الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
الملكة النقدية ومرويات العصر الجاهلي النقدية
الملكة النقدية ومرويات العصر الجاهلي النقدية
02-16-2013 06:59 PM



الملكة النقدية وعلاقته بالمرويات النقدية
عندما نرجع للنقد في معناه اللغوي ندرك أن جميع معاجم اللغة وضعته في إطار تمييز الجيد من الرديء وهي مهمة النقد الأساسية قديماً وحديثاً أما النقد الأدبي فهو فن من فنون النثر يتناول الآثار الأدبية بالتحليل ، فيحدد عناصر المبنى والمعنى ويكشف عن العوامل المؤثرة فيها ، ويدرس أصحابها بأمزجتهم وشخصياتهم وإظهار قيمة أعمالهم الأدبية .
- وهو أيضاً فن تمييز جيد الكلام من رديئه وصحيحه من فاسده .
- كما أنه : عِلْمٌ يَبْحَثُ فِي طَبِيعَةِ الأَعْمَالِ الأَدَبِيَّةِ وَخَصَائِصِهَا وَقِيمَتِهَا الْفَنِّيَّةِ .
- وهو أيضاً دراسة ونقاش وتقييم وتفسير
إن توسعنا في معنى النقد اللغوي ييسر لنا تحديد الإطار الذي كان يمارس فيه نقاد العصر الجاهلي نقدهم والذي كان يقوم على الفطرة متكئين على ما اشتهر به العرب في تلك الحقبة أنهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان وهو يدور في مجال الانطباعية والأحكام الجزئية التي تعتمد على المفاضلة بين بيت وبيت أو تمييز بين البيت المفرد أو إرسال حكم عام في الترجيح بين شاعر وشاعر إلى أن وصل لصورته الحديثة والتي أخذت تخصصات عدة وأصبحت علوم متنامية لا تتوقف عند سقف محدود .
كان الشعر أظهر فنون القول عند العرب وأشهرها وأيسرها ذكراً كان العربي يكدح في سبيل العيش كدحاً وكان في كل أمر من أمور حياته في رحيله وجلبه الماء وتأبيره للنخل يغني ليروّح عن نفسه وكانت الألفاظ وسائل حاسمة وهامة للتأثير في سامعيها كماكان صانع الأغاني شاعراً أي صاحب دراية وعلم وهذه الأغاني قيلت في أغراض متعددة في المدح والوصف والرثاء والهجاء وظل العربي يقول الشعر في الأغراض السابقة بلهجة قومه في ضرب من السجع أولاً ثم الرجز وعندما اهتدى إلى الرجز وجد له شعر صحيح وقد مر هذا الشعر بضروب كثيرة من التهذيب حتى بلغ الاتقان الذي نجده عليه الآن فوصل إلينا ناضجًاً كاملاً منسجم التفاعيل و بالنقد الفطري صلح حال الشعر حتى انتهى إلى الصحة وإلى الجودة والإحكام .وكل ما طرأ عليه من تطور إنما كان بعد تجارب وبعد إصلاح وهذا التهذيب هو ما نسميه الآن بالنقد الأدبي .
في أواخر العصر الجاهلي كثرت أسواق العرب التي يجتمع فيها الناس من قبائل عدة وكثرت المجالس الأدبية التي يتناولون فيها الشعر فجعل بعضهم ينقد بعض وهذه الأحاديث والأحكام كانت تمثل نواة النقد العربي الأول وقد روت لنا الكتب مرويات نقدية تمثلت في عدد من الشعراء المتمكنين والذين كانوا يفندون القصائد ويحيلون إلى الأخطاء ويصوبونها ومن تلك المرويات .
• يقول حماد الراوية إن العرب كانت تعرض شعرها على قريش فما قبلوه منها كان مقبولاً وما ردوه كان مردوداً فقدم عليه علقمة بن عبدة فأنشدهم قصيدته التي يقول فيها :
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ؟
فقالوا : هذه سمط الدهر . ثم عاد إليهم من العام المقبل فأنشدهم :
طحا بك قلب في الحسان طروب بُعيد الشباب عصر حان مشيب .
فقالوا : هاتان سمطا الدهر .
• وكان من الشعراء المتكلف والمطبوع فالمتكلف هو الذي عكف على شعره وأخذ يفتش فيه ويعيد النظر إليه مرة بعد مرة وكان من أولئك زهير بن أبي سلمى والحطيئة و سويد بن كراعٍ، يذكر تنقيحه شعره:
أَبِيتُ بِأَبْوابِ القَوَافي كَأَنَّمَا ... أُصَادي بها سِرْباً مِنَ الوَحْش نُزَّعَا
• \"تنازع علقمة التميمي المعروف بعلقمة الفحل هو وامرؤ القيس في الشعر، فقال كل منهما لصا حبه أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد حكمت بيني وبينك إمرأتك أم جندب، فقال: قد رضيت. فتحاكما إليها، فقالت: ليقل كل واحد منكما شعراً يصف فيه الخيل، على قافية واحدة. فقال امرؤ القيس:
خليليَّ مرابي على أمِ جندبِ ... لنقضيَ حاجاتِ الفؤادِ المعذبِ
فقال علقمة:
ذهبت من الهجرانِ في غير مذهبِ ... ولم يكَ حقاً طولَ هذا التجنبِ
وأنشد كل واحد قصيدته. فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:
فللسوطِ ألهوبٌ، وللساقِ درةٌ ... وللزجرِ فيه وقعُ أحرجَ مذهبِ
فجهدت في شكه بسوطك وزجرك، ومريته فأتعبته. وقال علقمة:
فردَّ على آثارهنَّ بحاصبٍ ... وغيبة شؤبوبٍ، من الشدَّ ملهبِ
فأدركهنَّ ثانياً من عنانهِ ... يمرُّ كمرّ الرائحِ المتحلبِ
فأدرك فرسه ثانياً من عنانه، لم يضربه بسوط، ولم يزجره بساقه، ولم يتعبه...
• ما تناقلته كتب التاريخ أن النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة حمراء فتأتيه الشعراء تعرض عليه أشعارها وكان من تلك أنه حكم بجودة الشعر لأبي بصير على حسان بن ثابت والخنساء التي أنشدته قصيدتها في رثاء أخيها صخر التي منها ..
وإن صخراً لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار .
فأعجب بقصيدتها وقال لولا أن أبا بصير أنشدني لقلت أنك أشعر الجن والإنس فالأعشر من الشعراء الذين أنشدو النابغة والخنساء تليه منزلة وجودة شعر .
• عاب العرب على النابغة الذبياني وبشر بن أبي خازم الإقواء الذي في شعرهما أي اختلاف حركة الروي في القصيدة ولم يستطع أحد أن يصارح النابغة بهذا العيب حتى دخل يثرب فأسمعوه قوله :
أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعموا البوارح أن رحلتنا غداً وبذاك حدثنا الغداف الأسود.
ففطن فلم يعد إلى ذلك .
• سمع طرفة بن العبد المتلمس ينشد بيته ..
• وقد أتناسى الهم عند احتضاره يناج عليه الصيًعرية مكدم .
• فقال طرفة : استنوق الجمل لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا في عنق البعير .
• اجتمع رهط من شعراء تميم في مجلس شراب وهم الزبرقان بن بدر والمخبل السعدي وعبدة بن الطيب وعمرو بن الاهتم اجتمعوا قبل أن يسلموا وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وتذاكروا أشعارهم وقال بعضهم لو أنا قوماً طاروا إلى جودة الشعر لطرنا فتحاكموا إلى أول من يطلع إليهم فطلع عليهم ربيعة بن حذار الأسدي أو غيره في رواية وقالوا له : أخبرنا أينا أشعر فقال : أما عمرو فشعره برود يمنية تطوى وتنشر وأما أنت يا زبرقان فكأنك رجل أتى جزوراً قد نحرت فأخذ أطايبها وخلطه بغير ذلك أو قال له : شعرك كلحم لم ينضج فيؤكل ولا ترك نيئاً فينتفع به . وأما أنت يا مخبل فشعرك شهب من الله يلقيها على من يشاء من عباده وأما أنت يا عبد فشعرك كمزاد أحكم خرزها فليس يقطر منها شيء .
• روي عن أبي عمرو الشيباني الكوفي أن عمرو بن الحارث الأعرج الغساني فضل حسانا على النابغة وعلى علقمة بن عبدة وكانا حاضرين معه وأثنى على لامية حسان التي فيها :
لله در عصابة نادمتهم يوماً يحلق في الزمان الأول .
ودعاها البتارة التي بترت المدائح .
• وكثيراً ما كانت العرب تلقب الشعراء وتلقب المدائح تنويهاً بها وإعظاماً لها وإيماناً بأنها جيدة فريدة لقبوا النمر بن تولب بالكيّس لحسن شعره وسموا طفيل الفنوي طفيل الخيل لشدة وصفه إياها ودعوا قصيدة سويد بن كاهل :
بسطت رابعة الحبل لنا فوصلنا الحبل منها ما اتسع .
دعوها التميمية.
كل هذه الشواهد تدل على وجود صورة من صور النقد الأدبي في العصر الجاهلي يقول الأستاذ طه إبراهيم أن النقد في العصر الجاهلي كاد أن يكون فناً يدرس ويتلقى فمن الشعراء الجاهليين من كان له أساتذة ومرشدون يأخذ عنهم رسوم الشعر ويتعلم أصوله وفي هذا التلقي شيء من الهداية والتوجيه إلى المثل الأعلى فزهير بن أبي سلمى كان متصلاً ببشامة الغدير وكذلك الأعشر والمسيب بن عكس وظهور خصائص بشامة وأوس بن حجر في شعر زهير .
كان النقد يتجه إلى الصياغة والمعاني ويعرض لهما من ناحية الصحة ومن ناحية الصقل والانسجام كما توحي به السليقة العربية وكان يدور في ميدانين الأول الحكم على الشعر والثاني التنويه بمكانة الشعراء . وغاية نقدهم أن يأخذوا الكلام منقطعاً عن كل مؤثر ويتذوقونه ثم يفصحون عن رأيهم فيه والغرض من اصدار الأحكام هو أن يوضع كل شاعر في مكانته التي تليق به .
والنقد في هذه الحقبة قائم على الإحساس بأثر الشعر في النفس احساساً فطرياً لا تعقيد فيه وملكة النقد لديهم كانت هي الذوق الفني المحض .
مما لا شك فيه أن النقد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأدب ,فمتى ما وجدت هناك قصائد وجد نقداً يقومها ويصححها ويميز جيدها من رديئها .
وبالنظر إلى تاريخ النقد الأدبي ذهب بعض النقاد والمؤرخين إلى أن العصور العربية الأولى تخلو من النقد والمنصفون منهم إنّما يقصدون به النقد المنهجي بقوانينه التحليلية الموضوعية وقواعده التفكيكية العلمية .
والحقيقة أنّ وجود النقدِ مسألة لا ينبغي الاختلاف فيها فضلا عن نفيها أو الشكّ فيها لأمرين اثنين :
أوّلهما : إنّ وجود الأدب في مثل تلك المرتبة العلية من الإبداع والرقيّ وبذلك الزخم والحجم الكبير دليل كافٍ على وجود نقدٍ ساير هذا الأدب ووقف إلى جانبه يقوّمه ويوجّهه حتى وصل به إلى ما وصل إليه ...
ثانيهما : إنّ الإنسان ناقد بطبعه متذوق بفطرته يطالب دائما بالأحسن والأجمل والأجود والأمثل في شؤون حياته كلّها ولن يشذّ الشعر والأدب عن هذا المبدأ .
ونستشف من ذلك أن العرب القدامى قد عرفوا النقد الأدبي وزاولوه، عرفوه فطرة وطبيعة، وزاولوه ذوقاً وإحساساً، وطبقوه على نتاجهم الشعري, ولذا كان أول شيء مارسوة من شئون النقد الأدبي، هو نظر الشعراء منهم إلى نتاجهم، فكان أغلبهم يتناول شعره بالنظر والتأمل، ويحرصون على استقامة القصيدة وخلوها من العيوب سواء اللفظية أو المعنوية .
الملكة النقدية عند الشاعر الجاهلي :
العربي الجاهلي أعلن عن مستوى من التمكن والقدرة على الوصول إلى فرق ما بين القول الهابط غير الهادف أو الصائب، مما يؤكد القول بأن الشاعر الجاهلي كانت لدية ملكة نقدية ساهمت في تحسينة لشعرة وتهذيبة له ولعل مما يوضح ذلك بصدق ووضوح قول معقر البارقي متحدثاً عن المستوى الشعري بقولة:
الشعرُ لبٌّ المرء يعرضه،
والقول مثُل مواقع النبل
منها المقصّر عن رميَّته

ونوافذٌ يذهبن بالخصل
فالشعر لديه مختلف الدرجة باختلاف القدرات والأمزجة بين البشر، ومختلف المستوى باختلاف الشعراء.
ومن ذلك أيضاً قول المسيب بن علس، وهو جاهلي، لم يدرك الإسلام .
فلأهدين من الرياح قصيدة
مني مغلغلةً إلى القعقاعِ
تَرِدُ المياة فلا تزال غريبةً
في القوم بين تمثل، وسماع
ومن المهم ها هنا أن نلتفت إلى أن المفردات النقدية التي ملأت الساحة الجاهلية قديماً، والتي ذكرنا بعضها آنفاً لم تكن من عبث القول، ولكنها مفرز نقدي، يشير الكثير منه إلى إطالة النظر، وإدامة التأمل، وفحص الشاعر لقصيدته قبل أن يخرج بها على الناس، أو يذيعها في المحافل والأسواق التي كانت في ذلك العهد بمثابة المنتديات الأدبية ، التي يعلو فيها نجم الشاعر أو يهبط، فتتبعه قبيلته في الصعود وفي الهبوط.
ونحظى بما يؤكد على ذلك مبثوثاً في كتب التراث، والتي يأتي على رأسها كتب التراجم والأمالي والمجالس، ولدى ابن سلام، وابن قتيبة وأبي الفرح، والجاحظ، وغيرهم.

ويقول الدكتور مصطفى عبد الرحمن : \"إنّ طبيعة الأحكام النقدية في العصر الجاهلي اتّسمت بالذوق الفطري فلم تكن للنقد أصول معروفة ولا مقاييس مقررة , بل كانت مجرد لمحات ذوقية ونظرات شخصية وتقوم على ما تلهمهم به طبائعهم الأدبية وسليقتهم العربية وأذواقهم الشاعرة وحسهم اللغوي الدقيق بلغتهم وإحاطتهم بأسرارها ووقوفهم على ما للألفاظ من دلالات وإيحاءات في شتّى صورها .
المرويات النقدية في العصر الجاهلي بين الحقيقة والوهم :
وردت عن العصر الجاهلي عدة مرويات نقدية بعضها خالطها الشك مثل مروية النابغة ومروية امرئ القيس وعلقمة الفحل , ومنها أيضا مروية حسان بن ثابت مع النابغة عندما أنشدة حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بني العنقاء وابني محرق
فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما
فقال له النابغة : إنك لشاعر , لولا أنك أقللت أسيافك وجفانك, وفخرت بمن ولدت , ولم تفخر بمن ولدك , ولو قلت الجفان لكان أكثر.. وقلت : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى , ولو قلت : يبرقن بالدجى لكان أبلغ , لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً , وقلت : وأسيافنا يقطرن من نجدة دما , ولو قلت : يجرين لكان أكثر لانصباب الدم.
البعض تشكك في هذه المروية فلم يكن الجاهلي يعرف جمع التصحيح وجمع التكسير , وجموع الكثرة وجموع القلة , ولم يكن له ذهن علمي يفرق بين هذه الأشياء , ومثل هذا النقد لا يصدر إلا عن رجل عرف مصطلحات العلوم , وعرف الفروق البعيدة بين دلالة الألفاظ , وألمً بشئ من المنطق .
ومن المرويات النقدية التي تدل على حسن السليقة العربية في ذلك الحين مروية طرفة بن العبد عندما كان غلاماً حين أنشدة المتلمس قوله :
وقد أتناسى الهم عند احتضاره بناجٍ عليه الصيعرية مكدم
فقال طرفة :استنوق الجمل لأن الصيعرية سمة تكون في عنق الناقة لا في عنق البعير.

مظاهر النقد الجاهلي
تتلخص في الآتي:
1-ظاهرة المفاضلة بين الشعراء وتقديم بعضهم على بعض :
وأسباب هذه الظاهرة كثيرة جدّا لعلّ أهمّها العصبية والتنافس القبلي وكثرة الشعراء ووفرتهم في البيئة العربية الجاهلية إضافة إلى أنفة الإنسان الجاهلي وحبّه للتفاخر والتقدّم على غيره ...
يقول الأستاذ شوقي ضيف واصفا هذه الظاهرة :«ويظهر أنّ الشعراء حينئذ كانوا يتفاخرون بشعرهم ويتنافرون فيه كما يتنافر الأشراف في سؤددهم فكانوا يعرضونه على المحكّمين ليقضوا بينهم...»
و يعتبر الأستاذ قصيّ الحسين هذه الظاهرة إحدى أبرز أوجه النقد في العصر الجاهلي حيث يقول: «...ولعل الحكم على الشعر من جهة والتنويه بمرتبة الشاعر ومكانته بين الشعراء من جهة أخرى , كانا الميدانين اللذين جال فيهما النقد جولات خفيفة في العصر الجاهلي»
2- ظاهرة التهذيب :
والمقصود بها ما يقوم به الشاعر من تهذيب لشعره وتثقيفه له بحثا عن الجودة والكمال لإرضاء نفسه أوّلا فيرتاح لعمله ولإرضاء العامة والتماشي مع أذواقهم واختياراتهم ...
وعناية الشاعر بشعره واهتمامه به بالتصحيح والتعديل والتثقيف هو منحىً واتجاه نقدي ومدرسة شعرية بدأت في العصر الجاهلي ثمّ تتابعت خلال العصور الأدبية المتلاحقة ...
ولعل أشهر من يمثّل هذا الاتجاه هو الشاعر الجاهلي الكبير زهير بن أبي سلمة الذي كان يستغرق تهذيبه للقصيدة حولا كاملا فسميت لأجل ذلك بالحوليات ينظمها في أربعة أشهر وينقحها في أربعة أخرى ثم يعرضها على الخاصة في أربع ليكتمل بذلك الحول قبل أن يعرضها على عموم النّاس .
وقد سار على هذا النهج ابنه كعب وراويته الحطيئة في تهذيب الشعر وتنقيحة
يقول الحطيئة في بيان صعوبة الشعر في حقّ من لا يحسن قرضه بالتثقيف والتهذيب
الشعرُ صعبٌ وطويل سلّمه إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلّت به إلى الحضيض قدمه يريـد أن يعـربه فيعجمه
3- ظاهرة المدارس الشعرية :
المقصود بالمدرسة الشعرية في العصر الجاهلي مجموعة من الشعراء يشتركون معا في بعض الميزات والخصائص الفنية أو اللغوية أو المنهجية التي تميّز شعرهم وأدبهم ...
ولعل من أبرز هذه المدارس , مدرسة عبيد الشعر وهم الذين يهتمون بتنقيح وتهذيب أشعارهم ـ كما تقدم ـ زعيم هذه المدرسة ورأسها كما ذكر صاحب الأغاني هو أوس بن حجر وعنه أخذ زهير بن أبي سلمة وعنه ابنه كعب وراويته الحطيئة وغيرهم
وتقابل هذه المدرسة بمرتجلي الشعر ومن أشهرهم النابغة الذبياني وحسان بن ثابت وامرئ القيس
4-ظاهرة تسمية القصائد :
المقصود بالتسمية ها هنا المبنية على أساس نقدي كالمعلقات السبع والسموط أو المسمَّطات والمقلَّدات والبتّارات.
يقول الأستاذ قصي الحسين : «...فالعرب كانت لهم فكرة واسعة جدّاً عن تصنيف القصائد في مجالسهم وفي مواسمهم وليس من الغرابة أن يقولوا بالبتّارة وبالمعلّقة وبالسمط وهذه التسميات النقدية التي وصلتنا من مرحلة النقد المروي في العصر الجاهلي هي في الواقع أشبه بالمعالم البارزة التي تشير إلى مرحلة من النقد الأدبي كانت من الازدهار بحيث استطاعت أن تسيطر على جميع المجالس والمنابر والمواسم ... » ويقول أيضا «إنّ الألقاب التي تطلق على القصائد مثل : سمط الدهر , سمطا الدهر , البتّارة , المعلقة , السبعية , إنّما هي نوع من الأحكام في معظم الأحيان »
5-ظاهرة تصنيف الشعراء :
ذكر الأصمعي أنّ العرب كانت تصنّف الشعراء بحسب قوة قريحتهم وتمكّنهم من ناصية الشعر
فأوّلهم الفحل قال والفحولة هم الرواة
ودون الفحل الخنذيذ الشاعر المفلّق
ودون ذلك الشاعر فقط
والرابع الشعرور فهذه المسميات تعتبر أحكاما نقدية على الشعراء
وأخيراً يمكننا القول أن الأحكام النقدية في العصر الجاهلي كان معضمها يتجه نحو الصياغة والمعاني , ويعرض لهما من ناحية الصحة ومن ناحية الصقل والانسجام كما توحي به السليقة العربية .
فهذان هما الميدانان اللذان جال فيهما النقد جولات خفيفة في العصر الجاهلي : الحكم على الشعر والتنويه بمكانة الشعراء, فأما غير ذلك من البحث في طريقة الشاعر, أو مذهبة الأدبي, أو صلة شعره بالحياة الاجتماعية, فذلك مالم يعرفه العصر الجاهلي .
كذلك نلحظ في هذا النقد أنه قائم على الإحساس بأثر الشعر في النفس, ومقدار وقع الكلام عند الناقد, فالحكم مرتبط بهذا الإحساس قوة وضعفاً, والعربي يحس أثر الشعر إحساسا فطريا لا تعقيد فيه , ويتذوقه جبلة وطبعا , فليست له أصول مقررة للكلام الجيد كما عند المحدثين مثلاً,وليست لدية مقاييس يأتنس بها في المفاضلة بين الشعراء , ليس لديه غير طبعه وذوقه.

المراجع :
• المعجم الوسيط
• تاريخ النقد الأدبي عند العرب أستاذ طه إبراهيم
• موضوع النقد في العصر الجاهلي .. موقع ملتقى الفصحى .
• النقد في العصر الجاهلي دكتور عبدالعزيز العتيق.
• تاريخ النقد العربي الدكتور إحسان عباس


تركية الثبيتي أشواق الرقيب

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2683


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تركية الثبيتي ، أشواق الرقيب
تقييم
6.04/10 (29 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.