الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
بحوث
التشظي والالتئام في نص المرأة
التشظي والالتئام في نص المرأة
01-20-2013 09:29 AM

التشظي والالتئام
قراءة في النص الشعري للمرأة في المشهد المحلي
قد لا أقول جديداً ، إذا قلت : إن الإبداع الشعري الحديث لا تجد فيه الذات معالم السكون والهدوء ، فالقصيدة تمردت على تركيب البيت الشعري وتفاعيله الذي كان يحدد مسكنها منذ البيت الأول .. والصور تترامى من هنا وهناك؟ من الليل إلى البحر ، إلى الرصيف ، إلى الجوع ، إلى موائد المترفين ، ومن النسك ، إلى عطش الرغبة ، إلى المجون ، إلى ابتذال الحس الإنساني .. ، ومع ذلك فإن هذه الذات التي نراها في هذا التعبير بهذا الشكل نجدها تلتئم إلى هذا العالم ، وتلحمه هذا العالم إلى رؤيتها ،في مفارقة نغفل عن أحد طرفيها ، إذا انسقنا مع طرفها الأول ، وهو الطرف الذي أستأثر بالنظر والتأمل في النقد الشعري الحديث ، دون الطرف الثاني إلا نادراً.
مع إن النظر إلى المفارقة في طرفيها ، يقف بالمتأمل على مغالبة الشتات، ولم بعثرة العالم ، والإفصاح عن حكاية انتشار الذات والجسد الإنساني في تلافيف الأشياء ، وفي حواجز القهر ، والألم ، وحدود الهويات .. ولذلك عن لي من خلال هذا المنطلق أن نقف مع المرأة وشعرها ، في مشهدنا المحلي ، وهي تحاول لم شتاتها في عالم قصيدتها ، في الوقت الذي تفصح فيه عن شتات العالم الذي تجنح إليه .. وتتجلى هذه المفارقة في مستويات عدة:
• الكتابة الشعرية بين إرادة الالئتام وبعثرة الشكل.
• الكتابة الشعرية بين التواصل والبعد عن الآخر.
• الكتابة الشعرية بين استكناه مشاعر الذات وشتاتها في عالم القصيدة.
• الكتابة الشعرية بين المكتوب وبين المقروء.
إرادة الالئتام وبعثرة الشكل:
حين تجد الذات الشاعرة ، الفضاءات تعصف بها يميناً وشمالاً ، وحمى الشعر تدعوها للكتابة ، فإنها تقطع مسافة بين ذلك الهاجس الذي بدأت به ، وبين ذلك الانحطاط على صفحة الكتابة .. ذلك البدء كان من خيوط تترامى من هنا وهناك ، كان لتسجيل وجع ، أو تمرد ، أو حالة وهج ، أو حالة تصارع بين هذا وذاك ، لتجئ إلى فضاء الكتابة الذي يجمع شتات هذا العصف ، تقول لولو بقشــان : (أبجدية الصمت 133، 134)

ها أنذا
أمتطي زمن القهر
وخيولي موشومة بالصبر
الموج تحت أصابعي
يدغدغ صمتي
أمام بحر يصطخب
بوجع ووحدة
أقف وأطراف خوفي مبللة
كشعري .. كحلمي
خيولي .. عطشى
وملوحة البحر
ترشح بها الأجواء
وتتنفس عبرها
جراح جيادي القديمة
ماء البحر لا يروى الظمأ
وملوحة الموج
تترك الصرخات مشروخة أكثر
فلا تصل حدود الأفق

وربما لا نحتاج إلى الإطالة ، لكشف المفارقة في هذا المستوى في هذا النص، ذلك أن الخيول ، القهر ، الموج ، الخوف ، الصرخات المشروخة ، عدم الوصول إلى حدود الأفق .. كل ذلك يشير إلى ذهنية النص ، إلى السهام التي تعاورت الذات لحظة الكتابة ، إلى شتات الهدف وبعده ، فكانت هذه المسافة المبعثرة والمتشظية ، والقادمة من تشظي الذات .. كانت ترنو إلى كتابة تئول بهذا العصف إلى التئام يعصم الذات من التشظي فيه ، لكن شكل الكتابة مثل دلالاتها جاء يعلن هذا التشظي في الكتابة السطرية ، وتناثر الذات في كلمات تنفرد بالسطر عن الجمل مثل:
هاأنذا ، بوجع ووحدة ، وملوحة البحر ، وملوحة الموج .. وكلمات تتابع مثل: كشعري .. كحلمي .. خيول عطشى ، وملوحة البحر.
ونجد لهذه المفارقة وجهاً آخر عن أشجان هندي في قولها ( للحلم رائحة المطر: 112 ، 113)
قلت:
أمحوك محو المياه
لكل النقوش التي
خطها الأمس
في معصم الرمل
أطويك
طي الصحائف
أخفيك
بين الستائر
تحت الجدار
أهيل عليك أزدراء المرايا
لوجه الغبار
أرويك بالموت
أقصيك من رئة الموت
أنحر صوتك
أبقيه مختلطا بالدماء

فنهاك سر في ذهنية النص ، تردد فيه قبل ذلك ، والإشارة بالضمير في \"أمحوك\" تشير إليه ، وأمامنا شكل من الكتابة يتشظى فيه هذا السر ، وتتشظى معه الرغبة في طيه إلى الحد أن كثيراً من الكلمات تستقل بسطر شعري ، فما بين الرغبة التي تخاطب السر ، وتريد أن تطويه ، تأتي الكتابة لتشظي هذا السر في أسطر الكتابة قبل تشظيه في العوالم التي تشير إليها الكتابة الشعرية.
التواصل والبعد عن الآخر:
حين تغادر الكلمات شتات الذات ، وتسكن على الورق ، فهي تريد الكلام، الحديث مع الآخر ، البوح بتشطي الذات .. تريد الالئتام في هذا التواصل ، لكن المفارقة التي تحملها هذه الرحلة ، كما تتجلى في نص المرأة في مشهدنا الشعري ، تتبلور في هذا البعد الذي تهجس به الكلمات عن التواصل ، فلا تواصل مع مخاطب إلا وهو يحمل بعده عن آخرين نزعوا من هذا الخطاب ، ولا كلمات حوارية إلا وهي مبعثرة على شتات القلق والتوتر .. تقول سلوى خميس ( مثل قمر على نيته : 33)

أقذفيني نافذة
هفهافةً
غجرية
القت علىّ بنفسجة وقتها
ولا تُسمى
بربر مني
ولي فيهم نسب

واضح ما تحمله الكلمة الأولى \"أقذفيني\" من حاجة إلى البعد ، إلى الرمي إلى القذف .. لتجئ الكلمات بعد ذلك مسجلة هذا التلاشي المراد ، هفهافة ، غجرية، مستمطرة عدم التسمية ، منسلخة إلى البربر .. هذا التوق حركه الضجر ، الذي لاحت به كلمات مثل \"اقذفيني\" ، \"ولا تسمي\" وهنا نجد الكتابة الشعرية تسكن القلق ،والضجر ، والرغبة في البعد، فلا تتواصل مع المخاطب، ومع المتلقي إلا بهذه الرغبة المندفعة في اتجاه القذف والغياب.
وعند ثريا العريض نرى استجابة الذات للتواصل تئول إلى دم في السؤال ففي نص بعنوان \" الظمأ\" تقول : \"عبور القفار فرادي : 35\".
حين يمتد شوقك في الأرض
حذراً عتيقاً
يتوق لقطرة ماء
وحين الوجوه تعود طيوفا
يقلصها الصمت والانطواء
أتسأل عني..؟
فأهمي دما في السؤال؟

لينفتح النص على ما طلب التواصل بالسؤال ، النابع من تلاشي وانقطاع ، وتوق للحياة ، .. فيكون الحوار سؤالاً مفتوحاً على الدم والانفصال ، تقول : ص (35)
وها نحن في المفترق
نظمأ جسماً .. وظلاً
نتباعد أرضا .. سماء
ويجمعنا الانفصال



لتبرز الذات متلاشية في غياب التواصل ، ملتحمة مع قيودها، تقول (ص36)
وأبقى هنا في شحوب الظلال
نورسة مكبلة الجانحين
روح تهيم مع الأفق
يحبسها القيد لا تنطلق

ويكون سؤال الآخر، حواره المتجسد في الأب ، لدى أشجان هندي حالة من حالات استكناه المسافة بين السؤال وبين الجواب ، تلك المسافة التي تغدو قاعاً سحيقاً، وتغدو الإجابة معها مسامير النجار الذي يصنع للخشب مكانه، حسب الحاجة إليه.. تقول : (للحلم رائحة المطر 79):
وكان أبي
إذا ما جئته انتثرت على أخشابه البيضاء
أسئلتي
فراح يدقها في الماء
لا أثر لها
لا الماء يشربها
ولا صدأ المطارق يحتفي بطنينها المبحوح

فترى الرغبة في التواصل، عبر البوح، عبر الأسئلة، والبحث عن الجواب، لا تحمي الذات من التشظي ، بل هي تزيد ذلك التشظي سعة، وهوة، وانشطاراً ..حين تنتهي الرغبة بالتشطي في الاستسلام لحالة الصمت.. تقول بعد أن تزداد الأسئلة: (ص 80)
تفصد دقة عرقا
وكشر عن بلادة أحرفي البلهاء وجه القاع
بسطت عباءتي السوداء
ورحت أدق في شفتي
يعلمني ابتلاع الطين

لذلك جاءت رغبة الخروج إلى التواصل ، إلى البوح ، مسيجة بسياج هذا المسمار، متشظية في التطابق بين الخشب وصمت المرأة ، وفي السواد الذي جاءت به العباءة ، وفي الشقوف التي لم تنفذ منها الأسئلة .. وأصبحت الذات تتربى على دق هذا المسمار.

استكناه مشاعر الذات وشتاتها في عالم القصيدة:
تحاول الكتابة الشعرية ، أن تحكي ، أن تنبئ ، أن تتوجع .. إذ تصدر من ذات تتمزق ، تحاور ما أمامها ، تكاشف بخوالجها .. لكن ما يستبقى من هذا ، وما يظل مثاراً للتأمل في تكوين القصيدة ، هو منبع الشكوى ، ومثار الضجر ، فكأن رحلة الذات في القصيدة هي رحلة التشظي إلى التشظي ، ورحلة الصمت إلى الكلام ، ورحلة الستر إلى العري .. ولربما كان الستر والصمت حالة من التصالح مع تشظي الذات ، وكان الشعر هو كشف الخبئ ، ونطق الصمت .. تقول لولو بقشان (أبجدية الصمت 216).
أتدري
إن هدهدة الوجع
لم تعد بلسما
فوجعي اليوم
مستنكر ومرفوض
كلما أويته في دفئك أكثر
استفاق مشرداً أكثر

مما يشي أن البوح بالوجع وجع ، وأن طلب الدفء والقرب يئول إلى تشرد وتمزق ..
يئول التشظي إلى تشظٍ لأن إرادة الالئتام من المُخاطِب ، ومن المُخَاطَب متشظية في الممنوع ، والمسموح ، والأماني ، والواقع .. وتأتي الذات الشاعرة في القصيدة متأبية على الصمت ، سابحة في فضاء الانطلاق .. تقول لولـــو أيضــاً (وجه لم يره أحد : 42)


كفاني بحراً
مكبلاً بالشواطئ
كفاني حراساً
على سرب الكلام
ضجر الصمت مني
ضجرت الشوارع الخالية
من رجع الخطى الهاربة
وحده الحارس
لم يضجره همي

وفي لحظة من لحظات تنفس التوق للخروج من أسر الحارس، التي نتوقع فيها، الخروج من التشظي ، الالتئام مع البوح ، والحلم، تكون النهاية تشظي الذات بضياع طريقها ، تقول أيضاً ص (43):
ذات جرح
غاب الحارس
ذات فرح
رقد القمر
في عيني
ذات خوف
أضعت أنا
الطريق إلي

ولعل القارئ لا تغيب عنه دلالات تشظي الحالة في كلمات ولحظات يتقاسمها: (الجرح ، الفرح، الخوف).
وتجعل لطيفة قاري هذه المسافة من إرسال الوجع إلى منتهاه مفصحة عن الاغتيال ،والتمزق ، تقول \"هديل العشب والمطر ص 36\":
هذا الصباح
أبحث عن غراب يواري سوأة الآتي
فلا أبصر غير أفق غادرته الشمس
لا أرى غير الدهشة المصبوبة في الوجوه
التي ألفت حمم البركان
تغتالني
تمزقني

لعل الوقوف على هذه الرحلة المبتدئة من تشظي الذات ، المنتهية إلى تشظيها حين الإفصاح ، ومواجهة الآخر ، وحواره ، تكشف لنا أن الرغبة والتوق في الخلاص من هذا التشظي تتعثر ، وتتبعثر ، ويؤول بها الكلام إلى البدء، مما يشي بسدود الحوار ، وموانعه .. لماذا؟ لأن الكلام مع الآخر / الرجل ، القوم، أو حتى المرأة الأخرى المرتهنة لأفكاره .. هو السد الذي لا يفتح منافذ الحوار، ولا يستجيب لاستصراخات الشكوى .. بل أن ذلك قد يتعادل لدى المعادل الذي تفر إليه في الليل أو الشعر، ففي نص بعنوان \"ليلاً أو كشاعر\" تقول سلوى خميس\"مثل قمر على نيته ص 61\".
لماذا أكتبك وأنت ناءٍ
أتناسخك
أم
نسخك
في تلمذة دفتري؟؟
صبية
تزج بخضرة كلماتها المنهوكة
\"أحييك وأحييك
أيها الليل
وكم كنت لا تعرفني\".

ليكون الكلام بعد السؤال عن التواصل مع هذا الليل ، عند كتابته ، عن نسخه .. معمقاً لهوة الانفصال ، منتفضاً على مقولة التحية والإحياء .. مؤكدة على عدم التعارف ، وعلى ذلك الفصل ، الذي أحال المرأة إلى خدن للصاحب ، ورفيقة لسهر الليل ، وممتعة لهدوئه تقول (ص 62):
لماذا أكتب
وأنت هنا
لا تعرفني
حين أودعتني متكأً لانصرافٍ
تستعيره بلهجة النساء الخوالي؟؟

ويبلغ هذا التشظي مداه ، حين يكون ، حتى مع الرغبة في التواصل مع الآخر، ومجاوزة الموانع ، واستعارة طريقة ، ولغته ،وفعله ، حيث تنكسر الكتابة الشعرية على الانفصال، والتلاشي ، مثلما يتضح في هذا المقطع ، لسلوى أيضاً (ص76):
ماذا لو كان الرجل
المنغرس
شوكة شوق في الرئة
متوجاً بتاء غيمة
وتأهبت جمعا
متكسراً من نار؟‍‍
ألن يظل فارغاً وأنشطر؟‍

وترينا ثريا العريض أن الوصول إلى القصيدة احتراق ، وتساقط فهي التي تقول (عبور القفار فرادى ص 45):
يضيعنا زمن ليلكي
يمرغ أحلامنا في الرغام
يمحورنا في احتراق الحروف
يبلورنا في سطور الكلام
أتساقط بين نقاط الحروف
كأوراق صفصافة في الرياح
أمزق كل الكمامات
أجتاح كل القيود
ألامس كل الجراح

وتمضي كل هذه اللغة العنيفة ، الجائرة بالشكوى ، الضاجة بالألم ، الراغبة في الانعتاق من بهرجة الحرف ، ورصف الكلمات ..إلى التشظي والتلاشي الذي انتفضت عليه ، ذلك التشظي الذي يتضح في المسافة بين قولها (ص46)
أتيتك أحمل أشلاء صمتي
وأصداء صوتي

وقولها : (ص 46)
فهل حان ميعاد موتي ؟
وآن آوان السفر؟
أو في المسافة بين قولها (46)
خلت أن الطريق إلينا تعبده الأمنيات


وقولها : ( ص 47)
فكيف إذن نتراجع ..؟
كل الحكايا قديمة ..‍‍
ملامحنا تتجرد منا
لتلهو بنا في انعكاس المرايا
وجوه لئيمة
تتناثر ..
أقدامنا تتراجع
يجرحها الشوك
توجعنا الخطوات الأليمة

وعند هدى الدغفق تجد هذه المسافة من التشظي إلى الكتابة إلى التشظي ، تقول: (الظل إلى أعلى ص 25):
واهتز ابتداء من شروق دمي / شروقاً مطفأً
بالليل باللاشمس – فوق ضبابه قلبي
ويا قلمي .. كم استأثرت من ضيق فأعطيت
الخناق فماً ، تفوه منه أطيار وجئت إليك
أسئلة فتوتها تلاشت فيك.
ولعل المتأمل يرى حالة التوتر بين الشروق والانطفاء ، ذلك الذي ران على الذات .. ثم يئول ذلك إلى خطاب القلم فينفتح التوتر على وسعه فتجد : أطياراً ،أسئلة ، فتوة ..ومآلها إلى التلاشي في اختناق القلم وخنقه.
ولعل عبارة لطيفة قارى الشهيرة تختصر وتختزل هذه المسافة بين الرغبة في البوح ، والشعر ، والكتابة وبين التشظي في العذاب والتلاشي حين قالت \" ماكنت أعلم أن في كفي مفاتيح العذاب\" (لؤلؤة المساء الصعب 46 ، 48).

بين المكتوب والمقروء:
لا أريد الخوض في تفاصيل تشظي الكتابة الشعرية في المسافة بين المكتوب وبين المقروء ،والخوض في مسألة تشظي الدلالة بين الكاتب وبين متلقيه ، فذلك أمر مجاله الدرس النظري ، ولكن سنقف هنا على ألوان من شعور الكاتبة بالأجواء الغريبة التي تدخل إليها حين يراودها الشعر ، وتراوده في البوح عن ذاتها ، فيئول بها ذلك إلى الغربة والشتات ، بسبب من تفجر الدلالة الذي تحدثه اللغة .. فهذه لولو بقشان تقول \"أبجدية الصمت ص 216\":
أعرف أن اللغة
قد تخونني
وأن صدري
قد ينغلق في ليلة دوني
ولعل المدقق يرى المساواة بين التشظي في دلالة اللغة ، والتشظي في انغلاق الصدر.
وحين تمضي الكاتبة في كتابة النص ، تظل سطورها بين الثبات والنفي ، بين البوح والانغلاق ، فأشجان هندي تقول \" للحلم رائحة المطر ص 11\":

يا جارة الوادي – وإني – كنت قد برأت جدب الكف من سقم الكلام، وأفقت والفجر احتمالات معلقة على كتف الظلام.

فكانت حركة إبعاد سقم الكلام ، والتعلق بصحيحه غير مفلحة في خروج ضوء الفجر، فلقد بقي هذا الجهد رهينا للظلام ، رهينا للشتات ، ليظل ما أرادت أن تفعله ، أن تهيئه للكلام ممزقاً أمام الخوف والغول، إذ الشعر ، الكلام ، اللغة مثل المطر الذي يواجه الجدب : تقول ( ص 11)
وجدائل المطر الصغيرة كلما
رقصت علي القيعان جد لها الظما
لينتقل ذلك من المطر إلى فعلها إلى صرختها حين تقول (ص11)
الخوف غول حائم بالباب.
أن قطعت من أطرافه طرفا نما
ليظل هدب العين يستجدي المضاجع حين أصرخ
\"يا جارة الوادي \" دريت
فليتني
لم أدر ما

إن حضور الكلمة ، وتعلق الكاتبة بها ، حين تبدأ الإنشاد الذي هو الكتابة ، أي الحضور للكلمة من دائرة القنص ، والتفكير إلى التسجيل لا يوقف التماهي مع التشظي الذي أرادت الخلاص منه ، فما أن تدخل في عالم هدوء أو تداخل سكينة في مثل (\"يا جارة الوادي\" دريت) إلا ونفاجأ بعد أن فوجئت أن هذه المداخلة فجيعة وشكوى:
فليتني
لم أدر ما
وفي قصيدة لهدى الدغفق بعنوان \" رذاذ\" \"الظل إلى أعلى ص 18 ، 19\" تجسد هذا التشظى والالتئام ، بين ما تقتنصه وبين صيرورته تقول: (في الصفحة الأولى .. أرمي الفراغ لأرتمي في قلبها) فماذا يحدث؟
\" للصفحة الأخرى .. ألوذ برعشة هي
أحرفي\"
لتكون الخشية ، وليكون العراء ، ولتكون الفرجة على السجين:
( أخشى عليّ فراغها المغري
ويلفني .. ليكون نافذة عليّ
أبكي على أركانها)
لتكون خاتمة النص:
ثم أهواها الكتابة
ثم أهواني
و ..أ
هـ
و
ي
.. كل ما بي رعشة
لقد وعى النص هذا التشظى ، فتشظى النص مع الكتابة ، ومع الدلالة.



مراجع الإحالات:
- أشجان محمد هندي ، للحلم رائحة المطر (دار المدى - دمشق ، الطبعة الأولى سنة 1998م).
- ثريا العريض ، عبور القفار فرادى (نادي الطائف الأدبي ، الطبعة الأولى سنة 1414هـ - 1993م).
- سلوى خميس : مثل قمر على نيته (دار الجديد ، بيروت ، 1999م).
- لطيفة قاري :
 لؤلؤة المساء الصعب ، (دار الانتشار العربي ، الطبعة الأولى سنة 1998)
 هديل العشب والمطر (دار المدى ، الطبعة الأولى ، سنة 2001م).
- لولو بقشان:
 أبجدية الصمت (الرياض ، 1415هـ ، 1995م).
 وجه لم يره أحد ( الطبعة الأولى 1423هـ - 2002م).
- هدى الدعفق :
الظل إلى أعلى (دار الأرض ، الطبعة الأولى 1413هـ).

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 958


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


عالي القرشي
تقييم
6.09/10 (111 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.