الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
بناء القصيدة عند ابن قتيبة
بناء القصيدة عند ابن قتيبة
05-07-2012 02:00 PM


بسم الله الرحمن الرحيم


المملكة العربية السعودية.
وزارة التعليم العالي .
جامعة الطائف .
برنامج الأدب .



بنية القصيدة عند ابن قتيبة

إعداد الطالبة : أميره عيضه حسين الحارثي

الرقم الجامعي : 43280038

إشراف الأستاذ الدكتور : عالي القرشي .
يراعى أيضا هنا ما ذكر في موضوع رؤية النقد القديم لبناء القصيدة الجاهلية المدون هنا في محتوى ( بحوث )


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل ، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين ، جدد الله به رسالة السماء ، وأحيى ببعثته سنة الأنبياء ، ونشر بدعوته آيات الهداية ، وأتم به مكارم الأخلاق وعلى آله وأصحابه أجمعين .
وبعد

ابن قتيبة : -1-
هو محمد عبدا لله بن مسلم ,أصلة فارسي من ((مرو)) ولد بالكوفة سنة 213 للهجرة وتربى في بغداد, وتولى القضاء بدينور فنسب إليها وصار يعرف بابن قتيبة الدينوري ,ثم كان معلماً ببغداد يقرئ كتبه بها إلى حين وفاته سنة 276 للهجرة.
ومن مصنفاته في الأدب والشعر سواء ما وصل منها إلينا أو لم يصل, كتاب معاني الشعر الكبير, وكتاب العرب , وكتاب عيون الأخبار ,و كتاب أدب الكاتب, وكتاب الشعر والشعراء, والكتابان الأخيران هما : أدب الكاتب, والشعر والشعراء, هما أكثر كتبة التي تتصل بشؤون الأدب والشعر , والبلاغة والنقد العربي..-1-
كتاب الشعر والشعراء :
ويحدثنا ابن قتيبة في مقدمة ((الشعر والشعراء)) عن موضوعه والغرض من تأليفه فيقول: ((هذت كتاب ألفته في الشعراء , أخبرت فيه عن الشعراء وأزمانهم وأقدارهم , وأحوالهم في أشعارهم , وقبائلهم, وأسماء أبائهم, ومن كان يعرف باللقب والكنية منهم , وعما يستحسن من أخبار الرجل و يستجاد من شعره , وما أخذته العلماء عليهم من الغلط والخطأ في ألفاظهم ومعانيهم وما سبق إليه المقدمون فأخذه عنهم المتأخرون . وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته , وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها ويستحسن لها . إلى غير ذلك مما قدمته في هذا الجزء الأول))
مقياس ابن قتيبة في النقد:-
قد وضع في مقياسه يدعو إلى عدم التفريق إلا بالقيمة بين قديم ومحدث.فالشعر القديم قد يكون جيداً وقد يكون رديئاً , وعلى رأيه كل قديم كان حديثاً في زمنه.
وقد تحدث عن تنوع الشعر, ويعني ابن قتيبة بهذا الأصل ((الصياغة الفنية)). فالشعر من حيث صناعته الفنية ليس نوعاً واحداً , وإنما هو أربعه أنواع أو أضرب:
1/ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه .
2/وضرب منه حسن لفظه وحلا فإذا فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى.
3/وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه.
4/وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه .
ولقد عرض ابن قيبة في مقدمته القضية اللفظ والمعنى و قسم الشعراء إلى شعراء متكلفين وشعراء مطبوعين .
الصــــــــــفــ ( 1 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
مكانة كتاب الشعر والشعراء:- (2)
كتاب الشعر والشعراء مرجع في تاريخ الأدب , وفي الأدب والنقد , فهو يعد من مراجع تاريخ الأدب
العربي , لما ورد فيه من أخبار الشعراء وعصورهم ومنازلهم وقبائلهم وأنسابهم , وما يستحسن من أخبار
الرجل ويستجاد من شعره , وإن كان لم يلتزم في ذكر الشعراء ترتيباً زمنياً معنياً,إذ كثيراً ما يورد
الجاهلي بعد المخضرم, أو الإسلامي قبل الجاهلي أو بعد العباسي.
وهو يعد من مراجع الأدب لما جاء فيه من مختارات شعرية في أغراض مختلفة.
كما يعد من مراجع النقد العربي لما أثبته من مآخذ العلماء على هؤلاء الشعراء في ألفاظهم ومعانيهم وسرقات بعضهم بعض , ولما عرض له فيه من أقسام الشعر ووجوده استحسانه وغير ذلك مما ساهم في تدعيم حركة النقد الأدبي في عصره .
ابن فتيبة وبناء القصيدة .
يشكل بناء القصيدة دعامة أساسية من دعائم العمل الشعري بفنيته ودقته، ولعله يعكس لنا رؤية الشاعر وطريقة معالجته للقضية المطروحة أمامه، كما أنه يدل في بعض جوانبه على الحياة العقلية والاجتماعية للعصر، ومن المعروف أن نقادنا القدامى تحدثوا عن نظام القصيدة العربية القديمة، وقد عرفت القصيدة الجاهلية عندهم ببناء محدد التزم به الشعراء الجاهليون ونظموا فيه جلّ أشعارهم.(2)
ولعل ما أورده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ,يعد أول إشارة إلى بناء القصيدة العربية أو لما ينبغي أن تكون عليه القصيدة في زمنه.
ويطرح ابن قتيبة مقولته هذه بصيغة حذرة فيقول : (وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيدة إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والأثار, فبكى وشكا , وخاطب الربع واستوقف الرفيق, ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها , إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدر, لانتقالهم عن ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ, وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان . ثم وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب , ويصرف إليه الوجوه, وليستدعي به إصغاء الأسماع إليه, لأن التشبيب قريب من النفوس, لائط بالقلوب , لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبة الغزل, وألف النساء, فليس يكاد أحد يخلو من أن يكون متعلقا منه بسبب, وضاربا فيه بسهم, حلال أو حرام. فإذا علم أنه قد أستوثق من الإصغاء إليه, والاستمتاع له , عقب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره, وشكا النصب والسهر وسرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأمل وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير, بدأ في المديح, فبعثه على المكافأة وهزه للسماح وفضله على الأشباه وصغر في قدره الجزيل)(3).
وحتى لو كانت مقولته التي يطرحها , تشكل صميم معنقده الفني في بناء القصيدة, فإن ابن قتيبة يتحرز (لأمر ما) من نسبتها إلى نفسه, ولذلك ينسبها إلى بعض أهل الأدب. من جهة أخرى , أثارت مقولة ابن قتيبة تشاؤلات النقاد والدارسين. فهل كان ابن قتيبة يتحدث عن القصيدة الجاهلية التي ظلت إلى زمنه هي القصيدة المثال والنموذج؟ أم أنه كان يصف القصيدة العباسية الشائعة؟ وكان – من طرف خفي – يروج لهذا النموذج وقد تنبه عدد من النقاد إلى هذه القضايا (فكمال أبو ديب ) يرى أن ابن قتيبة ’’لا يصف بنية القصيدة بما هي شيء مطلق, بل يصف بنية قصيد المدح فقط’’ .
وللمستشرق يورسلاف ستيتكيفتش رأي قريب من رأي أبي ديب فهو يقول \" .... ومع ذلك فإننا إذا أردنا تحري
الصــــــــــفــ ( 2 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
الدقة لوجدنا أن نموذج ابن قتيبة لا ينطبق إلا على القصيدة العربية وقد أصبحت أداة مسخرة لمدح العباسيين \" كذلك رأى المستشرق فان جلدر الرأي نفسه, فابن قتيبة برأيه’’ كان يصف قصيدة المدح النمطية في عصر بني أمية وما بعده \"
أما شكري عياد فيرى أن ’’الوضع الشعري الذي صوره ابن قتيبة لا يمثل نموذجا واقعيا للقصيدة العربية, بل هو هيكل نظري يستند جزئيا فحسب إلى الواقع الشعري’’
ليس من العسير – استنتاجا من الأراء السابقة, ومن أراء ابن قتيبة نفسها – القول : إن ابن قتيبة كان يعني – في نصه السابق – قصيدة المدح بشكل عام , وهو في الأنة نفسها يحض بصورة مباشرة على احتذاء هذا النمط من القصائد وذلك لرواجه في زمنه , يقول : ’’ فالشاعر المجيد من سلك الأساليب وعدل بين هذه الأقسام , فلم يجعل واحد منها أغلب على الشعر, ولم يطل فيمل السامعين, ولم يقطع وبالنفوس ظماء إلى المزيد ’’-1- ويضيف ابن قتيبة قائلا: ’’ وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام , فيقف على منزل عامر أو يبكي عند مشيد البنيان, لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر والرسم العافي , أو يرحل على حمار أو بغل فيصفهما لان المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير , أو يرد على المياه العذاب والجوارى لان المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والأس والورد لان المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة’’(4)
ويستشهد ابن قتيبة على موضوع تناسب الأجزاء بقصة أحد الرجاز الذين مدحوا نصر بن سيار والي خراسان, فمدحه بقصيدة تشبيبها مئة بيت, ومديحها عشرة أبيات, فقال نصر: والله ما بقيت كلمة عذبة ولا معنى لطيف إلا وقد شغلته عن مديحي بتشبيبك. فان أردت مديحي فاقتصد في النسيب. فأتاه فأنشده:
هل تعرف الدار لأم الغمر دع ذا وحبر مدحة في نصر (5)
فقال نصر: لا ذلك ولا هذا ولكن بين الأمرين.
وعلى الرغم من أن ابن قتيبة يدعو إلى أن يعد الشاعر بين أقسام القصيدة والى أن لا يخرج متأخر الشعراء عن مذهب متقدمهم , فان دعوته إلى التأسي قائمة في نصه.
يرى شكري عياد أن قسمة ابن قتيبة للقصيدة هدفها الوصول إلى الغرض الأساس وهو المدح , فإن قسميها الأولين جاءا بغية الوصول إلى هذا الغرض, فالنسيب لاستمالة الاسماع , ووصف الرحلة لإيجاب الحقوق, والغرض النهائي هو المديح, ويرى عياد أن هذا ’’ النموذج هو نتاج عقلية نفعية تربط الأفعال , جميعها بغاياتها العلمية ومؤداها الأخير هو المصلحة المادية , وهو نموذج فرضته العقلية العامة التي شكلها ازدهار التجارة في الأمصار على الشعر نفسه, وإن بقي الشعر في نزاع مستمر معه , كما يقي رافضا للعقلية التجارية متمردا على وظيفة المديح النفسي التي غدت هي وسيلة الشاعر الوحيدة لكسب قوته’’.
وهكذا فإن شكري عياد قد رأى إلى النموذج الشعري الذي تحدث عنه ابن قتيبة باعتباره وصفا للواقع الشعري القائم في العصر العباسي,و إن استشهاد ابن قتيبة على موضوع تناسب الأجزاء, بقصة أحد الرجاز مع والى خراسان , وتطابق القصيدة – كما وصفها – مع نمط معين من القصائد الجاهلية , يبين أن الشعر العربي في عصر ابن قتيبة كان’’ قد ثبت من حيث الشكل عند صيغة معينة هي تلك الصيغة التي توصل إليها فحول الجاهليين في قصائدهم’’(6)
لقد ذهب النقاد حيال نص ابن قتيبة وأقسام القصيدة كما وردت فيه, غير مذهب. فيرى شكري عياد أن كل قسم من أقسام القصيدة مستقل بذاته , بل ويذهب الى ماهو أبعد من ذلك حين يعد هذا النموذج نموذجا نفعيا غرضه الأخير هو المصلحة المادية, فقطعة النسيب غرضها استمالة القلوب واستدعاء الإصغاء, والرحلة وما تتضمنه من سرى الليل وحر الهجير وإنضاء الراحلة والبعير , غرضها استيجاب الرجاء وذمامة التوصيل على صاحبه
الصــــــــــفــ ( 3 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
’’الممدوح’’. وأخيرا فان غرض المديح بعث الممدوح على المكافأة وهزه لسماح, وعلى الرغم من أن ثمة رابطا يجعل هذه الأقسام تتسلسل .كما يرى عياد, نحو غرض رئيس هو المدح ,وأن ثمة صلة, نفسية يصطنعها الشاعر لتحقيق غرضه, على الرغم من ذلك فان عياداً يرى أن هذه الروابط ’’ لم تفلح في إظهار أي نوع من الوحدة يمكن أن يسوغ اعتبار القصيدة عملا واحد بل لعلها أكدت استقلال كل جزء وأكدت العناية بأحكام الصنعة في البيت الواحد, حتى أصبحت روعة البيت المفرد مبدأ مقررا ولقطة ثمينة يحرص عليها النقاد والشعراء جميعا’’(7)
أما كمال أبو ديب فانه يقف حيال نص ابن قتيبة موقفا مخلفا حين يرى أنه’’ يفسر الخصائص البنيوية للقصيدة على أسس نفسية, ولا ينعت البنية بأنها وجود تقليدي فرضها التراث الشعري. ويضيف أبو ديب: ثم إن التفسير المتضمن في مقطع ابن قتيبة تفسير وظيفي أيضا, وتكمن وظيفيته في أنه يؤكد أن عملية نمو القصيدة ليست اعتباطية أو خيالية من منطق داخلي بل عملية هادفة واعية, ترتبط بالبنية الكلية للقصيدة’’
وترى سوزان ستيتكيفتش أن القالب الثلاثي كما أشار إليه ابن قتيبة ’’ أمر مسلم به عند الشعراء العرب والنقاد القدماء, سواء أكانوا على وعي به أم لم يكونوا وانه ليس قيدا شكليا يقيد الخيال الشعري بل هو أساس نمطي يسمح للشاعر بأن يعبر عن تجربته الشخصية من خلال شكل ذي أبعاد نفسية وقبلية وطقسية وأسطورية في نفس الوقت’’.(8)
وحين يستخلص إحسان عباس مميزات ابن قتيبة في النقد يلاحظ أنه ’’ قد تمرس في مقدمته بأكبر المشكلات النقدية التي سيكثر حولها الحديث بعده.. فتحدث عن الشعر من خلال قضيه اللفظ والمعنى والتكلف وجودة الصنعة وعن ضرورة التناسب بين الموضوعات في القصيدة الواحدة وتلاحقها في السياق واعتمادها على وحدة معنوية تقيم التلاحم والقران بين أبياتها’’(9)
أي أن عباسا يرى أن القصيدة – كما وصفها ابن قتيبة- تتضمن لونا من ألوان الوحدة, وقد عبرت هذه الوحدة عن نفسها على صعيدين :
الأول:- التناسب بين الموضوعات في القصيدة الواحدة.
الثاني:- الوحدة المعنوية التي تنتظم أبيات القصيدة .(10)
ويرى ’’ فان جيلدر ’’ أن ما طرحة ابن قتيبة يعد عملا متقدما يفوق الكثير من الأراء النقدية السابقة عليه, وأن أهم ابتكار قام به ابن قتيبة يتمثل ,, في محاولة تسويغ التواصل في القصيدة, وتقسير الروابط بين أجزائها.... فالقصيدة تشبه معزوفة من عدة حركات’’.
وقد ناقش د- محمد فتوح هذا الموضوع و اعتبر رأي ابن قتيبة يتوفر على وعي نقدي مبكر بماهية المقدمات من حيث هي آصرة وجدانية بين المبدع والمتلقي ثم من حيث هي ضرب من التقاليد الفنية تتجلى من خلاله صيرورة كليهما إلى ميراث من الأعراف الشعرية المشتركة ¡ وثم ثم يمكن القول بأن مقدمة القصيدة رغم ما يبدو من ذاتية مصدرها في نفس المبدع هي في التحليل الأخير مشتركة وجماعته من حيث عموم الإحساس
بها\" (11).
وأعطى د.يوسف اليوسف في كتابه\" مقالات في الشعر الجاهلي\" تفسيرا مغايرا حيث اعتبر افتتاح الشاعر بالنسيب تعبير عن إحباطاته وعن ميولاته وغرائزه المكبوتة يقول\" أما الركيزة النفسانية التي قدمها ابن قتيبة والتي ترمي إلى أن الشاعر الجاهلي كان يطلع بالنسيب ليمتلك انتباه السامع أو القارئ نظراً لاجتذاب الغزل للإنسان¡ فهي على الرغم من أنها تحمل شيئا من الصحة بعيدة كل البعد عن إصابة كبد الحقيقة¡ لقد اعتاد الشاعر الجاهلي أن يستهل قصيدته بالنسيب والطللية شكل من أشكال النسيب بالتأكيد في غالب الأحيان لأن الجنسية هي أشد دوافعه حاجة إلى التلبية والإنسان نزاع دوما إلى الحديث عن دوافعه المحبطة(12). الصــــــــــفــ ( 4 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
فيوسف اليوسف يرى أن ابتداء الشاعر بالنسيب هو تعبير مباشر أو غير مباشر عن القهر الجنسي الذي يتعرض له لكن هذا الرأي بعيد عن حقيقة وواقع الشعر الجاهلي لأن الشاعر الجاهلي عبر عن عواطفه الصادقة وليس عن رغباته المحبطة.
أما الدكتور محمد مندور فاعتبر بناء القصيدة تقليداً من تقاليد الشعر الجاهلي يقول: \"هذه النظرية التقريرية في تفسير تأليف القصيدة العربية فليس صحيحا أن الشاعر المادح هو الذي فكر أن يبدأ بالديار والحبيبة والسفر وما على ذلك ليمهد لمديحه¡ وإنما هي تقاليد الشعر الجاهلي التي استمرت مسيطرة بعد أن دخل التكسب في الشعر (13).
وإذا اعتبر الدكتور محمد مندور هذا البناء تقليداً متوارثاً فما هو السبب الذي جعله يكون تقليداً¿ ألا يمكن أن يكون اهتمام الشاعر بالمتلقي ¿ فالدكتور محمد مندور اكتفى بالقول هو تقليد ولكنه لم يبحث عن سبب هذا التقليد.تعددت القراءات لنص ابن قتيبة وتوالت الدراسات وكل واحد تناوله انطلاقا من أفق توقعه لهذا اندمجت بعض الآفات مع الناقد في حين تعارضت آفاق أُخَر.
ويعتبر سعيد الأيوبي من بين الدارسين الذي اندمج أفقه مع ابن قتيبة حيث اعتبر دراسته للقصيدة العربية دراسة شاملة لكل الأغراض فقال: وأحب أيضا أن أغتنم هذه الفرصة لأرد المياه إلى مجاريها¡ والحق إلى نصابه ليطرد إلى غايته وأؤكد أننا إذا نظرنا إلى النص في أصله كما أورده ابن قتيبة وكما أثبتاه قبل حين لا نجده يقرر أن ثمة قسماً من القصيدة هو مقدمة لقسم آخر¡ هو غرض القصيدة الرئيسي¡ كما تذهب بعض الدراسات النقدية الحديثة\" (14).
فاندماج الآفاق هذا راجع إلى ثقافة الناقدين معا وإلى اتفاق نظرتهم إلى الشعر الجاهلي. وكذلك د. محمد فتوح أيده وانطلق من أفق ابن قتيبة ليبين أن له وعياً مبكراً بماهية المقدمات¡ وهكذا اندمج أفق الناقدين معا¡ ونظراً إلى مقدمة القصيدة كونها تمثل ذاتية الشاعر وجماعية المتلقي.
أما يوسف اليوسف¡ فقد اعتبر اهتمام الشاعر بالمقدمة الطللية دليلاً على دوافع جنسية مكتوبة لا يتلاءم والتفسير الصحيح للمقدمة الطللية وكذلك لا يتلاءم ونظرة الناقد إلى بناء القصيدة العربية¡ ولهذا اعتبر نظرته أحادية الجانب.
بعد هذا الاستعراض متعدد الجوانب لمقولة ابن قتيبة تبين عدة أمور ومنها :
إن هذه المقولة تمثل نمطا محددا من القصائد الجاهلية, وأن نص ابن قتيبة كان هو أول نص أشار الى القصيدة بوصفها بناء كليا يتكون من عدة أقسام .وقد حاول إيجاد رابط نفسي يصل بين أجزاء القصيدة .كما حاول إيجاد لون من التوازن بين أجزاء القصيدة, فلا يطغى جزء على أخر كما حدث مع من مدح نصر بن سيار.
وقد ركز على الجانب الوظيفي للقصيدة , فلكل مكون من مكوناتها غرضه الخاص, كما أن هذه الأغراض تتسلسل حتى تصل إلى غرض رئيس.
وقد كان نقده نقدا توجيهيا تمثل في دعوته إلى ضرورة تأسي النمط الذي وضعه, والتعديل بين أجزائه, وعدم خروج المتأخرين من الشعراء عن مذهب المتقدمين.
نظرة المحدثين لوحدة القصيدة :- *-
لقد أضحت القصيدة في نظر عدد من المحدثين كأنها حبات عقد جمعت في عقد جمعًا عشوائيًا دون تناسب أو انسجام في الصورة واللون والحجم، فليس هناك ما يؤلف بينها سوى ذلك الخيط الذي يجمعها والذي يماثل الوزن والقافية في بناء القصيدة . وقد امتد أثر هذه النظرة التجزيئية في قراءة الشعر فظهرت في دراسات كثير من باحثي هذا العصر، فقرروا في بحوثهم أن الشعر القديم يفتقر إلى الوحدة، وأن القصيدة عبارة عن أبيات ضمت إلى بعضها
الصــــــــــفــ ( 5 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
دون نظام، لذا فإن من العبث السعي لتلمس وحدة تنتظم تلك الأمشاج المفرقة . هذا ما تردد عند كثير من الباحثين
المحدثين، وقد انقسم المحدثون حيال هذه القضية إلى نافٍ ومثبت للوحدة في الشعر القديم، والفرق بين الفريقين يعود إلى تفاوت ما في آليات البحث وأدوات النظر بين قارئ يقف أمام النص بقناعة مسبقة بافتقاره إلى الوحدة والانسجام، وبين قارئ يؤمن بنفاسة تراثه وعلو كعب أسلافه في نسج الشعر، فتراه يتحسس الوحدة بيده دون مشقة أو تكلف، فالوحدة قائمة ماثلة في كثير من قصائد شعرنا القديم لمن يبحث عنها بعين الإنصاف والعدل دون تصور سابق .
ولقد كانت اتهامات الدارسين للشعر القديم بالتخلخل وانعدام الوحدة قائمة على أسلوب القطع واليقين، وكأن أحكامهم تلك حق لا مراء فيها ولا تقبل الحوار أو الجدل، كما نقرأ في هذا المقطع الذي صدره صاحبه بلفظ ( ومن الحق ) الدال على القناعة وتمام الإيمان بفكرته، والموحي من زاوية أخرى بأن ما يخالف هذا القول فهو ( باطل ) ما دام هذا القول ( حقًا ) ، يقول : \" ومن الحق أن القصيدة العربية لم تكن تعرف هذه الوحدة العضوية معرفة واضحة قبل عصرنا الحديث إلا نادرًا ، ... ، حيث نجد القصيدة متحفًا لموضوعات مختلفة لا تربط بينها أي رابطة قريبة ... \" ثم ينتهي إلى القول : \" وعلى هذا النحو تألفت القصيدة الجاهلية من أبيات متجاورة متناثرة كأبيات الحي وخيامه، فكل بيت له حياته واستقلاله، وكل بيت وحدة قائمة بنفسها، وقلما ظهرت صلة وثيقة بين بيت سابق ولاحق \" ( 15). وواضح أن صاحب هذا الرأي لا ينفي وحدة الموضوع فحسب، بل ينفي تحقق أي شكل من أشكال الوحدة في القصيدة القديمة كالوحدة النفسية أو الشعورية التي غالبًا ما تصبغ شرائح النص كله بلون واحد مميز، فالقصيدة- حسب المقطع السابق - (متحف لموضوعات مختلفة لا تربط بينها أي رابطة قريبة )
وهذا الزعم لا يصمد ولو قليلا عند الوقوف على بعض النصوص الجاهلية . ثم إن تشبيهه
أبيات القصيدة بأبيات الحي تشبيه لا يخدم فكرته، لأن هذا التشبيه يصور أبيات القصيدة بأنها متلاحمة متلائمة ينشد بعضها لبعض، ويلتفت كل بيت لسابقه ولا حقه، لأن من المعروف أن بين أبيات الحي ترابط شديد وتعاون وتآزر، لأنه يجري بين تلك البيوت دم واحد يؤلف بينها كما يجرى في جسد القصيدة إحساس واحد وعاطفة واحدة تنضح في كافة مقاطع النص .
ونقع على الزعم نفسه عند باحث آخر يجعل تعدد موضوعات القصيدة نافيًا لوحدتها، يقول : \" على أن القصيدة العربية لم تخرج عن كونها مجموعة من الموضوعات متلاحمة تلاحمًا غير عضوي، فالشاعر ينتقل انتقالات فجائية من مقطوعة تعبر عن موضوع إلى مقطوعة تعبر عن موضوع آخر دون ربط أو تداخل .. \" ( 16)
ولو عنى هذا الباحث نفسه قليلا فقرأ بعض نصوص الشعر الجاهلي قراءة رأسية لا أفقية لاتضح له أن وحدات النص متلاحمة تلاحمًا شديدًا، تنبض بنفس واحد، ويهيمن عليها شعور واحد، فالموضوعات التي يعرضها الشاعر الجاهلي هي بمثابة الأمواج المتعاقبة التي تقف عند ميناء واحد، لكن هذا لا يتكشف للقارئ إلا بعد التمهل والفحص الدقيق والتجوال في مسارب النص والصعود والهبوط في نجاده ووهاده، وحينئذ يمكن أن يكتشف العقد الذي تنخرط فيه جميع مقاطع النص . أما القراءة السطحية الأفقية فإنها لا يمكن أن تهب القارئ شيئًا غير تلك النتيجة .
ويبني بعض الباحثين اتهامه ذاك على أساس واهٍ لا يقبله المنطق العلمي، حيث يسوق جزءًا من قصيدة جاهلية ينعتها بالاختلال والتفكك، لتكون بذلك نموذجًا للشعر الجاهلي كله، ومعلوم أن شعرنا القديم بحر لا ساحل له، فكيف يجوز أن يكون مقطع واحد شاهدًا على كلامة عامة، يقول : \" والمتأمل في الشعر الجاهلي ... يجد أن معظم القصائد فيه تقوم على أساس وحدة البيت لا وحدة القصيدة . ولنضرب مثالا بأبيات
وردت في معلقة زهير ... انظر إلى هذه الأبيات ... فسوف تجد كل بيت منها مستق ً لا في ( معناه لا علاقة له بالبيت الذي قبله أو الذي يليه \" (17) ولعلنا نجد مخرجًا لهؤلاء الذين يتهمون الشعر القديم بالافتقار للوحدة أنهم يعنون بها وحدة الموضوع، أي أن تكون القصيدة تعالج في كافة أبياتهاا موضوعًا واحدًا فقط، فلما رأوها تفتتح بالأطلال والغزل، ثم تعرج على وصف الراحلة والرحلة، ويسترسل الشعراء في ذلك عادة حتى يصلوا إلى غرضهم الرئيس من مدح أو فخر أو هجاء أو رثاء أو غيره - سارعوا إلى اتهام القصيدة والشعر كله بالتفكك وتخلخل البناء، ولم يدر
الصــــــــــفــ ( 6 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
هؤلاء أن كافة الشرائح تصب في مصلحة الغرض الرئيس وتنبع منه، أي أن ملامح غرض الشاعر تظهر في كافة ألفاظه وصوره ، كما تظهر بارزة في كل ما يرسم من المشاهد ويلون من الأحداث. ولهذا فإن الوحدة قائمة في نسيج القصيدة القديمة وإن تعددت موضوعاتها حيث تتقرى بيدك فيها نَفسًا واحدًا لا يتبدل من أول النص إلى منتهاه, ومع هذا نجد من يسلب من القصيدة القديمة كل ألوان الوحدة، ويصر على نعتها بالتفكك واستقلال الوحدات فيقول : \" فليست القصيدة الجاهلية وحدة عضوية في شكل ما من الأشكال،لأنه لا صلة فكرية بين أجزائها \" (18).
وعد بعض الباحثين التفتيش عن الوحدة والترابط بين أجزاء القصيدة القديمة بأنه من العبث \" ( 19)
في حين ذهب البعض إلى القول بأننا :
\" نضني أنفسنا كثيرًا إذا نحن التمسنا خيطًا نفسيًا واحدًا ينتظم القصيدة كلها بكل ما فيها
من صور ومشاهد \" ( 20)
والحقيقة أن هذا الخيط النفسي الذي ينتظم القصيدة كلها قائم مشدود بين ساريتي كثير من نصوص الشعر الجاهلي، ولكنه خيط دقيق خفي يحتاج لروية وتمهل للإمساك به، وبسبب دقته وخفائه اتهمت نصوص شعرنا القديم بعدم احتوائها على رباط يضم الأبيات ويشدها إلى بعضها، ولو تعمق القارئ في النظر، وأخذ يقلب الألفاظ ويستجلي المعاني ويحرك الساكن لتبينت له أمور وتكشفت له حقائق وباح له النص بأسرار لم يكن ليفضي له بها لو لم يلح عليه ويطيل الدوران حوله، ولهذا فإن سبب إنكار الوحدة في الشعر القديم لا يعود إلى صدق التهمة، بل هو متعلق بالمنكرين أنفسهم الذين \" لا يدرسون الشعر القديم كما ينبغي ولا يتعمقون أسراره ومعانيه، وإنما يدرسونه درس.
( تقليد، ويصدقون فيه ما يقال لهم من الكلام في غير تحقيق ولا استقصاء ... \" ( 21) وليس هذا فحسب هو سبب إنكار الوحدة في الشعر الجاهلي، فقد كان لعناية النقاد الأوائل بالأبيات المفردة أثر سلبي في تلقي ذلك الشعر، حيث امتدت هذه النظرة للعصور اللاحقة، فأمسى الشعر في نظر المتلقين عبارة عن أبيات مفردة لا قصائد ملتحمة مترابطة، فصار قارئوا الشعر حديثًا - بتأثير أسلافهم - يعتنون بالأبيات ويحومون حولها لاستظهار بلاغتها وجماليتها في غفلة تامة عن تحسس الوحدة العامة التي تصدر منها وحدات النص وتؤول إليها، ولهذا ربما صح القول بأن تهمة بعض المعاصرين للقصيدة الجاهلية بالافتقار للوحدة هي في أصلها \" نظرية عربية قبل أن تكون نظرية عصرية غربية ... فأصول هذه النظرية تعود إلى الأدب والنقد العربي في فجر بواكير الدراسات الأدبية والنقدية لدى. ( الأدباء والنقاد العرب ) (22)
وقد عزا بعض المنتصرين للقصيدة القديمة سبب رميها بالتفكك وتخلل البناء إلى التأثر بالتيارات الأجنبية والافتتان بها (3 2) حين رأوا فيها تلاحمًا ونموا متجانسًا فالتفتوا على عجل يفتشون عن هذا الملمح في تراث أسلافهم فلما لم يقعوا عليه في التفاتتهم السريعة تلك سارعوا إلى اتهامه وتنقصه . وفرق بين من يقرأ تراث أسلافه بعين عربية، ونفس تحس تجاهه بالحنين والإلف، وعين تنظر إليه بمنظار غربي تتلمس العثرة وتتحسس النقيصة .
وقد وقفت طائفة من النقاد في صف الشعر الجاهلي تذب عنه وترد ما يرمى به من سهام النقيصة والاتهام، فبحثوا في أرضه وتأملوا مبانيه فوجدوه شعرًا مكين الأساس رصين البناء متماسك الأجزاء، وأن ما يتوهم فيه من التخلخل ينطوي في حقيقته على خيوط دقيقة تصله ببقية الأجزاء، فليس التعدد الموضوعي في القصيدة الواحدة مانعًا من توفر الوحدة فيها، ونعني وحدة الفكر والإحساس الذي ترشح به جميع شرائح النص، وينساب انسيابًا
طبيعيًا في مكوناته من الألفاظ والجمل والتشبيهات، حيث تتصل جميع هذه الأجزاء بالغرض الرئيس فتصب في بحر واحد، وتنساق في رفق وتؤدة لتقف في صف واحد يجسد هم الشاعر وهواجسه ورؤاه فتكون القصيدة في تعدد موضوعاتها وانسجامها الداخلي كالشجرة في تعدد مكوناتها وائتلاف أجزائها وتناسق مرآها . وعلى هذا فإن بحثنا عن الخيط الذي ينتظم نسيج النص هو بحث عن هذا الخيط الذي يجسد الإحساس المسيطر
على عامة فقرات النص، ويتحكم بشكل مباشر في خطوط لوحاته . وهذا الخيط النفسي أو الشعوري قائم
الصــــــــــفــ ( 7 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
متحقق في بنية كثير من شعرنا القديم رغم إنكاره ونفيه من قبل بعض المتعجلين، فتعدد موضوعات القصيدة \"
لم يمنع من أن ترتبط هذه الموضوعات على أساس فكري عام، أو على أساس العاطفة التي يحاول الشاعر أن يجعل منها أساسًا لهذا الربط ... وعلى هذا لم تكن القصيدة الجاهلية مفككة أو غير متصلة الأجزاء، ففيها دائمًا اتجاه إلى مراعاة وحدتها على أساس الترابط العاطفي أو الفكري أو الفني، وليس على أساس الترابط
الموضوعي أو المنطقي \" ( 24).
وهذا الضرب من الوحدة خفي على كثير من الدارسين الذين انصب تركيزهم على الوحدة الموضوعية، فلما رأوا تعدد الموضوعات في بناء القصيدة القديمة سارعوا إلى رميها بالاختلال والتفكك، غافلين عن أن هذا التعدد ينخرط في سلك واحد لا يكشف عن وجهه إلا بعد المراودة والإلحاح الذي يتمكن القارئ عبره من تنظيم .( الانفعالات السائدة في النص، وإخضاع التعدد للوحدة، واستخراج النظام من الفوضى) ( 25)
وسيطرة شعور واحد على النص نتيجة طبيعية من شاعر يعاني مخاضًا شعريًا يسم كل المخرجات بلون الباعث الحقيقي على القول الشعري، ولو ظهر للقارئ تفاوت بين وحدات النص فإن باستطاعته تجلي الوحدة في طبيعة صياغة المشاهد ورسم اللوحات المنبعثة عن الغرض الأصلي والمتقدمة عليه في ترتيب النظم دائمًا . وإنه \" من غير المعقول أن تتم هذه العملية الكبيرة، وتنجز هذه التجربة المتكاملة دون أن ينتظمها نظام ينسق أحوالها، ويربط بين أجزائها، ويوصل بين كل خيط من خيوطها بحيث تصبح هيكلا شعريًا موحدًا ... \"(26)
. ودليل هذا الترابط الفكري أو الشعري في نسيج القصيدة أن طبيعة مقدمتها تختلف باختلاف موضوعها الرئيس، فنحن نعلم أن قصائد الشعر القديم تفتتح غالبًا بمقدمة طللية غزلية يقف الشاعر فيها على ديار حبيبته باكيًا متواجدًا، يتذكر صاحبته في شوق وحسرة على الماضي الناعم المنصرم . هذا العرف الشعري تناله انحرافات في طبيعة الصياغة وفي موقف الشاعر من هواه القديم، وذلك بحسب تأثير الموضوع الأصلي الذي يضطرم في نفس الشاعر، فإن كان موضوع القصيدة فخرًا بالذات أو القبيلة، أو كان مديحًا خالصًا، فإن موقف الشاعر في مقدمة القصيدة لا يعبر عن الحب والشوق والوجد، بل يدور حول معاني البين والصد والقطيعة (27) وكذلك حين يكون موضوع القصيدة رثاء فإنها لا تفتتح غالبًا بالغزل، وإن جاء في مقدمتها فإنه لا يعبر عن التهالك والصبابة، لأن موضوع الفناء لا يجعل نفس الشاعر مهيأة للشهوات، فتراه يرفض المرأة ويعلن عن هجرها والالتفات عنها ( 28) والأمر نفسه يقال في موضوع الهجاء الذي يبرز أثره في تركيبة القصيدة وبنائها العام، فترى مقدمتها الغزلية سريعة خاطفة أو معبرة عن الهجران والصد الذي تبديه الحبيبة، كما أن الشاعر لا يصف الراحلة مسترسلا إلى مشاهد الصيد، ولا يتحدث عن عناء الرحلة الذي يظهر دائمًا في بنية المديح، لأن المهجو لا يستحق هذا الحديث الذي يكشف عن عناء الشاعر وإعيائه، ولأن فؤاد الشاعر.( مشحون يتميز غيظًا وتلهفًا على الهجوم على المهجو ورشقه بسهام التصغير والتحقير )(29) ولذا فإن طبيعة غرض الهجاء وما فيه من الحماسة والاندفاع لا تتيح للشاعر إظهار التماوت في الغزل، أو الاستطراد في الوصف، أو نحت مشاهد الرحلة ولوحات الصيد . وعلى هذا يتجلى أن نسيج القصيدة القديمة وخيوطها المتعددة لم تكن مضمومة إلى بعضها ضمًا عشوائيًا أو متنافرًا، بل كان يؤلف بينها موقف واحد يرتسم على الملامح العامة لكافة شرائحها، فالشاعر أثناء ممارسة المخاض الشعري كان واعيًا لما يصدر عنه من الصور والمواقف والمشاهد، فكان يجمع أطراف القصيدة فيقرنها إلى سارية واحدة تنجذب إليها وتحوم حولها جميع بنى النص دون نفور أو تفلت، فتتحد المشاهد والصور في بناء شعري متجانس يرتكز على قاعدة واحدة تنتمي إليها كل وحدات النص .ورغم إيمان جماعة من الباحثين بتوفر الوحدة في الشعر الجاهلي إلا أنهم أثناء ممارستهم التطبيقية على القصائد لإبراز الوحدة فيها كان اهتمامهم منصبًا على رد خلايا النص المتعددة من الطلل إلى الغزل إلى وصف الرحلة والراحلة ومشاهد الصيد وانتهاء بالغرض الأصلي إلى الموقف النفسي الذي يقفه الشاعر والذي ظهرت ملامحه جلية في كل أجزاء النص، أي أن عملية الربط بين بنى النص اكتفت بالربط العام بين هذه البنى عبر الوقوف على الطبيعة العامة التي تتشكل فيها كل بنية، ومن خلال التعرف على موقف
الصــــــــــفــ ( 8 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
الشاعر ونفسيته في كل جزء على حدة يتم إرجاع هذه المواقف العديدة لموقف نفسي أو شعوري واحد ينطلق
منه الشاعر، ويكون معبرًا عن رؤية عامة لشخص أو قبيلة، و يكون صادرًا عن تصور عام للحياة أو البقاء والفناء، أو يكون منطويًا على رؤية وجودية للكون والأحياء . ولا شك أن هذا الجهد البحثي عملية مضنية، ونتائجها التي انتهى إليها الدارسون في غاية النفاسة، لكنهم كانوا يهملون في الغالب العناية بالأجزاء الصغرى في النص التي تقدم إسهامًا كبيرًا في استجلاء الوحدة العامة التي تنتظمه، ونعني بها الألفاظ التي وظفها الشاعر لحمل معانيه، والتشبيهات التي انتقاها، والصور التي اختارها، فلا شك أن هذه اللبنات الصغيرة تخفي شيئًا ثريًا من دفقات الشعور وأحاسيس النفس .
******************************************************
المراجع :
1- تاريخ النقد الأدبي عند العرب .عبد العزيز عتيق .دار النهضة العربية . ط 4 .1406هــــــــ . ص 371.
2-ثامر إبراهيم المصاروة كاتب أردني – ديوان العرب
3- كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة : ج 1 . ص 51
4- الشعراء والشعراء ص 75- 76
5- المصدر نفسه ص 75-76
6-مجلة فصول العدد الثاني جماليات القصيدة التقليدية , ص 61.
7-مجلة المعرفة ,العدد 195: نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي , 29 .
8-مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق , مجلد 6 ج1 : القصيدة العربية وطقس العبور – 57-58
9-تاريخ النقد الأدبي عند العرب المؤلف : إحسان عباس الطبعة : 4 تاريخ النشر : 1983 الناشر : دار الثقافة ... ص 115
10 -مجلة فصول المجلد السادس , العدد الثاني: بدايات النظر في القصيدة , ترجمة عصام بهي ,19 .
11-عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي : 324-325..
-12- مقالات في الشعر الجاهلي ¡يوسف اليوسف الطبعة الثالثة1983. ص:124
-13 -النقد المنهجي عند العرب¡محمد مندور¡ دار نهضة مصر. ص:32
14عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي. ص:325.
• نقلا من رسالة دكتوراه بعنوان ( سلوك الحيوان في الشعر الجاهلي دراسة في المضمون والنسيج ) إعداد : سعد العرفي . بإشراف الدكتور : عبدالله الزهراني .
وقدتم نقل الإحالات للمراجع كما سأعرضها هنا ..
15- شوقي ضيف، في النقد الأدبي ( القاهرة : دار المعارف، ط 1977 ،5 م ) ، ص ص 154 155
16-سيد حنفي حسنين، الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية ( القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، د . ط، ) . 1971 م ) ، ص28

الصــــــــــفــ ( 9 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة
17 حمدان عبد الرحمن أحمد، وحدة القصيدة العربية القديمة بين النظرية والتطبيق ( أسيوط : مجلة كلية اللغة العربية، ) - جامعة الأزهر، ع 1409 ،9 ه / 1989 م ، ص52 ص 53.
18- محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث ( بيروت : دار العودة، د.ط، 1987 م ) ، ص ص 395 396
19 ينظر : مصطفى بدوي، دراسات في الشعر والمسرح ( الإسكندرية : الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 2 ) . 8- 1979 م) ، ص 7 ص8.
20 عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب ( القاهرة : مكتبة غريب، ط 4، د.ت ) ، ص 82 . وينظر : أحمد ) موسى الجاسم، عبيد بن الأبرص، دراسة فنية ( بيروت : دار الكنوز الأدبية، ط 1997 ،1 م )، ص 208.
21 طه حسين، حديث الأربعاء،31 . وينظر : محمود شاكر، نمط صعب ونمط مخيف، ص ص 43- 44
22 محمد صادق حسن عبد الله، خصوبة القصيدة الجاهلية ومعانيها المتجددة ( القاهرة : دار الفكر العربي، د.ط، ) . د.ت ) ، ص 515
23 ينظر : سعيد الأيوبي، عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي ( الرباط : مكتبة المعارف، د . ط، 1986 م .ص 23
24 بهي الدين زيان، الشعر الجاهلي تطوره وخصائصه الفنية، ص 138 . وينظر : عبد القادر القط، في الشعر ) الإسلامي والأموي ( بيروت : دار النهضة العربية، د.ط، 1407 ه/ 1987 م ) ، ص 274 . وحسين عطوان، مقدمة القصيدة العربية في العصر الجاهلي ( بيروت : دار الجيل، ط 1408 ،2 ه/ 1987 م ) ، ص 234
25) ينظر : إليزابيث درو، الشعر كيف نفهمه ونتذوقه ؟ ترجمة : محمد إبراهيم الشوش ( بيروت : مكتبة منيمنة، ) د.ط، 1961 م ) ، ص 27
26 نوري حمودي القيسي، وحدة الموضوع في القصيدة الجاهلية ( الموصل : دار الكتب، د.ط، 1394 هــ / 1974 م ) ، ص98
27 ينظر : سعيد الأيوبي، عناصر الوحدة والربط في الشعر الجاهلي، ص 309 ،
28 ينظر : حسين عطوان، مقالات في الشعر ونقده، ص 12.
29 ينظر : نوري القيسي، وحدة الموضوع في القصيدة الجاهلية، ص 89










الصــــــــــفــ ( 10 ) ــــــحـــــــــــــــــــــــة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 21251


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


إعداد أميرة الحارثي
تقييم
9.30/10 (248 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.