الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
بحوث
نموذج تطبيقي على نص الثبيتي لإجراء التشظي والالتئام
نموذج تطبيقي على نص الثبيتي لإجراء التشظي والالتئام
01-20-2013 09:22 AM



قراءة القصيدة الجديدة من خلال التشظي والالتئام
د/ عالي سرحان القرشي

النظرة الأولى للقصيدة الجديدة في عالمنا العربي، ترينا مفارقة بين ما نظن أن مسعى القصيدة يتجه إليه، وبين تشكل القصيدة في مظهرها الشكلي، وفي قراءتها الدلالية ، والعلائقية..
فالقصيدة بوح كتابي، وشكوى، وإعادة صياغة لعلاقات الإنسان بعالمه، ومن شأن المعرفة بهذه الأمور، أن تجعل تقديرنا للتوجه لهذه القصيدة، هو بحث للذات عن تلاؤم، تتلاءم فيه من التشرذم والتمزق، أو تبحث عن التلاؤم في أمل يتخيل، أو تعرية الواقع الاستنهاض البوح وهذه الشكوى، ومن أجل إعادة صياغة علاقات الإنسان بعالمه .. فالظاهر في القصيدة هو التشظي والالئتام هو المبعث والأمل، وما بين ضدي هذه المفارقة تجئ القصيدة حاكية التشظي من خلال البحث عن التلاؤم، والتلاؤم من خلال كشف التشظي الذي يصعق سكونية الوجود الإنساني، ويعصف بآمال الاستقرار.
وقد لا أقول جديداً إذا قلت : إن الإبداع الشعري الحديث لا تجد فيه الذات معالم السكون والهدوء ، ابتداءً من شكل القصيدة، ومروراً بما يظهر في تشظي الدلالة، وقلق العلاقة بين الإنسان وعالمه ..
والمقصود بالتشظي هنا هو ذلك البعد الذي تقرأ فيه قلق الالتئام والتناغم والتوافق مع المستقر والمألوف ، الذي يتجسد في مظاهر منها:
- التمرد على الشكل.
- قلق سكون الدلالة.
- قلق العلاقة بين الذات والعالم.
- قلق العلاقة بين عوالم القصيدة وعوالم الواقع.

والالتئام هو ذلك البعد الذي تقرأ فيه محاولة الذات إيجاد العالم الذي تلتئم فيه.. هو محاولة التوافق عبر التواصل ، عبر بث الوعي ، عبر قراءة مظاهر التشظي.. وبالتأمل في نصوص التجربة الشعرية الجديدة تجد النص هو تشظ جاء للالئتام، والخروج من دوامة القلق واليأس والغربة ، والإحباط ، ينتج عنه تشظ على مستويات النص المختلفة .. وهنا نجد تكونا لشعرية جديدة ... إذ لم تعد القصيدة ذلك النشيد الغنائي التعبيري الذي يفرح بنشوة النصر، أو تصوير حركة الطبيعة أو ذلك الغناء للمرأة ، فلم يعد النص تعبيراً عن لحظة الالتئام تلك التي تتلاءم فيها الذات مع عوالمها، ويخرج النص ليكون فضاء يحتضن تلاؤم المتلقي .. لكن هذه التجربة تصنع تلاؤمها عبر دوامة القلق ، عبر مسايرة الذات في تمزقها ، عبر الخيوط والترابطات التي تحتضن لغة النص، وتحولاته وعوالمه ، ومن هنا نجد أن مظهر التشظي والالئتام لا يقصر على الأشكال الجديدة في القصيدة، بل إن ذلك يسكن كل نص تلاءم مع هذا المظهر.
وفي هذه الورقة سأتخذ مظهر التشظي والالتئام إجراء نقديا للكشف عن حركة النص، وأحسبه إجراء قابلاً للتطبيق على جملة النصوص المسكونة بالقلق والتمرد والحيرة، النصوص الساعية إلى خروج الذات من شرنقة التمزق والقهر والألم، النصوص الباحثة عن الأمل، عن هشاشة الروح وسط صلادة الحياة .. وأظن معظم نصوص القصيدة الجديدة هي كذلك .. ومن شأن هذا الإجراء قدرته على متابعة تحولات القصيدة وقراءتها فهو يتابع التشظي والالتئام في البحث عن الأشكال الجديدة، فبه نقرأ دافع الخروج إلى هذه الأشكال .. ثم إن هذا الإجراء قادر على قراءة النص الشعري في مستوياته المختلفة .. وإذا كان التشريح والتركيب إجراء نقدياً يجد في هذه النصوص مجالاً طيعا لألياته، وقد استخدمته الدراسات النقدية الحديثة في دراستها لنصوص القصيدة الجديدة .. فإن هذا الإجراء يحاول أن يرد الحضور الإنساني إلي آلية الإجراء ,فلا يكون التفكيك أو التشريح ليجسد النص فقط ,بل يتخذ ما يتحرك به ذلك التشكيل من قلق روحي, وتردد , وحيرة , وألم , وبحث عن الذات . يتخذ من ذلك حضوراً من الإجراء وحضورا في الوعي بحركة النص , وهذا الإجراء أيضا لا يستسلم للإنجياح وسط دوامات التمرد , والقلق ,, والحيرة التي تسكن القصيدة الجديدة , فيكون الحديث عن النص انثيالا عاطفيا , وتما هيا مع لغة النص . لأن هذا الإجراء ينظر إلي مفارقة التشظي والالتئام في تناسج طرفيها فيقف بالمتأمل علي سعي النص ,وهو يغالب الشتات , ويلم بعثرة العالم , ويفصح عن حكاية انتشار الذات والجسد الإنساني في تلافيف الأشياء , وفي حواجز القهر , والألم , وحدود الهويات.
وإذا كان مظهر التوتر في النص , قد استقطب بعض الأبحاث ومن ذلك مبحث كمال أبو ديب (في الشعرية ) الذي وجه الأنظار إلي ما سماه الفجوة :مسافة التوتر(( ))...
فإن إجراء التشظي والالتئام يفيد من ذلك المنبع الذي وضعه أبو ديب ,ويخرج به إلي فضاء الذات وهي تحاول الخروج من تشظيها إلي الالتئام , ويتمثله إجراء قرائيا لحركة النص , وليس قبضا علي جذوة التوتر في موضع معين.
من هنا فإني أزعم أن هذا الإجراء لا ينظر إلي النص منقطعا عن فضاء الروح الذي خلق به وفيه , ولا ينظر إلي مظاهر ما يبوح به النص ويكشفه، منفصلاً عن بناء النص وتشكله، ولا ينظر إلى دلالات التوتر في لحظات منعزلة عن التكوين والتشكل.
ولعلنا بعد هذا نستطيع أن نفصل القول في مبررات هذا الإجراء على النحو التالي :-
انبعاثه من حركة القصيدة:
هذا الإجراء – كما سبقت الإشارة – ينبعث من داخل النص، من تحولات النص، من البحث عن المختلف في التشكيل والدلالة، فهو ليس إسقاطاً من خارج النص ، وإنما هو تجاوب مع مساره، هو قراءة في التحول الشكلي والتحول الدلالي، وقد سمح لنا كبار الشعراء بالوقوف على هذه الحال ، وتلك الرغبة التي أفضت إلى التحول، وتركوا القصائد تضئ هذا المسار ، فهو إجراء نقدي يوافق مسار الذات الشاعرة نحو القصيدة، به يقرأ التحول الشعري في ضوء التحول الاجتماعي، والتحول الفكري ، في ضوء ظهور النص بشكله ودلالته ، تقول نازك الملائكة التي أصلت لقصيدة الشعر الحر \"والواقع أن اللغة العربية لم تكتسب بعد قوة الإيحاء، التي تستطيع بها مواجهة أعاصير القلق والتحرق التي تملأ أنفسنا اليوم (( )) ، ويوحي قولها هذا بهاجس البحث عن التئام لهذا التشظي الذي تشير إليه ، لأنها تؤمن بقول الشاعر، بسعيه إلى إيجاد وجود جديد للغة يلتئم معه وبه، لأن الشاعر حسب ما ترى بفعل إحساسه المرهف وسمعه اللغوي الدقيق، يمد للألفاظ معانٍ جديدة لم تكن لها، وقد يخرق قاعدة مدفوعا بحسه الفني ليشد اللغة إلى الأمام ، فالشاعر مع بحثه عن اللغة التي يلتئم بها ، يتشظى عن لغته السابقة ، يخرق القاعدة.
وترى نازل الملائكة أن التلاعب بعدد التفاعيل وترتيبها ، يحرر الشاعر من طغيان الشطرين ، فقد كان التشظي عن هذا الإطار هو بحث عن التلاؤم، وكان التخلي عن القافية الموحدة خروجا من الخناق والوأد ، الذي كانت تسببه حسب ما ترى نازك ، ثم إن هذه القافية لا تسمح بالالتئام مع الجو التعبيري الذي يتخلق في القصيدة . لقد كان الشعر الجديد امتداداً للرعشة العنيفة التي أنسابت في كيان الشعر العالمي .
استثماره في الربط ما بين داخل النص وخارجه:
في القصيدة الجديدة، تقف على حالات الرفض، البحث عن أفق جديد، على قلق التشكيل، على بوابة الاحتمالات .. ومن شأن هذا الإجراء (التشظي والالتئام)، أن يقيم الترابط ما بين هذا العالم الذي يتماوج في القصيدة، وبين ما هو خارج النص من واقع متقلب، وإحساس بالفجيعة ، والوقوع تحت غائلة التشظي المادي والروحي، على نحو لا يجعل القصيدة موازيا لذلك العالم، وإنما يقرأ القصيدة من خلال انبعاثها من هذا العالم ، وبحثها عن الخلاص في السعي إلى الالتئام في التئام القصيدة مع عالمها، أو في تشظيها معه فراراً من تشظي الذات وانعتاقا في لحظة الكتابة والنشيد. نجد خليل حاوي يقول \" ولعله يصح على الحضارة العربية والشعر العربي في المرحلة الحاضرة ، رأي الشاعر الأرلندي سنح : إن على الشعر أن يكون عنيفاً متوحشاً قبل أن يكون إنسانياً أو جماليا)) .
فالشعر توحش مع توحش العالم .. ونجد محمود درويش يحكي عن تجربة الكتابة الشعرية والاحباط قائلا (( ... وبعد خروجي ( من السجن) لم أجرؤ على القيام بمحاولة الكتابة لأن التشنج والرؤية الفارقة في الدم والحروق لم تتح لي بلورة المدخل الذي سأنفذ منه إلى مثل هذا الموضوع المهلك .. بعد شهور وجدت نفسي أكتب بهدوء ظاهري هذه القصائد التي يحتويها ديوان \" آخر الليل\")) .
وهذا الأمر جعل أدونيس ينظر إلى الفعل الأعمق في تجربة الحداثة ، ذلك الفعل الذي يغوص تحت غطاء الشكل والتنافي مع الماضي، لكي تكون الحداثة الظاهرة في التجربة الشعرية الحديثة (( خروجاً من الذات في سبيل مزيد من التعمق فيها وفي العودة إليها ..)) ومن شأن هذا التعمق أن يفتح فضاءات التشظي ، لأن محاولة التمرد على الواقع والالئتام مع إرادة الذات لابد له من معاناة انهيار المفاهيم السابقة، ولذلك فإن الشاعر بحسب أدونيس ( .. لا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر إذا لم يكن عاش التجدد، فصفا من التقليدية، وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوي التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة) ، لذا يبدو التشظي قدر التجديد، قدر الاستجابة مع نداءات الحياة الجديدة وبعبارة أخرى هو قدر الالئتام، لذلك كان الدخول في العالم الآخر، الكامن وراء العالم الذي نثور عليه دخولاً في الفوضى والتصدع والنفي ، وبذلك نجد قراءة القصيدة من خلال هذه الإجراء، هو التحويل لهذه الظاهر من وجود مقروء في النص، إلى خيط وروابط تنتظم قراءة النص.
قدرته على الربط ما بين الوجوه المتقابلة في النص:
من شأن هذا الإجراء، في سبره للنص، الوقوف على الخيوط التي تقرن ما بين الوجوه المتقابلة في النص على كافة المستويات، سواء كان ذلك التقابل على مستوى الإيقاع، أو بين الصفة والموصوف، أو بين المتضايفين أو بين المقروء واحتمالات التفسير، أو بين أجواء الصور، إذ يتابع هذا الإجراء بنية النص في شكلها، ويبحث عن الخيوط الرابطة لحالات التبعثر والتمزق والتضاد التي تنبث في النص ، ومن ثم يكون هذا الإجراء إجراء تفسيرياً ، أزعم أنه يقدم قراءة تحليلية للمنجز، وللمتشكل في النص، لا يستسلم للمعيارية، ولا ينقاد مع المجانية، ولا يبحث عن خيط عضوي يربط النص من خارجه، بل يجعل النص يتلاءم مع حالة بعثه وما آل إليه، ليقرأ في ذلك هذا الذي يربط بين عوالمه ، بين مختلفاته ، بين تشاكلاته ..
ولذلك يأتي هذا الإجراء الكاشف النابع من الوجود الكامن في النص، ليكشف المخلوق ، المتهيئ في النص، ليضئ تبعثره، وقد يكون أحياناً خالقاً ومحدثاً لتشظٍٍ في النص يكمن من خلال الارتباط ، والتتابع، والتجاور.
يرى كمال أبو ديب أنه كلما اتسعت الفجوة المخلوقة ( أو المكتشفة، كلما كانت الصورة أعمق فيضا بالشعرية ، وأكثر ثراء بها )
ويهمنا من هذا فاعلية البحث في هذا التشظي الذي يكشف فاعلية تكون الصورة على هذا النحو في تحقيق خصوصية الشعرية.
توظيفه في متابعة تحولات النص:
القصيدة الجديدة في نماذج منها تميل إلى الطول النسبي، وتميل إلى تكوين النص في بناء يتنامى على عدة علاقات بين الذات وبين العالم، بين وعي الذات ووعي الآخر، بين تكوين الذات وتكوين الآخر ومن شأن هذا الإجراء أن يكشف تحولات النص عبر هذه العلاقات، ليظهر الحركة الكامنة بين جزئيات في هذه العلاقة ما بين التشظي والالئتام، ثم إن هذا الإجراء يمكن السابر للنص من تبين ما يقذف به النص من التئام مع الكتابة ومع التكوين يعتبر تجديداً، واختلافاً مع السائد، وبثاً لإشكالية الوعي مع غرابة العالم، وقسوته، وخنقه للحريات والكرامة..
كذلك من شأن هذا الإجراء أن يكشف الاختلاف الذي يتخلق في النص، ليس تعيينا وتعداداً وإنما عبر علاقات تخلقه ووجوده مع بنيات النص، ومع البنية الذهنية للنصوص السالفة، وذلك حين الوقوف على البنية الذهنية الجديدة التي تتشكل بها المفارقة والائتلاف .. فتكون المفارقة دالة في تشظيها عن السائد، بالقدر الذي تخلق به التئامها مع الوعي بالذات، والوعي بالعالم، والوعي بالحاجة إلى التجدد الذي يحيل الغرابة إلى حضور، والتمزق إلى التئام، والتشرذم إلى وحدة في الشعور.
ثم إن هذا الإجراء من الممكن أن نكشف به تحولات النصوص، وفي الوقت ذاته تحولات البنية في النص الواحد، خاصة تلك النصوص التي تتكون من بنى مختلفة من العمودي إلى التفعيلي، إلى النثر، من الانتقال من ضمير إلى ضمير، ومن الانتقال من تكوين ذاتي إلى تناص ، وتلك النصوص التي تستضيف في نصها نصوصاً أخرى، أو أغان، أو سرديات ..
وإذا كان الشعر الحديث تتضح فيه التحولات الإيقاعية مثلاً، وأن شاعراً مثل أدونيس يقوم باستمرار بإيجاد مساحة من الاختلاف أكثر حدة بين الانتظام الإيقاعي المتوارث واللا انتظام الإيقاعي الذي يخلقه الشاعر الفرد، فإن إجراء التشظي والالتئام يستطيع أن يقدم تأويل هذه المساحة.
إفادته من تطبيقات نقدية في النقد القديم وفي النقد الجديد ..
بطبيعة الحال هذا الإجراء يستثمر تطبيقات بلاغية ونقدية في القديم والجديد، فهو لا يستغني عن الالتفات وبعض الإجراءات البلاغية في الاستعارة والطباق والجناس والمقابلة ، ولا عن بعض تطبيقات نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني، ولا عن الاختلافات عند دريدا ، ولا عن التفكيك والتركيب، ولا عن الفجوة/ مسافة التوتر عند كمال أبو ديب ، ولا عن تطبيقات الألسنية والأسلوبية عند كثير من النقاد العرب.

التشظي والالتئام في نص محمد الثبيتي
موقف الرمال
موقف الجناس
سأقوم الآن بتجربة هذا الإجراء مع هذا النص، الذي اخترته لذلك لأمور عدة:
- الطول النسبي للنص، وتقسيمه على مقطعين طويلين.
- بناء النص في المقطع الأول من عالمين مختلفين وذلك بالخطاب المتجه للذات للنخل.
- تمثيل هذا النص لرحلة الشاعر بعد تجربة طويلة مع معايشة فضاء الشعر.
- استحضار موقف اللغة مع موقف الوجود.
فاعلية التشظي والالئتام في العنوان:
يأتي العنوان مفارقا للعناوين المستقرة مثل / شكوى ، انتظار ، أغنية فهو تشظ عن كثير من العناوين السائدة، ومنها بعض عناوين محمد الثبيتي مثل/ تحية لسيد البيد، يوميات لامرأة تضئ ، يا امرأة ، الطير .. إلخ.
فهذا العنوان المكون من مضاف واحد لكلمتين مختلفتين يدخل بنا عالمين متوازيين ، عالما من العالم المادي، وآخر من عالم اللغة .. ففي الأول (موقف الرمال) تجد التشظي بين إرادة الالئتام، الاستقرار في الموقف ، وبين حركة الرمال غير المستقرة ، بين ما يستدعيه \"موقف\" من إرادة النمو والامتداد ، وما تشير إليه الرمال من التصحر والجفاف، وإذا انتقلت إلى قرن \" موقف الرمال\" ، و\"موقف الجناس\" وجدت عالمين مختلفين ، وجدت عالم اللغة بما يقيمه الإنسان من فاعلية لتشظيها عن الالئتام ، فالجناس الذي يعني اتحاد اللفظ مع اختلاف المعنى يجعل الالئتام الظاهر في تجانس اللفظين يؤول إلى تشظ بذلك التحريك لفعل اللفظ وإدخاله في علاقة جديدة تكون له معنى جديداً ليتشظى به عن المعنى السابق ، وبهذا العنوان تدخل القصيدة وهي تستثمر حركة الفعل الإنساني في اللغة لكي تؤدي بتلك اللغة المتشظية إلى التئام مع تشظي الذات، لكي تتسق حركة الرمال المتماوجة مع حركة الفعل اللغوي الذي لا يستقر في اللفظ.
الذات والأصل:
يتكون النص من مقطعين طويلين ، في القسم الأول تشظي الذات مع وجودها وعالمها ، وفي القسم الثاني رحلة الذات إلى المعنى والظفر بالقصيدة .. الذي تلتبس فيه مسالك الوجود بمسالك اللغة، وتلتئم فيه الرحلة إلى عوالم القصيدة .. وفي مسالك هذين القسمين تظهر فاعلية التشظي الذي آل إلى حركة فاعلة في النص، حين ينتقل من الوجود وحركة العالم إلى اللغة ، فتتبادل اللغة والعالم حركة التشظي النابعة من البحث عن الالئتام.
في المقطع الأول حكاية تشظي الوجود الذاتي للمتكلم حين يقول:
ضمني
ثم أوقفني في الرمال
حكاية تشظ بالتئام، الإحساس بوطأة التشظي الذي دفع إلى الفعل \"ضمني\" ما قبل الضم حنين ، وشوق ، وإشفاق ، وحذر ، خروج من التشظي وتعويذ منه... إيجاد حالة التئام لمقاومة التشظي..
لكن هذا الضم كان كشفا لحالة التشظي ، إعلاما لحركة النص ما بين التشظي والالتئام ،و من ثم ظل النص ما بين التشظي والالتئام .. ومن ثم ظل النص حركة متماوجة ما بين القطبين المتضايقين .. فاعل \"ضمني\" يبحث لما تشظى عنه، لما انفصل عنه ذاته ، عن وجود يستوي عليه ويلتئم معه ، لكنه يشعرنا بالتشظي عن الموقف المحدد ، ليكون دعاؤه المسكون بالتشظي ، لم يدعه \"يا محمد\" ، لم ينطق الاسم كتلة واحدة .. لكنه دعا الاسم متشظيا:
ودعاني
بميم وحاء وميم ودال
لكأن الذات تشظي في هذه الحروف ، في هذه التهجئة ، ولكأن الحروف تلتئم في الذات التي تحمل هذه الحروف أسماً لذات محددة.
لكن هذا التشظي في الانفصال عن ذات \" وضمني\" في حروف التسمية يؤول إلى التئام في \"دعاني\" في \"استوى ساطعاً في يقيني\" ذلك لأن الذات التي انفصل عنها أصبحت خارجة من تشظي الشك والظن إلى أن تكون ساطعة في اليقين ، تلتئم فيه من التشظي.
أنت والنخل فرعان
خروج من التشظي عن عالم الإنسان، عن العالم المتغير، عن عالم المدينة إلى الالتئام مع النخل مع الأرض \"أنت والنخل فرعان\" لكن الـ \" أنت والنخل\" متشظ عن ال \" أنا\" ، \" الأصل\" يلتئمان في \"فرعان\" ويتشظيات بـ \" فرعان\" عن أنت وعن النحل ، ويتشظى النص عن \" أنت والنخل\" إلى تشظيان \"فرع\" ، وإلى هاجس البحث عن التئامات مختلفة بحركة التشظي المراوغة ... لتتشظى حركة الافتراع في الذات عن حركة الافتراع في العالم ، لتخلق الفعل الملئتم الذي يتخلق من الذات مع فعل \"النخل\" ، ليئول \"النخل\" إلى حركة عطاء ، وفعل الشاعر إلى إبداع ، لينداح الفعلان في تشظيات \" فرع\" التي تئول إلى الئتام ، ورحيق للذات ، ونشوة لها ..
أنت افترعت بنات النوي
ورفعت النواقيس
هن اعترفن بسر النوى وعرفن النواميس
\"فرعان\" تثنية لاسم جامد ، يتشظى عنه افترع ورفع في الذات ، و\"اعترفن\" و \"عرفن\" في \"هن\"...
أنت افترعت نبات النوى ، هذا الافتراع سفر ، ورحيل ، وتحول هو تشظ للذات، هو التئام مع التشظي مع الرحيل مع التحول ، تشظ عن الثبات والاستقرار، تشظ عن الركود برفع النواقيس ليأتي المقابل \" هن\".
ليعترفن بسر النوى، نواهن، نوى النخل، ذرة التكون، ولإنبات الذرة التي تئول إلى \" النواميس\" ، الذرة التي تئول إلى التئام ذرة النواميس التي تشظى عن \" الفوضى\" ، التمزق ، وعرفن النواميس ، لتأتي إلى الاحالتين:
فاكهة الفقراء
وفاكهة الشعراء
حيث إن فاكهة الفقراء من \" النوى\" نوى التمر
فاكهة الشعر من \" النوى \" نوى الرحيل ، التحول ، البعد ، التشظي..
لم يشأ الشاعر حتى هذه اللحظة أن يمزج بين عالم الذات وعالم النخيل ، بل لا زالا منفصلين وإن كانت اللغة قد بدأت توحد بينهما فـ \" النوى\" منهما ومشتقات \"فرع\" فعلهما .. ليئول ذلك إلى الالتئام في قوله.
تساقيتما بالخليطين :
خمراً برئيا وسحرا حلال
وأنت والنخل صنوان
يمثل الالتئام ، البحث عنه في تصور \" المتكلم\" الذي يقرن المخاطب بالنخل، ليئولا من التفرع إلى التماثل، كلاهما موئل القصد ، كلاهما طلب العذراء كلاهما :
الشاعر في الخريف احتمال
والنخل في الربيع اكتمال
جميع هيئات التماثل تتنامى في النص ، آيلة إلى التماثل ، على مستوى الحكاية عن كل صنو، وعلى مستوى اللغة:
اسم الإشارة القريب هذا ، مع اسم الإشارة البعيد ذاك.
مع فعل كل منهما ، مع حوزة كل منهما
دخلت إلى أفلاكه العذراء
خلدت إلى أكفاله العذراء
ما بين \" وخلت\" ، \"دخلت\" \" أفلاكه\" ، \" أكفاله\"
الأول هذا المتفرع عن الشاعر أبعد مدى يحوي الأفلاك .. والثاني يملك الأكفال .. تفعل اللغة فعلها من خلال هذا التجانس الناقص الذي يقول بالاختلاف ما بين \"دخل\" و \"خلد\" إلى إئتلاف والتئام من خلال إدخال الفعلين المتغايرين في مادة حروف \"د،خ،ل\" وما بين \"أفلاك\" و \"أكفال\" في الأول تباعد ، لكنه يئول إلى التقارب بإضافته إلى الضمير \"أفلاكه\" ، وفي الثانية التئام بدلالة \"كفل\" المشيرة إلى الضم ، والاحتضان ، و الاحتواء ، ثم كذلك في الضمير \" أفلاكه\"...
ومن خلال كل صنو تجد الأول / الشاعر يقرأ تشظيه في التئام الثاني، فالأول/ تدعيه البساتين
دخلت إلى أفلاكة العذراء
في الخريف احتمال
هو مناط التباعد إذ هو إدعاء ، أفلاك ، احتمال
بينما الثاني:
تشتهيه البساتين
خلدت إلى أكفاله العذراء
في الربيع اكتمال
هو مناط الالئتام ، إذ هو : اشتهاء ، خلدت إلى أكفاله العذراء اكتمال\"
أنت والنخل طفلان:
هنا نأتي إلى \"طفلان\" بعد التدرج من \"فرعان\" إلى \" صنوان \" الطفل لحظة استقبال الحياة، طرواتها، الطفولة مناط الالئتام، ولذلك جاء التفريع هنا يحمل هذه البهجة والاقتراب من بشارة الحياة، والتئام الذات معها .. هنا نجد الالئتام يغالب التشظي ، بل يسكب عليه احتماله، استقباله، منحته براءته في كل منهما
واحد يتردد بين الفصول
وثان يردد بين الفصول
النخل يتردد عطاؤه بين فصول السنة ، والطفل المخاطب يردد أنشودته بين الفصول.. ليأتي هذا النشيد التئاماً مع العالم ، التئام البراءة مع الوجود.
لنقع في آخر الطفولة على:
طفل قضى شاهدا في الرجال
وطفل مضى شاهرا للجمال
لبس بين تحديد ماهية الطفلين ، فلو مضينا على التقسيم الذي بدأ به لاتجهت / طفل قضى شاهدا في الرجال ، والثانية إلى المخاطب لكن احتمال الكلام قد يئول بالشهادة في الرجال إلى الثاني ، والشهرة في الجمال إلى الأول .. وهكذا يلتبسان حتى يصبح أحدهما الآخر فهما كانا صنوين ، ثم هما طفلان ..
أنت والنخل سيان
حين يقرأ الشعر الالتئام فراراً من التشظي ، فهو يقرأ الوعي بحركة الإنسان نحو التناغم مع الوجود ، نحو مقاومة التشظي .. ففي هذا المقطع تقرأ اللغة وهي تتناسل مع هذا الالئتام:
قد صرت ديدنهن
وهن يداك
وهنا يؤول النخل إلى جمع، وكأن النخل يجاوز النخل ليضم مماثلاثة : المرأة ، القصيدة ، الآمال .. فأصبحن جمعا هن ديدن الشاعر وغايته ، هن يداه .. كأنه لا يريد أن يبعد باللغة عن فعلهن فأخذت الأفعال تتناسل مع وجودهن لديه، ديدن، يد ، سمكن ، سماك لكن هذا الالتئام والتسوية تئول إلى أفراد للمخاطب، وإحلال له محل الأفول الذي جاء في طرف \" النخل\".
وهن شهدن أفول الثريا
وأنت رأيت بزوغ الهلال
امتزاج عذوق النخل بالعروق/
من ذاك الالتئام الذي تنامى ، يحضر، ثم يغيب، ليكشف التنامي والامتزاج نصل في هذه المرحلة من النص بعد التسوية إلى تمازج عذق النخل بعروق المبدع ، الشاعر ، المخاطب :
تسرى الدماء من العذوق
إلى العروق
لكن التشظي يحضر، إذ الامتزاج ناهض بالبروق، دلالة التشظي، وناهض بالإنشاء القاذف بالذات في أفق متشظ عن الواقع ، ليقول:
سيدي لم يعد سيدي
ويدي لم تعد بيدي
قال:
أنت بعيد كأنك ماء السماء
قلت:
إني قريب كأني قطر الندى
وهنا لأول مرة نجد حضور المخاطب، ليتكم، بعد أن قال \"سيدي\" نجده الآن يركز على القول:
قلت
وتري اللغة تمعن في تقريب البعيد \" ماء السماء\" يئول إلى قطر، حتى إذا قاربنا دلالة ماء السماء ، وقطر الندى بدلالات تاريخية نجد التداني والاقتراب في المسافة التاريخية .. لكن اللغة لا تبقى على هذا الالئتام بل تصنع فيه التشظي من هذه المجانسة التي تحمل المفارقة:
قفز وفقر
صبر وصبر
شطر وسطر
الجني ( والجنائن)
لتأتي بعد ذلك إلى:
قال:
يا أيها النخل
يغتالك الشجر الهزيل
لنجد امتزاج الذات الإنسانية بمعادلها الموضوعي ذات المنادى في أول النص بميم وحاء وميم ودال نجده ممتزجا مع النخل ، لتذهب عوالم المعادل الموضوعي ليكون المنادى هو النخل ، يلتئم معه ويتحد ، فتقرأ فيه رحلة معاناة الإبداع، وقلق الكتابة ، والالتئام مع القصيدة بعد التشظي:
فشققت بين القريتين عصاك
وكتبت نافرة الحروف ببطن مكة
،،،
والقصائد في يديك مصائد
والليل بحر للهواجس والنهار
قصيدة لا تنتمي إلا لباريها
وباري الناي
وفرح المسمى ، والباث له في هذا الوجود يتعالى على التشظي ، وتتابع على يديه دعوات التسامي ولا يبصر فتاه إلا رائحة زاكية ، تلتئم بالرائحة مع البعد، ليكون البعد \" فلا أراك\" رائحة زكية \" شميما من أراك\".
أما القسم الثاني من النص ، فيبدأ بهذه الجملة:
أمضى إلى المعنى
وكأن هذا التقرير عن الذات إعلان لحالة من التشظي عن المقولات النقدية الحديثة ، وخاصة تلك التي لامست شعر محمد الثبيتي، فكأنه يتجانف تلك المقولات التي لا تحفل بالمعنى ، نتيجة لما تحفل به من عدم تحديد المعنى، ومن عبثية المعنى، ومن إقامة الاحتفالية حول التشكيل اللفظي .. لكن الشاعر لا يتشظى عن ذلك ليقع في المباشرة والتقريرية، بل لكي يتشظى عنها، ليلامس الغموض الشفاف الذي هو من شأن الشعر، ليلتئم مع الغوص على المعاني ليعيد التشكيل لكي لا يظل الحريق حريقا بل ليئول إلى رحيق ، ليتشظى عن تلك المقولة التي تستحيل ماء الملام لكي يلتئم مع شعره مع إرادته فيئول ذلك إلى \" أعل\" يقول:
وأمتص الرحيق من الحريق
فأرتوي
وأعل
من
ماء
الملام
ويمضي النص مع الشتات متشظيا:
وأمر ما بين المسالك والمهالك
حيث لا يمّ يلم شتات أشرعتي
لكن في هذا التشظي يلتئم العالم مع إرادة الشاعر ، يقول:
أمضي إلى المعنى
وبين أصابعي تتعانق الطرقات
والأوقات ، ينفض السراب عن الشراب
ويرتمي
ظلي
أمامي
هنا لحظة من لحظات الالئتام ، التئام مع الذات، التئام مع المسير، التئام مع الهدف، تئول المسالك والمهالك إلى تعانق للطرقات والأوقات، يئول السراب إلى حقيقة، تئول الذات إلى وجود في مسافة تسبقها، كسبت الشهرة، أصبح ظل الشخصية يحضر قبل أن تأتي..
أصبحت اللغة في هذه الجزئية تلوذ بالالئتام ، تتجاور الكلمات في متشابهات حروفها الأوقات ، الطرقات .. السراب ، الشراب لتلئتم مع التعانق ، بعد أن كان التجاور في المتشابهات محدثا المفارقة والبعد والتشظي في الفقرة السابقة:
المسالك ، المهالك ، شتات أشرعتي ، نثار أجنحتي.
لكن المضي في هذه المسيرة ، تحقيق الالتئام ، ينبت من التشظي، من امتصاص الالئتام من رحيق المعاناة ، وقلق الخوف:
افتض أبكار النحوم
واستزيد من الهموم
الجمع بين الحصول على البكارة ، والهموم ، التئام من تشط ، والتئام إلى تشظ.
تتشظى الذات من أجل أن تباكر الالتئام:
وأجوب بيداء الدجى
حتى تباكرني صباحات الحجا
أرقا
وظامي
وتمضي مع النص لنقرأ الإنجاز معبرا عن نشوة الالتئام مع القصيدة:
ألفيتها وطني
وبهجة صوتها شجني
ومجد حضورها الضافي مناى
وريقها
الصافي
مدامي
وهذا يعيدنا إلى هذا الامتزاج من فرعي النخل والشاعر في المقطع الأول ثم يقول :
ونظرت في عين السماء
فخبت شرارات الظما
وانشق
عن
مطر
غمامي
وهذا الإنجاز ولالتئام يحيلنا إلى ذلك الحوار:
قال:
أنت بعيد كأنك ماء السماء
قلت:
إني قريب كأني قطر الندى
فهو هنا فرح بالإنجاز، فرح بالسقيا ، فرح بسكب الماء على تشظي الظما، ونجد شكل الكتابة للكلمات المفردة في السطر ملتئما مع لحظات انسكاب الماء، مفارقة للتشظي الذي لا يعرف اسماً للقصيدة المنجزة في قوله:
فمضيت للمعنى
أحدق في أسارير الحبيية كي أسميها
فضاقت
عن
سجاياها
الأسامي

هذه القصيدة المنجزة حققت التئام الذات بعد الشتات ، بعد التمزق، الذات تتماهي مع القصيدة، تصبح القصيدة هي الذات، هي الغناء، أصبحت الذات تغني بغناء القصيدة ، تتكلم بلغتها دون كلام:
يا التي سكنت غرفة لا تمس ستائرها
وحين لمست قيودي كانت ضفائرها
فأحتجبت بأحشائها ألف عام وعام
عن القيود / التشطي ، إليها إلى الالتئام بضفائرها وأحشائها، الزمن المتشطي يئول إليها ، ليحيل إلى ذلك الزمن الذي التأم عند شهر زاد، لكنه تشظي هنا ..
الالتئام مع القصيدة ، احتجاب عن التشظي خارجها .
صارت القصيدة هي وجود هذا المسمى بمحمد:
وصرت أغني بلا شفتين
وأحيا بلا رئتين
وألجم بين يديها خيول الكلام
لقد التأم مع القصيدة من التشظي:
يا التي روحها لثمت وجهي
وملائكها هدهدت مضجعي
ثم أسرت بروحي جنوبا وشام
وهكذا يرينا التشظي والالئتام يسكن القصيدة ، ورأينا اتخاذه مسبراً لها ممكنا من إدراك رحلة الالتئام عبر التشظي، وكشف حركة اللغة وهي تتردد بين هاتين الحركتين، وتردد العالم والذات ما بينهما.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1927


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
6.85/10 (79 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.