الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
حركية عمود لشعر من خلال لوسطة
حركية عمود لشعر من خلال لوسطة
04-30-2012 03:08 PM



مراسلة عهود العدواني

عهود العدواني المرسل
حركية عمود الشعر العنوان
angel_77_75@hotmail.com البريد
حركيّة عمود الشّعر
لم يكن عمود الشّعر – بإعتباره نظام قراءة يحدّد معايير الجمال الأدبّي – أفقاً منغلقاً تمام الانغلاق ولكنّه مثّل مساراً تداخلت فيه – تدريجياً – التّجارب الشّعريّة قديمها وحديثها. فتكيّف معها بحسب ثوابتها ومتحولاتها. فأضحى بذلك سنّة حيّة مؤثّرة في الأذواق متأثرة بها ممّا يعني أنّه لم يتّسم بصرامة التّقنين فحسب بل بمرونة في مقاربة النّصوص الشّعريّة واستقراء جماليّاتها أيضاً. وهذا ماجعله أفق انتظار حركيّ ترك للتّاريخ مسرباً ليساهم في تشكيله بدءاً وإعادة تشكيله ختماً ، وللهامش منفذاً ليخضع الى السنة.
إنّ هذه الاطروحة التي نعرضها موجّهة في آن واحد ضدّ كل تصور \"تاريخانّي\" ينظر الى \"التّجديد\" على أنّه قطع مع \"القديم\" في سلسلة واضحة قوامها التعاقب، وضدّ كلّ تصوّر تبسيطي لا يرى في \"التّجديد\" أو \"التّقليد\" إلّا الانسجام المطلق أو المخالفة المطلقة دون عقد الخنصر على تعقّد الظاهرة.
نشير بدءا الى أنّ النّصّ المحدث مثّل صيرورة توليديّة مزدوجة، وجهها هضم معايير الجمال المؤسّسة للفعل الشّعريّ عند العرب في ضرب من قراءة النّصّ للمدوّنة وقفاها تنقيح تلك المعايير وتنويعها.
ولئن خصّ هذا المظهر المزدوج من التّجربة الشّعريّة العربيّة النّصّ المحدث، فإنه لا ينفي وجود نصوص لدى المحدثين ظلّت مشدودة إلى المدوّنة الأمّ محاكاة لها وإعادة إنتاج لقوانينها في ضرب من الخلط الزمنّي.
ولعلّ تأمّل موقف النّقّاد من النّص المحدث – مهما هذا الموقف مناصرًا أو معاديا – يوضّح لنا أنّهم استطاعوا استنادا إلى عمود الشّعر التّعامل إيجابيّا مع نصوص المحدثين رغم مظاهر الصّدّ التي تطفو على سطح ما يبدون من آراء.
وآية ذلك أنّ إنعام النّظر في حدّ العمود يثبت أنّه لم يكن حدّا أحاديّ الجانب بل تكفّل بتجربة المحدثين واحتملها في ذاته الى درجة تبرز لنا مدى حرص واضعيه على احتواء تلك التّجربة على نحو من الأنحاء الممكنة.
وقد جاء المظهر الأوّل من تكفّل عمود الشّعر بالنّصّ المحدث قائما على أساس الاختلاف. فبعد أن حدّد القاضي الجرجاني خصائص المعنى واللّفظ والوصف والتّشبيه كما تصوّرتها \"النّظريّة البيانيّة العربيّة\" أنشأ فقرة لا جدال في أنّها تمثّل سعيا إلى إخراج أهمّ ما يميّز الشّعر المحدث عن شروط العمود دون أن يعتبره مقياسا لنفي صفة الشّعر عنه او إقصائه عن مجال الجنس الشّعريّ. يقول: \"ولم تكن ]العرب[ تعبأ بالتّجنيس والمطابقة ولا تحفل بالإِبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشّعر ونظام القريض\" (1).
ولا شك أنّ عبارة الجرجاني تحتمل اعتبار الشعر المحدث مطابقا في بعض جوانبه لأبواب العمود ولكنّه يشيح بوجهه عن كلّ زخرف في اللّفظ أو المعنى.
ونحن نرى في هذا انصياعا إلى مقتضيات التّصوّر الموروث للشّعر ومقتضيات التّحوّل في الجنس الشّعريّ في آن واحد. وفي ذلك خضوع لسلطان التّاريخ عماده الوفاء لأصول القول عند العرب وسناده انفتاح العمود على النّصّ المحدث.
وطال المظهر الثّاني من استيعاب العمود للقول المحدث الحدّ: حدّ العمود من داخله حتى استحال جزءا أساسيا من مكوّناته. ولكنّه جزء خفيّ خاضع لاستراتيجية المحاورة. فكل كلام كما هو شائع يحاور طرفا ظاهرا أو مستترا تدعيما له أو نقضا. وقد بلغت محاورة عمود الشّعر للنّصّ المحدث درجة طفق فيها النّقّاد يضمّنون موقف المحدثين من بعض أبواب العمود في حدّ العمود نفسه.
لهذا نجدهم يلحّون كما هو الشّأن عند المرزوقي بالخصوص – على وسم التّشبيه بالمقاربة بما أنّ المحدثين أخلّوا أحيانا بهذا المبدأ، واشتراط المناسبة بين المستعار منه والمستعار له بما أنّ المحدثين عبثوا في بعض ما كتبوا بقانون التّمايز وخرقوا قاعدة البيان في الاستعارة، والإلحاح على مشاكلة اللّفظ للمعنى بما أنّ المحدثين فصلوا بموجب ولعهم بالمطابقة والتّجنيس بين بنيتي اللّفظ والمعنى.
ولعلّ هذه الحركيّة التي تميّز بها عمود الشّعر هي التي رشّحته إلى أن تلتقي فيه التّجارب الشّعريّة العربية سواء منها ما كان مؤسّسا أو ما كان لاحقا. فتجاوز التّضاد الظّاهريّ بين آفاق الانتظار. فلا إحداث مطلقا ولا تقليد مطلقا وإنّما الأمر كلّه دائر على التّراشح والتّردّد بين السّنّة وهوامشها وبين لحظات الفصل فيها ولحظات الوصل وبين التراكم المفضي الى استقرار المعايير والتّحول البطيء الخفيّ الذي يصيب القيم الجماليّة.
ونعتقد أنه من العسير تاريخيّا أن تتواصل السّنّة الشّعريّة بمحمولها الجمالّي وتتناقلها الأجيال دون أن تتداخل فيها آفاق الانتظار لتظّل القيم الجماليّة حيّة فاعلة بتعايش \"القديم\" و \"الجديد\" والتقائهما في حدود دنيا، لا بانفصالهما انفصالا تامّا. ونحن نفسّر بهذا تأخّر ظهور الحدّ الجامع المانع لعمود الشعر إلى فترة استقرار القضايا النّقديّة. فقد شهدت تلك الفترة تسييج الخطاب النّقديّ بصورة تكاد تكون نهائيّة لأهمّ المدوّنات التي عرفها الشّعر العربّي. فكان أفق الانتظار وليد التّاريخ بالضّرورة سواء في نشأة المعايير الجماليّة زمن تأسيس الخطاب النّقدّي أو في مرحلته اللّاحقة التي نقّحت تلك المعايير دون أن تبطل أسسها. فعبّر عمود الشّعر عن تحوّل الذّوق متأثّرا بما مال إليه المحدثون من مذاهب في القول الشّعريّ ومؤثرا في الآن نفسه في أذواق الجمهور بتثبيت جملة من المعايير التي صيغت في عمود الشّعر.
وعلى هذا النّحو لم تكن تجربة الشّعر المحدث تجربة في \"التّجديد\" آلت إلى الفشل رغم أنّها قعدت على دكّ معايير الكتابة الموروثة ومراسم القراءة القائمة.
ولكنها كانت محاولة لتعديل السّنّة المألوفة فأستوعبها عمود الشّعر لأنّها مثّلت إنباء بضرورة تجاوز الكتابة النمطيّة حتّى لا يموت الجنس الشّعريّ. إذ لا تؤدي إعادة إنتاج الاستعارات السّابقة والتّشابيه المعروفة والمعاني المعهودة إلّا إلى أدب مفرغ من دفق الحياة وحرارة التجربة، ولا تفضي إلّا إلى إفراغ عمود الشّعر من قيمه الحيويّة فتبطل وظيفة الشّعر الجماليّة والاجتماعيّة.

الإحالات:
(1) الجرجاني, الوساطة / ص43 ص44

المرجع:
جمالية الألفة (النصّ ومتقبّله في التراث النقدي) د شكري المبخوت الرسالة



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 922


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عرض عهود العدواني عن شكري لمبخوت
تقييم
4.14/10 (148 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.