الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
المؤلفات
احركة الثقافية في منطقة مكة المكرمة
احركة الثقافية في منطقة مكة المكرمة
01-20-2013 09:08 AM

الحركة الثقافية في منطقة المكرمة بعث جديد
تقديم
يشعر أهل منطقة مكة المكرمة وولاة أمرها بعظم المسئولية الملقاة على عاتقهم، تجاه ما تحضنه من إرث تاريخي، ورسالة تجاه العرب، والمسلمين، والعقيدة الإسلامية، وتجاه العالم بما تمثله مكة من رمز يوحد المسلمين، ويجمع قصدهم في حجهم وعبادتهم.
ولذلك كانت جهودهم الثقافية، واتجاهاتهم، مستشعرة لهذا الأمر، ومؤكدة على ضرورة قيام المنطقة برسالتها تجاه أمتها العربية والإسلامية، وتجاه أدبها، وثقافتها، وإرثها التاريخي.
دخل الملك عبد العزيز المنطقة، فكان على ميعاد مع النمو الثقافي لأبناء المنطقة، فهيأ السبل لذلك على قدر إمكانات ذلك الزمن، فتزامن دخوله مع صدور عدد من الكتب التي كان لها شآن في التاريخ لجهود أهلها، وبيان حماسهم للنهضة والإصلاح. فدخلت الحياة الثقافية معترك إثبات الوجود والحضور لنهضة ثقافية، تريد أن تلحق بركب الثقافة في الشام ومصر، وتريد أن تكون لأبناء الحجاز حضورهم في ألوان الكتابة بأجناسها المختلفة، لذلك راسلوا المجلات الأدبية، وأطلعوا الأدباء العرب على نتاجهم، وحاولوا أن يستدنوا أقلامهم لتقديمه، والتعريف به.
لكن الحال لم يلبث على ذلك إذ سرعان ما دخلت المنطقة في تحولات من التطوير والتنمية، بسبب ما هيئ لها من اهتمام من الدولة – رعاها الله – وبرعاية الثقافة والتعليم، وبإنشاء البنى الثقافية، فظهر للمنطقة حضور في الثقافة العربية، والإسلامية، والعالمية.
ولما أحسنت بي الظن مكتبة الملك عبد العزيز العامة بالرياض، فأولت لي الكتابة في محور الحياة الثقافية عن منطقة مكة المكرمة، أحسست بالغبطة المشوبة بالوجل، ذلك لأن المنطقة ثرية بالحركة الثقافية ثراء يحير الباحث فيما يشير إليه وما يدع، فعمدت إلى الحديث عن البنى الثقافية الكبرى، وإلى ظواهر مسار الحركة .. ولما كانت اللغة المناسبة لمثل هذا العمل هي اللغة الواضحة، الظاهرة الفهم بداءة، فقد حاولت ذلك، لكن طبيعة الفعل الثقافي، وتحولاته، وتأمل ذلك تلجئ الباحث أحياناً إلى لغة تتسق مع ذلك الصنيع، لتكون مساوقة للإنجاز ومحاولة وصف ذلك التحول ودلالاته.
وأما طريقة الرصد للمنجزات الثقافية، فقد اتخذت فيها طريقة عرض النموذج، كعرض نموذج من الإصدارات أو الفعاليات. ومحاولة تفسير لمجئ ذلك النموذج على ذلك الحال، من خلال أهدافه، وربط ذلك بسياق المرحلة، مع تقديم ملاحظات تقويمية لذلك الصنيع من خلال ملامسة ذلك للأهداف المتوخاة منه، أو مقارنته ببنى ثقافية أخرى.
وعلى ذلك فأقول إن هذا المبحث كما هي أهدافه يسعى إلى تقديم مدخل عن الحركة الثقافية، وإلى إظهار رؤية عامة عن ذلك، فيكون عونا للباحثين بإشاراته، وتعريفه ببعض المنجزات ليتعمقوا في ذلك، ويقدموا بحوثهم وقراءاتهم لمسارات الحركة الثقافية في المنطقة التي يتعدد رجالها، ونساؤها، وتتعدد بناها، وتتعدد مناشطها، وإنجازاتها.
وآمل بذلك أن أكون قد وفقت في هذا الحيز من الزمان والمساحة لتقديم ما أنيط بي. ولا أنسى في هذه الكلمة أن أقدم الشكر والعرفان لكل من أمدني بالعون من الزملاء والأصدقاء، والمسؤولين، والعاملين في كثير من البنى الثقافية في المنطقة، وخارجها، وأشكر رئيس المحور الدكتور معجب سعيد الزهراني، الذي كان يحدو الباحث دائماً ، ويستحثه على الإنجاز.
كما أشكر المسؤولين في مكتبة الملك عبد العزيز العامة على تبنيهم هذا المشروع الثقافي، الذي يظهر وجه المملكة الثقافي، ويقدم للباحثين والمطالعين نظرة تعريفية عامة بالمملكة العربية السعودية، وعلى دعمهم للباحثين وتزويدهم بما يحتاجونه عن مصادر ومراجع.
أسأل الله للجميع التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين،،،


احتفظت منطقة مكة المكرمة بصلتها بالثقافة العربية والإسلامية، وبتواصلها مع العالم الإسلامي منذ أن شع نور الإسلام بها، فبها حرم الله الذي تهوي إليه أفئدة المؤمنين من مشارق الأرض ومغاربها، فيلتقي به طلاب العلم، ويفيضون على بعض من علومهم، وتعقد به الحلقات ..
وأصبح المكثُ في المسجد الحرام ، وقرب بيته العتيق بمكة يكسب صاحبه ألقاً من إشعاع الجوار والالتصاق بالبيت العتيق، فسجل التراث الإسلامي ذلك في صفة المجاورة، وما يشتق منها، فأصبحت صفة مميزة في سير كثير من العلماء، وذكرا يسير في أخبارهم (فأصبحت لهم ألقاب متنوعة يعرفون بها ، وعناوين يتميزون بها شرفا مثل \"إمام الحرمين، جار الله، المكي\"( ). وحين نقرأ مثلاً ترجمة إبراهيم بن محمد الطبري، فإنا نجد فيها ذكر المجاورة، وصفة المكي، واللقاء مع العلماء الوافدين إلى البيت الحرام، والشعور بجلال العلم الذي يتلقاه تجاه الكعبة، إذ نقرأ \" الشيخ الفقيه المحدث الراوية، جار الله تعالى، إمام المقام الشريف ، رضي الدين، أبو آسحق إبراهيم بن أبي بكر الطبري الشافعي المكي، ومولده بها في سنة ست وثلاثين وستمائة أخذ عن جماعة من العلماء ببلده من أهلها والوافدين عليها قراءة وسماعاً، وجل ذلك تجاه الكعبة المعظمة..\"( )
وبذلك كانت مكة ملتقى للدرس والإنتاج العلمي يرد إليها الوافدون بعلمهم، ويزدادون علماً بمن يلقون من علمائهم ومن المجاورين، ومن الوافدين من الأصقاع الإسلامية الأخرى، فكانت ملتقى فكرياً ينشط موسم الحج ويستمر بعده بفعل ظاهرة المجاورة، والرغبة في نزل مكة لطلب العلم أو التدريس بالمسجد الحرام .. ذلك الأمر الذي يئول أحياناً إلى إقامة دائمة.
وكان تلقي العلم وإلقاؤه بمكة أمراً يسجل ويحفظ لأهله، في ذكر سيرهم وتراجمهم، فيقال: لقى فلان بمكة وسمع منه كذا أو سمع منه فلان، أو كتب عنه فلان، أو جماعة أو غير واحد( ).
وهيأ هذا الحال لمكة العناية بأمور الدرس والتعليم، وجاوز ذلك إلى أن يبث في شبيبتها التوق إلى الإبداع الأدبي، والإنتاج الفكري، وأن يجد ذلك من الملك عبد العزيز وأبنائه من بعده عونا وتشجيعاً، وتأسيساً لمراكزه، وتهيئة لتفاعله وتواصله مع التراث، ومع حركة المعاصرة والتحديث، وسيكون الحديث عن ذلك في المراحل التالية:

• المرحلة الأولى:
منذ دخول الملك عبد العزيز الحجاز حتى عام 1395هـ، وتتميز هذه المرحلة بالحماس للنهضة، واتخاذ الكلمة والفكر دعوة لذلك، والتوق إلى إعادة المكانة الثقافية والأدبية لمنطقة مكة ورموزها ذات التاريخ الأدبي، والشعور بالمسئولية التي أملاها الانتماء الروحي للمكان، والتاريخ الثقافي، والوحدة الوطنية، ووحدة الهم مع العالم العربي والإسلامي، وبالحوار الذي أظهرته وأثارته صحافة الأفراد، وبما هيأه التعليم العام والعالي من كوادر بنت الفكر والثقافة.

• المرحلة الثانية:
منذ عام 1395هـ حتى عام 1410هـ، وتتميز هذه المرحلة بتأسيس الأندية الأدبية الثلاثة في المنطقة، وفرعين للجمعية العربية السعودية الثقافية والفنون في كل من الطائف وجدة، وبالنمو في إصدار الكتاب عبر المؤسسات الحكومية أو دور النشر ، وبنمو جامعة الملك عبد العزيز، وإنشاء جامعة أم القرى في مكة والطائف، وما تهيأ من عقد المؤتمرات والندوات، وإصدار الدوريات.

• المرحلة الثالثة:
منذ عام 1411هـ حتى عام 1425هـ، وتتميز هذه المرحلة بالدخول في علاقات متغيرة في المنطقة وفي العالم، وفي حدوث مد إعلامي خارجي، وسعي إلى حضور في هذا المد، واستنفار القدرة الإبداعية والفكرية، وتجاوز الإبداع للحدود عبر المشاركة في المعارض والمنتديات الأدبية والثقافية، ونشر بعض المبدعين أعمالهم خارج البلاد، وبنشوء الصوالين الأدبية، وظهور مشاركة المرأة الثقافية.

حالة المنطقة عند دخول الملك عبد العزيز:
مكة قبلة المسلمين، ومهوى أفئدتهم، لذلك ظلت فجاجها وجبالها تمور بحجاج بيته العتيق، وتعمر أحياؤها بمجاوريه، ومن يرتزق بالقيام على تسهيل أمورهم ومعاشهم، ويمتد ذلك الحضور لجلالها وجلال هذا العمل النبيل على ما جاورها في جدة المنفذ البحري، وفي الطائف، وما حولها.
وعلى الرغم من تبدل الأحوال الاقتصادية، وعدم قيادة مكة للحركة السياسية، إلا أن الطابع الديني، الذي أحدث صبغة اجتماعية لمكة، وشغفاً بالعلم، جعل التأثيرات العالمية، والتطورات الحضارية تتنامى في مكة، بفعل خليطها الاجتماعي، وبفعل رغبة أهلها في أن يكون على أيديهم حركة ترجى منهم لعالمهم العربي والإسلامي، تتناسب مع ما لمكة من مكانة دينية، وإرث تاريخي، وبفعل رغبة السلاطين والموسرين في العالم الإسلامي إمداد أهلها بما يكسبون به ثقتهم، وما يتقربون به إلى الله عز وجل. ففي سنة 1289هـ تتفق الأميرة صولة النساء الهندية مع الشيخ رحمة الله على بناء أول مدرسة نظامية في رحاب البيت العتيق ابتدأت الدراسة فيها صباح الأربعاء 10 شعبان 1290هـ( ) ، وعقب الصولتية تأسست سنة 1296هـ ، المدرسة الفخرية العثمانية، على يد عبد الحق قاري بجوار باب إبراهيم، ودعا أثرياء الهند لمساعدته ( )، وتتالى بعد ذلك إنشاء المدارس الخاصة ..

فأنشئت بجدة مدرسة الفلاح عام 1323هـ، ثم أنشئ فرع لها بمكة عام 1330هـ، ويدرس بها علوم الدين والعربية، والمنطق، والجغرافيا، والتاريخ والحساب والجبر( )، أما في الطائف فكان التعليم في المساجد ، مسجد عبد الله بن عباس، ومسجد الهادي، وفي الكتاتيب ثم في المدرسة التي أنشأها الحسين بن علي وهي المدرسة الهاشمية الراقية( ).
وهيئ لمكة من قبل الوالي العثماني الوزير عثمان نوري باشا سنة 1300هـ، أن تحل بأرضها المطبعة الميرية، كانت حجرية ثم تحولت إلى الحروف الطباعية( ).

وقد زاد وجود هذه المطبعة في الإحساس بحاجة المجتمع المكي لمثلها، فكان من ثمرة ذلك أن مد المجتمع الأهلي يده لدعم ركائز الطباعة والنشر، فكانت مطبعة الترقي الماجدية لصاحبها محمد ماجد الكردي المكي( ) واتجه اهتمام هاتين المطبعتين إلى كتب التدريس بالمسجد الحرام ومدارس مكة وكتاتيبها، وإلى الأدعية والمناسك والفتاوى الشرعية (تليها في الأهمية كتب النحو والتجويد والتصوف، ثم متفرقات قليلة في التاريخ والحديث والبلاغة والأدب)( ) .. ويبدو أن ذلك ليس انسجاماً فقط مع الطبيعة الدينية لمكة، كما يرى بافقيه( )، وإنما هو بسبب من عدم تكون الطلب الثقافي الذي يجاوز دروس الحرم والمدارس في تلك الفترة، ومن يطلع على ما ذكره جنيد من مطبوعات خارج مكة يجد أنها في حدود دائرة ما أنتجته هاتان المطبعتان، وإن لم يعدم المتأمل رؤية رغبة لدى أهل مكة في أن يصل إلى بلادهم مطبوعات أخر على النحو الذي نراه في اشتراك مجموعة من أعيان مكة في طباعة خزانة الأدب للبغدادي ببولاق( ).
واتجر أهل مكة بالكتب، يذهبون إلى أصقاع العالم الإسلامي، ويأتون بها أو بالمخطوطات، ويمولون نشرها( ).
وصاحب حركة الطباعة نشوء الصحافة بالحجاز التي لا يعنينا من تاريخها هنا إلا الإشارة للمساحة التي أصبحت متاحة لأهل مكة وما حولها ليعبروا عن آرائهم ، وليجعلوا الفكر مثارا للحوار أمام الجماعات، ويجاوز جلسات الأفراد، ودروس المسجد الحرام، إلى أن يقرأ من يتمكن القراءة الأفكار، ويحاور الكتاب بعضهم بعضاً، ويحاور المجتمع الأفكار، لذلك عد الفوزان أن الصحافة في هذه الفترة (نقلت النثر من قصر على الأفراد إلى مرحلة الجماعات، أو من مرحلة التخصيص إلى مرحلة التعميم)( ).
وحين نجاوز ذلك إلى عهد الشريف حسين بن علي الذي قام بثورته على الأتراك بمكة عام 1916م، نجد الصحافة والمنتديات الأدبية، وأماكن النشر تأخذ على عاتقها الالتفاف على النهوض بالبلاد، واستعادة أمجادها، وتحقيق القيادة لمكة المكرمة، فكانت جريدة \"القبلة\" التي صدرت بمكة المكرمة في 15/8/1916م، كما يدل اسمها تحاول أن تحتضن التوجهات والتحركات العربية، وليس أدل على ذلك من استقطابها بعض الكتاب والشخصيات من خارج الحجاز، واهتمامها بأمر العالم العربي( )، فكانت تقوم (على جهود بعض الإخوة العرب الذين انضموا إلى الثورة العربية، وأبرزهم محب الدين الخطيب، وفؤاد الخطيب، وخير الدين الزركلي)( ).
وإذا نظرنا إلى مشاركة جدة والطائف وجدناها حاضرة في هذه الصحيفة، فمن الطائف الشيخ عبد الله كمال، والشاعر عثمان الراضي، ومن جدة الشاعر حسين روحي( ). ونجد (بريد الحجاز) تستقبل قصيدة لمحمد حسن عواد ويكتب المحرر تعليقا عليها ، يقول فيه (وصلتنا هذه القصيدة الغراء من فخر الشباب الناهض بجدة الشيخ محمد حسن عواد ننشرها بكل ابتهاج، وإن صفحات البريد مفتحة لما يجود به يراع الكتاب والأدباء من الشبيبة الحجازية والعربية)( ).
ولا يخفى ما في هذه العبارة من حماس للنهضة الفكرية، وتشجيع للكتَّـاب. ويدل كل ذلك على وجود حركة فكرية ثقافية تتنامى وتهيئ لفعل ثقافي قادم.

المرحلة الأولى (1343هـ – 1395هـ)
دخل الملك عبد العزيز الحجاز، وأصبح يتسمى بـ \" ملك الحجاز وسلطان نجد وملحقاتها\" عام 1343هـ ، 1924م ، وكانت منطقة مكة المكرمة قد تهيأت بأن تبنى فيها حركة فكرية وثقافية، لما بدر بها من حماس أثارته التغيرات العالمية، ودخول الحجاز دائرة الاهتمام بالثورة العربية، ثم في حسم الأمر فيه للملك عبد العزيز، ويجعل منصور الحازمي أوائل العهد السعودي بداية حقيقية للأدب الحديث في بلادنا،( ) وإن كان هذا لا يقصي بناء الاستعداد، واستنهاض الهمم، واستنفار المتاح من الإمكانات الذي تحدثنا عنه سابقاً عبر دخول المطابع، والصحافة، ودروس المسجد الحرام، والمدارس الحكومية والأهلية. وقد ظهرت الحركة الفكرية والثقافية في المنطقة عبر منافذها في المجالات التالية:

• التعليم:
اهتم الملك عبد العزيز وأبناؤه من بعده بالتعليم لأنهم رأوا أن التأثير الحضاري الذي يريدونه لإنسان هذه البلاد، لا يتحقق إلا بمعايشة الحضارة، ثم توطينها، وإنتاجها، في منجزات ظاهرة لأبناء وبنات هذه الأرض. وأرادت الدولة أن تضمن للجميع حق التعليم فحملت تلك المسؤولية تنفيذا ، وسجلتها في نظام المدارس، الصادر عام 1347هـ - 1928م حيث جاء في المادة السابعة والخمسين من هذا النظام ما يلي:
\" مدارس الحكومة السعودية مفتحة أبوابها لكل طالب، بصرف النظر عن جنسيته وقوامها في تعليم الدين الإسلامي الكامل لسعادتهم في الحياتين والتعليم فيها بدون مقابل\"( ).
وحظيت مكة المكرمة ببواكير هذا التعليم، لمكانتها الدينية، وللبيئة الحضارية الملائمة، فأنشئ بها المعهد العلمي السعودي سنة 1345هـ – 1927م ، لتأهيل من يقوم بالتدريس في المدارس( ) والمتأمل لمسيرة المعهد يدرك معاناة الدولة مع التقبل الاجتماعي لمناهج التدريس، إذ ما إن بدأ المعهد حتى أغلق، ليأتي إبراهيم الشوري مديراً له عام 1347هـ، ويصر على أن يسند إليه تدريس مادة التوحيد والجغرافيا وهما المادتان اللتان يثير تدريسهما بعض الحساسيات، ولإقناع المواطنين بما يجري في المعهد هيأ المجال ليدخل هاتين المادتين من شاء من خارج المعهد ومن أولياء أمور الطلاب وغيرهم ليستمع إلى الشرح( ) ، ومن ضمن ما كان يدرس بالمعهد إضافة إلى العلوم الدينية والعربية، الحساب، الخطابه مسك الدفاتر، سنن الكائنات، اللغة الفرنسية ( ).. ولما لم تقتنع الكليات المصرية بمساواة هذا المنهج لمناهج المرحلة الثانوية، كان إنشاء مدرسة تحضير البعثات سنة 1354هـ، 1935م ، حيث جاء إنشاء هذه المدرسة مهيئاً لقبول الطلاب في الجامعات العربية ( ) التي زودت بمعمل لخواص المواد، وسنن الكائنات (الكيمياء والطبيعة) واشتمل برنامجها على اللغة الإنجليزية ( ).
وتهيئة الدولة الابتعاث كان من الرغبة في مواكبة العصر، وإدخال المجتمع في دائرة الحضارة الحديثة، واستجابة للرغبة الاجتماعية في ذلك، إذ أول بعثة إلى الخارج في العهد السعودي كما يذكر خير الدين الزركلي كانت من مدرسة (الفلاح) بمكة وجدة، حيث ذهبت هذه البعثة إلى الهند للتوسع في علوم الشريعة والعربية في معاهدها العلمية، وعاد أعضاؤها ليتولى أكثرهم التعليم في المدارس الحجازية( ).
وكان إرسال البعثات الذي تعاقب بعد ذلك أنجع عمل للمعارف في المملكة، ويمكن اعتباره \"حجر الأساس\" في بناء الدولة العلمي الحديث( ).
وبذلك نجد أن منطقة مكة المكرمة كانت العماد والأساس لانطلاقة الحركة التعليمية في المملكة، ولإعداد الكوادر التعليمية بها في فترة التأسيس في أول عهد الملك عبد العزيز، نتيجة سهولة تواصلها الحضاري، وكونها مكان التقاء العلماء من الحجاج والقاطنين والمجاورين، ووجود البيئة العلمية من المكتبات، والمطابع.. فنجد الملك عبد العزيز يأمر باختيار خمسين شابا من نجد ليلحقهم بالمعهد العلمي السعودي وحين يأتون يتم اختيار أثنى عشر منهم فهيأت لهم وسائل المطعم والمسكن والملبس وغيرها، ويلحقوا بالمعهد حتى أكملوا دراستهم فيه، فكان من بينهم القاضي ومدير المدرسة والمدرس، وبعضهم يكمل تعلميه بمصر( ).
ويؤكد عبد الله عبد الجبار على أهمية تأسيس مدرسة تحضير البعثات فيقول \"ومهما يكن من شيء فإن تأسيس مدرسة تحضير البعثات حدث خطير في تاريخ الحياة التعليمية بالبلاد، ولولاها ما كان لنا هذا العدد من الجامعيين العاملين على قلته ..)( )
وقد أشار إلى الأدباء الذين تخرجوا من جامعات مصر مثل: أحمد العربي، حسين فطاني، إبراهيم علاف، عبد العزيز الربيع، حامد دمنهوري، علي غسال، عبد الرحمن المنصور، مقبل عبد العزيز( ).
وفي الطائف قريباً من مكة، وبوابة نجد إليها، كان الاختيار لمدرسة دار التوحيد.
وقد ألحق بهذه المدرسة في أول تأسيسها الطلاب من نجد، بها يتعلمون، وبمهجعها يسكنون، يتعلمون على خطة منهجية لاءمت منظومة التعليم الديني ومنهجية وطرائق الخبرة العربية في الشام وفي الأزهر، فكانت في مكانها قريبة اجتماعياً من الريف والبيئة البدوية، وكانت بحكم معايشة الطلاب لأجوائها تحقق فيهم نزوعاً نحو اللطافة والجمال من لطافة الجو وجمال المكان، وكانت تحقق لطلابها قرباً من العادات الحضرية دون الانغماس فيها، فكانت أكثر قبولاً لدى الجماعات المحافظة من مكة المنغمسة كثيراً في حياة التحضر بما فيها من عادات يتحفظون عليها، واختار الملك عبد العزيز لإدارتها الشيخ محمد بهجت البيطار، وهو شيخ السلفية في ديار الشام، وأول من ولي إدارة المعهد السعودي( ) (وتعد مدرسة دار التوحيد تجربة أخرى مختلفة للشيخ البيطار عن تجربة المعهد العلمي السعودي بمكة ، حيث بدأ تأسيس المدرسة بناءً على طلب الملك عبد العزيز في نهاية عام 1363هـ، وافتتحت رسمياً في عام 1364هـ، وتولى رئاسة دار التوحيد لمدة سنتين)( ). وما أن أكملت أول دفعة تعليمها بدار التوحيد حتى أنشئت كلية الشريعة بمكة سنة 1369هـ( ).
ولقد أحدثت بعض المناهج هزاً للعقلية التي رانت على مسلمات ظنتها ثابتة، وظنت الخروج عليها منافياً للدين، فكان منهج الجغرافيا في المعهد العلمي السعودي ( تقويم البلدان) ثم دار التوحيد محدثاً لتساؤلات، ومثيراً للرفض بما يطرحه من حقائق كونية عن الأرض، ومجموعتها الشمسية، وعلاقة الرياح بالمطر، ولقد انتصر حسن النية، والرغبة في إيقاف الطالب على المنجزات الإنسانية العلمية التي يزداد بها عمق معرفته بالخلق، وقدرة الخالق المبدع، جل وعلا.

لقد لعب منهج الجغرافيا في دار التوحيد (على هذا النحو دوراً كبيراً في كونه خطوة جريئة، جاء وسط علوم مرغوب فيها، وجاءت ضمن إنجازات مؤسسة علمية تربوية تأخذ على عاتقها أمر خدمة الدين، وتقدم في الوقت نفسه النظريات والحقائق الجغرافية وفق نظم علمية وتربوية تمخضت عن إحداث رؤى متعددة للكون والعالم على المدى الطويل ..))( )
وهكذا نجد أن قصة بدء التعليم في عهد الملك عبد العزيز كانت حكاية ملحمة واجهت بها الدولة ضعف الإمكانات، وقلة الخبرة، وعدم التقبل الاجتماعي، لتنتصر إرادة التعليم والتحضر، ويتصل ماضي إنسان هذه البلاد بحاضره، وتحقق إرادته في الإبداع والحماس للإصلاح والنهوض، فيتجلى من ذلك تنمية للحوار الفكري، وتهيئة للإنتاج الأدبي.
وحين نقف على بداية التعليم والمعاناة التي كانت تلقاها الدولة من المجتمع، وحرص الدولة على نقل مجتمعها إلى العلم والتحضر، مع تجنب إثارته، في هذا البحث المتعلق بالحياة الفكرية والثقافية، فإنا نجد ذلك فضلاً عن كونه تهيئة لعوالم الثقافة والفكر كما سبقت الإشارة .. نجده بحد ذاته عملاً فكريا وثقافة إبداعية نقرأ في صفحاتها تحرراً فكريا، وسياسة متوازنة، ومواءمة بين الهدف والواقع، وتجديداً للتراث وتواصلاً معه، وانفتاحاً على العصر والمنجزات الإنسانية.
ولقد احتضنت هذه المنطقة بواكير التعليم العالي في المملكة، فلقد تأسست كلية الشريعة عام 1369هـ، وابتدأ منهاجها الدراسي بالعلوم الدينية واللغة العربية، ثم أضيفت مادة التربية وعلم النفس عام 137هـ ، ثم التربية العملية، وفي عام 1379 أدخل المزيد من المواد المسلكية في الخطة الدراسية مثل: طرق التدريس للمواد الدينية واللغة العربية، وأصبحت تعرف باسم كلية الشريعة والتربية. ثم قامت كلية التربية عام 1382هـ.( )
ويهمنا هنا أن نشير إلى أن الحرص على المستوى التعليمي والتربوي للكلية أدى إلى عقد حلقة دراسية حول مناهجها وتقويمها وتطويرها، وكان في هذه الحلقة رجال لهم مكانتهم العلمية والدينية أمثال: محمد المبارك، مصطفى الزرقا ، أبو الحسن الندوي من خارج المملكة وعدد من رجال التربية والتعليم من داخل المملكة وأصبحت الكلية تعرف باسم \" كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة\" وفي عام 1388هـ، تم افتتاح قسم للدراسات العليا ، كان يمنح درجة الماجستير في علوم الشريعة، وكان يشرف على هذا القسم عند إنشائه الدكتور محمد أمين المصري( ).
وقد تأسست بجدة جامعة الملك عبد العزيز عام 1387هـ ، كانت أهلية بادئ ا لأمر، ثم ضمت إلى رعاية الحكومة عام 1391هـ ، لتنضم إليها كليتا الشريعة والدراسات الإسلامية، والتربية بمكة المكرمة( ).

وللتعليم العالي أثره في تنمية الحياة الفكرية والثقافية، بما هيأ من فتح آفاق الحوار، وتعدد الرؤى، والتبصير بأدوات البحث، والتفاعل مع الأساتذة بتخصصاتهم المختلفة سواء أولئك الذين عادوا من الوطنيين بعد تأهيلهم خارج المملكة، أو أولئك القادمين من البلاد العربية، من خلال محاضرات قاعات الدرس أو الندوات والمحاضرات إلى تقام في إطار الأنشطة، فلقد وقف الطلاب على اتجاهات أدبية وفكرية متباينة، وألموا بشيء من طرائق دراسة النص والتذوق الأدبي، وعايشوا حوار أستاذتهم، والمواقف من التشكيلات الأدبية الحديثة مثل الشعر الحر، ووقفوا على حركة الصراع بين القديم والجديد في الأدب والنقد .. وكان لعدد من هؤلاء الطلاب الذين احتضنتهم هذه المؤسسات في هذه الفترة أثرهم في الحركة الثقافية والأدبية على النحو الذي سنشير إليه حين نأتي إلى المرحلة الثانية.

أما حكاية تعليم البنات في منطقة مكة المكرمة فقد بدأ أهليا، وأقدم المدارس الأهلية للبنات بمكة \"مدرسة البنات الأهلية\" التي تأسست في ربيع الأول سنة 1362هـ وكانت في بداية أمرها تسير وفق مناهج البنين الحكومية مع بعض التعديلات الطفيفة، التي أضيفت إلى ذلك المنهاج مثل الخياطة والتطريز ورعاية الطفل( ) وأنشأ عمر عبد الجبار مدرسة الزهراء، وهي أول مدرسة تضم صفوف المرحلة الثانوية بمكة في العام الدراسي 1384/1385هـ، وقد بقيت حتى بداية العام الدراسي 1391هـ/ 1392هـ المدرسة الثانوية الوحيدة للبنات بمكة المكرمة( ).

وقد افتتحت الحكومة عام 1380هـ ، 1960م ، بعد صدور مرسوم ملكي بتعليم البنات، عام 1379هـ ، ثلاث مدارس ابتدائية بمكة ( ). ثم تنامي عدد المدارس ومراحل التعليم بعد ذلك، وافتتحت أول مدرسة ثانوية للبنات تابعة للرئاسة العامة لتعليم البنات عام 1392 – 1972م( ).
وكانت أول مدرسة للبنات بجدة هي مدرسة البنات الفلاحية التي أسسها الشيخ محمد صلاح جمجوم سنة 1351هـ. ثم تتالى إنشاء المدارس الأهلية، ثم ابتدأ نصيب الفتاة من التعليم في جدة وفي الطائف بعد إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات سنة 1380هـ( ).
وقد بدأ دخول الطالبات مجال التعليم العالي مع السماح لعدد منهن بالانتساب لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة في العام الدراسي 1388/1389هـ حين التحق منهم خمس طالبات فقط( ) ثم فتح باب القبول بعد ذلك لهن في جامعة الملك عبد ا لعزيز بجدة ومكة.
وتعليم الفتاة هو الذي يجعل المرأة تتواصل مع الفكر، وتراود عالم الكتابة، فحسب مستوى التعليم تكون مشاركة المرأة في الإبداع الثقافي والفكري، ولذلك نجد ندرة مشاركتها في المرحلة الأولى، وقلتها في الثانية، وظهورها في الثالثة.

حركة النشر:
بدأ الاهتمام بالنشر في المنطقة مبكرا، فقد كان علماء مكة قبيل إنشاء مطبعة الولاية في أواخر العهد التركي بالحجاز سنة 1300هـ ، يطبعون مؤلفاتهم في مصر( ).
ثم تنامي ذلك بعد إنشاء مطبعة الولاية (حجاز ولايتي مطبعة سي)( ) التي كان يشار إليها بـ (الميرية) في جميع الأعمال العربية التي طبعت بها، وبمسمى ولاية الحجاز، ومطبعة الولاية في السالنامات والمطبوعات التركية التي كانت تنشرها( )، وقد اهتمت هذه المطبعة بطباعة الكتب باللغات العربية، والتركية، والجاوية (الملاوية)( )، وكانت تطبع سالنامة الحجاز، والجريدة الأسبوعية \"حجاز\"، وجريدة \" شمس الحقيقة\" ونسختها التركية \"شمس حقيقت\"( ) ، قبل أن تنشئ مطبعة خاصة بها في إطار شركة تجارية خاصة، استمرت حتى نهاية العام 1327هـ/1909م( )، وقد آلت هذه المطبعة إلى الحكومة الهاشمية، بعد ثورة الشريف حسين، وأصبحت مطبعة رسمية تطبع الأوراق الحكومية، وجريدة \"القبلة\"، التي صدر العدد الأول منها في الخامس عشر من شوال 1334هـ/ 1915م ، ثم انقطعت عن الصدور في الخامس والعشرين من صيف عام 1343/1924م ، مع انتهاء عهد الحكومة الهاشمية بالحجاز( ). وقد شهدت المطبعة الميرية في بدايتها طفرة للدعم الذي لقيته من مؤسسها الوالي عثمان نوري باشا، والتجهيزات المادية والبشرية، والحرية التي مارستها في طباعة النصوص( )، وقد أورد (طاشكندي) قائمة بمطبوعات هذه المطبعة حتى 1339هـ/ 1920م ، بلغت مائتين وسبعة وأربعين مطبوعاً ، وهي قائمة تفوق كما يقول 150% مما أمكن رصده في قوائم الضبيب وجنيد( ) وتجد في موضوعات هذه المطبوعات، الوعظ ، واختيارات من الأحاديث النبوية، وفتاوى، وحواشيا على بعض الأصول في الفقه، والنحو، والصرف، والبلاغة، وبعض الموالد، وسرداً للمناسك، وتعليقات عليها، وبعض المنظومات العلمية.
لكن حركة النشر لم تكن مقصورة على المطبعة الرسمية، بل كان لدى الأهالي توجه نحو ذلك ظهر -كما سبق الإشارة - قبل إنشاء مطبعة الولاية، واستمر بعدها، فقد أنشأ محمد ماجد الكردي عام 1327هـ/1909م ، مطبعة الترقي الماجدية، ويكاد الساعاتي (جنيد)، يعدها الخطوة الأولى في مجال صناعة النشر الأهلية في المنطقة ( ).
وقد حرص صاحبها على نشر مؤلفات معاصريه من علماء الحرمين الشريفين، وطبع على نفقته عدداً من الرسائل والكتب( )، وقد بلغ مجموع ما طبعته ونشرته المطبعة من بداية تأسيسها إلى عام 1342هـ، 96 كتاباً ( ).
ويشير محمد سعيد عبد المقصود خوجة إلى إهمال المطابع الأهلية في عهد الشريف حسين بسبب حذره من انتشار وسائل الثقافة والتعليم، في السنوات الأخيرة من عهده، وامتد ذلك إلى المطبعة الميرية التي لم تجدد فيها إلا الوسائل الاستهلاكية اللازمة للمطبوعات الحكومية كالورق والحبر والحروف( )، وقد انعكس ذلك على أداء المطبعة، فلا يعثر المتتبع للأعمال التي صدرت عنها خلال الفترة ما بين عامي (1334هـ – 1343هـ) (1916- 1924م) إلا على عدد ضئيل من الأعمال( ).
ومع دخول الحجاز تحت حكم الملك عبد العزيز تدخل المنطقة في عهد جديد تتنامى فيه المطابع، وتزداد حركة النشر، فيطلق على المطبعة الميرية (مطبعة أم القرى)، وتنمو العناية بصناعة الطباعة، إذا تستحضر عام 1345هـ ، خبيرا من سوريا ليعلم الحجازيين فن الحفر، وعمل الطوابع، وفي عام 1346هـ ، يُنشأ قسم خاص بذلك، فيُستحضر مهندس وعمال فنيون في صف الحروف توكل إليهم مهمة تعليم أبناء البلاد ذلك، وشجعت الحكومة على تعلم فن الطباعة، فخصصت إعانة لمن يريد تعلم ذلك .. وفي عام 1354هـ ، الذي يعتبره محمد سعيد عبد المقصود خوجة عام انقلاب هام في تحسين وسائل الطباعة وترقيتها تمَّ استحضار عدة مكنات طباعية من الطراز الحديث وبمقاسات مختلفة.. وفي عام 1357هـ، أرسلت بعثة إلى مصر مؤلفة من سبعة أشخاص للتخصص في فن الطباعة وشعبه.
وشجعت الحكومة المطابع، فمنحتها التراخيص، وأعفتها من التأمين المالي، وأعفت ورق الطباعة للكتب الدينية من الرسوم الجمركية( ).
وقد سميت هذه المطبعة ابتداء من نهاية عام 1359هـ ، بمطبعة الحكومة( ) وقد كانت الجريدة الرسمية للدولة، جريدة \"أم القرى\" تطبع بهذه المطبعة وتعد هذه الجريدة التي صدرت مع بداية العهد السعودي ابتداء من 15 جمادى الأولى عام 1343هـ / 1924م ، مرجعاً تاريخيا مهما لمرحلة بداية تكون الدولة( )، وحفلت في بعض فتراتها بالأدب، وكتب فيها بعض الأدباء مثل محمد حسن كتبي، وأحمد السباعي. وكانت الصحيفة الوحيدة التي تصدر في المملكة أثناء الحرب العالمية الثانية بسبب أزمة الورق.
ولقد عني الأهالي بالطباعة والنشر، فالمطبعة الماجدية استمرت في أداء رسالتها، خاصة أن الملك عبدالعزيز عرف قدر صاحبها محمد ماجد بن صالح كردي، فخرج من انزوائه في عهد الحسين إلى نشاطه العلمي، فأسندت له مديرية المعارف من عام 1364هـ إلى عام 1347هـ، وتولي مديرية الأوقاف العامة بمكة ( ). وقامت مطبعته، مطبعة الترقي الماجدية، التي أصبحت تعرف بـ (المطبعة الماجدية بمكة\" بطبع المقررات المدرسية وبعض كتب الشروح والرسائل في الفقه والنحو والتوحيد، ومختارات الأحاديث، وتجد في قائمة مطبوعاتها كما عرضها طاشكندي ( ) كتبا مثل \" منهل الأسعاف في بيان العمل بالتلغراف لمحمد علي المالكي، الرسائل النافعة الهادية إلى طريق المطالعة لعليم الدين الحنفي، الأدب الفني لمحمد حسن كتبي، مما يشي بميلها إلى الثقافة الحديثة، والتجارب المعاشة، وإن كان ذلك على نحو أقل مما هو ظاهر في حركة النشر في العقدين الرابع والخامس من القرن الهجري الرابع عشر، الذي ظهر في مؤلفات أبناء المنطقة .. ومن أهم مطبوعاتها في هذه الفترة كتاب أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار للأرز في ، حققه رشدي محلس.

ومن المطابع التي أنشئت بمكة، المطبعة السلفية التي أنشئت نتيجة لشراكة محمد صالح نصيف مع عبد الفتاح فتلان الذي كان شريكاً لمحب الدين الخطيب في المطبعة والمكتبة السلفية بالقاهرة.. حيث تمكن نصيف وشريكه من شراء مطبعة دار المنار من السيد رشيد رضا، وتم شحنها إلى مكة عام 1346هـ/ 1927م ، فأصدرت جريدة \"صوت الحجاز\" التي صدر العدد الأول منها في 27 ذي القعدة عام 1350هـ( ). واستمر صدورها من هذه المطبعة حتى الخامس من محرم عام 1354هـ، عام 1354هـ ، حين انتقل امتياز الجريدة إلى الشركة العربية للطبع، فطبعت في المطبعة العربية بمكة المكرمة( ) وحين ننظر إلى قائمة مطبوعات المكتبة السلفية التي أوردها طاشكندي( )، نجدها تهتم بكتب السلف مثل الإمام أحمد بن حنبل ، وابن القيم الجوزية ، وابن تيمية، إضافة إلى اهتمامها ببعض كتب الحديث النبوي، ومن عنايتها بالوقائع نشرها حفل تكريم شاعر سوريا خير الدين الزركلي لمحمد العناني سنة 1348هـ/ 1929م ، وخطب المسجد الحرام لعبد الله خياط سنة 1380هـ / 1960م.
وترينا هذه الحركة النشطة في إنشاء المطابع، على صعوبة ذلك في تلك الفترة، قدراً من الهمة، واستجابة للحاجة إلى حركة النشر، ودخول البلاد في مرحلة جديدة، تحاول أن تصل بالمطبوع إلى أبناء البلاد، ومن يأتي إليها من الحجاج والمعتمرين والمجاورين، وتحاول أن تنشر الثقافة السلفية، في الوقت الذي تبرز فيه الثقافة الحديثة، وجهد أبناء هذه البلاد في إعادة مجدها، والمشاركة في النهضة العربية.
وتجد من شهر بالحرص على نشر الثقافة الحجازية مثل / محمد سرور الصبان الذي ينشئ مطبعة عام 1354هـ ، هي أول مطبعة تنشأ في إطار شركة عامة هي الشركة العربية للطبع والنشر التي أسسها. وكان من ضمن مطبوعاتها جريدة \" صوت الحجاز\" بعد انتقال امتيازها إلى هذه الشركة، ومجلة المنهل في فترة من فتراتها قبل انتقالها إلى مطبعة المصحف الشريف( ).
وتتنامى في المنطقة ثقافة النشر بأن تتجه إلى التجويد، وأن تشيع التمسك بأدبيات النشر، كما هو ملحوظ في الإشارات التي تظهر على أغلفة الكتب من الإشارة إلى حقوق الطبع، وتاريخه، والإشارة إلى المتكفل بالطبع، مثل ما يظهر في مطبوعات المطبعة الماجدية.
ونجد لدى المطبعة الشرقية التي أنشئت بجدة، ولم نجد من أعمالها أي شيء بعد عام 1354/1935م( )، الاهتمام بجودة الإخراج، وقد أورد لها طاشكندي عدة مميزات في توثيق المطبوع، وضمان الحقوق الفكرية منها( ):
* توثيق حق المؤلف، حيث يكتب على الغلاف (حقوق الطبع والرسوم والترجمة محفوظة للمؤلف)، ولعل هذا الذي يعده طاشكندي أمراً غير مسبوق في الطباعة في الحجاز إن لم يكن في غيرها من أقطار العالم العربي، يكمن في إضافة الرسوم والترجمة إلى حق الطبع، وإلا فإن الإشارة إلى حفظ حقوق الطبع كانت تظهر في المطبوعات في غير هذه المطبعة، كما سبقت الإشارة إلى ذلك عند المطبعة الماجدية.
* وضع تاريخ الطباعة مشتملاً على اليوم والشهر والسنة، ويعلق طاشكندي على ذلك بأنه أمر لم نقف عليه في أي من مطبوعات الحجاز.
وكان نشاط المطابع في طباعة الكتب محدوداً في فترة الأربعينات والخمسينات الهجرية مقارنة بنشاط الميرية والماجدية من قبل، وكانت مطبعة أم القرى أكثرها نشاطاً( )، وقد انتشرت المطابع في مكة وجدة والطائف في فترة الستينات الهجرية إلا أن مشاركتها في طباعة الكتب لا زالت محدودة، ولا يجد الباحث غير عناوين قليلة منها تعود إلى هذه الفترة( )، وكان للملك عبد العزيز رحمه الله إسهامه الشخصي في نشر الكثير من الكتب طبع أغلبها في مصر وفي المطبعة السلفية بمكة، ومطبعة أم القرى.( )
وقد يكون لضعف إمكانات المطابع، وارتفاع تكاليفها أثر في ذلك، إذ نجد أن كثيراً من كتب أهل المنطقة تطبع في مصر.
ومن المكتبات التي كان لها دور في النشر في فترة الثمانينات الهجرية مكتبة المعارف بالطائف لصاحبها محمد سعيد كمال إذ نشرت بعض الكتب التراثية، في مجالات الأدب والتاريخ، والأدب الشعبي( ).
وقد أسهمت مكتبة الثقافة لصاحبها صالح محمد جال وشركاه في النشر فطبعت ديون \"المهرجان\" لطاهر زمخشري، وثنت بكتاب \" تاريخ مكة\" لأحمد السباعي. ولئن توقفت فترة عن نشاط النشر والطبع إلا أنها عاودت ذلك، فأعادت طبع كتاب \" أخبار مكة\" للأزرفي عدة مرات، وطبعت كتاب \" الجامع اللطيف\" لابن ظهيرة القرشي. وصدرت جريدة \"حراء\" في مطابعها في اليوم الأول من ذي القعدة عام 1377هـ( ).
ونجد في الكتاب الفضي لمجلة المنهل لعام 1379هـ، قائمة بالمؤلفات المنشورة، في الفترة من 1344هـ – 1379هـ يستوقف المتأمل فيها:
* اختلاف العناوين في هذه القائمة عن العناوين المطبوعة في قوائم المطبعة الميرية، والماجدية قبل هذه الفترة، حيث نجد في هذه القوائم عناوين تهتم بالإنتاج الإبداعي الذي يصدر عن الفرد، مثل دواوين الشعر، المجموعات القصصية، الروايات، وعناوين تشير إلى جهد ذاتي ورؤية مستقلة يكونها المؤلف في مجال تفكيره، ليست مقيدة بأن تكون شرحاً أو تحشيه على مؤلف سابق كما رأينا في بعض عناوين الميرية والماجدية، فنجد في هذه القائمة عناوين مثل:
- أطياف من إعجاز القرآن الكريم لهاشم دفتردار.
- إصلاحات في لغة الكتابة والأدب لعبد القدوس الأنصاري.
- خواطر مصرحة لمحمد حسن عواد.
- بناة العلم الحديث في الحجاز لعبد القدوس الأنصاري.
- التيارات الأدبية الحديثة في جزيرة العرب لعبد الله عبد الجبار.
- صقر الجزيرة.
* ظهور الكتاب المجموع، الذي يجمع مقالات ونصوص لعدة كتاب مثل:
- أدب الحجاز لمحمد سرور الصبان.
- المعرض لمحمد سرور الصبان.
- نفثات من أقلام الشباب الحجازي للسيد هاشم زواوي، وعلى فدعق.
مما يدل على نشوء شعور جمعي بالانتماء للثقافة الحديثة، وتقديم ذلك من خلال مشاركة جماعية في هذا الصنيع، تؤكد وجود الرؤية، والحماس للمشاركة من قبل أهل الحجاز.
* ظهور مؤلفات حديثة تعنى بتاريخ الحجاز ورجاله مثل:
- تاريخ مكة لأحمد السباعي.
- بناة العلم في الحجاز الحديث لعبد القدوس الأنصاري.
- تحقيق أمكنة في الحجاز وتهامة لعبد القدوس الأنصاري.
- رجالات الحجاز لإبراهيم هاشم فلالي.
- رجال في الميدان – طاهر الدباغ لعبد الرحمن الصباغ.
- قصة الأدب في الحجاز لعبد الله عبد الجبار.
- من تاريخنا لمحمد سعيد العامودي.
مما يشعر بتعلق الحجازيين، بماضي الحجاز، والحاجة إلى التنقيب عن آثاره وحضوره التاريخي، ووصل ذلك بثقافة العصر الحديث.
* ظهور عناوين تشير إلى العناية بتسجيل الذكريات، ورواية أطراف من السيرة الذاتية للمؤلف مثل:
هذه حياتي لمحمد حسن كتبي
مذكرات طالب سابق لحسن نصيف

وإذا أضفنا ذلك إلى \" أبو زامل\" ، لأحمد السباعي ، الذي أعاد نشره بعنوان \" أيامي\" فيما بعد. أدركنا أن هناك اتجاه لاستثمار الكتابة مقترنة بخطا صاحبها وجهاده في الوصول إلى تحقيق طموحاته، عبر رسم مسار الفرد ما بين عوائق المجتمع والزمن.
وحين ندخل فترة الثمانينات الهجرية، تدخل المملكة، ومن ضمنها المنطقة في عهد جديد من تحولات حركة النشر، فتنشأ في جدة الدار السعودية للنشر أسسها محمد صلاح الدين عام 1386هـ/ 1966، حيث برز الاتجاه الحديث في تجارة النشر بالمملكة، الذي يجود فنية الطباعة، ويعنى بإيصال المنتج إلى أكبر عدد ممكن من القراء( ).
وصاحب تطور حركة النشر نشوء حركة طباعية، تمثلت في العديد من المطابع التي أنشئت في مدن المنطقة مزودة بالآلات الحديثة، ومستخدمة طرائق فنية متطورة مثل: مطابع مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر التي أنشأها السيد أحمد عبيد على هيئة شركة مساهمة محدودة عام 1372هـ، 1952م. وفي عام 1374هـ/ 1954م أسس محمد حسين أصفهاني (دار الأصفهاني للطباعة والزنكوغراف\" وتمكنت مطابع دار الأصفهاني من استقطاب النشاط الطباعي لحداثة آلياتها، وحسن إدارتها ، فأسهمت في تحمل أكبر عبء في طباعة الصحف السعودية، والمقررات المدرسية، وعدد من أعمال الإنتاج الفكري السعودي.
ومنذ عام 1389هـ ، أسهم عبد العزيز الرفاعي في حركة النشر بالمملكة من خلال إصدار سلسلة المكتبة الصغيرة التي اهتمت بنشر كتيبات صغيرة في موضوعات مختلفة..
ومن دور النشر التي ظهرت في التسعينات الهجرية في المنطقة: دار الشروق التي تأسست سنة 1386هـ/1966 في جدة

المكتبات بالمنطقة:
لا ينفك التاريخ للحركة الفكرية في هذه المنطقة عن المكتبات العامة، والخاصة، والتجارية.. فهي وسيلة الزاد الفكري، والتواصل الثقافي مع القديم والجديد، والمهيئة لحركة الفعل الثقافي.
وكانت مكة بحكم تشرفها بوجود بيت الله العتيق، والمشاعر المقدسة للمسلمين، حاوية لهذا الفعل الثقافي حركة وحفظاً .. فيها مكتبات عريقة... اجتهد أهلها، والمخلصون في أن يضم بعضها إلى مكتبة الحرم الشريف فضمت إليها المكتبة التي أوقفها الشيخ عبد الحق الهندي العالم الشهير سنة 1336هـ وفي سنة 1346هـ نقلت إليها المكتبة التي أوقفها والي الحجاز محمد رشدي باشا المتوفى سنة 1232هـ، كما نقلت إليها مكتبة الشيخ عبد الستار بن عبد الوهاب الدهلوي المتوفى سنة 1355هـ، ومن نفائس محتوياتها تواريخ مكة المخطوطة( ).
وتعود نشأة مكتبة الحرم المكي الشريف إلى القرن الخامس الهجري عام 488 ( )، وفي عام 1262هـ جمعت خزائن الحرم المكي ووضعت في مكان واحد بأمر من السلطان عبد المجيد وأطلق عليها كتب خانة السليمانية أو المجيدية ، وظلت معروفة بهذا الاسم حتى 1375هـ، عند ما أطلق عليها مكتبة الحرم المكي( )، ويذكر جنيد أنها كانت تعرف بـ : (دار الكتب السلطانية( ) ويشير عبد الله عبد الجبار إلى مكتبة الشيخ حسن الشكور أحد مشايخ الجاوا ، بباب القطبي، ويذكر أن فيها مجاميع لكثير من \"البديعيات: وأنه قرأ فيها من المخطوطات ديوان \" السمرجي\" الجداوي ، وديوان بدر الدين خوج. ويذكر مكتبة الأستاذ الدهلوي التي تضم كثيرا من نفائس المطبوعات ونوادر المخطوطات المتعلقة بتاريخ هذه البلاد .. ومن أهم مخطوطاتها \"نشر النور والزهر\" لعبد الله أبو الخير( ).
ومن مكتبات مكة الشهيرة، المكتبة الماجدية التي جمعها الشيخ محمد ماجد الكردي وكونها من نوادر المطبوعات( ). وفي هذه المكتبة من النوادر ما لا يوجد في سواها، وقد اشترى هذه المكتبة عباس قطان، ووضعها في المبنى الذي شيدته أخته على حسابها في موضع ولادة الرسول  ( )، وأصبح ذلك المكان يعرف بـ ( مكتبة مكة المكرمة)، التي تضم نفائس من المخطوطات والمطبوعات ، ولا تزال تمثل ارفع المكتبات من حيث محتواها ومطبوعاتها النادرة( ).
وقد كان في جدة في هذه الفترة مكتبة الشيخ محمد نصيف، يصفها عبد الله عبد الجبار بأنها من أنفس مكتبات الحجاز وأحفلها بنوادر الكتب، وفيها كتب خطية قيمة..( )، ويذكر إلى جانبها مكتبة الشيخ حسونة المغربي ومكتبة دار الإذاعة السعودية( ).
ومن مكتبات المنطقة مكتبة عبد الله بن العباس رضي الله عنهما، تضم الكثير من الكتب والمخطوطات في علوم شتى\" وقد أسس المكتبة الوالي التركي محمد رشدي باشا الشرواني المتوفى سنة 1291هـ( ). وموقع المكتبة في الجهة الشمالية الشرقية للمسجد.
ومن المكتبات التي كان لها إسهام في الحركة الثقافية، مكتبة المعارف لصاحبها محمد سعيد كمال رحمه الله، حيث كانت هذه المكتبة ملتقى فكريا للعلماء والأدباء يتطارحون الآراء والحوار في المسائل العلمية والأدبية، وكذلك كان الأمر بالنسبة لمكتبة المؤيد لصاحبها محمد بن إبراهيم المؤيد الحسني خاصة في فصل الصيف الذي تكون فيه الطائف نشطة بحركة المصطافين، وقد تحدث عن هاتين المكتبتين ونشاطهما وجهود صاحبهما الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان( ).
أما المكتبات العامة التابعة لوزارة التربية والتعليم، فقد بدأ نشاطها في المنطقة في أواخر هذه المرحلة، عام 1394هـ، في جدة،( ) ولم تنشأ في المدن الأخرى إلا بعد ذلك وسنذكرها في المرحلة الموافقة لإنشائها.
وقد كان لمكتبة كليتي الشريعة والتربية بمكة، دور واضح في مسايرة الحركة الثقافية، التي طرأ عليها توسع في التعليم الجامعي، ووجود كوادر علمية أجنبية ووطنية، والتوجه إلى الدراسات العليا والأبحاث الجامعية.. ودعمت حين ضمت الكليتان لجامعة الملك عبد العزيز بكوادر فنية وإدارية، وقد حصلت على بعض الإهداءات، من أهمها في هذه الفترة مكتبة علوي شطا.
وقد أدى حسن التنظيم الجامعي إلى بث الثقافة المكتبية عن طريق ابتداء المكتبة المركزية لجامعة الملك عبد العزيز بذلك، في جدة وفي فرعها بمكة، وسرى من ذلك الاهتمام بالمخطوطات، والبحث عنها وشرائها، وفهرستها وحفظها بوسائل الحفظ الحديثة.

الصحافة:
أطل العهد السعودي على ظهور المطابع في المنقطة، وعلى تنامي حركة تعليمية في المجتمع الحجازي، دعمها،وأضاف إليها، واتخذ إجراءات حاسمة لتعميمها كما سبقت الإشارة، ونما بإطلالته تواصل المنطقة مع الثقافة العربية سواء مع أولئك الذين احتضنتهم البلاد أو من خلال تواصل المنطقة مع أدباء مصر والشام .. فكان ذلك داعيا إلى أن تظهر في الحجاز نقلة في التمثل الثقافي، تنتقل من الحفظ والتعليق على المتون إلى الإنتاج المقالي، والشعري، والقصصي، وكان من مجالات ذلك الصحافة التي تستكتب ذلك الإنتاج، وتهيئ له النشر ، فيحدث الحوار والتعليق والنقد. مما جعل المتأمل يقف على حركة أدبية قام بها الأدباء السعوديون الناشئون مواكبة لصدور هذه الصحف( ). وسنشير بإيجاز إلى أهم صحف ومجلات المنطقة في هذه المرحلة:

جريدة أم القرى:
صدرت صحيفة (أم القرى) بمكة المكرمة في يوم الجمعة 15 من جمادى الأولى سنة 1343هـ، الموافق 12 من ديسمبر 1924م. وكانت الصبغة الرسمية واضحة في سنواتها الأولى، ولكن هذه الصبغة كادت تتوارى بعد ما تولى محمد عبد المقصود الإشراف على تحريرها( )، وقد اضمحلت الجريدة أثناء الحرب العالمية الثانية( )، ومع ذلك لم يكن عبد القدوس الأنصاري ليتوانى عن صبغ الجريدة باهتماماته، فواصلت اهتمامها بالبحوث التاريخية والأدبية، وكان له الفضل في الاهتمام بالبحث اللغوي( ).

جريدة صوت الحجاز:
صدرت في يوم الاثنين 27 من ذي القعدة سنة 1350هـ ، 4 إبريل سنة 1932م، وتعتبر أول جريدة صدرت على الصعيد الشعبي في المملكة، وكان ظهور هذه الصحيفة من أبرز المعالم في تاريخ الأدب الحديث في هذه البلاد( )، وقد كان لتشجيعها النشر في بداية أمرها أثره في إبراز أدب الناشئة، ولكن تماديها في ذلك أدى إلى أن أصبحت ميدانا للمعارك الكلامية ومجالاً للخصومات النقدية( ).
ومرت الصحيفة بتغيرات كثيرة إلى أن آلت ملكيتها وإدارتها إلى الشركة العربية للطباعة والنشر تحت إشراف محمد سرور الصبان، وقد كانت هذه الصحيفة الرحم الحقيقي الذي نشأ وتفتح فيه أدبنا السعودي الحديث، وكانت الأكثر انفتاحاً على الأفكار والنظريات الجديدة، والأكثر جرأة في تبني مقاصد الإصلاح، والرائدة في تشجيع بعض الأجناس الأدبية الجديدة، وبعض التيارات الشعرية المستحدثة وكانت سباقة إلى تشجيع الترجمة والموروث الشعبي( ).

صحيفة (المدينة المنورة:
كان أول صدور هذه الصحيفة بالمدينة المنورة يوم 26/1/1356هـ، وصاحب امتيازها ومديرها المسئول عثمان حافظ ( )، وابتداء من 2 ذي القعدة سنة 1383هـ الموافق 15 مارس دخلت (المدينة المنورة) عهد المؤسسات، وتولى رئاسة تحريرها محمد علي حافظ على حين شغل منصب مديرها العام أحمد صلاح جمجوم( )، واهتمت جريدة (المدينة المنورة) ، في بداية هذه المرحلة بالأدب والثقافة، فكانت هناك صفحة للفنون والآداب بإشراف عبد الله عبد الرحمن الجفري، ثم تغيرت إلى \"أدب وأدباء\"( ) ثم \"دنيا الأدب\".

صحيفة (عكاظ):
صدر العدد الأول من ( عكاظ) بتاريخ السبت 3 من ذي الحجة 1379هـ، الموافق 28 مايو 1960م بمدينة الطائف، وصاحب الامتياز ورئيس التحرير أحمد عبد الغفور عطار. وقد تميزت عكاظ باهتمامها بالنقد الأدبي ثم بالأبحاث الأدبية واللغوية والاجتماعية( )، وحرصت عكاظ على استكتاب نفراً من مشاهير الأدباء العرب أمثال العقاد، ومحمود تيمور، ونشرت تحت عنوان (طريق العمالقة) لأدباء من الغرب أمثال : سومرست موم، تشارلز ديكنز، هيمنجواي ، واهتمت بنشر القصص المترجمة التي أسهم في تعريبها عزيز ضياء.
وبعد صدور نظام المؤسسات الصحيفة ، صدرت عكاظ في 12/6/1384هـ ، الموافق 18/10/1968 يومية بمدينة جدة، ثم خصص للأدب صفحة أسبوعية أشرف على تحريرها عبد الله محمد مليباري وزين عبد الغفاري، ثم علي مدهش بدءاً من سنة 1390هـ( ).

جريدة البلاد:
بعد أن توقفت (صوت الحجاز) عن الصدور في بعض سنوات الحرب العالمية الثانية، بسبب قلة الورق، عادت إلى الصدور عام 1365هـ باسم \" البلاد السعودية\" وكانت تصدر أسبوعياً ورأس تحريرها عبد الله عريف، ثم أصبحت تصدر مرتين أسبوعياً، ثم أصبحت يومية ابتداء من ربيع الثاني عام 1373هـ ، ثم اندمجت هي وصحيفة \"عرفات\" الأسبوعية، وأصبح اسمها \"البلاد\"( ). ورأس تحريرها حسن عبد الحي قزاز وصدر العدد الأول منها يوم الاثنين 16 رجب 1337هـ الموافق 16 يناير 1959م ، وأصبح امتيازها لحسن عبد الحي قزاز والشركة العربية للطبع والنشر التي يرأسها محمد سرور الصبان( )، وقد أفادت من اندماجها مع \"عرفات\" من أولئك الكتاب الذين استقطبهم حسن عبد الحي قزاز، وهم كتاب جامعيون وغير جامعيين أمثال: عبد الوهاب آشي، أحمد زكي يماني، محمد عبدالقادر العلاقي، وعبد العزيز الرفاعي( ) ويري عوض الله أن هذه الأقلام حققت للجريدة مضموناً حيا شاملاً محققة بذلك نقلة ثقافية قوية في تاريخ الصحافة السعودية ( )، وقد صدر العدد الأول من البلاد في عهد المؤسسات يوم السبت غرة ذي القعدة 1383هـ الموافق 4 مارس 1964 بمدينة جدة، وقد أصدرت مؤسسة البلاد للصحافة والنشر ملحقاً أسبوعياً لجريدة البلاد في الفترة من 14/6/1391هـ ، حتى 8/12/1391هـ وقد صدر عدد البلاد الأسبوعي في 11/1/1392هـ يحتوى على 52 صفحة عدا الغلاف الملون ( ).

جريدة \" الأضواء\":
وقد صدرت بإدارة عبد الفتاح أبو مدين، وكان رئيس تحريرها محمد سعيد باعشن، وتهتم بالأدب، شعراً وقصصاً،ودراسات أدبية، ونقداً أدبيا( ).. ( وكانت تتناول بالدراسة والنقد المؤسسات القائمة بلهجة حادة أحياناً)( )، وقد أدى بها ذلك إلى أن تقع في مخالفات مكررة لقانون المطبوعات مما أدى إلى إيقافها بعد العدد 87 في 20 جمادى الآخرة 1378هـ ( ).

حراء:
صدر العدد الأول من جريدة (حراء) في السادس من جمادى الأولى 1376هـ، 8 ديسمبر 1956م ، في مكة المكرمة، وكان صاحبها ورئيس تحريرها صالح محمد جمال واستمرت تصدر أسبوعياً حتى ذي القعدة 1377هـ. وابتداء من العدد 89 المؤرخ 23 من ذي القعدة 1377هـ، صدرت يومية في أربع صفحات واعتباراً من 18 رجب 1378هـ بعد أندماجها مع \"الندوة\" أصبحت تصدر باسم \"الندوة\"، بعد أن كانت قد أصدرت عددين باسم \"الندوة وحراء سابقاً\"( ).
وخصصت في صفحاتها بابا بعنوان \" من أدب الناشئة\" ، ونشرت قصة \" ثمن التضحية\" لحامد ومنهوري، وفي وقت من تاريخ صدورها خصصت صفحة أسبوعية بعنوان \"أدب وأدباء\" يشرف عليها عبد الرشيد عطار. ( )
وقد انتقدت مرة شؤون المال والاقتصاد بكتابة كاشفة وموضحة لسلبيات إدارة الاقتصاد، وقد أدى ذلك إلى دعوة التجار لمؤتمر يناقش الجشع والاستغلال( ).

الندوة :
صاحبها ورئيس تحريرها أحمد السباعي كان من ضمن موادها، بها باب (شعبيات) الذي كان يكتب بالعامية الحجازية، وينشر فيه \"القنديل\" حلمنشياته، وكان بها ركن للمرأة أطلق عليه \"رواق السيدات\"( )، ولما أندمجت مع حراء باع السباعي حصته في الامتياز لشريكه صالح محمد جمال( ).
المنهل:
وهي مجلة شهرية، عرفت باهتمامها بالأدب، وأصبحت مرجعا لكثير من الباحثين في دراسة الأدب في المملكة، صدرت أول أمرها بالمدينة المنورة في شهر ذي الحجة 1355هـ ، فبراير 1937م اضطرت مثل غيرها أثناء الحرب العالمية الثانية إلى التوقف ثم استأنفت الصدور في ديسمبر 1945م ثم انتقلت بعد ذلك إلى جدة ( )، وقد جعلت بعض أعدادها الخاصة عن الأجناس الأدبية فأصدرت عدداً خاصاً عن القصة، وآخر عن الشعر، وقد حققت لها سمتها الشهرية، وارتباط صاحبها الوثيق بالأدب والأدباء اتساعاً وعمقاً في موادها، وحواراً متسعاً، وقد ظلت المجلة الثقافية الشهرية التي حافظت على صدورها مدة طويلة فهي تصدر إلى الآن وكانت مجلة المنهل رائدة في نشر أدب المرأة والعناية به. ولقد عوتب الأنصاري بعد نشر أول مقال من ذلك فرد على معاتبيه (إنني لا أرى بأساً من ناحية الدين في ذلك، فإن اسم المرأة ليس عورة، وإن علمها ليس مستنكراً في الإسلام)( ).
الرائد :
صدرت مجلة الرائد في غرة ربيع الأول، الموافق 4 ديسمبر 1959م، في جدة وهي مجلة أدبية وثقافية، أصدرها عبد الفتاح أبو مدين، الذي رأس تحريرها وكانت تصدر نصف شهرية، ومن العدد 25 صدرت أسبوعية، واستمرت في الصدور إلى أن توقفت بعد صدور نظام المؤسسات الصحفية، وقد اهتمت بالقضايا الأدبية والفكرية إلى جانب اهتمامها بالقضايا الاجتماعية( )، والرياضة وأخبارها، إلى جانب اهتمامها بالشعر والقصة، والترجمة الإبداعية.

حركة النشاط الثقافي:
أثمر ظهور حركة الطباعة والنشر، وتهيئة سبل التواصل مع الحركة الثقافية في العالم العربي عن ظهور حركة ثقافية بدأ عليها الحماس للفعل الثقافي والإيمان بدوره في النهضة والإصلاح، وتحقيق رسالة إنسان هذه المنطقة الدينية والتاريخية.
وسنلقي ضوءاً على ذلك في المحاور التالية:
- خطاب بدء البعث وامتزاجه بالإصلاح.
- الاتجاه نحو الحضور الثقافي والأدبي.
- الظهور الإبداعي في الأجناس الكتابية الجديدة وفي الإنتاج الشعري.
- الفن التشكيلي.
- المؤتمر الأول للأدباء السعوديين.

خطاب بدء البعث وامتزاجه بالإصلاح:
ما إن دخل الملك عبد العزيز منطقة مكة المكرمة، حتى هبت على أهلها بشائر النهوض والحرية، والمشاركة في بناء الوطن ومؤسساته الحضارية ، فقد وجد الحجازيون في هذا الواقع السياسي الجديد عهداً جديداً يمتد بحريتهم التي تاقت إليها نفوسهم بالثورة العربية، ويترك لهم المشاركة في إدارة الشؤون العامة عبر التشكيلات الإدارية الوليدة، لذلك كان خطاب الملك عبد العزيز لهم في مكة عام 1343هـ، يمثل الوقوف على عتبات عهد جديد، تظهر فيه الشورى، وطلب الخبرة، وتسخير الطاقات لبناء البلاد، فلقد قال (إن دياراً كدياركم، تحتاج إلى اهتمام زائد في إدارة شئونها، وعندنا مثل يعرفه الناس جميعاً، وهو أن أهل مكة أدرى بشعابها. فأنتم أعلم ببلدكم من البعيدين عنكم، وما أرى أحسن لكم من أن تلقى مسئوليات الأعمال على عواتقكم)( ).
وبذلك تلتقي إرادة القائد مع إرادة أهل المنطقة، الذين حمل كتابهم \"أدب الحجاز\" الذي صدر عام 1344هـ ، مطامحهم في الحرية والإصلاح؛ لقد كان أدب الحجاز والملك عبد العزيز على ميعاد، يدخل الملك عبدالعزيز مكة المكرمة في جمادى الأولى سنة 1343هـ، وتسلم له جدة في أوائل جمادى الآخرة عام 1344هـ( ) ، ويصدر أدباء الحجاز مجموعتهم \"أدب الحجاز\" عام 1344هـ ، فتصافح مطالب الحرية، الإصلاح، النهضة إرادة عبد العزيز، يقول جامع الكتاب محمد سرور الصبان في المقدمة (.. وإذا كان لنا من أمل نرجوه، ونطلب بحرارة أن تحققه الأيام ، فلا شيء أكثر من حرية صحيحة، ونهضة صادقة تعيد إلى الحجازيين مجدهم المندثر وكرامتهم التي يستحقونها، وما ذلك على الله بعزيز ، ولكل أجل كتاب)( ).
ويحدد عبد الله الحامد القيمة التاريخية لهذا الكتاب بأنه (أول كتاب ضم مجموعة من النثر والشعر، واتجه إلى ربط الأدب بدواعي الإصلاح، سجل بدايات الأدب أثناء السنوات العشر التي سبقت صدوره، وهي بدايات تصور نشأة الأدب الجديد)( ).
لقد تشكل أدب هذه المجموعة مع الثورة العربية، التي أثارت الحماس، واستثارت طاقة إنسان هذه البلاد في النهضة الإصلاحية والفكرية.
فشهدت بذور حركة أدبية حان يناعها أمام الملك عبدالعزيز( )، وكانت مطالب الحرية والوطنية التي بثتها هذه الحركة ( النواة التي أَّلفت الرعيل الأول من المثقفين في مكة المكرمة والحجاز عامة)( ) ولذلك كان منصور الحازمي حين عد البداية الحقيقية للأدب الحديث في بلادنا ابتداء من أوائل العهد السعودي في الحجاز( ) ، ناظراً إلى زمن يناعة تلك التطلعات الحجازية.
لقد حملت أقلام الأدباء في هذا الكتاب هموم الحجاز في التطلع إلى نهضة علمية، وفكرية، واجتماعية، مما يشعر قارئها بتحول في التفكير إلى تفاعل عصري، وتحويل للعلم والفكر إلى إنتاج وإبداع ينهض بطاقات الإنسان، ويجدد حياته، وتحول عن علوم المتون والحواشي إلى علم عصري تشير إليه المقدمة ويشير إليه العواد حين يذكر ما ينبغي أن يكون عليه حاله وحال مجتمعه في تلك الفترة ، فيتحدث بلسانهم إلى أنه ينبغي عليهم أن يكونوا عصريين في اللسان، في التفكير، في الدفاع، في الأقلام، في العادات شرط ألا يتفرنجوا أو يشطوا، أو يزدروا كل قديم( ).
وحين نمضي مع مقالة أخرى ندرك مدى حماس هؤلاء الأدباء وتطلعهم إلى نهضة حجازهم في شتى المجالات، يقول الصبان (أين هم الحجازيون، هل في الحجاز علم أو تعليم؟ هل في الحجاز حكماء .. هل في الحجاز صحافة؟ هل في الحجاز نوادٍ أدبية؟ بل هل في الحجاز رابطة دينية أو وطنية؟ لا وحق الوطن التعيس لا يوجد كل هذا اليوم)( ).
لقد كان الكتاب محملاً (بمفاهميم فكرية وسياسية تنتمي إلى قيم الدولة الوطنية الحديثة، وعصر القوميات كالأمة، والوطن، والوطنية، والشعب، وهي بعض فيوض الفكر السياسي العربي في عصر النهضة)( )
ولقد أدرك أدباء تلك الفترة ذلك التحول الذي بدأ يؤتي ثماره في تلك الفترة، وجعلوا هذا الكتاب دليلاً عليه، فعبد المجيد شبكشي يكتب بعد عشر سنوات ليجعل هذه الفترة \" دور التكوين للنهضة الفكرية \"، ويقرن بين الإنتاج الأدبي ودبيب الحياة في الحجاز \"فشعر الحجاز حينئذ بدبيب الحياة يتمشى فيه\" ويجعل مختارات هذا الكتاب دليلاً على وجود أدب راق يدعى الأدب الحجازي، مع أنه يعترف بأن ذلك الأدب تعتوره بساطة البداية، وأنه مقدمة لنهوض وازدهار( ) لذلك كان هذا الكتاب علامة تحول ثقافي وفكري، وجد مناخا مهيئاً في التحول السياسي والاجتماعي الذي يقوده الملك عبدالعزيز.
ويبلغ الإحساس مداه بمخاض هذا التحول حين نسمع ذلك الصوت الجهير بالتغيير في كتاب خواطر مصرحة لمحمد حسن عواد الذي صدر مقاربا لكتاب \"أدب الحجاز\" إذ صدر عام 1345هـ ، 1926م، محملا بلغة جريئة وصارخة في نقد الحياة الأدبية ، والحياة الاجتماعية طرب لها عبد الوهاب آشي وهو يقدم الكتاب، ورأي فيه أنموذجا لكتابة شباب الحجاز المتأدب في تلك الفترة (إذا كتب للأمة فإنما يكتب بأقلام من حديد، ومداد من الغاز الخانق على صحائف من نار)( )، وكان العـواد وهو يستنهض الشباب، يستهض فيهم البحث عن أسلوب أدبي مختلف عما ألفوه، ويحاول أن يتلمس مثل ذلك الأسلوب في كتابات المحدثين من مصر والشام والمهاجر( ).
ويرى العوين أنه بصدور هذا الكتاب تنتهي الفترة الأولى من البعث الأدبي لتتوقف عشر سنين تقريبا إلى أن تبدأ فترة ثانية ناشطة( )، مع إنه يرى أن الصحف في هذه الفترة برزت فيها أسماء جديدة في نطاق الكتابة النثرية والشعرية، وبرزت حوارات حول التقليد والتجديد ، ومفهوم الابتكار والاحتذاء والاتباع، إذ يرى أن صوت الحجاز ساعدت على ارتفاع قيمة النقد وتقدير النص المقالي الجيد ورفعت مع رصيفتها أم القرى لواء بعث الحياة في الأدب( ) ويرى أيضاً أن الحماسة تمادت إلى أن استبدت بالعاطفة فجعلتها تنكر بادرات الوعي الجديدة التي نبتت في السنوات الخمس الماضية قبل صدور وحي الصحراء( ). فكيف يكون الركود مع هذه البوادر، وهذا الحماس، وهذه القضايا المثارة ، وهذا التقدير للمقال الجيد.
وعلى كل فقد وجد الحماس الظاهر في كتابات الأدباء مجاله في الصحافة إذ كانت الصحف والمجلات كالمنهل \"هي الوسيلة الجوهرية للنشر الأدبي أو الثقافي على وجه العموم ..))( ) فصحيفة أم القرى على الرغم من صبغتها السياسية والرسمية كان لها اهتمامها بالأدب، وزاد الاهتمام به أيام إشراف محمد عبد المقصود على تحريرها، ثم جاءت صوت الحجاز بمساحتها الرحبة للأدب كما سبقت الإشارة، وقد استبشر الأدباء بذلك ورأوا فيه انفراجاً، وفتحا لآفاق الكلمة، مما يجعل بداية هذا العهد فاتحة لتحول فكري هدفه الإصلاح وقوامه الحرية، مما جعل محرر صحيفة صوت الحجـاز يعلن أن \"باب القول والعمل قد فتح على مصراعيه، وميدانها رحب لمن يريد الاقتحام\"( ) ولم يقتصر هذا الجهر على الأساليب الأدبية، بل ناقش كثيراً من القضايا الاجتماعية، كما سبقت الإشارة في كتاب \"خواطر مصرحة\" وكما هو الحال في عدد من المقالات الصحيفة في صوت الحجاز مثل مقال إبراهيم هاشم فلالي عن تعليم الفتاة( )، وكما هو واضح فيما يشير إليه محمد سعيد عبد المقصود، حين يقول في صوت الحجاز في 17/1/1351هـ ( ونحن الآن ساعون إلى محاربة عادات فينا لا تقل مقاومتها عن الحرب، وسيغضب الكثيرون من رجال هذه الأمة التي نحن ندافع عنها ونسعي لخدمتها، ولكن هذا يجب أن نتغلب عليه بالصبر ونتحمل كل شيء في سبيله …)( )
وإذا كان الإصلاح، والنهضة، وطلب الحرية من سمات خطاب البعث الأدبي في هذه الفترة، فإن ذلك قد يكون شاغلاً عن البحث عن القيمة الأدبية، والتجويد الفني في الأعمال الأدبية، لذلك كان الصبان جامع الكتاب لا يجد غضاضة في أن يطرح من الاختيار مالا يتناسب مع هذه الهموم، فلذلك تجافي عن (وصف الطبيعة .. وعن مجالس الأفراح والليالي الملاح، وما في ذلك من عبث الشباب ودعابته)( )، لهذا كان الحامد يرى (أننا نفتئت على الحقيقة إذا اعتبرنا هذا الكتاب كتابا أدبياً محضا، إنما هو كتاب الدعوة إلى النهضة والإصلاح .. فكل الأدب الذي ورد فيه أدب ذوي مغزي إصلاحي لا يخفى)( ).

الاتجاه نحو الحضور الثقافي والأدبي:
كان لنوافذ التواصل الثقافي للحجازيين الذي وصلهم بثقافة مغايرة لما ألفوا، ولما ران على منطقتهم فترة طويلة أثره في تحريك همتهم نحو وصل حاضر الحجاز بماضيه، ونحو إيجاد فعل ثقافي في المنطقة يضاهئون به أولئك الأدباء،وتلك الثقافة التي يتواصلون معها، لذلك تجد الضجر من أن يكونوا قانعين بما يقدمه لهم أدباء الأقطار المجاورة في التواصل مع إرثهم الثقافي ويرون كما عبر أحدهم أن يكون الموقف من ذلك \"مشرفا لمركزنا رافعاً لرؤوسنا فنبحث مع الباحثين، وننقب مع المنقبين، ونشترك مع الكاتبين فنعيد لأنفسنا شيئاً من زعامتنا الأدبية الضائعة\"( ) وعمل الأدباء مع هذا الأمل الذي يعيد للحجاز مكانته، فمحمد سعيد عبد المقصود يقول \"ونؤمل أن تتقدم الأيام بالأدب الحجازي فيستعيد ما كان له من مقام ممتاز، وليس ذلك على الله ثم على أو لي الأمر ببعيد\"( ) وجاء مجموع (وحي الصحراء)، جامعاً لآثار الأدباء المعاصرين لتأليفه ليكون هذا الجمع \"كتابا مستقلا يكون صفحة صادقة من الأدب العصري في الحجاز\"( ) ، عنى فيه الجامعان بالاختيار ، حيث جندا نفراً من زملائهما الأدباء لذلك، وسعيا بهذا المجموع إلى محمد حسين هيكل ليطلع عليه، وليشهد هذا الإنتاج في الحجاز، وليقدم شهادته حوله من خلال كتابته المقدمة التي يقول فيها \"وترى تفكير هؤلاء الأدباء مصوراً في قوالب تكاد تردها إلى مصادرها في تفكير العصر الحاضر وأدبه\"( ).
ويبدو للعيان في هذا المجموع نقاش كتابه لهموم الفكر العربي ،وقضاياه في الوحدة الإسلامية، وفي نمو الفكر وإبراز أهميته ، وفي ضرورة التواصل مع الحضارة الحديثة والثقافة الحديثة ، إضافة إلى القضايا التي تمس هذه المنطقة ومعاشها في ضرورة نشر التعليم وتعليم المرأة ، والتطوير العلمي والاجتماعي، فأمين بن عقيل يكتب عن التعليم في الحجاز، ويجعل عنوان مقاله في هيئة أسئلة:
ما هو مثل التعليم الصالح للحجاز؟
ما هي التربية الملائمة لإصلاح حياتنا الاجتماعية؟
هل يكفي التعليم وحده لتكوين مبدأ الوطنية في الحجاز؟
ويأتي عنوان مقالة الثاني على هيئة سؤال أيضاً:
\" الحجاز ، وإلا م يدعو؟؟
أ للجامعة الإسلامية؟؟
أم للوحدة العربية؟؟
أم للرابطة الوطنية؟؟
وإذا بحثت عن الهم الأدبي في هذا المجموع، وجدت مقال عبد السلام عمر يؤكد على مهمة الأدب في الحياة وأن ( ما من نهضة علمية أو فنية أو سياسية أو دينية إلا للأدب يد في إنشائها وتقويتها في بدء تكوينها)( )
وتجد من المقالات ما يمعن الخوض في المسائل الأدبية، مثل الصراع بين ثقافة الشيوخ وثقافة الشباب كما في مقال حسين خزندار (الطموح والاعتدال)( ) ومثل تفسير النزعة التمردية في الأدب العربي كما في مقال (التطور في الأدب) يجزئيه الأول والثاني لمحمد سعيد العامودي( ) ، الذي يرى أن هذه الظاهرة التمردية تكاد تشمل الأدب العربي الحديث في أغلب مناحيه، في المعاني، والألفاظ، والأساليب، والمواضيع والاتجاهات( )، ويقرن بين هذه النزعة وحياة الشعوب العربية وما تعانيه من قلق وارتباك ويأس وألم( )، ويشيد بهذه النزعة، ويجعلها دليلاً على أن (روح الحياة والطموح قد دب دبيبها في نفوس الناطقين بالضاد)( ).
ولم يخف على المطلع على هذا المجموع، ما فيه من تجربة الكتابة بالأساليب الحديثة (فأنت ترى شعراً منثوراً، وترى أوزانا في الشعر من أوزان المدرسة الحديثة)( ) وترى فيه كذلك أساليب قصصية وحوارية كما هو عند أحمد السباعي، وعزيز ضياء، ومحمد حسن كتبي مما يشير إلى تحول تحمله الكتابة في شكلها، وأسلوبها، وممارسة في التجديد فيما تقدمه في عالم الفكر والثقافة، حين أخذت تبحث عن أسلوب جديد يثبت الحضور الأدبي، والتفاعل مع المتغيرات والثقافية الحديثة.
وهذه التحولات الشكلية تنم عن تحول في النظر إلى الكتابة من حيث هي ضرورة تعبيرية، وقيمة جمالية ليست قيمتها الوحيدة فيما تعبر عنه، ولكنها تعتد أيضاً بما تعبر به، فنجد في هذا التلوين في الأسلوب الذي يتجه إليه الكتاب قيمة تفسر الاتجاه إليه والتجويد فيه، فمنه ما يتيح للكاتب القرب من القارئ، ووضعه في مخيال الكاتب وفي إنتاجه، وجعله مناط بث هم الكاتب، من ذلك مثلاً مقالة \"أتأكل الرطب؟\"( ) لإبراهيم هاشم فلالي الذي أداره على حواره مع آخر، يبدؤه بقوله:
- أتأكل الرطب؟
- إنه غذائي الطبيعي.
ثم يستمر الحوار، ليظهر المفارقة بين حال استجابة الإنسان لحاجاته الضرورية التي يلبيها العلم، واستخدام المخترعات الحديثة، وبين من يزعم بحظر بعض العلوم مثل : المنطق، الفلك، الرياضيات، ويجافي استخدام المخترعات الحديثة، من خلال الحوار الذي يقر فيه صاحبه بذلك في حال الحاجة الشخصية، ويناوئه في حال رسم الطريق لبلوغ هذه الغايات الحضارية.
وقد أراد الكاتب بهذه الطريقة استثمار حالة الحوار، للقرب من القارئ المجسد في شـخصية المحاور، ولاتخاذ حالة هذا الموقف الذي تعيشه الشخصية وسيلة للإقناع بالأفكار التي يطرحها ، فالكاتب يستحضر حال السلوك حين الحاجة ليبين منه الحاجة إلى هذه العلوم، وما تنتجه من مخترعات.
ولا تقتصر أهمية مثل هذه الأساليب على قرب القارئ، ومحاولة إقناعه، بل إن بعض هذه الأساليب يتعمد إيجاد القارئ المشارك، الذي ينتج الفكرة التي يريد أن يصل إليها الكاتب، فلا يظل الكاتب هو المرسل فقط، إذ يمتد ذلك إلى أن يجعل الكاتب ذاته مع قارئه، تحت سلطة الكتابة والنص، يجعلهما تحت حكم النتيجة التي آل إليها الحوار .. ومن هنا قد يضع الكاتب نفسه تحت طائلة السخرية، وهذا يخفف من تعالي الكاتب ، ومن كونه قطب الإرسال في كتابته ويتجه إلى الإعلاء من شأن الناتج الكتابي، وجعله سلطة مسيطرة على موقف الكاتب والقارئ .. كما هو الحال في مثل هذا النص الحواري، لأحمد السباعي بعنوان \"هات رفشك\"( )، حيث يبدأ النص بقوله:
\" يا صاحبي هات رفشك واتبعني.
هاته وقم في إثري ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه أمرا .. ألست من غراري أنت تعتلج في صدرك الآمال ؟؟\"
ثم يمضي في تساؤلات على هذا النحو ليقول: (( قل : إي .. وإذن أي أثر تركته في حياتك؟..
أتمتعض ثاني عطفك ؟ هون عليك، إن أريدك إلا صريحاً، فقل هل أنت تستحق الحياة؟
لا وربك وإذن أنت مثلي وأنا مثلك فاتبعني، اتبعني ورفشك.
اتبعني إلى حيث ترقد الجثث الهامدة، هناك نواري جسمينا بين الحجون وكدا))
ثم يرسم صورة التلكؤ على صاحبه، فيقول : \"أتتلكأ . ولم يا صاحبي؟ ألأنك تحب الحياة ؟
إن للحياة رجالها، في كل يوم لهم أثر جديد فيها، لأنهم ملكوا فجاج الأرض، وذللوا من البحار، وسيطروا على الهواء، ورادوا الجبال في كنوزها فأسلمتهم مفاتيحها، والحديد فعكفوا على تسخيره في مختلف شؤونهم، ليقول في نهاية المقال :
\" أرجل أنا وأنت؟ إذن أين هي مميزات الرجولة وأنفتها وإباؤها؟
الحق – والحق أقول لك – إنني وإياك لا نستحق الحياة، فهلم هلم برفشك واتبعني.
اتبعني وتعال نحتفر لأنفسنا هناك في حضن الأبد مأوى نهائيا .. \"
وقد حرص أدباء المنطقة في هذه المرحلة على إظهار أدبهم خارج البلاد، خاصة في مصر، حيث أدباؤها المشهورون، ومجلاتها الأدبية ومنها مجلة الرسالة، فالعطار يهدي ديوانه الأول إلى العقـاد والمازني ويصدره برسالة طه حسين إليه في شأن ديوانه، والزمخشري يهدي ديوانه إلى الدكتور محمد حسين هيكل، والفلالي يهدي رباعياته إلى علي محمود طه، ويصدر هذه الرباعيات بمقدمة له( ). وحين نستعرض الأسماء التي كتبت في مجلة \"الرسالة\" نجد مشاركات لعدد من أدباء المنطقة، منهم( ):
- إبراهيم هاشم فلالي.
- أحمد عبد الغفور عطار.
- أحمد محمد جمال.
- أحمد علي المكي.
- عبد القدوس الأنصاري.
- حسن عبد الله القرشي.
- عبد المجيد شبكشي.


الحضور في الأجناس الكتابية الجديدة وفي الإنتاج الشعري:
يأتي سباق التجديد في الكتابة الشعرية والنثرية، لدى أدباء المنطقة في هذه الفترة، في طريق بحثهم عن الحضور الأدبي، عبر ممارسة الكتابة في الأجناس الأدبية الجديدة، ومواكبة لتحولات القصيدة .. وسنفصل القول في ذلك على النحو التالي:
- القصة.
- الرواية.
- المسرحية.
- النقد الأدبي.
- الإنتاج الشعري.
- الفن التشكيلي.

القصة:
تمخضت التجديدات في الكتابة النثرية التي رأيناها سابقاً، في التوجه إلى الكتابة عبر فن القصة، فظهرت كتابات في شكل قصصي لدى أدباء المنطقة، ويعتبر منصور الحازمي أقدم المقالات القصصية ما كتبه محمد حسن عواد في كتابه خواطر مصرحة سنة 1926م ، تحت عنوان \" الزواج الإجباري\"( ). ويشير إلى محاولة أخرى بعنوان \"على ملعب الحوادث\"، لعبد الوهاب آشي، نشرت في كتاب أدب الحجاز سنة 1344هـ (1926م)، لجأ في صياغتها إلى أسلوب المقامات ..
ولقد تابع في ضوء ذلك بعض المقالات القصصية التي جاءت بأسلوب الرمز مثل (في الراديو) لأحمد السباعي سنة 1354هـ ، 1935م، و \"عقل عصفور\" لمحمد حسن كتبي، وما كتبه حمزة شحاته \"عن الحمار\" ويعتبرها أهم وأنضح ما نشر من هذا النوع القصصي خلال فترة ما بين الحربين.
ويشير محمد الشامخ إلى قصة \"رامز\" لمحمد سعيد العامودي، التي نشرت عام 1355هـ، ويجعلها مثالاً للقصة القصيرة، ثم يقول \" لقد سميت هنا قصة قصيرة لصغر حجمها، وانتمائها إلى الفن القصصي، والحقيقة أن لها قصر الأقصوصة وتسلسل أحداث الرواية،ولكنها تفتقر إلى تركيز الأولى ، وشمول الثانية، وعمقها)( ). وقصة \"رامز\" تحكي حكاية يتيم تربى في بيت خاله ، ثم تسوء معاملة أرملة خاله له، وتفسح المدرسة المجال لرامز المبرز فيها، ليكون ضيفا في قسمها الداخلي، ويجتهد ويتابع دراسته، حتى يصبح طبيبا، ويفتح عيادة طبية في مكان ناءٍ عن مسقط رأسه، يأتيه غلام في إحدى الليالي، يتوسل إليه لينقذ أمه المريضة، يمضي معه، يصل إلى حيٍ قذر، يفاجأ بأن المريضة أرملة خاله، كانت في الرمق الأخير، لم يستطع أن يصنع لها شيئاً، مضت لبارئها، فيحتضن ابن خاله، ويشرف على تعليمه حتى يصبح طبيبا مثله.
وتستوقف الشامخ قصة محمد علي مغربي التي نشرها عام 1358هـ، بعنوان \"ملابسه المسروقة\"( ) وترسم أجواء القصة في مقهى \"العم بدوي\" الذي كان يبدو شخصية غربية مضحكة.. وقد عانى أحمد من ليلة قائظة خانقة، فأراد أن ينفس عن كآبته وضجره في هذا المقهى، ويلقى شيئاً من طراوة الجو بعيداً عن العمران، يأتي أحمد وكان يعاني من الحمى إلى المقهى، وإلى العم بدوي، المرح المضحك ، يستغرق في نومه دون أن يتدثر بغطاء، يلسعه البرد في الهزيع الأخير من الليل، يحاول أن يرد أطراف اللحاف إلى جسده، يفاجأ أنه مدثر بالغطاء، في الصباح يشكر العم بدوي، ويرغب أن يضاعف له الأجر، يدهش حين يخبره أنه لم يفعل شيئاً من هذا ، تبلغ الدهشة مداها حين يوقن بسرقة ثيابه ومحفظة نقوده. ليقول أحمد معزيا نفسه بظرافة هذا اللص.
ويرى الشامخ أن هذه القصة (تعتبر بدعا في قصصنا الذي أنتج في هذه الفترة)( ) ويجد أن بناءها الفني يختلف عن بناء قصة (رامز) إذ إن المغربي حدد الزمان والمكان والحدث في بناء قصته، فجعلها مركزة متماسكة( ).
ويظل هذا الفن متناميا بنشره في الصحف ، وباحتضان مجلة \"المنهل\" له التي لعبت دوراً مهماً في تنميته( ) ، إذ خصصت حيزا ثابتاً لهذا الفن السردي تحت عنوان \"منهل القصص\" ثم \"قصة العدد\"( ) وقد هيأ ذلك المجال إلى أن تخترق القصة القصيرة مجال الإصدار، فبعد أن كان ذلك قاصراً على المجموعات الأدبية، أو المقالية، نجد الكتاب يصدرون كتاباتهم القصصية فيصدر حسن عبد الله القرشي مجموعته (إنات الساقية ) سنة 1956م ، وأمين سالم رويحي مجموعتيه \" الأذن تعشق\" سنة 1958م، \"الحنينة\" سنة 1959م( ).


المسرحية:
ولقد رواد أبناء هذه المنطقة هذا الفن منذ فترة مبكرة، وتحمسوا له، فمحمد عبد الله مليباري، يكتب في صحيفة قريش مقالاًًُ بعنوان \" أول مسرح في هذه البلاد\" وتشعر من العنوان اعتزاز الكاتب بهذه الأولية، وتمضي في المقال، وتجد الإشارة إلى تعطش البلاد إلى المسرح حين يقول: (( أما بلادنا فلم تعرف المسرح إلا المسارح التي كان يشيدها عبد الله خوجه في أول هذا العهد السعودي الزاهر، أيام كان يقيم حفلات \"مدرسة النجاح\" ))، وهنا نجد أن تربة المسرح هي التربة الثقافية، وبيئته هي البيئة المتعلمة، ولكنه لا يعد هذا المسرح، وماتلاه من مسارح في احتفالات المدارس إلا شيئاً عارضاً وإرهاصات غير ناضجة، ليجعل بعد ذلك مسرح السباعي ، أو دار قريش لتمثيل القصص التاريخي أول مسرح تعرفه هذه البلاد( ). ولم يكن المليباري وحيداً في التحمس لهذا المشروع، بل تحمس له آخرون بأقلامهم مثل: عثمان شوقي، مطلب النفيسة، على الشواخ وقد تعثر هذا المشروع على الرغم من وصوله إلى مراحله النهائية، وقد كان النص المسرحي المقرر عرضه بعنوان \"فتح مكة\" لمحمد عبد الله مليباري( ).
لكن هذا التوقف لا يعني وقوف الحركة المسرحية، فقد كان للمسرحيات الشعرية مجال للتمثيل في مدارس الفلاح، والمعهد السعودي، ومدرسة تحضير البعثات بمكة( ).
ولم تحل التهيئة المناسبة للمسرح دون كتابته، فقد أصدر بعض أدباء المنطقة مسرحياتهم خارج البلاد، فحسين عبد الله سراج يصدر مسرحيته \"الظالم نفسه\" في الأردن عام 1352هـ /1932م ومسرحيته الثانية \"جميل بثينة\" بالأردن كذلك عام 1362هـ / 1942م. وإن كان هذا الإنتاج لحسين سراج خارج البلاد إلا أنه أعد للتمثيل هناك وللقراءة هنا، ومن هنا كانت الإشارة إلى ريادته في هذا المجال( ). ثم يتتالى الإنتاج المسرحي لعدد من الكتاب في المنطقة ذكرت فاطمة الوهيبي من ذلك:
- الهجرة لأحمد عبد الغفور عطار سنة 1366هـ.
- غرام ولادة لحسين عبد الله سراج عام 1372هـ/ 1952م.
- العم سحتوت لعبد الله عبد الجبار 1374هـ.
- الشياطين الخرس عبد الله عبد الجبار 1382هـ.
- في الليل لما خلى لعصام خوقير 1389/1970م.( )
ومن المسرحيات التي لم تشر إليها فاطمة الوهيبي، حي على الصلاة لـ فؤاد شاكر، أصدقاء ا لظروف لمحمد سعيد العامودي، في غار حراء لإبراهيم أمين فودة.( )

الرواية:
وكان حرص أدباء المنطقة على الرواية يسير في سياق الحرص على الحضور الأدبي لهـذه البلاد، بل إن الاتجاه إلى الرواية يشير إلى الرغبة في الحضور في أحدث الأجناس العالمية للأدب، وجاء ذلك أيضاً في سياق الاتجاه إلى كتابة النص الحكائي، وتهيئة وسائل النشر لذلك كما سبقت الإشارة، فجاءت رواية \"التوأمان\" لعبد القدوس الأنصاري التي طبعت في دمشق سنة 1349هـ – 1930م. ثم \"الانتقام الطبعي\" لمحمد نور عبد الله الجوهري سنة 1354هـ - 1935، ثم \"فكرة\" لأحمد السباعي، و \"البعث\" لمحمد علي مغربي الصادرتان سنة 1948م.( )
وتتوخى هذه الروايات الإصلاح، ورسم سبل النهج القويم، عبر ترتيب الأحداث وفق غاية تميل إلى إعزاز الفكرة الحسنة، وإظهار عاقبة التردي في الجهل، والشهوات، والظلم.. ويرى الحازمي أن روايتي السباعي والمغربي أكثر نضجاً وحيوية من روايتي الأنصاري والجوهري( ).
ولا تمضي على هذا الإنتاج أكثر من عشر سنوات إلا وتصدر لأحد أبناء المنطقة رواية، هي رواية \"ثمن التضحية\" لحامد دمنهوري التي صدرت عام 1378هـ – 1959م التي يعتبرها الباحثون نقلة نوعية في كتابة الفن الروائي في المملكة ( ) . وتصدر بعد ذلك للكاتب نفسه \" ومرت الأيام\" سنة 1963م.
ويشير الإنتاج الروائي إلى وعي ثقافي بالمتغيرات، ورغبة في تحليل النسيج الاجتماعي، وتأمل حركة الشخصيات والأحداث والمكان وهي تمور تحت الهزات القادمة من الانفتاح على الثقافة الحديثة والتغير الحضاري، وهذا واضح فيما تكشفه هذه الروايات من صراع بين العادات والأفكار الجديدة، وما يحدث من حالات الانبهار بالأفق الحضاري الجديد، وما يتراءى فيها من استدعاء لذاكرة المكان، وغمس للشخصيات في أزقته وشوارعه، ونمطه العربي القديم.

النقد الأدبي:
ما إن بدأت الحركة الأدبية تطالع القارئ بحضورها عبر الصحافة والإصدارات الأدبية إلا وبدأ النقد يمارس حضوره التوجيهي حينا، والتقريعي حينا آخر، محاولا تلمس الوصول إلى غايات الناقدين في حضور الثقافة الحديثة، والأسلوب الحديث، والرؤية التقدمية الناضجة، فبدأت عند جيل الصبان ومن حوله من الشباب \"وكان محمد سعيد بن عبد المقصود ، والفلالي ، والعواد، والعطار .. من شبابي معاركها، ومثيري غبارها، قساة على المحافظين والمقلدين..\"( ) وكانت هذه النقدات تظهر عبر الصحف في صحيفة أم القرى التي كتب فيها محمد سعيد عبد المقصود بتوقيع \"غربال\" وفي صحيفة صوت الحجاز التي عنايتها بالأدب أشد ، التي شن فيها محمد حسن كتبي حملة شعواء على شاعر المدح والمناسبات أحمد غزاوي في مقالات نشرها سنة 1352هـ، إذ نعى عليه اتباعه الأسلوب القديم، وترسم خطى الشعر الجاهلي، وتوارد مخزوناته القديمة على شعره ( ).
وإذا جاوزنا الصحافة إلى الكتب التي ضمنت النقد، أو اتجهت إليه، وجدنا باكورة ذلك في كتاب محمد حسن عواد \"خواطر مصرحة \"، الذي شغل بتفضيل المفاهيم النقدية الحديثة على الأسس الأدبية القديمة( )، ومما جاء في هذا الكتاب بحثه عن الطريق الجديد للبلاغة، حيث يذكر أنه تلمسها في الألوان الأدبية القديمة فلم يجدها، وقد وجدها في القرآن الكريم، ولدى بعض كتاب سوريا ومصر ولبنان، وقد جاء ذلك في أسلوب يحفل بمجازات الكلمات التي تشي بتحفظ وقبول إلى أن يصرح أنه وجدها في مترحمات فولتير، ومولبيير، وشكسبير، وبايرون، وجوته إلى الحد الذي ينعى عنده مجد العرب( )، وارتد هذا الحماس للثقافة الحديثة إلى هجوم قاسٍ من هؤلاء الشباب على زملائهم فحين نشر عبد القدوس الأنصاري قصة \"مرهم التناسي\" تعرض لها محمد حسن عواد بالنقد ، وقد أثار هذا النقد حفيظة الأنصاري ومؤيديه، فلجأ العواد في رد من ردوده إلى تعبيرات قاسية لاذعة، قادت إلى غيرها، مما جعل المحرر يغلق الصحيفة أمام النقد الأدبي، لكن الصحيفة لم تصمد أمام مقاطعة الأدباء لها مما جعل المحرر يشعر بالمرارة، فيضطر إلى فتح صفحات الصحيفة للنقد الأدبي( ).
وحين يصدر أحمد السباعي روايته فكرة، نجد أحمد عبد الغفور عطار عندما ضاقت به السبل في نشر نقده، يصدر جريدة في مصر بعدد واحد يخصصه لنقد هذه الرواية. وهذا يدلنا على مدى تأثير النشر الصحفي في القراءة في تلك الفترة، واقتران الأدب به( ).
وذكر العطار أنه طبع من هذه الصحيفة عشرة آلاف على حسابه الخاص، حماية لحـرية النشر والرأي والفكر والأدب، وضماناً للفائدة الثقافية( ).
ولئن كان نقد العطار ينصب في معظمه على الجوانب اللغوية، إلا أنه تناول بعض الجوانب الفنية مثل البناء والتشخيص والسرد القصصي، ويرى أن الرواية تخلو من قضية محددة، وإنما هي مجرد خواطر وأفكار لمعت في ذهن الكاتب، ولم يحسن التعبير عنها، وجاء تصوير السباعي لحياة البطلة مليئا بالزيف والافتعال( ) وقد أشار العطار إلى المبالغة في تصوير شخصية البطل من حيث القوة الجسدية والجرأة والشجاعة والثقافة، ويشير أيضاً إلى التناقض الواضح بين المثل الأخلاقية السامية التي خلعها السباعي على بطليه ،وبين المواقف الحسية الفاضحة التي صورهما مندفعين إليها( ).
ولئن كان في مثل العواد وأصحابه اندفاعا نحو الثقافة الحديثة، فإنا نجد في هذه الحركة النقدية من يعي ضرورة التواصل مع التراث الأدبي العربي القديم، ومن يتعمق البحث في صورة الأسلوب

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2131


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عالي القرشي ، صدر ضمن الموسوعة العامة للملكة العرب
تقييم
6.14/10 (100 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.