الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
الأدب السعودي
التجديد في القصة القصيرة
التجديد في القصة القصيرة
06-22-2012 10:55 PM




السبت 23 يونيو 2012م



التجديد في القصة السعودية التذويب والتشكيل



التجديد في القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية
التذويب و التشكيل
د/ عالي سرحان القرشي ـ جامعة الطائف
نشر في كتاب المؤتمر الثالث للأدباء السعوديين بنهاية عام 1430هـ

يعد الاتجاه نحو كتابة القصة القصيرة تحولا من التحولات العديدة التي شهدتها الكتابة الإبداعية في الثقافة العربية ؛ فبعد أن كان الشعر والخطابة يتربعان على القمة ، مع وجود هوامش لألوان من النثر في الرسائل ، والأخبار ، والقصص الحكائي التعليمي والترفيهي ؛ في مثل ألف ليلة وليلة ، والمقامات ، والقص على ألسنة الحيوان ،وحكاية طرائف وغرائب الحمقى والمهمشين ، جاء التاريخ الحديث ليجعل للقصة القصيرة مكانا يشكل الرؤيا ، ويبني الأحداث من خلال سرد لحيوات شخصيات ، ومسارات حياة ، تغادر بها الرؤيا التنظير لتكون واقعة على الأرض ، تعيش بوعي الإنسان في وجوده ، وتلابيب ذاكرته ، يفرغ فيها الإنسان فزعه من دوامة الحياة ، وخضوعه تحت طائلة المصير والمشاهدة ، ليكون مشكلا لرؤيا ومبدعا لأحداثها ومساراتها . .. جاءت القصة فاحتضنت نوازع القلق الإنساني ،وانتزعت أبطالها من دوائر القهر والتسلط والتهميش ؛ ليكونوا وجودا في الذاكرة الإنسانية ؛ لا نقرأ تهميشهم وجور التسلط عليهم إلا ليكون ذلك وعيا بالحق الإنساني ، ومساءلة للضمير ، وتشكيلا لوعي جديد ؛ وانتزعت الإنساني من دائرة حدث ، وصار ؛ إلى أن يكون مستبقى بعد لحظة ذلك الحدث ؛ فيفارق وجوده الطللية والعدمية ، ويعانق الوجود الإنساني في امتداده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . إن تحول المصير إلى ذاكرة والعلاقة الحية المكتوبة إلى علاقة جديدة مع قارئ ومتأمل ، يجعل تلك اللحظة التي كتبت في دائرة اشتغال ووعي .
وإذا كانت الرواية تستعرض قطاعا عريضا وحيوات متباينة تصهرها رؤية الكاتب .. فإن القصة تفعل ذلك على نحو مكثف ، مع الأخذ في الحسبان أنها ليست اختصارا لا في الزمن ولا مساحة السرد ، ولا تنوع الرؤيا ، ولكنها تفعل ذلك عبر ومضة تلتف على الزمن ، وتطويه ، وعلى الحدث فتنفي هوامشه من خلال فعلها المستقطب ، وتشكيلها الصاهر لمفردات العالم والأحداث ؛ لتكون شريحة الوجود التي تعصم وجودها من التناثر في اللحظات .
وإذا خرجنا من هذا الأفق لنكون في مساره حين نتابع منجزات القصة السعودية في التشكيل والوعي ، فإنا المتابع سيقف على وعي تتحرك به ، وأفق تسايره ، لعلي في هذه المتابعة أستطيع أن أستجلي شيئا من أبعاده وأسئلته .

( 1 )

حينما عاقر أبناء الجزيرة العربية الثقافة العربية ، بعد بُعد عنها في الجهل والأمية ، كان الشعر والخطابة ومرويات التاريخ ، وبعض متون العلوم ومنظوماتها هي التي تعاقر النخب الثقافية على قلة أفرادها ..لكن ما تحمله أولئك النفر من مسؤولية ، ومحاولة استرجاع لدور همش لإنسان هذه البقاع كان يمنحهم حافزا قويا لاستجلاء الأفق الثقافي ، والسير في اتجاهه ؛ فكان أن شهدنا الميل لكتابة القصة ؛ وإذ نشير هنا إلى نماذج من هذه البدايات ؛ فليس الغرض من ذلك التعداد وإنما الإشارة إلى هذا الاتجاه ، والإشارة تحديدا إلى ما يكمن خلف هذا المنزع القصصي في الكتابة .؛ فهذا التوجه رغم أن القصة لم تكن من القوالب المحترمة في الكتابة ( 1) يظهر رغبة في معاقرة التجديد ، ليس على المستوى الشكلي وإنما على مستوى الرؤية التي تحيل الكتابة إلى فعل متحرك ، لا تغريه زخارف الشعر والبلاغة والخطابة ،ولا استرضاء الأعلى ، ولا المرواغة بإظهار أمجاد الثقافة البلاغية ، وإنما أصبح يغريه الحوار وحكايات المصائر ، وتطلعات الإنسان على اختلاف مستوياته ؛ ففي مجموع أدبي أصدره الحجازيون إبان دخول الملك عبد العزيز الحجاز وضمه لكيان سلطته ، نجد فيه إلى جانب الشعر نزوعا نحو الكتابة بأساليب جديدة ، وتبنيا للارتقاء بالحيوات ومشكلات الحياة ، وأسئلة التحضر والوعي ، إلى أفق الحوار ، وهموم النخبة ، التي شعر هؤلاء بهذه الطرائق والمغامرات أنهم يستطيعون تعديل مسار رؤاها وأفكارها ؛ فجاءت بعض مقالاته على شكل حواري وقصصي ، كما نلحظ عند أحمد السباعي ، عزيز ضياء ، محمد حسن كتبي .
ولو توقفنا عند مقال لإبراهيم هاشم فلالي بعنوان ( أتأكل الرطب ؟ )\" ، لوجدنا ذلك الميل والاستثمار لفاعلية القص ، يبدأ هاشم مقاله (2) الذي جاء على شكل حوار قصصي بقوله :
\" أتأكل الرطب ؟
إنه غذائي الطبيعي \"
ثم يستمر الحوار ، ليظهر المفارقة بين حال استجابة الإنسان لحاجاته الضرورية التي يلببها العلم ، واستخدام المخترعات الحديثة ، وبين من يزعم بحظر بعض العلوم مثل ، المنطق ، الفلك ، الرياضيات ، ويجافي استخدام المخترعات الحديثة ، من خلال الحوار الذي يقر فيه صاحبه بذلك في حال الحاجة الشخصية ، ويناوئه في حال رسم الطريق لبلوغ هذه الغايات الحضارية .
وقد أراد الكاتب بهذه الطريقة استثمار حالة الحوار ، للقرب من القارئ المجسد في شخصية المحاور، ولاتخاذ حالة هذا الموقف الذي تعيشه الشخصية وسيلة للإقناع بالأفكار التي يطرحها ؛فالكاتب يستحضر حال السلوك حين الحاجة ليبن منه الحاجة إلى هذه العلوم ، وما تنتجه من مخترعات .
ولا تقتصر أهمية مثل هذه الأساليب على محاولة القرب من القارئ ، بل إن بعض هذه الأساليب يتعمد إيجاد القارئ المشارك ، الذي ينتج الفكرة التي يريد أن يصل إليها الكاتب ؛ فلا يظل الكاتب هو المرسل فقط ؛ إذ يمتد ذلك إلى أن يجعل الكاتب ذاته مع قارئه ، تحت سلطة الكتابة والنص ، يجعلهما تحت حكم النتيجة التي آل إليها الحوار .. ومن هنا قد يضع الكاتب نفسه تحت طائلة السخرية ، وهذا لاشك نشوء جديد لسلطة الكتابة تخفف من تعالي الكاتب، ومن كونه قطب الإرسال في النص ، ويتجه إلى الإعلاء من شأن الناتج الكتابي ، وجعله سلطة مسيطرة على موقف الكاتب والقارئ .. كما هو الحال في مثل هذا النص الحواري لأحمد السباعي بعنوان ( هات رفشك )(3) حيث يبدأ النص بقوله :
\" يا صاحبي هات رفْشك واتبعني
هاته وقم في إثري ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه أمرا .. ألست من غراري أنت تعتلج في صدرك الآمال ؟ ؟ \"
ثم يمضي في تساؤلات على هذا النحو ليقول : \" قل :إي . .وإذن أترك أي أثر تركته في حياتك ؟ ..
أتمتعض ثاني عطفك ؟ هون عليك ، إن أريدك إلا صريحا ، فقل هل أنت تستحق الحياة ؟
لا وربك وإذن أنت مثلي وأنا مثلك فاتبعني ، اتبعني ورفشك .
اتبعني إلى حيث ترقد الجثث الهامدة ، هناك نواري جسمينا بين الحجون وكدا \"
ثم يرسم صورة التلكؤ على صاحبه ، فيقول : \" أتتلكأ . ولم يا صاحبي ؟ ألأنك تحب الحياة ؟
إن للحياة رجالها ، في كل يوم لهم أثر جديد فيها ، لأنهم ملكوا فجاج الأرض ، وذللوا متن البحار، وسيطروا على الهواء ، ورادوا الجبال في كنوزها فأسلمتهم مفاتيحها ، والحديد فعكفوا على تسخيره في مختلف شؤونهم ؛ ليقول في نهاية المقال :
\" أرجل أنا وأنت ؟ إذن أين هي مميزات الرجولة وأنفتها وإباؤها ؟
الحق ــ والحق أقول لك ــ إنني وإياك لانستحق الحياة ، فهلم برفشك واتبعني .
اتبعني وتعال نحتفر لأنفسنا هناك في حضن الأبد مأوى نهائيا .. \"
ويتنامى هذا الاتجاه إلى الاتجاه لكتابة القصة القصيرة تنشر في الصحافة الأدبية خاصة مجلة المنهل التي كان لها مشاركة فاعلة في تنميته ؛إذ خصصت حيزا ثابتا لهذا الفن السردي تحت عنوان \" منهل القصص \" ثم \" قصة العدد \" (4) ، وقد هيأ ذلك المجال إلى أن تخترق القصة القصيرة مجال الإصدار ؛ فبعد أن كان ذلك قاصرا على المجموعات الأدبية والمقالية ،نجد الكتاب يصدرون كتاباتهم القصصية ؛ فيصدر حسن عبد الله القرشي ( أنات الساقية ) سنة 1956م ،وأمين سالم رويحي مجموعتيه \" الأذن تعشق \" 1958م ، و\" الحنينة \" عام 1959م \" (5) وأصبحت القصة من الفنون التي يتوسل بها لاكتساب القراء ؛ فكانت الصحافة تستعين بالقصة في تأسيس قاعدة من القراء ، بعقد المسابقات القصصية ، أو طلب تكملة القصة من قبل القراء ، فيما سمي (القصة الاستفتائية )، أو التعويل على تشويق القارئ بنشر بقية القصة في الأعداد التالية مغفلين الاهتمام بوحدة الشعور والاهتمام والتأثير كما يرى سحمي الهاجري .(6)
ولما كان التحول نحو كتابة الشكل القصصي ثم كتابة القصة ــ كما سبقت الإشارة ـ يمثل وعيا بمتطلبات الحياة الحاضرة ، ووعيا بضرورة حضور المهمش ، وإشاعة الديموقراطية ، واتساع دائرة الفاعلين والمؤثرين في المكتوب هدفا وإنتاجا ، فقد لفت هذا التحول واتساع دائرة منتجيه ومستقبليه الأنظار ، وأثار الأسئلة ، خاصة لدى أولئك الباحثين الذين لا يكتفون بالتتبع التاريخي والاستعراض ، مثل سحمي الهاجري ، الذي حاول أن يفسر هذا التحول بمصاحبة الـتأسيس لكيان البلاد ، حيث يقول :
\" فمن الأمور المصاحبة للتأسيس ، تبلور مفهوم المواطنة ، ومفهوم الشعب ، وصحيفة (البلاد السعودية ) كانت تكتب تحت عنوانها عبارة ( صحيفة الشعب السعودي ) ، وكانت القصة هي الشكل التعبيري المفتوح لأفراد الشعب ، بخلاف الشعر الفصيح ـ مثلا ـ الذي دفعه الشعر الشعبي إلى دائرة المناسبات الرسمية المغلقة ، أو التدوال بين النخب القليلة ، كما سبق أن قال عبد الله عبد الجبار في الصفحة الأولى من كتاب ( التيارات الأدبية ) .\"(7)
ويمضي الهاجري تحت ظلال هذا الربط بين الـتأسيس والاتجاه لكتابة القصة ليفسر أن دخول كثير من الكتاب كان من باب تأسيس الذات الفردية ، والإعلان عنها ، والإعلان في الوقت ذاته عن درجة عالية من إنسجامها مع الكل الاجتماعي ..(8) ويخرج من خلال متابعته لكتاب القصة الواحدة مجاوزا بعض الأسماء الأدبية الذين لا ينفي عنهم أن تكون كتابتهم للقصة فرعا عن نزعة الحضور الكتابي ،فيشير إلى أن هناك أسماء أخرى تميزت ببروزها ، فيما بعد في مناشط متفرقة ، ومختلفة أحيانا ، إلى درجة تثير الاستغراب .ليذكر أن الذي يربط بينهم سمة واحدة وهي خاصية الطموح الشخصي وتأسيس الذات ، بواسطة دمجها في الحالة العامة للكيان الذي كان يتأسس.(9) ويمتد بفترة هذا الارتباط إلى عام 1964م (10)
وحين ندقق في هذا التفسير، نجده يعتسف الارتباط ، فعلى الرغم من سمة الوعي ، وطريقة الخطاب الإصلاحية ، إلا أن النزوع الفردي واضح ، والاعتداد بالمصائر الفردية التي تشكل القص وتكرار إنشائها ،تؤكد على مفارقة خطاب آخر يريد أن يسم المجموع بسمته ، لا يتقبل القصة ، يراها كذبا ، ولذلك نجد محاولات التحايل في البداية على كتابة القص المنسوب لعالم الجن ،كما هو الحال عند السباعي . وربما كان ما في هذا السرد من حيوية تؤخذ من مجرى الحياة ، وتلتصق بمعايشة الإنسان لأزماته ، ومحاولة كشفه عن مخارجها كانت الوقود والضوء الذي يلتقي عليه الكاتب والقارئ والمستثمر من صحافة ودور نشر .
وإذا كانت القصة اتخذت في البدايات من الأساليب البيانية والتصوير البلاغي للشخصيات والوقائع والأمكنة طريقا للتشكيل فإن هذا ينبغي أن يفسر في ضوء استدناء القارئ عن طريق الفن لتاريخ ثقافي ، ولغة سكنت المعاجم لتكون لغة متحركة في نبض الحياة ، ومنطوقة على لسان شخصيات الأحداث وسارديها ، ومتهيئة لأن تكون في عوالم متلقيها ، ودوائر اهتمامهم ، كما هو واضح في قص الرواد ؛ ففي قصة للسباعي بعنوان ( بين قرى الطائف )(11)، نراه يعتمد على اللغة الشاعرية في وصف المكان والإنسان ، يقول السباعي في بداية هذه القصة ، \" قال هذا . . .وهو يشعر أنه تخاذل في نفسه بصورة مرهقة .ونظر إليها فإذا هي ترنو إليه بلحظ ساهم ونظرات حائرة . .
كانت قد مالت بعنقها على كتفها فبانت سحنتها أشبه ما تكون بسحنة المريض في وجه ضامر كأنما داهمه دهيم مفاجئ فا نكفأ لونه ، وانطبقت آثار الجهامة على جبينها العالي ، وبان الذبول في زوايا شفتيها الدقيقتين وانطفأ بريق خدها الأسجح الجميل \"
لقد كانت اللغة في اعتمادها على الصورة البيانية ، تحكي حدث التحول إلى موقف ؛ فلئن غاب الحدث فقد حضرت حكايته بهذه اللغة التي تستحضر مآل العافية في المرض ، ومآل الرشاقة والجمال في الذبول والانطفاء ، لقد كان السباعي يستوحي حدثا للحظة حين يقول : \" كأنما دهمه دهيم مفاجئ فانكفأ لونه... \" حيث أصبحنا مع حركة اللغة في هذا الفاعل المفاجئ الذي ينبت من الفعل دهم ، وفي هذا البدء الذي تطغى عليه الحسرة والتفجع ، يشد الكاتب القارئ بهذا الإحساس الإنساني ؛ ليبث فيه طاقة حيوية تستقبل هذا النمط من العلائق الذي تقيمه هذه القصة .
ومضت القصة تتجدد في طرائق كتابتها ،بعد أن أصبحت فنا إبداعيا له حضوره ، يتوارد عليه المبدعون ، ويشكلون بها عوالم تستنطق تأملاتهم ، وتنسج منها مصائر حية لهذه الرؤى ، وكانت هذه المسيرة حافلة بتغيرات ، رام منها مبدعوها الإبداع على نحو متجدد .

. (3 )

وحين نحاول الوقفة على التجديد من خلال التغيرات التي طالت النص القصصي السردي ، نجد أن هناك تحولات في التشكيل السردي للقصة القصيرة ، وطريقة إحداث عوالمها ، من الممكن ان نشير إليه في الحزم التالية :

• التغيرات في البناء السردي
• التغيرات في تشكيل عالم القصة
• التغيرات في اللغة السردية

وسنناقش ذلك على ضوء نماذج دالة

التغيرات في البناء السردي :

لعله من نافلة القول أن القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية ، قد فارقت البناء التراتبي للأحداث ، فلم تعد القصة تسير على إطراد في التتابع الزمني ، أوالتتابع التطوري للأحداث ، وذلك لأنها بدأت في الانفصال عن الحكاية ، وجنحت نحو التركيز على التشكيل التكويني الذي يحدثه الكاتب ، إذ أصبح النص السردي يعتمد حالة الجريان وفق البنية الذهنية للنص ، تلك البنية التي نعرفها هنا بأنها اللحمة الناشئة في النص من سياق حركة ترابطاته ، وتداعياته ، وهذه البنية تكتشف من خلال متابعة حركة النص في اتجاهاته المتعددة ، على اعتبار الاعتداد بتكوين السارد واتساق حركة نصه ، وانبثاق خيط تنتظم فيه أثناء الخلق الكتابي حركة النص .
لنقف على هذا لنص للقاص عبد الله باخشوين بعنوان ( وداع ! ) ؛ ففي هذا النص يبدأ السارد بالقول(12) :

\" مددت له يدي وأنا أداري مشاعري ، كأب يتصنع القسوة .. تجاهلها واحتضنني .. أخذ يقبلني ، وهو يشدني من ظهره إلى حضنه دون جدوى ، فقد أردت أن يبدو كل منا رجلا أمام الآخر ، \" كأن الرجال لامشاعر لهم \"

هنا نجد النص يبدأ وهي يطوي أحداثا تسبق هذه اللحظة ، فركز النص على لحظة الوداع ، مد اليد إلى الابن للوداع ،ومن هذه اللحظة أخذ يتفجر عالم النص ، وبدأ النص يشكل بنيته الذهنية التي تستدعي التوقف عند تساؤلات يتخلق من تأملها حركة النص ، فلم البدء بمد يد الأب ؟ لماذا أخر الأم ؟ هل ذلك يتسق مع التفكير الذكوري في تقديم الرجل ، هل ذلك لتجاوز ضعف النساء في حال الوداع ؟
قد يتضح ذلك من خلال التوقف عند جملة جاءت تعليقا هي قوله \" كأن الرجال لا مشاعر لهم \"، هنا ندرك حركة ذهنية يبدأ النص في اتجاهها ، ممكن أن نسمها بأنها مواجهة التصنع وتزييف المشاعر ، ذلك الأمر الذي جاء النص متحركا في سريان مسالكه عبر التأمل الكثيف في مشاعر الأم وكأن التركيز على ذلك جاء ليخلق مرآة يتبين فيها زيف مشاعر الرجل أمام مشاعر المرأة . فالعناد والجبروت وإدعاء الرجولة لم تحل دون التركيز الشديد على مشاعر كامنة وناطقة بين الابن وأمه ؛ ومن هنا جاء قول السارد ، \" اقترب منا وهو يواصل مراقبتي ، في محاولة لقراءة ما تحت ذلك القناع الذي كنت أختبئ خلفه \".(13) ومن خلال هذا الخيط الذي يشد أواصر النص في مواجهة المشاعر الزائفة جاء توظيف المفارقة التي يبعثها قول السارد \" تباعدنا .. أخذت أشد على يده الرخوة بنوع من العصبية .. لكن يده لم تستجب ، وبدت كأنها لا تعرف لغة العواطف \" (14) من يشد والده إلى حضنه هل يتوقع أن يستجيب لعصبية قسوة؟ هل لا يعرف لغة العواطف ؟ ، إنها المفارقة النابعة من حركة ذهنية النص ، التي تجعل للمفارقة فعلها في اتساقها مع جريان المراقبة والتأمل ؛ فاليد إن بدت لا تستجيب ، فما ذلك إلا لأنها تذعن لعاطفة أعمق وأغلى من أن تتسق مع مشاعر مصطنعة . ويظل النص ساريا في الاستكناه ، وقارئا العلاقة مع اللحظة الطارئة التي تراد فيها الشجاعة والتجلد والقوة ، ويعاود السرد إظهار المفارقات ، فما أن يطلق الابن ضحكة طفولية للتغلب على مشاعره في تلك اللحظة الحرجة ، وهي سلاحه الوحيد ،حتى يأتي السارد متقمصا دور الأب ليقرأ تلك الضحكة ويعيدها لتكوين اللحظة ، فيقول :\" لكن ضحكته بدت في تلك اللحظة شائخة . .لا معنى لها\" (15)،لكن معناها السردي في هذا اللامعنى، في هذه المفارقة .
ثم أخذ يصف مشهد اللحظة وتداعياتها مع الأم ، قائلا : \" كانت أمه تقف إلى جواري تنتظر دورها \"(16) نلحظ أن بناء النص يتسق في حركته ، فوضع دور في هذه اللحظة والتركيز عليه من قبل السارد يتوافق مع المفارقة الكامنة في مشاعر جياشة مع رقابة للتراتبية في التوديع التي تأتي من الإذعان لطقوس المجتمع .
وتصعد الذروة في اقتحام اللحظتين لبعضهما ؛ لحظة الجيشان ولحظة المداراة عندما يقول السارد : (17)\" ... تدس وجهها في عظام صدره ، تحاول أن تتعلق بعنقه ..بينما هو يحدق فيّ من خلف ظهرها ، ويواصل ذلك الضحك العصبي الأليم ، كأنه يريد أن يعتذر عن انفعالها ، ثم عندما تحولت شهقاتها إلى بكاء تقطعت ضحكاته في لحظة و...انتهت .\" تتجسد الحقيقة التي تعلو على التصنع ، الضعف لحظة الوداع ، مواجهة واقع الفراق ، ليتجسد ذلك التعالي الذي معه تؤول المشاعر إلى نقيض ، مشاعر حب أمومي وأبوي ، تؤول إلى كره !! ما أقساه من تزلف اجتماعي \" شعرت أنه كرهنا في تلك اللحظة ، ليس لأننا شاهدنا ضعف أمه .. لكن لأنه لا يريد لنا أن نستشف حقيقة مشاعره تجاه ذلك الضعف الذي فاجأه \"(18) لكن لا بد لصدق المشاعر أن يتكشف ، حتى في الأب الذي تصنع القسوة والتجلد ،لنقرأ آخر النص حين يقول(19) :
\" صعدت أمامي إلى السيارة بصمت .. ثم عندما انطلقت بنا ، أمسكت بيدي وأخذت تضغط عليها بعصبية ، كأنما لتحملني مسؤولية فراقه ..أو لتشد أزري .
لم أملك إلا أن التفت نحوه في لحظة ما .
ومن خلف ذلك الماء الذي ألقى بظلاله على عيني ، رأيته يقف .. نحيلا ووحيدا.. ثم تضببت الرؤيا وأنا أراه يصعد في الأفق خيطا من دخان . \"
من كان قاسيا يستحضر شد الأزر ويبكي ، هذه حركة النص تتسق بين مقاومة لتصنع ورضوخ لتجلي لحظة انكشاف ، وتعر أمام حقيقة الكشف ، ليعلو هذا الكشف على رؤية البصر ، ويتشكل في أفق الرؤيا التي لازالت تحمل ضباب الرؤية بين الموقفين .، حيث نسلك بذهنية النص مسارا يجمع بين حال غبش البصر ، وتجلي البصيرة .من خلال متابعة حركة مقاومة تجلي المشاعر للمشاعر المصطنعة .
.
وهكذا نرى هذا النص لا يعتمد على تراتبية أحداث ، أو التصعيد إلى الحبكة بحدث ؛ لكنه يعتمد تفتيق التأمل من مرايا متجاورة ، وأخر تتابع على المشهد ، يتشكل فيها التكوين من حركة تنسج النص منذ البدء إلى المنتهى ، من خلال حكاية تجربة إنسانية في موقف وداع ، يستجلي عاطفة الأبوة والأمومة ، ومواجهة التصنع في هذا الموقف الإنساني ، فانتقلنا في هذا السرد من الاستماع إلى ما حدث لتأمل ما يتكشف عما يحدث ، فيظل النص في حال اشتغال ؛ ليس في حال الكتابة فحسب ؛ بل في حال القراءة أيضا .
وفي نص بعنوان \" خطوات بقدم واحدة . . .! \" لعبد الله التعزي ، كتب عام 1993م ، نجد النص يستند في مركزيته ، إلى القوة المنبعثة من الخطوة ، بدليل العنونة بذلك ، وبدليل المقتبس الوارد في أول النص ، حيث جاء هكذا على نحو قريب من هذا التشكيل البصري(20) :

خطوات بقدم واحدة...!
ـــــــــــــــ
عندما تتصاعد أبخرة الأقدام .. وتنغرس الرماح في النار ... وتفوح رائحة القوة .. تبرق عيناك .. وترعد الأرض ...
لتمطر السماء دماءهم . . .
هم...
هم الأب الأبرياء . . .!
من أغنية قديمة لقبيلة لم يعرفها المؤرخون !
فتجد التركيز حول القوة والمواجهة ، والانسحاق الإنساني إزاءها .. وتأتي القصة لتحكي حكاية فتاة لها من العمر أربعة عشر عاما ، تشتغل في قصر ، قصرت في عملها ، تأخرت عن إطعام الكلب القوي في موعده ، الكلب أفلت من رباطه ، طاردها ، التجأت إلى سيدها الذي دخلت غرفته أول مرة ، رأته بقدم واحدة ، يخرج لمواجهة الحدث ، الكلب يدخل إلى الغرفة ،تحدث مقارنة بين القوتين ، السيد يغلق الباب من الخارج ، ويأخذ نفسا عميقا ..، ويتركنا النص في فضاء استسلامها لقدرها
لم يأت النص على هذا الترتيب الذي لخصت به الحكاية ، بل بد أ بلحظة الاستنجاد :
\" ـ سيدي إنه يطاردني ...
قالت ذلك مندفعة بقوة لا تعرف مصدرها . \" وهذا يتسق مع حركة ذهنية النص ، التي تستجلي وقع تسليم الأبرياء لسلطة الأقوياء ، حين الصراع ، إذ يبتدئ بتلك العتبة المشار إليها في البدء ، التي تركز على الخطوات ، لتنسج مع عنوان النص \" خطوات بقدم واحدة ..\" حراكا لتوسل النجاة بأقصى طاقة لدى هذا السيد ، التي كانت الحرية في التصرف في وسائل النجاة مكفولة له بينما فتاة القصة ، قيدت بالخوف والاستضعاف ، لتواجه قدرا محتوما دون أن تستيقظ في السيد نزعات النبل والمروءة في إنقاذها . ولعل المتأمل يكتشف من خلال تأويل النص بعدا رمزيا للقدم الواحدة ، فعلى الرغم أنها خلقت جوا لتجسد الخوف لدى السيد ، ولدى الفتاة التي تستنجد وترى الحال والمواجهة ، إلا أنها من الممكن أن تفسر بفقد هذا السيد مقومات الوجود الإنساني حين استأثر بأن ينجي نفسه دون أن تنجو معه القيم الإنسانية ..وهذا المسار يتسق أيضا مع في النص من تفريغ لآمال وطاقات هذه الفتاة حينما واجهت عالم القصر \" في القصر كل شيء كبير أشعرها بضآلة أحلامها . كل شيء عال أخجلها . كل شيء قديم سرب الخوف إلى أعماقها .\"(21) وكأن الكلب بضخامة جسمه التي جسدها السرد \"لم تكن قد رأت الكلب الذي يتحدث عنه .وعندما رأته شعرت أنها أمام مخلوق خرافي ، جميع أجزاء جسمه ضخمة جدا ، وكانت على الرغم من جسمها الممتلئ ، تبدو ضيئلة أمامه \" (22) كأنه حضر في النص رمزا لآليات اغتيال الحلم والأمل لها في القصر ، بل وجودها الإنساني ! حين تترك مع الكلب المسعور . مع ملاحظة أن هذا الكلب استقوى بسبب وجوده في القصر ؛ فكانت المفارقة أن الفتاة تغتال أحلامها ، والكلب يستقوي ويستعر في القصر ! وهنا نجد النص يستخدم المرايا المتعددة لحركة ذهنيته ، ابتداء من الاقتباس ، ومرورا بتأمل الفتاة لحالها في القصر ،ثم المواجهة مع الكلب ، ثم تأمل لحظة الاستنجاد ، والتشكيل الجسدي والنفسي للسيد ، وحديقة القصر ، وغرفة السيد ، مما يشي بتنوع الطرائق والمسارب التي تتحرك فيها ذهنية النص ؛ حيث لم تعد متوقفة على تراتبية الحدث .

التغيرات في تشكيل عالم القصة :

اتضح من خلال حديثنا السالف أن القصة لم تعد تعتمد في التشكيل على تدوين حدث واقعي أو مفترض ؛ بل أصبحت تجاوز ذلك إلى أفق ، يستثمر أبعاد تكوينية لذلك العالم متعددة ، تشمل استعادة الذاكرة ،والحديث الداخلي مع النفس ، واستثمار العلاقات الحادثة في تشكيل النص ،واستثمار التأويل ، وتفاعل النصوص .. ومن هنا كان عالم تشكيل النص القصصي يمثل تحولا ظاهرا في تشكيل النص القصصي في المملكة العربية السعودية ، لم يبق عالم النص على شكله الحادث وينقله إلى النص ؛ بل أصبح التشكيل ذا سلطة تذوّب عالم النص لتصهره في الحركة الجديدة لذهنية النص ؛ ففي نص بعنوان \" محاولة لإشعال سيرة منطفئة \" ، للقاص عبده خال ؛(23) نجد الكتابة هنا ليست حكاية لحالة ، تقص خبرها ، وإنما هي الدخول في نسيج الحالة ، وإشعاله بفعل اللغة ؛ لتحيل المنطفئ إلى وهج متقد بالحيوية حين حضوره في دائرة عقل المستقبل ، لقد صرح العنوان بهدف الكتابة عن هذه الحالة ، وهو محاولة الإشعال ، مما يجعلنا نقف على فعل للغة ذوّبت عالم هذه السيرة ؛ لتعيد تشكيله من جديد ، وكان الإشعال يبتدئ من تلك المقولات التي تتبادلها الألسن عن ذلك المتسول ، من التفسير لما آل إليه حاله ، ولما يظهر عليه من الحال في الهيئة والنطق ؛ ولذلك تتقلب الحال على مقولات متعددة تتخذ من الغوص في أعماق الحال الظاهر أساسا لسردها ؛ فاللغة في البدء توحد بين الشخصية وبين المكان الذي أقام فيه ، وهنا نلحظ اندياح المكان والشخصية في تشكيل حركة السرد ، فحركة السرد أضفت على المكان قابلية لأن يتحد مع الشخصية ؛ حيث إن وجوده لا يملأ المكان ، والمكان لا يجد فيه إلا الوحشة.
وفي نص لجار الله الحميد بعنوان \" خماسية الأيام الأربعة \" ؛ نجد القصة القصيرة تفتح حيزها وتشكيلها لاستقبال عالم المدونات اليومية ، بعد أن يكون النص صهرها بإعمال الرؤيا ، وترتيب الحدث وفق تشكيل خلاق لاستقبال ، يراوغ فيه النص عن أن يكون مجرد تسجيل يومي ؛ فيكون في أفق التشكيل مذابا من الصبر والمرارة والقلق والأشواق والحنين والضجر والخوف فتوحي بذلك الكلمات ، وتشي به التصورات والالتفاتات ، واختزالات الحوار ، يبدأ النص بمقطع رقم (1) الذي يبتدئ بحوار متوتر على الشكل التالي :

إنه ليس مستشفى أبيك !
كنت خائفا ومتوترا بشدة .قالت :
لم أقل إنه مستشفى أبي .اجلس .
جلست وأنا منفعل وارتعد ..ثم أشعلت سيجارة ( فكرت بالسرطان ) .(24)

وعلى هذا النحو يستمر الحوار بين ممرضة مسؤولة عن نظام ، وتهيئة بيئة صحية ومريض ضجر قلق ؛ من هذا الحوار يتكون الأفق الذي يسير فيه عالم النص ، والحركة النصية التي صهرت عوالم الشخصيات والمكان والزمان في اتجاهه ، ففي النص سيطرت ذهنية الضجر على كل استقبال من السارد الذي يسرد حالته ، لما حوله ، فوجود الممرضة ، ومحاولة توجيهه لأن يكون منتظما ومتسقا مع عالم تشرف على الحركة فيه ، أشعره بتسلط ، وبحال من الهيمنة لا يريدها ، فكان حواره معها بنفي التملك ، ليأتي الرد منها بنفيها أيضا والتأكيد على ذلك ، ويستمر الحوار مؤكدا على توق المريض للحرية ، وقراءته للنظام المسيطر بأنه تسلط وكبت واضطهاد .. ويستمر سرد النص وحواره مستجليا آفاق من طلب الحرية ... آخرون من المنومين بالمستشفى يطلبون منه سجائر ، وممرض ينهر ، وخروج إلى الطوارئ لطلب سيجارة ، وهنا تأتي في السرد مرآة العالم الخارجي للعالم الداخلي ؛ ( وقد انبلج ضوء النهار مفرحا ) ، مقابل الليل الخانق ، نبض الحياة الزاخر بالحيوية ، كما يفهم من حديثه عن القسم الداخلي \" فهناك نبض الحياة غير مؤجل كما هو في القسم الداخلي الذي تسمع فيه دقات الثواني في الساعات العديدة المثبتة على الجدران \"(25)

ويشير النص بعد ذلك إلى توقه للحرية مجسدا في الخروج من دائرة المستشفى ، والبحث عن التقرير الطبي الذي يؤهله لذلك ؛ ليمتد ذلك إلى سفر بعيد ؛ ليقول في نهاية التدوين الذي جاء مرقما هكذا ( أ ـ 2) :

حين وضعت جسدي المتحرر مني على مقعد الطائرة .. نمت (26)

ليظهر للمتأمل من ذلك أن هذا الخروج كان يمثل مرحلة أخرى أوسع مدى ، فهي تنويع آخر عل التنويعات التي دونها ل ( أ ) وجاءت في المتتاليات ( ب ) ، (ج ) ، ( د ) . وكان ما سبق يمثل الرقم ( 1) .

وفي نص بعنوان ( أول المغفرة ) ، لمحمد النجيمي ، من مجموعته التي تحمل العنوان ذاته صدرت عام 2008م ، نجد التشكيل المركب للقصة ، أي التشكيل الذي يحمل قصصا متداخلة ، يفضي إليه سرد يتعلق بحكاية تستنطق على وجهات نظر مختلفة ، وفي أزمنة متعددة ، ومع هذه القصة نشعر بتداخل الهم الإنساني من تاريخه القريب والبعيد ، وعلى امتداد المساحة الإنسانية ؛ مما يجعلنا نتأكد من سلطة السرد على تذويب العالم والزمن ، يستجلي النص في تذويبه وتشكيله مطلب الحرية مبتدئا من إذابة مظاهر عبودية ، آلت إلى غناء على نقش :

\" قفز يغني ويغني والكلمات تجتاز شفتيه بعذوبة متناهية لتصفع آذان الجميع :

سمراء ولدت من أمة سمراء
اعتادت أن تبيع جسدها
ولم تكن تكترث للثمن . \" (27)

التغني بالعبودية مظهر للتمرد عليها وتجاوزها ، ولذلك حضر التمرد على الثمن وعلى عدم الاكتراث بالخضوع لأهواء السيد ، حيث ولد الإحساس الذي طوى العبودية في أفق الحرية المحسوسة في هذا الغناء :

\" نتعبد سويا كلما ارتدينا الليل
يعمدني
أعمده
أنا السمراء التي ولدت من أمة سمراء.

لا قانون لي أطيعه ، ولا أعرف الخطايا
أبيع نفسي بلا ثمن
أبيع نفسي لسيدي
أصدقاء سيدي
وكل ذلك لا يهم
طالما أنا من ينجب سيده (28)

سلطة النص السردي ذوّبت حكاية هذا النص الذي يذكر الكاتب أنه أغنية جمايكية تعود للقرن الثامن عشر ، ص10 لتكون هذه الحكاية تنقيبا عن مكان نقش وجد في تهامة ، ليتعانق التاريخ مع الجغرافيا في البحث عن متاهة هذا النص ،وليكون التنقيب مستحضرا تجاويف الذاكرة إزاء الكهوف والمقابر ،ومطاوي المخطوطات ، على نحو ما جاء في النص :

\" الحكاية التي سمعتها هذا الصباح أربكتني . لا أدري لماذا ! ربما أيقظ حديثه رغبة قديمة ملحة كانت تراودني لأرتاد غرفة مظلمة في ذاكرتي لم أحاول يوما أن أفتش فيها عن بعضي ! \" (28)

ثم يشكل هذا النص حكاية لتاريخ هذا النقش ، ويجعل الحكاية مفتوحة للتدوين ، والإضافة عليها ، ليأتي التفسير لغياب هذا الكنز الذي يتغنى فيه العبيد بحريتهم ، لكن النص المنحاز للحرية ، جعل لحظة كشفه عن هذا الكنز هي استعادة الحرية المستلبة ، يقول النص في آخره :

\" هنا صرخت :
ـ لم يتوقعوا يوما أن بعضا من أبنائها قد يستعيدون إرثهم ، يجدون كنزهم ، ويفهمون الرسالة .
ويغنون يا محمد .
ثم اندفعنا ننشد :
نتعبد سويا كلما ارتدينا الليل .....\" الخ النص . (29)

وهكذا نجد النص وهو يشكل عالمه يتماهى مع اللحظة السردية ، وينسكب الوجود فيها بمختلف أطيافه فلا يغيب السارد عن المشهد ، ولا يغيب المتأمل الذي تحفزه التأملات الناشئة عن الإضافة والتشكيل .

وتظل التشكيلات الجديدة في القصة القصيرة محتفية بتذويب العنوان في حركة النص على النحو الذي نلمسه في نص لبدرية البشر ، بعنوان ( البئر ) ، ضمن مجموعتها ( حبة الهال ) ، ففي هذا النص استطاع العنوان بما يشي به من أسرار ، ومستودع للحكاية ، وما يشف عنه السطح المائي في كهف البئر من مرايا ، وما يفيض به من أسئلة ... استطاع النص أن يذوّب كل هذه الاحتمالات الإشارية في عالم النص ، ويصهرها في بنية النص الذهنية ، ف(رفعة) بطلة النص التي بموتها انطفأت رغبات بشرية وخاصة في صدور نسائها كما يقول النص ، تجسد من خلال جمالها ، وفتنتها ، وتهيئتها لتكون معشوقة،ومحسودا من تكون له... أن تكون مثار أسرار ؛ فهي قادمة كما يقول النص \" من تاريخ غامض ، يجهلن سقطاتها ومكامن ضعفها ، أو معلومة صغيرة تنقص منها ويعايرنها بها ... (30) ، حرص النص على أن يشكلها في ضوء بنية النص الذهنية ، التي تشف عن تذويب عالم رفعة وعالم البئر ، فتمتزج رفعة بالبئر في القدم ، والسر ،والامتلاء بالحكاية ، ففي تلك الليلة التي رقصت رفعة ، واستثار الرقص والدوسري ما في روحها ، جاء مزيج عالم النص يظهر ملامح من عشق قديم يستيقظ ، يقول النص : \" في تلك الليلة رقصت رفعة كما لم ترقص امرأة في ( الحزوم ) نفضت ضفائرها الرطبة برائحة الحناء والطيب ، أسدلت غيمة من الشعر البني على وجهها ، نفضت عن روحها تراب الوقت في دومة غناء السامري المهجور في روحها، جر الغناء غصون قلبها جرا ، في غناء جماعي لفرقة الدق الدوسرية وهي تغني : ( ياجر قلبي جرا لدنا الغصوني ..وغصون سدر جرها السيل جرا ). \"(31) ويتماهى النص مع عالم الأسرار هذا ليأتي بهذه العبارة التي تشف عن عالم من الأسرار \"تأخرت رفعة ذلك المساء عن البيت ، كان الليل حرا بها \"(32) فتحضر السدرة ، وهنا نلمح حركة النص التي استدعت حضور هذه الشجرة دون غيرها ، بسب من الإشارة إلى غصون السدر في ذلك النص الذي كان يغنى ويستثير الأسرار والعشق القديم ، وبسبب من محمولات السدر في الذاكرة الحكائية وارتباطه بعالم البركة ، واحتضان الأشواق ، وعالم الخفاء .
تحتضن البئر رفعة وسرها ، كما احتضنت رفعة بقايا عشق قديم ، يحكي النص حكاية ظاهرة ، امرأة فاتنة لم تختر شريكها ، تأتي إليها تظل تحمل أسرارها وفتنتها ، يسر النص لقاءها لعشقها القديم ، يظهرها ممسوسة ، وملقاة على سطح ماء البئر ، ويظل النص يحرك الحكاية السر ، تلتقي بسلمان ، ينتقم منها عبد الله ، وتظل الحكايات تتناثر ؛ ليكون التصريح بالحكاية المختبئة من الأسرار التي لا ينبغي الخوض فيها ، ولذلك كان الجواب من ( موضي ) ل(مزنة ) التي نفضت الغبار عن حكاية العشق والانتقام (ستخرفين قريبا يا مزنة ، اذكري الله ! كلامك ينثر الدم في وجه الرجال ، ضعي لسانك في فمك ونامي .)(33) ، وفي ختام النص تتراءى حركة ذهنيته التي آلت إلى هذه الخاتمة
\"سمعت مزنة صوت حجر يتدحرج ، نهضت على ركبتها لتطل من جدار السطح القريب .. شاهدت ضوء نجمة منحدر يومض عند راس البئر ، لمعت النجمة في عين مزنة ثم انطفأت ، كان شيء ما يودعها .\" (34)
يأتي ما تسمعه كأنه الصوت الذي تحاذر ، صوت التهديد المصاحب لهتك المسكوت عنه ، النجمة التي لمعت وانطفأت كأنها صوت الحقيقة الموارب الذي لا ينبغي أن ينكشف .
ويبدو لي أن النص نجح في تحريك حكاية ظاهرة تتفاعل معها وتحركها حكاية مختلفة لها غموضها الذي يخفيه جريان الحكاية الظاهرة ، فكانت الحركة بين الحكايتين مجلية لهذه السردية التي تساير السر ، وتنتهك المستور في وقت واحد .

وطلق المرزوقي في مجموعته \" دماء الفيروز \" تستكين لحظة الكتابة لديه إلى دواعي استثارة الملاحظة والتأمل ؛ فيضفي على لحظة التأمل حكايات ، وذاكرة ... تظل تعتلج إلى أن تظهر على تشكيل النص .
يرمي بك النص لديه إلى موقع ، أوطلل ، أولحظة تأمل في انكسار ، أو فرح فإذا بك أمام تشكل حكاية تحت سطح النص تظل به حتى تذوب فيه ، فيتشكل من حركتها ووهجها .


واعتمد المرزوقي على الإشارة إلى ما تستكنه الجمل من إشارات تحتها ، وهو يعبر بها حركة النص من مثل قوله :
\" الطريق استكان لعجلات سيارتي المتهالكة ، الرياض بعض تعب ألقيتها خلف ظهري ، وسنام وجع مازال يسكن القلب ، السيارة تستحث الأفق أن يقترب محتضنا سنام \" (35)
فالحظ : الرياض بعض تعب ، وسنام وجع ، محتضنا سنام ... لتدرك التقاء الذات الإنسانية والمكان ، والتقاء اللحظة وما تكتنزه الذات من أشواق وأوجاع .
وإذا جاوزنا تشكيلات النص من الجمل إلى سريان حكاياته ، وتفاعلها وجدنا احتضان حركة السرد لحكايات ذاكرة تستنطقها ، وتظل ذهنية النص متحركة بهذه الذاكرة في نظرتها لعوالم النص ، وعلاقاتها ، وحنين الذات وضجرها وتمزقها ،انظر إلى هذا القول 36)
\" سنام تشبه غانية مترعة بالأنوثة ترقص بزيها البدوي في ذاكرتي .
انتبهت لجملته الأخيرة حين قال : ثمة أشياء يملؤنا الحزن عندما نفقدها .
أومأت برأسي موافقا \"
ليظهر لك قدر تذويب الذات الساردة لعوالم السرد في تلافيف ذاكرة تظل في حال اشتغال ، وليست مجرد استذكار واسترجاع ؛ لينهض من هذا الاسترجاع ، تذويب الحاضر والماضي والأشواق في حركة ذات ينهض النص بحكاية وجعها ،لعلك تلحظ قوله 37)
\" السيارة مازالت تلتهم الطريق بعجلاتها ، والقرية الحلم على مرمى نظر ، وقلبي أسلم نبضه للركض الموجع حين لاحت في الأفق البعيد \"
لتلحظ هذه الحركة التي ارتدت إلى الذات ( الركض الموجع ) ، تلك الحركة التي تستدعي داخل حكاية السرد التي نعايشها حكاية للسارد يبتدئها بهذا القول 38)
\" كنت طفلا بدويا ضرجه الفرح ، رحت أرقب الأتاريك ، التي علقت بعناية على أعمدة من الخشب القديم ، والتي نصبت على عجل في زوايا الحوش \" ثم يسرد ذاكرة مبهجة وحيوية عن المكان والإنسان ، يختتمها بهذا القول )39)
\" ... صفقت حتى احمرت يدي ، ثم أخذت أدور فيدور المكان في عيني ، أرقص والأرض تئن تحت قدمي ، تطلب الرحمة ، وأنا ما زلت أواصل ركلها بعنف .\" ،ومن هذه الذاكرة كانت الإفاقة على عالم اللحظة حين قال 40)
\"لكزني عبود بيده في ظهري ، التفت إليه ، كان المكان شاحبا ، والموت يعربد في أرجاء المزرعة المتهالكة ، أحسست أن الأيام عبثت بطفولتي ، أحسست بألم فاجع يجثم على صدري ..\" ،كأن الموات الذي يشاهده يستعيده لينشئ طفولة يشهد شحوبها ووجعها ؛ لتكون حركة السرد ذات حيوية تشعل ذاكرة تشعل السرد ، وعوالم اللحظة .


التغيرات في اللغة السردية :

وإذا دلفنا إلى استظهار ما رامه القاصون الجدد من تسخير لحركة اللغة لتكون في أفق الرؤيا التي أصبحت تتأبى على التأطير المسبق لحركة النص ، وأضحت سؤالا يتقافز ويتنامى عبر مكوناته وتشكيلاته ..ولتكون أيضا في أفق التشكيل الذي يذوب ما بين العوالم ، وما بين اللحظات ؛ ليسكب فيما بينها مادة صهر تلحم جزئيات التشكيل مع حركة عوالمه .. ألفينا اللغة ذات حضور وفاعلية في هذا الشأن ؛ غادرت معه اللغة أفق النقل ، والمعرض ، والإشارة ؛ لتكون فاعلا في الإذابة ، وناهضا بالتشكيل ، وحاملا لأشواق الذات وذاكرتها التي تكسب العالم سمتا من تكوين الذات الساردة .. ومن الممكن أن نستجلي ذلك في مظاهر عدة منها :
. تذويب لحظات السرد
. سكب اللغة بين العوالم
. استنطاق الإيحاء وتحريكه في أفق النص .



تذويب لحظات السرد :
ويقصد بذلك ما يظهر في السرد القصصي من امتزاج بين لحظات متباينة ؛ فتجد السارد يحدثك في سرده عن لحظة وزمن يتسق مع عالم هذه اللحظة المروية فتكتشف فجأة أنه انتقل بك إلى عالم آخر ، يستثيره التأمل ليس بالضرورة أن يكون مونولوجا داخليا ؛وأحيانا تستثير اللحظة المثارة في النص لحظة أخرى ، تقارن لتدخل في الغرابة ، وتنبت حكاية تأملية في ضوء الحكاية المسرودة ... ؛ ففي القصة السابقة لطلق المرزوقي رأينا كيف دخلت ذاكرة الطفولة وحكايتها في المشهد عند طلل سنام ، دون أن يقطع السرد حديثه ليذكر استذكارا أو استرجاعا .
وفي نص لماجد الثبيتي ضمن مجموعته ( الفهرست وقصص أخرى ) (41)، المكتوبة مابين عامي 2004م ،2007م ، تظهر إذابة حالة رأس مقطوع في المسرود أمامك ، مع الحال الطبيعي للرأس حين يقطع ، وتفصد شرايينه ؛ فالسارد يتحدث عن رأسه المقطوع ، يقول في بدء النص :
\" رأسي المقطوع بعناية شديدة ،بدقة حرفية متناهية عالية ..\" فنجد أنفسنا أمام حالة غريبة بيننا ، في الوقت الذي تنمو فيه لحظة المقارنة ، التي يشجع عليها عدم حديث لغة النص عن حالة يمكن أن تكون حلما ،أو أن يكون الرأس مقطوعا على شكل صورة معلقة كتحفة ، مما يجعل المشهد المتأمل ومقارنته بما يكون طبيعيا عن ذلك المشهد في حال امتزاج كما هو كذلك مع تصوراتنا ، وحلمنا ؛ فقد ذاب المشهد الذي يمكن الحديث فيه عن رأس مقطوع ، في مشهد السرد ؛ فأخذ الحديث يتجه إلى حال الغرابة في رأس مقطوع يتحدث عنه متأمل بهذه الطريقة ؛ فيتحدث عن كامل أعضاء الرأس ، وكامل حيويتها ، وجمالها ، وحتى ما تخلو منه الأعضاء من عوارض الحياة جاء بشكل محمود عند السارد :
\" لاشيء على غير طبيعته الأولى .. الفم خصوصا بشفتين ممتلئتين قليلا ، وأسنان كأنها للتو غمرت \" بمعجون حار من النعناع \" ثم يقول \" الرأس المقطوع بعناية حقيقية ، ودقة متناهية جميل جدا ، ومكتمل تماما . . .خاليا من الدموع والمخاط والدماء واللعاب ... \"
تحرك النص بفعل إذابة اللحظة في صياغة مشهد تحفزه الغرابة ، وتثير متابعة المتلقي ليخلق لحظة أخرى مع لحظة السرد ... لتستثمر طاقته بعد ذلك في متابعة سر هذا الاختيار بالحديث عن رأس مقطوع ،غامضة طريقة قطعه على الرغم من الحرفية والعناية بالقطع التي ذكرها النص ، ليظهر رغم ذلك مجمدا من فاعلية الحياة ؛ ليتشكل النص التأويلي الذي ينشأ مرة أخرى في عقل المتلقي .
وفي نص بعنوان ( خرز ) ،نجده يقول في بدء النص :
\" من يقدر أن يفقأ العين اللدنة بالمخرز ، أن يحرك رأس المخرز في كل الماء ، يقدر أن يعبر هذا السطر حتى النهاية .. \" هنا نجد اللغة تذيب اللحظة ما بين حال خوف وهلع تصنعه الكتابة ، وما بين القراءة ؛ فأصبح السطر من عالم ذلك الخوف ، وأضحى عبور عالم الخوف عبورا بالقراءة لهذه الكتابة ... لتكون نهاية الكتابة هكذا :
\" من لا يقدر أن يحتقن بقليل من الدماء ، لا يمكنه العودة الآن ، فقط يمكنه أن يقرب عينه اللدنة من هذا السطر \" فقد أصبحت إذابة اللحظة بين هذين العالمين، مشكلة لعالم رعب يتأول ويبنى حين قراءة النص ؛ فأصبح القارئ في عالم الرعب والخوف وهو يتابع الكلمات .
وفي نص لخالد اليوسف بعنوان ( لظى ) (42) ، نجد السارد يشتغل على خلق لحظة أخرى تتماهى مع السرد ، حين ينقلب السرد بقلب التوقع في آخر النص ؛ حيث إن هذا النص يحكي حال تعلق بجهاز الكمبيوتر، وعزيمة من صديق لكي يتعلم البطل معايشة هذا الجهاز فيبزغ في الأفق فتاة تراسله غزلا وتتدرج في إرسال الصور لترسل له في آخر المطاف صورة عارية فينشا الاضطراب والارتباك لديه ليكتشف أخيرا أنها حيلة من صديقه لكي يصبر على الجهاز ويشغف به ، فالسرد هنا استثمر حال التشوق والقلق لتكون الكتابة والقراءة حاملة له ، لتتشكل بعد ذلك أبعاد مختلفة من جريان السرد على هذا النحو .
وفي نص لعدي الحربش بعنوان ( مقلع طمية ) (43) ، نرى اعتماد النص على تذويب لحظة العالم الواقعي الذي يروم الكشف عن بقايا تحدد أمرا ما تجاه أسطورة تحملها ذاكرة هذا المكان مع لحظة حال قلق وفزع شكله السارد بتوهم رجل عالق بين الصخور ، لم تظهر منه إلا عينه البغيضة المزعجة من بين الصخور ، وتنتهي المغامرة بأن يسد هذا العالق من السماء آخر بصيص من النور على السارد ، وكأن هذه اللحظة معادل موضوعي للحظة التنقيب عن وهم ، ليكون المتوهم قابضا وقاضيا على آخر بصيص من النور ، حين يدلفنا الوهم للاشتغال به ، ولا ننسى هنا تذويب لحظة أخرى مع عالم السرد هي التأويل الذي يقود إليه النص ويشعله .

سكب اللغة بين العوالم

للسرد القصصي عوالمه المتنوعة بين حياة وموت ، وأمكنة وما يملؤها ، وواقعية وخيال ووهم وخرافة ... وكانت لغة السرد نسيجا لهذه العوالم وحركة في أفق التشكيل المراد ، وقد هيأت هذه اللغة للنصوص طاقة تبثها اللغة حين تسكب ماءها بين الكائنات لتطوعها لما يريده السارد .
ففي نص لمنصور العتيق ، بعنوان ( فارس أحلام الفزاعات ) ، نجد اللغة تنجح في تحريك العلاقات بين كائناتها ، فنجد الفزاعة التي تتخذ فزاعة لتخويف الطيور وإبعادها عن الحقل ، تأتي كمعشوقة تخطب ،وتأتي مركز مسؤولية في الحقل ، في بدء النص تحضر الفزاعة كمكان تحديد لمنطقة حماية ( منيف ) 44)
\" لفلاح ( منيف ) قال لي ذات ليلة بتكتم شديد : الحقل حقلي وأعرفه جيدا ، لست مسؤولا سوى عن فزاعة واحدة ... لا أعرف من أين أتى كل هؤلاء .. !\" ،هكذا يبدأ هذا النص الذي يوارب بفعل اللغة في مراده ب( هؤلاء ) ، لتتجاوز ما يرتد إليه الضمير من احتمال الطير ليكون في أفق من يعود إلى مزرعته بعد عهد طويل . ثم تحضر الفزاعة مخطوبة ل ( مقرن ) ، تلك الشخصية الهامشية التي تنسج الشعر ، والغناء ، والأحلام في ذاكرة القرية ، ذلك (الهواوي ) الذي يهيم في الحقول .. ويجود بقصائده للريح .. للظلام .. وللفزاعات فيما بعد ..حسب ما يقول النص . ومن خلال توظيف النص لهذه الشخصية كانت حركة النص في جدل علاقة مختلفة بين هذا العاشق والفزاعة ، فهو يخطبها ، ويتوقع ( منيف ) أنه يخطب هيلة ؛ فإذا به يصرح بأنه يخطب سارة ، ومن تكون سارة ؟ قال : فزاعة حقلك يامنيف .. !وهنا تكون المفارقة بين الشخصيتين ، شخصية هامشية بها شيء قلق وجنون ، وشخصية عاقلة تزوج ما لا يزوج ، وتقبض المهر ، يقول منيف 45)
\" لا أنكر أن ما فعلته يعد استغلالا رخيصا ، مقرن ( هواوي ) وقلبه ( قلب عصفور ) لكني لم أتفهم مشكلته ..أغرتني الحاجة فقبضت المهر كاملا ، تصنعت الفرح وقلت : ( الساعة المباركة ) .. ( سارة لك ) ، آه كم يمزقني الخجل أمام نفسي ، أنا الذي أقول إن القرية تظلمني باستمرار..أستغل الفرصة الوحيدة وأظلم مقرن\"وهكذا جاءت اللغة على لسان هذه الشخصية مناوئة لفعل أهل القرية ؛ هم يصنعون فزاعة ، وهو يصنع سارة؛ ليكون رحيما بالطير ، وليخاتل بخلهم ، وهذا ما أحس به منيف وعبرعنه بقوله 46)
\" أقنعت نفسي عبثا ، أنني أسلم ( قلب العصفور ) إلى فزاعة مختلفة تعرف بها طريقة تحنو بها على العصافير المؤدبة )، ويمضي النص في طريقته في هذا التشكيل بين عالمين مختلفين عالم القرية في الذاكرة الشوق ، الشعر ، حيوية الحياة .. وعالم اليوم تجهم ، قلق ، ضد الشعر ، ضد وهج الحياة ، اتساقا مع حيوية ( مقرن ) : شعره ، عشقه .. وجاء ذلك في حركة لغوية تسكب ماءها في ما تسترجعه الذاكرة ؛ فتستحضر اختلاجات القلوب ورقص الصبايا ممتزجا بفعل اللغة مع الحلم والمطر :
\" كان عرس ( ابن راشد ) يتخلص من مجاملاته ويستعد لتسليم دفته إلى مقرن ، بدأت القصائد تمطر وكأنما غيث مختلف ، ينبت فرحا أكثر ، دهشة أكبر ، رقصا أكثر جنونا \" (47)ولم يكدر عوالم هذا الامتزاج إلا ( حادثة الشيخ بسام ) شيخ القرية وعاقد أنكحة أهلها ليشير بطرد مقرن ، ذلك الطرد ، الذي أحدث في عالم القرية بفعل ما تسكبه اللغة هنا وجودا مختلفا وهيئة تجعلنا نرى القرية وهي تتقيأ قصائد مقرن وتلتحف الرتابة :
\" كانوا رجالا ونساء ، يقيئون القصائد ويكنسونها بقرف يحاولون إدعاءه وإجادته ، يعلقون الملل ــ باختيارهم ــ على سحنانهم ويثقلون أكتافهم بالرتابة ، كانوا يكدسون التجهم في الطرقات وفي السوق الوحيد حتى صار ليل ( شارع عشرة ) و( سوق العصر)يبدأ مبكرا : بعد الظهيرة ربما .\"(48) ، نعم هذه اللغة تتحرك وفق رؤية النص لتشكل لعوالم النص وجوده في نسقها .ولم يكن اعتماد القاصين على هذا التشكيل اللغوي الذي يذيب ما بين العوالم ويهيئ تمازجها ، منسوبا لهم فقط بل هو تشكيل أهل اللغة والمتخاطبين بها ، لكنهم كانوا أكثر حاجة إليه ، وأكثر التقاطا له ، ففي نص ليوسف المحيميد بعنوان ( وشوشة جدران ناعمة ) نجده يعتمد على مقولة ( أن للجدران آذان ) الشائعة في الثقافة وفي المخيال الشعبي . ولذلك اشتغل في نصه على تجاوب الجدران الإنساني فنقل نعومة وشوشتها ومشاركتها العاشقين لحظاتهم الحميمية .. فاشتغل على هذا البعد وشكل علاقة إنسانية أخرى للجدران تنهض ضد علاقة الخوف والقلق ، استمع إلى قوله 49)
\" أما أمي فقد حفظتْ عنه : أن للجدران آذانا ، فلا تملك إلا أن تصمت في حضرة الصمت ، إذ الجدران وإن بدت صامتة فإنما هي تتنصت وتصغي . لكن لا أحد عرف قبلي أن الجدران تهمس .. توشوش في وله ، وتغمغم في لوعة مفرطة ! \"
ومن هذه المعرفة كان التواصل مع معشوقته عبر الجدار ، تحولت النقرة على الجدار إلى دعاء حب :
\" ... تعلَمت أن تلقن الجدار الاسمنتي شوقها ووحشتها . كانت دقات الجدار رسائل لا يفهمها سوانا ،.. \"(50) وهنا ينتقل بإحساسه الإنساني عبر هذا العشق إلى الجدران ، فيبادلها الحب والرضا ، يقول السارد 51)
\" عرفت أن الجدران دافئة وحميمة ، وأنها تنطق وتحكي ، تهمهم وتبوح وتبكي ، تعتب وتحن ، تشفق وتئن ، تهجر وتغدر وتغامر .. بالضبط الجدران تغامر وتخطئ أحيانا ، لتضعنا في مهب الخطر ! \"
وجاء نص لأميمة الخميس بعنوان ( الفتاة الصغيرة ) ، مجسدا لإحساس إنساني فطري باللغة يجعل اللغة تستحضر وجود الأشياء والعوالم ، يتدفق من القلب ويملأ الوجود أنسا وحيوية .. لكنه مع إحساس التمايز بين الأشياء والعوالم يأتي ( العقل ) ، الذي يجرد العوالم من تمازجها .. بدأت أميمة نصها بهذا القول 52)
\" كان فم الفتاة مليئا بالسحر، فهي حين تهمس ( نخلة ) يتحول الهواء الخارج من فمها إلى نخلة صيفية طافحة بالعذوق مترنحة بالوجد .\" وتستمر على هذا النحو في رصد خروج عدد من الكلمات على هذا اللسان : شمس ، بيت ، النهر ، النسور ، وتشتغل الساردة على كيفية تعامل الفتاة مع هذه العوالم المستثارة :
\" بينما يجب أن تحرص قبل أن تلفظ ( الشمس ) أن تغطي الأشياء القابلة للاحتراق في الغرفة حولها قبل أن تتكور الشمس وتلهبها .
أما النسور أمرها سهل . . فهي حين ترفرف من بين شفتيها ، نحو السقف تظل معلقة هناك ، تقلب أعينها الصارمة بحثا عن نافذة تمنح الأفق .\"(53) وكان لا بد من حل لهذا الإشكال مع تجسد اللغة ، فكان أن تجسد لها الحل اتساقا مع حركة النص..فأضحى أمامها يقدم الكتب والنصائح ؛ فقال لها من ضمن مقولاته 54)
\" أنت تبعثين بالكلمات من القلب إلى الفم ، لذذ فكلماتك تكتسب قدرة المشيئة فتتجسد ، لذا فكلماتك قبل أن تخرج من غرفات القلب أقسريها على المرور بالدماغ ، فهناك سيهذبها ويشذبها ، تماما كما يحول النجار شجرة يانعة إلى ( قبقاب خشبي ) \"
ويتماهى اشتغال النص مع تناقص إحساس الفتاة بالكلمات ؛ فيتقلص وجود ما تتحدث به ، ويتبع ذلك تقلص كلمة ( فتاة ) ومع إن الناس تجمهروا حولها حين لجأت إلى العقلانية ، ونفروا منها حين كان إحساسها بالعالم يتشكل من خلال لغتها .. إلا أن ذلك التجمهر لم يعصمها من الإحساس بتلاشي الوجود من خلال الكلمات ، فالكلمات آلت إلى أصوات ، وتبع ذلك وجودها ( فتاة ) ، أصبحت مثل حرف واحد فقط .
\" لكن فيما يروى بعد ذلك أن الفتاة أصبحت :
ف ت ا ة، ومن ثم ف ت ، وبعد ذلك ف .. كان ذلك الحرف هو طورها الأخيرقبل أن تتلاشى ؛ بينما كان الناس قد تجمهروا حولها ! \" (55)

استنطاق الإيحاء وتحريكه في أفق النص

استثمر الساردون حركة اللغة وطاقتها ، وقابلية المتلقي للتفاعل مع النص .. فجاء النص السردي لدى قاصين كثر ، معتمدا على استنطاق لإيحاءات تبث عبر النص بشموله ،وعبر تقاطعاته ، وعبر جمله .. ويظل ذلك الإيحاء في حال اشتعال داخل النص ؛ ففي نص لحسن حجاب الحازمي بعنوان ( فراشة ) ، نجد النص في بدئه يقول 56)
\" تحت اللمبة البيضاء الطويلة هبطت .اشرأبت بجسمها كله ناحية اللمبة ، كأنما تريد أن تشرب الضوء كاملا ، وبخشوع متناه تسمرت في مكانها كأنها تصلي .\"
فهو يضع الفراشة في بهاء النور ، وفي حال نشوة وخشوع في محراب النور ؛ ليكون من هذا البث الذي حركته اللغة إحساسا بمدى ما سيكون عليه الحال في الظلام من امتلاء بإحساس الخوف من الظلام والغدر ؛ ذلك الأمر الذي يتجسد في غدر الوزغ ، الذي يلتهمها .. ولا ينتهي النص عند هذه النهاية بل يستمر لنعايش إيحاءات التدرج في الظلمة ، مع إطباق فمه ، ثم النزول إلى الجهة اليسرى ليستقر بها في قاع الظلمة .. وكأن ذلك الاستقرار أيضا إيحاء باشتغال الغدر والغادرين في الظلام ، ومن هنا يتبين لنا مدى اشتغال النص على لحمة اللغة في بث إيحاءاته عبر تقاطعاته ونموها عند المتلقي .
وفي نص بعنوان (جياد ) لهدى عبد الله ، نجد النص على الرغم من اشتغاله على تجسيد لأشواق في عالم الجياد ، في الاصطبل إلا إن تأمل هذا الشوق يظل مع المتلقي وكأنه يحوم في أبعاد هذه العوالم الحيوانية على نحو إنساني ؛ إذ النص اعتمد على طاقة اللغة وإيحاءها في بث إحساسات يمكن أن تتأمل على نحو إنساني ، لنتأمل بدء النص 57)
\" تهادت في الاسطبل تمشي الهوينا .الصهيل يملأ المكان ، انتبذت مكانا قصيا ،وشرعت تتأمل المكان .. الفرس الأبيض في البعيد يرفع قائمتيه الأماميتين منتشيا ، سكب قوته في قوائمه ، وسكبت قوتها في قلبها . لم تكن وحيدة كما في تلك اللحظة. ارفعي رأسك واخترقي الغمام \" يأتي النص ليجسد هذا التجاذب وهذا الحب بينها وبين ذلك البعيد الذي يريد لها أن تغادر عالم الاصطبل وتسرح بنظرها إليه .. فيكون من ذلك إذكاء لهذا الوجد والحنين في أفق الاستقبال عند المتلقي ، فتتركز لديه هذه المهرة بتفردها وحبها البعيد ، ليكون معها في آخر النص حين تتجافى عن ذكر موته واحتضان قلبها له ، وحمايتها من أي تزاحم على قلبها
\" .. اقتربت منها جياد متعددة الألوان والأحجام . حاصرتها بسلام ، أشاروا إلى الفرس الأبيض وسألوها : ألا زال يسكن قلبك ؟ قالت : لقد مات. وضعت يدها على قلبها واستطردت : غرز أشواكا حادة تمنع قوائم أي فرس أن تطأ هذا الموضع من الجسد . تلاشت في الأفق وهي تتساءل : هل مات حقا أم مازال مختبئا بين الضلوع \"(58)


.. ولا شك بعد ذلك ان النص يعتمد على هذه الطاقة الإيحائية لتنتقل من عالم الحيوان إلى عالم الإنسان ، فيكون ذلك تمثيلا لأشواق تظل حية رغما عن البعد والحرمان ، وقلوبا تظل على وفاء الحب لا ينالها النسيان .، ولا يزاحمها الإغراء .
وعند فهد المصبح نجد الاشتغال على طاقة الإيحاء حيث يجئ نص ( خيط من الليل ) ،باثا لحال الجمود في المكان والإنسان ؛ ليكون تحريكه وتحرك السيارة الواقفة الصدئة آخر النص إثر ارتطامه بها بث حالة من الفرار من هذا الجمود حتى لدى السيارة، في بدء النص تسيطر حالة الجمود ، ومحاولة الذات الخروج منها ، يقول 59)
\" وأنا متجه نحو نافذتي أنزع نفسي من جمود يزحف نحوي .. كانت الساعة الثانية ليلا .. السكون يبتلع الأمكنة .. كل شيء آخذ في التوقف .. فتحت النافذة بشدة .. أردت إحداث صوت يمزق هذا الوجود ، لكنها صرت صرير احتضار \"
أراد السارد أن يملأنا بهذا الجمود ، لنمتلئ بطاقته الإيحائية ، حتى تتهيأ الدهشة من فزع السيارة إلى الحركة .
\" .. أطبقت الظلمة علي من كل جانب .. رحت أتحسس طريقي .. السيارات كثيرة .. ارتطم جسدي بواحدة منها .. انتفضت .. جلجلت ، ثم راحت تتحرك بصعوبة وإصرار .. الحديد يتصدع تحت عجلاتها .. أحسست حينها أنها تتلمس طريقها نحوي .\"(60)
وبسبب من دخول القصة في استثمار الطاقة الإيحائية فقد جنح بعض القاصين إلى التكثيف في القصة القصيرة جدا ، ومالت بعض القصص إلى اللغة الشعرية التي أدخلت القصة في انفتاح على الشعر نشأ معه مصطلح القصة القصيدة .



الهوامش والإحالات

(1) الحازمي ، منصور ، فن القصة في الأدب السعودي الحديث ( دار العلوم ، الرياض ، 1401هـ، 1981م) ،87
(2) فلالي ، إبراهيم هاشم ، أين نحن اليوم ،( دار الكتاب العربي ، مصر،1995م) ،89ــ92
(3) عبد المقصود ، محمد سعيد ، بلخير ، عبد الله ، وحي الصحراء ( مكتبة الثقافة الدينية ، مصر ، 2001م ) ،80ــ82
(4) الحازمي ، منصور وآخرون ،موسوعة الأدب العربي السعودي الحديث ( دار المفردات ، الرياض ،1422هـ2001م) ، 4/25
(5) الحازمي ، منصور ، الوهم ومحاور الرؤيا ( دار المفردات ، الرياض ،1420هـ 2000م ) ،35
(6) الهاجري ، سحمي ، سجال الخطابات ( نادي الأحساء الأدبي ،1430هـ2009م) ،157
(7) السابق :157،158
(8) السابق :158
(9) السابق159،160
(10) السابق :164
(11) السباعي ، أحمد ، أوراق مطوية ( نادي الطائف الأدبي ، 1402هـ) ،303ــ307
(12) باخشوين ، عبد الله ، النغري سيرة عصفور وقصص أخرى،37
(13) السابق : 37
(14) السابق :37
(15) السابق : 37
(16) السابق : 37
(17) السابق : 37
(18) السابق : 38
(19) السابق:38
(20) التعزي ، عبد الله ، ( دار الجديد ، بيروت ،1998) ،69
(21) السابق :71
(22) السابق :72
(23) خال ، عبده ، لا أحد ،( مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر ، مصر ، 1990م ) ،13ــ21
(24) الحميد ،جار الله ، ظلال رجال هاربين ( نادي حائل الأدبي ،1418هـ1998م )،7
(25) السابق : 10
(26) السابق :12
(27) النجيمي ، محمد ، أول المغفرة ( دار ميريت ، القاهرة ،2008م ) ،9
(28) السابق :14
(29) السابق : 14
(30) البشر ، بدرية ، حبة الهال ( دار الآداب ، بيروت 2004م) ،18
(31) السابق :19
(32) السابق :19
(33) السابق : 22
(34) السابق : 22
(35) المرزوقي ، طلق ، دماء الفيروز ( المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،2006م ) ، 63
(36) السابق : 64
(37) السابق :64
(38) السابق :66
(39) السابق :67
(40) السابق : 67
(41) لا زالت هذه المجموعة مخطوطة وقد فازت بجائزة الشارقة للإبداع لعام 2009م
(42) شبكة القصة العربية ، قصص من السعودية ،( وزارة الثقافة والسياحة اليمنية ، صنعاء ، 2004م ) 52ـ55
(43) الحربش ، عدي جاسر ، حكاية الصبي الذي رأى النوم ،( النادي الأدبي بالرياض ، 1429هـ) ،35ـ43
(44) شبكة القصة العربية ، قصص من السعودية ، مرجع سابق ،109
(45) السابق : 111
(46) السابق : 111
(47) السابق : 111
(48) السابق : 112
(49) السابق : 30
(50) السابق : 30
(51) السابق :31
(52) السابق : 62
(53) السابق :62
(54) السابق :63
(55) السابق : 63
(56) السابق :68
(57) السابق : 64
(58) السابق : 64
(59) السابق : 27
(60) السابق :27




نشر بتاريخ 15-12-2011



التقييم 4.18/1012345678910 أضف تقييمك
التقييم: 4.18/10 (25 صوت)






تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1657


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عالي القرشي
تقييم
4.88/10 (296 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.