة بالمماثلة، يقول \" ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارها وجده كثيراً :قال الشاعر:
فلا تَدْفِنونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ
عليكم، ولكنْ خامِري أُمَّ عامر

يريد: لا تدفنوني ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صِيدَت: خامري أُمَّ عامر، يعني الضَّبُع، لتأكلني...\".
إن هذا الناقد، يذهب إلى التأكيد على إعجاز بلاغة النص القرآني، ويحرص على الدفاع عن هذا المظهر الجمالي. وقد أبان عن عبقرية في فهم الآيات القرآنية في مواجهة الطاعنين والمشككين، وقدرته على تحويل هذه المطاعن إلى ممادح تحسب للنص القرآني .ويذكر لنا ابن قتيبة مظهراً آخر من مظاهر الاقتصاد اللغوي، \"ومن الاختصار القسم بلا جواب إذا كان في الكلام بعده ما يدلّ على الجواب، كقوله: )ق وَ القُرآنِ المَجيدِ بَلْ عَجبُوا أنَّ جَاءَهُمْ مِنْذِرٌ مِنْهُمُ فقالَ الكَافِرُونَ هَذا شَيءٌ عَجيبٌ أئِذُا مِتْنَا( ( ق: 1، 2) نبعث. ثم قالوا: )ذَلِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ( ( ق:2) أي لا يكون.
إن الذي وقفَ عنده هذا الناقد يتعلق بأسلوب القسم في اللغة، فهو يبحث في بنيته التركيبية ليحدد جمالية الاقتصاد في اللفظ والتوسع في المعنى، ويبين لنا أيضاً كيف أن القرآن الكريم استطاع أن يوظف هذا توظيفاً خاصاً انطلاقاً من الحفاظ على الأداء المثالي والاستفادة من الأداء الفني. ويتعلق هذا كله بالإعجاز، أو لنقل بأن ابن قتيبة، والقائلين بالإعجاز البلاغي، يركزون على هذا الجانب؛ فبه تتحدد قضية الإعجاز في النص القرآني. وانطلاقاً من هذا الزعم راح ابن قتيبة يرد على الطاعنين في فصل خاص بعنوان \"الحكاية على الطاعنين\" في الصفحة 24 وما بعدها، حيث وقف عند كل هذه المطاعن ليكشف عورها. يقول \"وقالوا في قوله تعالى: )فأذَاقهَا اللهُ لِبَاسَ الجوع والخوفِ(
(النحل: 112) كيف يُذاق اللباس؟ وإنما كان وجه الكلام: فألبسها الله لباس الجوع والخوف، أو غشّاها الله لباس الجوع والخوف. أو فأذاقها الله الجوع والخوف ويحذف اللباس\".
ويعقد هذا الناقد باباً آخر للكشف عن جمالية الإعجاز في القرآن الكريم، تناول فيه تكرار الكلام والزيادة فيه، الذي يقول عنه \"وأما تكرار الأنباء والقصص، فإن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجوماً ثلاث وعشرين سنة، بفرض بعد فرض: تيسيراً منه على العباد، وتدريجاً لهم إلى كمال دينه، ووعظ بعد وعظ، تنبيهاً لهم من سنة الغفلة، وشحذاً لقلوبهم بمتجدد الموعظة... ولو أتاهم القرآن نجماً واحداً لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله بها، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين...\" وبهذا يكشف لنا عن الغرض الديني من هذا التكرار؛ وذلك لتيسير عملية الاتصال بهذا الدين الجديد، إنه يتعلق بأمر الدعوة إلى الإسلام.
وبعد أن يحدد هذا الغرض، يكشف لنا عن جمالية هذا التكرار في النص القرآني من سرده لمجموعة من الأمثلة المتنوعة منها قوله: \"وأما تكرار الكلام من جنس واحد وبعضه يجزأ عن بعض كتكراره في: )قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ( وفي سورة الرحمن بقوله: )فبأيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبان( فقد أعلمتك أن القرآن نزل بلسان القوم، وعلى مذاهبهم. ومن مذاهبهم التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار: إرادة التخفيف والإيجاز؛ لأن افتتان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه عن شيء إلى شيء، أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد\".
ويكشف هذا التوجه عن حسن تمكن من النص باستعمال أدوات إجرائية تليق بنص معجز، فههنا يقدم لنا قراءة مميزة لأسلوب التكرار في القرآن الكريم والذي قد يخرج لغرض التوكيد والإفهام ويعطي للنص جمالية خاصة على الرغم من أن التكرار في الأساس شيء غير مرغوب فيه، فقد لعب دوراً مهماً في سبيل الارتقاء بالنص حتى أصبح لازمة من لوازمه.)).(20)
وأثار الباحث تساؤلاً في نهاية دراسته لهذا الكتاب حول تناول ابن قتيبة وربطه بالدهشة يقول: (( وبعد فإذا كان ما ذكرناه لابن قتيبة ههنا، فهل أن هذا التناول يعكس دهشة؟ يقول أحد الدارسين المحدثين (غير أن دهشة العرب الأولى، إزاء القرآن، كانت لغوية. فقد افتتنوا بلغته ـ جمالاً. وفناً. وكانت هذه اللغة المفتاح المباشر الذي فتح الأبواب لدخول عالم النص القرآني، والإيمان بدين الإسلام. ولهذا لا يمكن الفصل، على أي مستوى، بين الإسلام واللغة. ويمكن القول إن المسلمين آمنوا به... لا لأنه كشف عن أسرار الكون، والإنسان، أو قدم لهم نظاماً جيداً للحياة، بل لأنهم رأوا فيه كتابة لا عهد لهم بما يشبهها..) )).(21)

وبعد ,فهذه جهود ابن قتيبة البلاغية والنقدية وهي بحوث قيمة كان لها الأثر الأعظم في بناء صرح البلاغة العربية, وتمهيد الطريق لظهور أول كتاب مستقل بالبديع على يد ابن المعتز.(22)
هذا والله أعلم, والله من وراء القصد

¡¡
الإحالات:
1- قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية : د /عبد العزيز عبد المعطي عرفة/ص213
2- المصدر نفسه/213,214
3- النقد والأعجاز : د / محمد تحريشي دراسة من منشورات اتحاد العرب دمشق 2004/ص83
4- المرجع السابق/83
5- السابق/84
6- السابق/85,84
7- السابق/86,85
8- السابق/88,87,86
9- السابق/88
10- السابق/89,88
11- السابق/91,90
12- السابق/94,93
13- السابق/96,95,94
14- السابق/97
15- السابق/99,98,97
16- السابق/101,100
17- السابق/103,102
18- السابق/104,103
19- السابق/109,108,107,105,104
20- السابق/113,112,110,109
21- السابق/114
22- قضية الإعجاز القرآني وأثرها في تدوين البلاغة العربية : د /عبد العزيز عبد المعطي عرفة/263 الرسالة



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6515


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


بواسطة عهود العدواني
تقييم
7.17/10 (169 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.