الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
طلاب الكلية
المناهج النقدية الحديثة
المناهج النقدية الحديثة
11-02-2012 10:50 AM

ورقة عمل بقلم الناقِد :
أ . حسين المكتبي النعيمي


في مناهج النقد الحديثة ...


مقدمة :-


النقد حوار فاعل بين النص والقارئ حوار يضفي على النص معنى ً يشارك فيه الطرفان ,وليس للنص معنى ًبمعزل عن قارئ نشيط يستحثه ويقلب فيه الظن بعد الظن, حتى يصل إلى نتيجة ما ولكي يصل القارئ إلى ذلك المعنى المنشود لجأ في بعض الأحيان إلى الناقد لعدم امتلاكه الأدوات والمفاهيم الإجرائية التي تمكنه من ذلك , وفي نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر برز نشاط الناقد من خلال إحداثه لبعض المناهج النقدية التي يستطيع من خلالها إضاءة النص وكشف معانيه التي قصد إليها المبدع أو التي لم يقصد إليها .
فبرزت المناهج التي تهتم بتاريخية النص واجتماعيته وواقعيته وأطلق عليها فيما بعد \" القراءات السياقية \" التي ينصب جل عملها نحو المبدع ِ وأثر البيئة والمجتمع ووضعه النفسي وطبقته الاجتماعية في النص المبدَع .
و القراءة السياقية تنطلق من مواقف أيديولوجية ثابتة وجامدة في بعض الأحيان وتغرق النص بمفاهيم قد تشل النص وتهتم بالمبدِع بمعزل عن المتلقي , وتحرص \" على تقديس تاريخ الأفكار وتاريخ الإبداع الفني ومصادر الإلهام والمؤثرات على اختلافها وهذا يجعل منها شبكة من الأصول المتماشجة في غير تجانس \" ( 1 )
إلا أن الخطاب النقدي المعاصر شهد تحولات كبرى وعميقة في العقود الأخيرة من القرن العشرين كانت ثمرة للإنجازات العلمية والفلسفية المتلاحقة (( فتحولت القراءة النصية النقدية من قراءة أفقية معيارية \" سياقية \" إلى قراءة عمودية متسائلة \" نسقية \" تحاول سبر أغوار النص لاغير مبتعدة عن مقارباته من خلال السياقات التي أحاطت به يوم إنتاجه وبذلك أصبحت المعالم النصية ( البنى ) للمادة الحقل الأساسي للقراءة لكن لم يكن لهذا التغيير أن يتحقق إلا بفعل الثورة التي أحدثتها اللسانيات الحديثة وتأسيسها لأسس جديدة في طرائق التعامل مع النص فأقصت الخارج وقراءاته السياقية
\" التاريخية, النفسية , الاجتماعية \"وأخذت بالقراءة النسقية فمجدت الداخل على الخارج ))( 2 ) .
ستحاول هذه الورقة أن تقدم مقاربة واعية لمفهوم القراءات النسقية بغية الوقوف عليها والتعريف بها محاولة الابتعاد قدر الإمكان عن الخوض في تفصيلات قد تشتت القارئ والحق أنه تم التصرف في بعض النقول وذلك لضرورة تبسيط البحث وإشكالية المصطلح فيه .

مدخل :- أ – بين يدي المصطلح ..


لقد أصبحت النظرية الأدبية للحداثة وما بعد الحداثة أكثر من أي شيء إشكالية قراءة , إذ أن دراسة عملية القراءة تعني إثارة عدد من الأسئلة الصعبة والمثيرة للاهتمام فنحن نريد أن نعرف قبل أي شيء كيف نقرأ ؟ .. وهل نستطيع صياغة نموذج للقراءة يوضح كيفية القراءة بهذه الأسئلة نحاول أن نتلمس مفهوم القراءة النسقية وهل هي قراءة جادة وثابتة وتعنى بديمومة النص ؟
في ضوء هذا الفهم يجب أولا ً تحديد المصطلح وتبيانه يقول الدكتور سعد الدين كليب : \" يعني النسق أو المنظومة – الموضوع الكلي الذي يتألف من عناصر ترتبط فيما بينها بعلاقات محددة ويشكل مجموع هذه العلاقات المحددة البنية التي تربط بين العناصر داخل المنظومة - فالكلية إذا ً هي صفة النسق والكلية هنا هي الوحدة الناظمة للعناصر والتكامل فيما بينها فالنسق بهذا المعنى هو وحدة العناصر المتكاملة والداخلة في علاقات محددة \" ( 3 ) .
إن القراءة هي الممارسة النقدية أو النشاط الإجرائي الذي يتوجه نحو النسق و انطلاقا ً من هذا يمكن أن نصل إلى مقاربة تعريفية للقراءات النسقية بأنها تلك الأشكال النقدية الإجرائية الأدواتية المفاهيمية ( القراءة ) المتوجهة نحو الأنساق النصية التي تشكل مجموعة أبنية النص وبؤره الفنية والفكرية .


أولا ً ما بعد البنيوية .......


سبقت الإشارة إلى أن ظهور المفاهيم الإجرائية التي تتعامل مع النص بمعزل عن الخارج لم تتحقق إلا بفعل الثورة التي أحدثتها اللسانيات الحديثة مستمدة أصولها النظرية من المدرسة الألمانية بزعامة ياوس والمدرسة الشكلانية الروسية والمدرسة الفرنسية , هذا الزخم الفكري أسس لظهور القراءة النسقية \" وأمدها بأدوات إجرائية لمقاربة النص الأدبي حيث مجدت الشكلانية الروسية الداخل فاستبدلت السياق بالأدبية والمعيار بالوصف والمطلق بالنسبية ودعت إلى موت المؤلف وجعلت من مقولة النسق مقولة مركزية في طرحها\" (4)
إن هذا الزخم الفكري الذي قدمته الشكلانية الروسية أسقطها في النزعة الصورية ( المنطقية ) فيما بعد , وهذا ما وضع الشكلانية البنيوية في مأزق إجرائي مما حدا بها أن تنفتح نحو مفاهيم العلوم الأخرى وخاصة الإنسانية \" فظهرت البنيوية التكوينية كتيار بديل على يد لوسيان جولدمان مستثمرا ً فلسفة هيجل وماركس ولوكاتش للتأسيس لبنيوية تهدف إلى تحقيق التماسك بين البنية الذهنية والبنية الفنية داخل العمل الإبداعي من أجل رؤية للعالم لا تقصي عبقرية المبدع \" ( 5 ) .
وظهرت البنيوية النفسية في ذلك الوقت على يد جاك لاكان فربط المعطيات النفسية باللغة والكلام .
إن كل هذه المعطيات أصبحت توحي بأن البنيوية كقراءة وخصوصا ً الصورية منها , توحي ببروز أطروحات جديدة في الأفق تعمل من أجل التأسيس لقراءات تتجاوز القراءة البنيوية لفتح الفضاء الإبداعي أمام أدوات إجرائية أكثر مرونة من أدوات البنيوية الصورية .

القراءة النسقية......


تمثل النشاط النقدي الإجرائي الذي جاء لتخليص البنيوية من صوريتها ببروز ثلاث قراءات إجرائية أساسية ( الأسلوبية والتفكيكية والسيميائية ) .

1 ) القراءة الأسلوبية ..... ( الانزياح ) .

هي علم الأسلوب وهي طريقة الكتابة باستعمال الكاتب للأدوات التعبيرية من أجل غاياتٍ أدبية , وبذلك تكون في مفهومها النقدي هي العلم الذي يكشف عن القيم الجمالية في الأعمال الأدبية انطلاقا ً من تحليل الظواهر اللغوية والبلاغية للنص الأدبي فهي تبحث عما يتميز به الكلام الفني عن بقية مستويات الخطاب الأدبي .
والأسلوبية نهضت بعد أن أغرقت البلاغة نفسها في المعيارية المتحجرة والتي بقيت فيها فترة زمنية طويلة
وبذلك عملت الأسلوبية على توحيد رؤية البلاغة التي تعمل على فصل العلاقة القائمة بين النص ومدلوله
\" ولهذا يمكن اعتبارها امتدادا ً للبلاغة ونفيا ً لها في الوقت نفسه ومن أبرز المفارقات بين المنظور البلاغي والأسلوبي هو أن البلاغة علم معياري يرسل الأحكام التقييمية ويرمي إلى تعليم مادته وموضوعه بينما الأسلوبية تنفي عن نفسها كل معيارية والبلاغة ترمي إلى خلق الإبداع بينما تسعى الأسلوبية إلى تعليل الظاهرة الإبداعية بعد أن يتكرر وجودها \" ( 6 ) .
كما تقوم الأسلوبية في منطلقها المعرفي من مبدأ أساسي يرى أن اللغة تعطي الأديب مجموعة من الاحتمالات اللغوية والأساليب التعبيرية للتعبير عن الموضوع الواحد فينتقي واحدا ً منها قصد التعبير والإبلاغ لخلق تأثيرٍ ما .

وقد تجلت الأسلوبية في اتجاهات عدة يمكن حصرها بـ :

أ ) الأسلوبية الوصفية :- تهتم بالوقوف على القيم التعبيرية والمتغيرات الأسلوبية بغية الكشف عن الطاقات التعبيرية الكامنه في اللغة .

ب ) الأسلوبية الأدبية :- تهتم بدراسة لغة أديب ٍ واحد ٍ من خلال نتاجه متبعة ً في دراسة اللغة مجموعة من الآليات ومعتنية بظروف الكاتب ونفسيته ( 7 ) .

جـ ) الأسلوبية الوظيفية :- تهتم بدراسة وظائف اللغة ونظريات التواصل .

د ) الأسلوبية البنيوية :- وفي منظورها أن النص بنية خاصة أو جهاز لغوي يستمد الخطاب قيمته الأسلوبية منه ( 8 ) .

ومن أهم مميزات الأسلوبية بشكل عام أنها تؤكد على وجود موضوع ٍ في النص الأدبي يمكن استنتاج أدبيته عبر نسيجه اللغوي ولا تقر بالحكم على النص الأدبي بل تقدم للناقد جهاز مفاهيمي لتحليل النص والحكم عليه وتهتم بالأثر الجمالي للنص باعتباره لغة شعرية والاعتماد على مستويات التحليل كالمستوى الصوتي أو المستوى اللفظي , ومن أهم أدواتها الإجرائية :

الانزياح :- ظاهرة أسلوبية , وهو بكل بساطة خروج التعبير عن السائد أو المتعارف عليه قياسا ً في الاستعمال رؤية ولغة وصياغة وتركيبا ً وهو مفهوم متغير ولا أدل على ذلك من موت الصور المجازية عبر
اجترارها وتكرارها وتحولها من التعبير غير المباشر إلى التعبير المباشر .
ولا شك أن الانزياح يشكل أدبية النص وأحد أبرز علاماته ومواطن الشاعرية فيه ويأخذ الانزياح أنماط كثيرة حيث تعوَّد الدارسون أن يحصروا الانزياح في صور التعبير البيانية وركزوا خصوصا ً على المجاز والاستعارة .
ويرى د. نعيم اليافي أن الانزياح يصيب سائر المكونات الشعرية وذلك من خلال قوله بالانزياح المجازي ويتمثل بجميع أنماط الصور البيانية والانزياح الإيقاعي والانزياح اللغوي بجميع ضروبه وانزياح صفات وانزياح تقديم وتأخير , و الانزياح الدلالي ما بين الصوت والمعنى أو الدال والمدلول ( 10 ) .

وبعد أن عرضنا للأسلوبية وأهم أدواتها الإجرائية بقي أن نقول أن الأسلوبية تقوضت في الغرب وأصبحت في عداد القراءات الميتة مع بدايات الستينات من القرن العشرين وكان السبب في زوالها ظهور السيميائية وتأثيرها عليها حتى انصهرت فيها .


2 ) التفكيكية :-

تقوم التفكيكية على إقصاء كل قراءة أحادية على صعيد المرجعية والتأويل , ولا تسعى إلى واحدية الدلالة للنص بل تسعى التفكيكية إلى جعل مدلولية النص بين يدى المتلقين يفككونه إلى المرجعيات التي بني عليها فيقفون على هذه المرجعيات ويقرؤون النص وفقا ً لها مهملة ً و مهدمة ً للنسق الذي يقوم عليه وفي اعتقادها أنه تركيب لغوي غير متجانس .
\" إن التفكيكية المعاصرة باعتبارها صيغة لنظرية النص والتحليل تخرب كل شيءٍ في التقاليد تقريبا ً وتشكك في الأفكار الموروثة عن العلامة واللغة والنص والسياق والقارئ ودور التاريخ وعملية التفسير \" ( 11 ) .
ويتجلى ذلك بإخراج ( الدال ) من المعنى التقليدي لحدود التفسير التي حاصر بها الخطاب النقدي التقليدي ( للمدلول ) وانفتاحه على التفسير اللا محدود أي أن استراتيجية التفكيك تقوم على إلغاء المدلول ليحل محله اللامدلول .
وبذلك يكون قد خطا النشاط النقدي مع التفكيكية خطوة جديدة في مساره المتجدد آخذا ً بمبادئ الألسنية مستثمرا ً لها فتح آفاق ٍجديدة للنص الأدبي .
وفي ضوء هذا الفهم نرى أن \" التفكيكية تقدم عددا ً عديدا ً من القراءات و الدلالات للمعنى الواحد دون أن تتحول تلك التعددية إلى تناثر وعبثية \" ( 12 ) .
وإذا كانت التفكيكية تنطلق نحو البنى النصية , وتقوم بإرجاع تلك البنى إلى مصدرها الأول فهذا يعني ولادة قارئ يتعامل مع النص بثقافة خاصة . وفي إطار هذا يتجلى لنا بوضوح مفهوم الأثر الذي أسس له ديردا في التفكيكية والذي يعتبر \" الأثر \" كأساس إجرائي للفهم النقدي باعتباره القيمة الجمالية التي تسعى وراءها كل النصوص الإبداعية . ويسعى إلى تلقفها كل متلقٍ للإبداع ذلك لأن الأثر هو التشكل الناتج عن الكتابة , ومن هنا نرى بوضوح مولد القارئ .
إن عملية التلقي التي قدمتها التفكيكية كواحدة من أهم استراتيجياتها تقوم على أسس معرفية يمكن حصرها فيما يلي :

أولا ً :- القراءة والكتابة
التفكيكية ترفع من شأن القراءة بأن تجعل السلطة الحقيقية للقارئ لا للمؤلف .

ثانيا ً : قتل أحادية الدلالة والدعوة إلى تشتت المعنى .....

ثالثا ً : موت المؤلف وميلاد القارئ :
وهذه دعوة دعا إليها بارت فيما يخص موت المؤلف إلا أن التفكيكية أضافت إلى ذلك أن موت المؤلف يؤسس لميلاد القارئ .
رابعا ً : الحركة الدائمة للغة :
فكل كتابة تمحو الكتابة التي سبقتها مما يولد للمحو دلالة لانهائية وبذلك يبقى المدلول في تحول دائم وتظل اللغة في حركية دائمة ( 13 ) .


التناص :-

من أهم الأسس المعرفية التي تعتبر من استراتيجات التفكيك و قد يرى المطلع على بعض الدراسات المتعلقة بالتناص تداخلاً كبيرا ً بين هذا المفهوم وعدة مفاهيم أخرى مثل \" \" المثقافة \" و \" الأدب المقارن \" ودراسة المصادر \" و \" السرقات \" لذلك سنحاول في هذا المجال أن نوضح معنى التناص ضمن استراتيجية التفكيك......
يعرف الدكتور محمد مفتاح (( التناص )) بأنه : \" تعالق - الدخول في علاقة - نصوص مع نص , حدث بكيفيات مختلفة \" ( 14 ) .
ويقر مفتاح بأن التناص ظاهرة لغوية معقدة تستعصي على الضبط إذ يعتمد في تمييزها على ثقافة المتلقي \" فالنص ليس إلا توالد لنصوص سبقته \" ( 15 ) .
أما التناصية عند عبد الملك مرتاض \" صفة تلازم كل مبدع مهما يكن شأنه لأنه يستحيل وجود مبدع يكتب نصا ً أدبيا ً دون سابق تعامل معمق ومكثف مع النصوص الأدبية في مجال معين أو في مجالات متعددة \" ( 16 ) .
وفي وضوء هذا الفهم يمكننا القول أن النص الأدبي أيا ً كان إنما يقتات في بنيته من فضاء نصوص أخرى وهذا ما دعت إليه التفكيكية باستحالة وضع تأويل واحد للنص فالتناص برأينا وضمن استراتيجية التفكيك هو الغذاء و الماء والهواء لاستمرارية هذه القراءة لما تمثله من اتساع لفكرة اللا مدلول والهدم والبناء في النص .

ونصل أخيرا ً لنقول أن تفكيك ديردا : \"هو ممارسة فلسفية يتم فيه تفحص الخصائص البلاغية القائمة في النصوص (( المصطلحات والحدود الدقيقة والاستعارات المستخدمة )) وتبيان أنها تقوض معاني هذه
النصوص ومرجعيتها المقررة وهو تبيان غالبا ً ما يتم بواسطة تقنيات بلاغية \". ( 17 )
ولا بد أن نشير أن التفكيك كإجراء مفاهيمي نقدي يمتلك خصوصيته عندما يمتلكه القارئ بوعي و بفهم واضح دون غموض أو تعقيد فتفكيك نص أو إعادة بنيته إلى مرجعيتها و الانطلاق من تلك المرجعية لبناء نص أخر إنما يولد برأينا نصا ً إبداعيا ً من شكل آخر يحمل خصوصية القارئ وبذلك تتضح استراتيجية التفكيك النظرية كنشاط نقدي يتجه نحو الأنساق المعرفية في النص فيقوم بهدمها من خلال ما سبق ذكره من الأسس المعرفية التي يرتكز عليها ( التفكيك المتلقي ) وبذلك يسمح لعدد لا نهائي من المدلولات والنصوص المبدعة من قبل القرّاء ولا بد أن نذكر قول \" رولان بارت \" في كتابه نقد وحقيقة (( النص مصنوع من كتابات مضاعفة نتيجة لثقافات متعددة تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار و محاكاة ساخرة )) . ( 18)
ينظر بارت إلى النص على أنه فضاء لأبعاد ومرجعيات متعددة تتنازع فيه الكتابات

السيميائية .............

تنطلق السيميائية من منظور دوسوسير من منطلق أنها العلم الذي يقوم بدراسة الأنساق القائمة على اعتباطية الدليل والسيميائية تقوم من منظوره على نظام جديد للواقع وهي بنى مكونة من ثنائيات أو ثنائية التركيب بشكل أدق هي الدال والمدلول و يعتبر دوسوسير أن الدال والمدلول لها وظيفة التعبير عن الأفكار المتميزة أي وظيفة رمزية داخل المجتمعات المختلفة وهذه الدلالة بين الدال والمدلول ذات صبغة اعتباطية يضاف إلى ذلك أن السيميائية لا تهتم باللسان فقط وإنما تتعداه إلى دراسة العلامة في عمومها , لذلك ينظّر دوسوسير لعلم يدرس حياة الدلائل داخل الحياة الاجتماعية وأطلق عليه اسم السيمولوجيا أي ( الدليل ) وسيكون عليه أن يعرفنا على وظيفة الدلائل والقوانين التي تتحكم فيها .
و في ضوء هذا الفهم فإن دوسوسير يعتبر اللسانيات فرع من هذا العلم العام (السيمولوجيا) و بذلك فالدارس أمام نوعين من الدلائل , دلائل لسانية ودلائل غير لسانية فالسيميائية علم عام أما اللسانيات فعلم خاص وكلاهما يعنى بالدلالية وبهذا تكون اللسانيات علما ً تابعا ً للسيميائية التي هي علم شمول عام ( 19) .
وبذلك فقد طرح نظرية عامة للسيمولوجيا إلا أنه لم يحدد معالم هذا العلم تحديدا ً دقيقاً بل بقى حقل بحثه موزعا ً بين علوم عدة كاللسانيات وعلم الدلالة إلى أن برز اتجاهان : الأول جاء به برت و مونان وقال بسيمولوجية التواصل \" وتعنى بدراسة أنظمة التواصل أي الإشارات المستعملة للتأثير في المتلقي ( الموضة ) شكل من أشكال التواصل \" ( 20 ).
وهذا النوع يقوم على تصور جوهري يرى فيه أن الدليل لا يمكن إلا أن يكون أداة تواصلية يقصد منه التواصل ولا تنحصر في اللسانيات فقط بل تتعداها إلى الأنساق السيميائية غير اللسانية .
أما الاتجاه الثاني يهتم بدراسة أنظمة الدلالة التي تشكل الموضوع الأساسي لأي بحث سيميائي ويعتبر رولان بارت الرائد في هذا الاتجاه ( سيمولوجيا الدلالة ) والذي يشكل الآن جوهر النقد الأدبي المعاصر باعتبار أن كل وقائع داله في النص وكل بنية نسقية معرفية هي سيميائية تمتزج باللغة .
\" أن كل المجالات المعرفية ذات العمق السيمولوجي الحقيقي تفرض علينا مواجهة اللغة وذلك إن الأشياء تحمل دلالات غير أنها ما كان لها أن تكون أنساق سيمولوجيا أو أنساق دالة لولا تدخل اللغة ولولا امتزاجها باللغة فهي تكتسب صفة النسق السيمولوجي من اللغة وهذا ما دفع ببارت أن يرى أنه من الصعب جدا ً إمكان وجود مدلولات نسق أو صور أشياء خارج اللغة بحيث أن إدراك ما تدل عليه مادة ما يعني اللجوء قدريا ً إلى تقطيع اللغة فلا وجود لمعنى إلا لما هو مسمى ً , وعالم المدلولات ليس سوى عالم اللغة \" ( 21 ) .
ومن هنا نلاحظ تركيز سيمولوجيا الدلالة على اللغة فالدلالات السيميائية منشؤها داخل اللغة لا خارجها لأن العلامة لا نستطيع أن نعبر عنها إلا بما تختزنه من لغة فاللغة هي جوهر المدلولات وبذلك نرى أن بارت استطاع قلب المعادلة السوسيرية من أن اللسانيات هي فرع من السيمولوجيا وأن السيمولوجيا أشمل وأعم
إلى أن السيمولوجيا فرع من اللسانيات وليس العكس .

و بعد استعراضنا لتلك المناهج بقي لنا أن نذكر أن الخطاب النقدي العربي المعاصر قد استفاد بشكل كبير من معطيات تلك المناهج وأن مجمل النشاط النقدي المعاصر يتكئ على الأدوات المفاهيمية والإجرائية لتلك المناهج .
و لقد رأى بعض النقاد العرب أن هذه المناهج ليست ميداناً للنقد الأدبي وحسب بل طالبوا بضرورة تعميم
هذا النمط النقدي على المجتمع بكل أنساقه ومعارفه وعاداته وثقافته بغية نقد التصور الذهني المعرفي للمجتمع وبالتالي الوقوف على السلبيات الاجتماعية والثقافية .
وإذا كان \" إمانويل كانط \" قد عبر عن أن عصر الأنوار (( aufklarung )) هو عصر النقد الذي ينبغي للجميع الخضوع له بممارسة هذا النقد , فإن كمال أبوديب الناقد البنيوي يرى في البنيوية \" مشروعاً ثقافياً لابد من إنجازه للارتقاء بكل من الثقافة والمجتمع العربيين \" ( 22)
وتبقى هذه المناهج النقدية من أكثر المناهج أو القراءات علمية ؛ وبالتالي فإن الاشتـغال عليها يفضي إلى نتائج أكثر موضوعية من الاشتغال على ( القراءة ) الذاتوية أو السياقية .

أ . حسين المكتبي النعيمي
ناقد سوري( حلب )
جماعة حوار نادي جدة الأدبي



0000000000000000000000
الحواشي :

1 ) عبد الملك مرتاض , مدخل في قراءة البنيوية مجلة الموقف الأدبي , العدد 342 صـ12 1999 م .
2 ) محمد بلوحي , القراءة النسقية , مجلة كتابات معاصرة العدد 39 المجلد ( 10 ) 1999 م .
3 ) سعد الدين كليب النقد الأدبي الحديث مناهجه وقضاياه صـ134 .
4 ) محمد بلوحي القراءة النسقية صـ 34 .
5 ) المصدر السابق صــــــــ 34 .
6 ) المصدر السابق صــــــ 35 .
7 ) للتوسع في هذا الموضوع انظر الدكتور مازن الوعر الاتجاهات اللسانية المعاصرة ودورها في دراسة الأسلوبية صـــــــــــــ 137 وما بعد . مجلة عالم الفكر مجلد 22 عدد 3+4
8 ) محمد بلوحي صـــ 35 بتصرف .
9 ) د . نعيم اليافي الانزياح والدلالة جريدة الأسبوع الأدبي عدد 451 صــــــــــــــ 5 تصدر عن اتحاد الكتاب العرب دمشق 16 / 2 / 1995 م
10 ) المصدر السابق صـ 5 بتصرف
11 ) عبد العزيز حمودة المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيك سلسلة عالم المعرفة العدد 232 صــ 191سنة 1998 م .
12 ) قصي الحسين , تفكيك النص وتفكيك المصطلح النقدي مجلة الفكر العربي المعاصر العدد 112 / 113 صــــــ 90 بيروت خريف 99 .
13 ) محمد بلوحي , القراءة النسقية صـــــ 36 بتصرف .
14 ) محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري \" استراتيجية التناص \" صـــــ 21 دار التنوير للطباعة والنشر الطبعة الأولى بيروت 1985 م .
15 ) أحمد قدور الظواهر التناصية في الشعر العربي الحديث مجلة بحوث جامعة حلب العدد 21 صــــــــــ 284 سنة 1991 م .
16 ) المصدر السابق صــــــــ 284 .
17 ) ليونارد جاكسون علم النظرية الأدبية الحديثة ترجمة سائر ديب مجلة الآداب الأجنبي عدد 99 / 100 صــــــ 170 تصدر عن اتحاد الكتاب العرب دمشق 1999 م .
18 ) محسن بو عزيزي سيمولوجيا الأشكال الاجتماعية عند رولان بارت الفكر العربي المعاصر عدد 112 / 113 صــــــ 165 .
19 ) محمد بلوحي , القراءة النسقية صـــــ 37 .
20 ) محسن بو عزيزي , سيمولوجيا الأشكال الاجتماعية صــــ 160
21 ) حنون مبارك , دروس في السيميائيات صـــ 74 دار توبقال الدار البيضاء المغرب 1987 م .
22 ) سعد الدين كليب مصدر سابق صــــــ 138


موقعي الشخصي
http://loubabah.blogspot.com/

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2682


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


حسين المكتبي
تقييم
4.08/10 (126 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.