الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
كتاب طبقات فحول الشعراء
كتاب طبقات فحول الشعراء
02-21-2013 08:42 PM

انيا : طبقـات فحـول الشعـراء
عرض وتحليل ونقد

د. نبيل خالد أبو على
أستاذ النقد الأدبي المشارك
الجامعة الإسلامية ـ غـزة
الدكتورة/سلوى محمد أحمد عزازي للابحاث والدراسات
ملخـص:
قد تبدو العودة إلى كتاب طبقات فحول الشعراء ودراسته من جديد مستغربة بعد تلك الدراسات العديدة التي تعرضت له ؛ التي جاءت في معظمها في بطون كتب النقد كجزء ضروري لتمثيل بدايات التأليف النقدى .
ولكن الأكثر غرابة حقاً ألاَّ نجد دراسة متأنية تحاول استكناه حقيقة الكتاب والوقوف على ماهية ضوابط ابن سلام النقدية ؛ التي كانت في نهاية المطاف أبلغ تصوير لحالة النقد الأدبي في صورته الأولى المنظمة .
لذلك استعرضت هذه الدراسة مختلف المباحث والقضايا التي عالجها الكتاب ، واهتمت بالقضايا الأدبية والنقدية منها واعتنت بتحليلها وإبداء الرأي فيها ، وقد حرص الباحث على الكشف عن ماهية مقاييس ابن سلام النقدية ومدى موضوعيتها ، واستجلاء حقيقة مقاييس الجودة التي اعتمدها ابن سلام في تصنيف فحول الشعراء وإنزالهم منازلهم من طبقاته ، ثم إبداء الرأي في تلك الطبقات ومناقشتها في ضوء منجزات الحركة النقدية والتنبيه على أوجه القصور ومواطن الإصابة .

أمـا قبـل :
فقد حظي كتاب ابن سلام باهتمام كثيرٍ من النقاد والدارسين ، وأكاد أزعم أنه لا يخلو كتاب في النقد أو الأدب من ذكر ابن سلام وطبقاته . وقد وقفت على العديد من تلك الكتب التي تعرض أصحابها لطبقات ابن سلام ، ورأيت أن بعضهم كان مدفوعاً وهو يتحدث عن النقد الأدبي عند العرب إلى التعرض لذكر مصنف ابن سلام لأنه فقط يمثل البداية التي لا يمكن إغفالها ، ولمّا كانت العجالة هي سمة تلك الدراسات فإن أصحابها تسرعوا في إصدار الأحكام وأغفلوا بعض جوانب الكتاب وقضاياه الهامة.
أما البعض الآخر فكان أكثر عناية بالكتاب ومباحثه ، إذ دفعهم الإعجاب بمقدمة ابن سلام النظرية وعقليته العلمية ـ على حد رأيهم ـ إلى تناول قضايا الكتاب وإظهار الرأي فيها . ولأنهم ـ في الغالب ـ اتبعوا الطريقة الانتقائية فيما تناولوا من قضايا الكتاب ، واستغنوا ـ غالباً ـ بما أجمله ابن سلام في مقدمته عن البحث في ثنايا الكتاب ، فقصروا في البحث عن مقاييس ابن سلام النقدية أو بعضها ، وأغفلوا ذكر بعض القضايا التي يعد ابن سلام أبا عُذْرَتِها، رأيت لكل ذلك وبعد طول نظر أن أحبّر هذا البحث الذي يستعرض أبواب الكتاب وفصوله ، ويقف على مباحثه وقفات منقرة ، ويناقش قضاياه النقدية ، ويبين ما لها وما عليها ، ويحاول الوقوف على ما استقر في ثناياه من ضوابط النقد الأدبي ومعاييره الفنية .
* * *
محمد بن سلام :
هو أبو عبد الله محمد بن سلاّم بن عبيد الله بن سالم الجمحىّ البصرىّ ، مولى قُدامة بن مظعون الجمحىّ بالولاء، ولد بالبصرة سنة 139 هجرية ، 756 ميلادية ، وتوفى في بغداد سنة 232 هجرية ،847 ميلادية . نشأ في البصرة بيئة علماء العربية الأوائل وفحولها ، والتقى كثيراً من علماء اللغة والنحو ورواة الأدب والأخبار الثقات ، وسمع من شيوخ العلم والحديث والأدب وروى عنهم ، فحدّث عن حماد بن سلمة ، ومبارك بن فَضَالة ، وزائدة بن أبى الرُّقاد ، وأبى عَوَانة ، والأصمعى ، وأبى عبيدة...
وقد اشتهر بسعة علمه وصدق روايته ، وممن روى عنه من الثقات : أحمد بن يحى ثعلب ، وأبو حاتم السجستانى ، وأبو الفضل الرياشى ، والمازنى ، والزيادىّ ، وأحمد بن حنبل ، وابنه عبد الله بن أحمد ، وأبو خليفة الجمحى . وقد ذكر صاحب الفهرست أن لابن سلاّم إلى جانب \" كتاب طبقات فحول الشعراء \" ثلاثة كتب أخرى هى : الفاصل في مُلَح الأخبار والأشعار، وبيوتات العرب ، والحلاب وأجر الخيل ، وأضاف ياقوت كتاباً رابعاً هو: غريب القرآن
إن كتاب طبقات فحول الشعراء من أقدم كتب النقد الأدبي، ومؤلفه من أوائل النقاد الذين اعتنوا بالشعر والشعراء ؛ فهو أول من خص النقد الأدبي بدراسة مستقلة بعد أن كان جُملاً وفقرات متناثرة في بطون الكتب.
ماهيـة الكتـاب :
افتتح ابن سلام كتابه بمقدمة قيِّمة تعكس أهمية الكتاب وغايته ومنهجه ، أما أهمية الكتاب فتتجلى في عدة أمور ؛ منها : اهتمامه بالشعر العربى القديم ، وحيوات قائليه وأحوالهم ، يقول : \" ذكرنا العرب وأشعارها ، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها ، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب ، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها ، فاقتصرنا من ذلك على مالا يجهله عالم ، ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب ، فبدأنا بالشعر.
وهو في عمله هذا لا يهدف إلى جمع أشعار القدماء والحديث عن أخبارهم وأيامهم فحسب ، بل إن هدفه الرئيس هو تخليص ذلك الشعر مما علق به من شوائب ، وما أضيف عليه من مصنوع مُفْتَعَلٍ ، ثم التنبيه على مكانة كل شاعر ومنزلته بين شعراء عصره .
ولكى يحقق ابن سلام هذه الغاية نراه قد استعرض معظم المقاييس النقدية التي كانت سائدة في عصره ، ثم حدد بعض الثوابت التي سيأخذ بها ؛ من ذلك ما نراه من تبرير رفضه الأخذ بما ورد في بطون الكتب من أشعار ، يقول : \" وقد تداوله قوم ـ أى الشعر ـ من كتابٍ إلى كتابٍ ، لم يأخذوه عن أهل البادية ، ولم يعرضوه على العلماء . وليس لأحد ـ إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه ـ أن يَقبل من صحيفة ، ولا يروى عن صُحُفى، ومنها ما نراه من اِلتزامه برأى الجماعة حين يقول : \" وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر ، كما اختلفت في سائر الأشياء ، فأما ما اتفقوا عليه ، فليس لأحد أن يخرج منه\" . ثم تحدث عن أهمية عمل الناقد وما ينبغى أن يتزود به من صنوف العلم والثقافة ، إضافة إلى الذوق والفطرة ؛ والدربة والممارسة، وذلك لكى يتمكن من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه ، والتى منها إضافة إلى تمييز الجيد من الردئ ؛ تخليص ذلك الشعر مما دخله من مصنوع .
وفى مقدمة كتابه تحدث أيضاً عن الكثير من الأمور التي تتعلق بالشعر وبداياته ، وبعض ما أصابه من عيوب وآفات تتعلق بالنشأة الأولى وتدلل عليها ، وأبرز أخبار الشعر والشعراء ، وما طرأ على الشعر في الإسلام .. ، وكذلك اللغة العربية وأول من تحدث بها ، والنحو العربى ونشأة مباحثه وتطورها .. ، وقبل أن يشرع في بناء طبقاته حدد المنهج الذى سيسير عليه بقوله : \" .. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعراً ، فألَّفْنا مَنْ تشابه شعره منهم إلى ُنَظرائه ، فوجدناهم عشر طبقات ، أربعة رهط كل طبقة ، مُتَكافِئين مُعْتِدلين ، وقال في موضع آخر : \" .. ثم إنا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهْطٍ أربعة ، اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة ، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ . وسنسوق اختلافهم واتفاقهم ، ونسمِّى الأربعة، ونذكر الحجة لكل واحد منهم ـ وليس تَبْدِئَتُنَا أحدهم في الكتاب نحكم له ، ولا بد من مبتدأٍ ـ ونذكر من شعرهم الأبيات التي تكون في الحديث والمعنى.
القضايا النقدية التي تناولها ابن سلام في طبقاته
أولاً : قضية الانتحال:
تعد قضية الشعر الموضوع أبرز القضايا النقدية التي عالجها ابن سلام في كتابه ، وهو أول من انتبه إلى خطورة هذه القضية في عصره ؛ ذلك العصر الذى ازدهرت فيه حركة التدوين ، حيث اهتم علماء العربية بجمع العلوم والمعارف العربية والإسلامية من أفواه الرواة، وعكفوا على تحقيقها والتأكد من صحة روايتها وتخليصها مما علق بها من أغاليط الرواة ووضع الوضَّاعين . وقد لاحظ ابن سلام أن بعض الشعر الجاهلى الذى يتناقله الرواة مصنوع ، واستدل على ذلك بدليلين ، أولهما : عدم وجود قرينة على انتماء بعض ما يتداوله الرواة مكتوباً إلى العصر الجاهلى ، فهو لم يأت مروياً عن أهل البادية ، ولم يعرض على علماء العربية الثقات . وثانيهما : يعود إلى ضعف مستوى ذلك الشعر ، فهو شعر \" مصنوعٌ مُفْتَعَلٌ موضوعٌ كثير لا خيرَ فيه ، ولا حُجَّةَ فىعَرَبِيَّةٍ ، ولا أدبٌ يُستفاد ، ولا معنىً يُسْتخرج ، ولا مَثَلٌ يُضْرَب ، ولا مديحٌ رائعٌ ، ولا هجاءٌ مُقْذِعٌ ، ولا فخرٌ مُعْجِبٌ ، ولا نسيبٌ مُسْتَطْرَفٌومن هؤلاء الرواة نجده ينتقد محمد بن إسحق صاحب السيرة ، إذ يرى أنه هجَّن الشعر وأفسده وأورد في كتابه أشعاراً لأناس لم يقولوا الشعر قط ، بل أورد أشعاراً ترجع إلى قوم عاد وثمود ، قال : \"كتب في السِّيَر أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط ، وأشعار النساء فضلاً عن الرجال ، ثم جاوز ذلك إلى عادٍ وثمودَ ، فكتب لهم أشعاراً كثيرة ، وليس بشعر ، إنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ معقودٌ بقَوَافٍ\" ، الأمر الذى جعل ابن سلام ينفى هذا الشعر ، ويرفضه ؛ مبيناً الأدلة التي تستدعى رفضه ، وهى :
1 ـ أدلة قرآنية : وتتمثل فيما جاء في القرآن الكريم من آيات عديدة تتحدث عن الأمم السابقة وانقطاع دابر بعضها ، فالله يقول : ] وأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الأُولَى وثَمُودَ فَمَا أبْقَى ,ويقول في عاد فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِن بَاقِيَةٍ فإذا كان الله قد أهلك قوم عاد وثمود جميعاً فمن إذن حمل هذا الشعر ؟ ، ومن أدَّاه منذ آلاف من السنين؟.
2 ـ أدلة تاريخية : وتتمثل في رجوع ابن سلام إلى تاريخ اللغة العربية ؛ واختلاف لهجات العرب ، وكذلك إلى تاريخ الشعر العربى ، حيث يرى :
ـ أن اللغة العربية لم تكن موجودة في عهد عاد وثمود ، وليس يصح في الأذهان أن يوجد شعر بلغة لم توجد بعد . فأول من تكلم بالعربية هو إسماعيل بن إبراهيم واسماعيل كان بعد عاد وثمود.
ـ أن الشعر الموضوع ـ المنحول ـ الذى نسبه الرواة إلى قوم عاد لا يمثل لغة عاد ، فعاد من اليمن ؛ ولسان اليمانيين يختلف عن هذا اللسان العربى ، ويستدل ابن سلام على ذلك بقول أبى عمرو بن العلاء: \" العرب كلُّها وَلَدُ اسماعيلَ ، إلاّ حِمْيَرَ وبقايا جُرْهُم\" ، وقوله : \" مالسانُ حِمْيَرَ وأقاصِى اليمن اليوم بلساننا ولا عربيَّتهم بعربيَّتنا ويقيم الحجة على رواة تلك الأشعار الموضوعة فيقول : \" فكيف بما على عهد عاد وثمود ، مع تداعيه وَوَهْيِه ؟ فلو كان الشعر مثل ما وُضِع لابن إسحاق، ومثل ما روى الصُّحُفِيُّون ، ما كانت إليه حاجة ، ولا فيه دليل على علم\" .
ـ أن تاريخ الأدب العربى لا يذهب بالشعر الجاهلى إلى ذلك العصر الموغل فى القدم ، بل إن ازدهار الشعر لم يكن قبل الإسلام بكثير ، \" ولم يكن لأوائل العرب من الشعر إلا الأبيات يقولها الرجل فى حَاجتِة ، وإنَّما قُصّدَتْ القصائد ، وطُوِّلَ الشعر فى عهد عبد المطلب وهاشم بن عبد مناف ، وذلك يدلّ على إسقاط شعرِ عادٍ و ثمودَ وحِمْيَرَ وتُبَّع.
ثم يحدد ابن سلام الأسباب التى جعلت العرب تصنع الشعر وتنسبه لأناس لم يقولوه ، فيرى أن الانتحال يرجع إلى عاملين :
الأول : العصبية القبلية فى العصر الاسلامى : إذ حرصت بعض القبائل العربية على أن تضيف لإسلامها ضروباً من المكانة والمجد ، فوجدت فى الشعر ضالتها . ومعلوم أن الشعر الجاهلى قد ضاع منه الكثير ، قال أبو عمرو بن العلاء : \" ما انتهى إليكم ممَّا قالت العرب إلاّ أقُّله ، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير\" . أما أسباب ضياع ذلك الشعر فقد بيَّنها ابن سلام فى قوله : \" فجاء الإسلام ، فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ، ولَهَتْ عن الشعر وروايته . فلما كثر الإسلام ، وجاءت الفتوح ، واطمأنَّت العرب بالأمصار ، وراجعوا رواية الشعر ، فلم يؤولوا إلى ديوان مُدوَّن ولا كتاب مكتوب ، وألْفَوا ذلك وقد هلك من العرب مَنْ هلك بالموت والقتل ، فحفظوا أقل ذلك ، وذهب عليهم منه كثير. لذلك لاحظ ابن سلام قيام بعض القبائل التى قَلَّ نصيبها فيما بقى من شعر بالوضع على ألسنة شعرائهم ، يقول ابن سلام : \" فلما راجعت العرب رواية الشعر ، وذِكر أيامها ومآثرها ، استقلَّ بعض العشائر شعر شعرائهم ، وما ذهب من ذكر وقائعهم . وكان قوم قلَّتْ وَقائعُهم وأشعارهم ، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار ، فقالوا على ألسنة شعرائهم ثم كانت الرُّواة بعد ، فزادوا فى الأشعار التى قيلت. .
الثانى : الرواة وزيادتهم فى الأشعار : لم يقتصر دور بعض الرواة على وضع الشعر ونسبته إلى غير قائليه بل تجاوز ذلك بكثير ، فهم رغم وضعهم فى المرتبة الثانية بعد تزيد العشائر أشد خطراً على الشعر والشعراء ، حيث لم يقتصر دورهم على الوضع بل تجاوزه إلى التزييف والخلط ، من ذلك مثلاً ما كان يفعله حمَّاد الراوية ، الذى \" كان ينحل شعرَ الرجُلِ غيرَه ، وينحله غيرَ شعره ، ويزيد فى الأشعار\" . وقد ذكر ابن سلام العديد من الروايات والوقائع التى تدلل على تزيد الرواة فيه ؛ وتزييفه وخلطه.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن ابن سلام قد وضع قاعدة نقدية هامة من قواعد الدرس النقدى التطبيقى ؛ حيث لفت الأنظار إلى ضرورة تحقيق النص قبل دراسته ، والتأكد من صحة نسبته لقائله ؛ و صحة روايته ، وهو يرى أن هذا الأمر رغم صعوبته إلا أنه لا يخفى على أهل العلم : \" وليس يُشْكِلُ على أهل العلم زيادةُ الرواةِ ولا ما وَضَعوا ، ولا ما وضع المولَّدون ، وإنما عَضَّلَ بهم أن يقولَ الرجلُ من أهل البادية من وَلَدِ الشُّعراء ، أو الرجلُ ليس من ولَدِهم ، فَيُشْكِل ذلك بعض الإشكال.
ثانياً : فكرة الطبقات :
سعى ابن سلام ـ منذ البداية ـ إلى جمع شتات مشاهير الشعراء وجعلهم فى طبقات تبين مكانتهم ، وهذا العمل كان يتطلب من ابن سلام التعرض للنصوص الأدبية بالتحليل حتى يظهر جمالها الفنى ويعلل قصورها ، إلا أنه انصرف إلى الشعراء أنفسهم ذاكراً لهم مايراه جيداً دون أن يذكر أسباب تلك الجودة فى الغالب ، و لو نظرنا إلى مصنفه سنجد أنه يشتمل على 114 شاعراً جاء توزيعهم فى الطبقات التالية :
1 ـ طبقات الشعراء الجاهليين : وهى عشرة ، فى كل طبقة أربعة شعراء.
2 ـ طبقات الشعراء الإسلاميين : وهى عشرة ، فى كل طبقة أربعة شعراء .
3 ـ طبقة أصحاب المراثى : وتضم ثلاثة شعراء وشاعرة ـ الخنساء ـ، وهى المرأة الوحيدة التى أوردها ابن سلام فى طبقاته .
4 ـ طبقة شعراء القرى العربية : وتنطوى على اثنين وعشرين شاعراً ، قسِّموا على النحو التالى :
أ ـ شعراء المدينة خمسة ، ثلاثة من الخزرج و اثنان من الأوس .
ب ـ شعراء مكة تسعــــــة .
ج ـ شعراء الطائف خمسة .
د ـ شعراء البحرين ثلاثــة .
هـ ـ طبقة شعراء اليهود وتشمل ثمانية شعراء .
وقد نبَّه ابن سلام ـ وهو يُقْدِم على وضع الشعراء فى طبقات ـ على أن ذكره شاعر قبل قرنائه فى الطبقة الواحدة لايعنى أنه الأعلى مكانة ؛ المُقَدَّم على باقى شعراء الطبقة ؛ بل إن هذا الأمر لا يخضع لأى معيار نقدى ؛ لأنه لا بد أن يبدأ بذكر أحدهم ، يقول : \" وليس تَبْدِئَتُنا أحدَهُم فى الكتاب نحكُمُ له ، ولا بُدَّ من مُبْتَدَأٍ. ومع ذلك فإننا نجد ابن سلام ـ فى كثير من الأحيان ـ يوازن بين شعراء الطبقة الواحدة ، أو بين شاعر وآخر داخل الطبقة ، فيورد رأى العلماء فيهم ويختار من شعرهم ما يؤكد هذا الرأى ، ثم يفسر بعض الكلمات الغريبة التى قد ترد فى الشعر ـ وهذا قليل ـ أو يورد آراء علماء اللغة فيها ، وفى حالات قليلة يبيِّن رأيه ، وشواهد ذلك فى طبقاته كثيرة ؛ من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى المفاضلة بين شعراء الطبقة الأولى من الجاهليين ؛ وهم : امرؤ القيس والنابغة الذبيانى وزهير بن أبى سلمى والأعشى ، حيث يورد العديد من آراء العلماء واختلافهم فى المفاضلة بين شعراء هذه الطبقة ، من ذلك قوله : \" أخبرنى يونس بن حبيب : أن علماء البصرة كانوا يقدِّمون امرأ القيس بن حُجْر ، وأهل الكوفة كانوا يقدِّمون الأعشى ، وأن أهل الحجاز والبادية كانوا يقدِّمون زهيراً والنابغة، وفى تبرير تفضيل امرئ القيس على شعراء طبقته قوله : \" فاحتجّ لامرئ القيس من يُقدّمه قال : ما قال ما لم يقولوا ، ولكنه سَبَقَ العربَ إلى أشياء ابتدَعها ، واستَحْسَنَتْها العربُ ، واتَّبعتْه فيها الشعراء : استيقافُ صَحْبِه ، والتَّبْكَاءُ فى الدِّيار ، ورقَّةُ النَّسيبِ ، وقُرْب المأخَذ ، وشَبَّه النِّساءَ بالظِّباءِ والبَيْضِ ، وشَبَّه الخَيْل بالعِقْبان والعِصِىِّ ، وقَيَّدَ الأوَابد ، وأجادَ فى التشبيه ، وفَصَلَ بين النَّسيب وبين المعنَى ، أما ابن سلام فيرى أن امرأ القيس : \" كان أحسن أهل طبقته تشبيهاً ، وأحسن الإسلاميين تشبيهاً ذو الرُّمَّة. ثم يورد آراء من احتج من العلماء للنابغة وزهير والأعشى ، ويناقش بعضها ويبيّن رأيه فيها أحياناً .
وقد اعتمد ابن سلام فى مفاضلته بين الشعراء وتصنيفهم فى طبقات تبين مكانتهم الأدبية ومرتبتهم الشعرية على ثلاثة مقاييس عامة ؛ هى :
1 ـ كثرة شعر الشاعر .
2 ـ تـعـدد أغــراضــه .
3 ـ جـــودة شـــعـــره .
أما مقياس الكثرة واعتماد ابن سلام عليه فى المفاضلة بين الشعراء فنراه جلياً فى غير موضع من كتابه ، من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير تأخر منزلة طَرَفَة بن العبد وعَبيد بن الأبرص وعَلْقَمَة بن عَبَدَة وعَدِى بن زيد ، إلى الطبقة الرابعة ، إذ يقول: \" وهم أربعة رَهْطٍ فحولٌ شعراء ، موضعهم مع الأوائل ، وإنَّما أخلَّ بهم قلَّة شعرهم بأيدى الرُّواة. وكذلك قوله فى معرض حديثه عن الطبقة السابعة : \" أربعة رَهْط مُحْكِمون مُقِلّون ، وفى أشعارهم قِلّةٌ ، فذاك الذى أخَّرهم.
وكذلك مقياس تعدد الأغراض الذى يتضح أثره بصورة جلية فى مواضع عديدة من طبقاته ، من ذلك ـ مثلاً ـ ما نراه فى تبرير وضع كُثَيِّر عزة فى الطبقة الثانية من فحول الإسلام ، وجميل بن مَعْمَر فى الطبقة السادسة ؛ مع أن جميلاً مُقَدَّمٌ فى التشبيب على كُثَيِّر وعلى أصحاب النسيب جميعاً ، قال ابن سلام : \" وكان لكُثَيِّر فى التشبيب نصيبٌ وافرٌ ، وجميلٌ مُقَدَّمٌ عليه ـ وعلى أصحاب النسيب جميعاً ـ فى النسيب ، وله فى فنون الشعر ما ليس لجميل . وكان جميلٌ صادق الصبابة ، وكان كُثَيِّر يتقوَّل ، ولم يكن عاشقاً ، وكان راوية جميل.
ولا يخفى على الدارس أن الكثرة وتعدد الأغراض لايمكن بحال الاعتماد عليهما كمقياسين نقديين لدرس الشعر وتقويمه ، وأن ابن سلام نفسه كان قد أشار ـ فى مقدمته ـ إلى قضية الإنتحال والوضع فى الشعر ، وأن الرواة لعبوا دوراً خطيراً فى الإقلال من شعر شاعر ، والإكثار من شعر غيره .. لذلك أرى أن أهمية هذين المقياسين تنبع من ارتباطهما بمقياس الجودة ، فالشاعر المكثر المجيد مُقدًَّم ـ عند ابن سلام ـ على الشاعر المُقلّ المُجيد ، والمُكثر المُجيد المُتعدد الأغراض مُقدَّم على المكثر المجيد الذى لم يَقُل إلاّ فى غرض أو اثنين ، أما كثرة الشعر وتنوع أغراضه فإنهما لا يجعلان الموصوف بهما مُقدّماً إذا كان شعره رديئاً . لذلك نرى ضرورة التعرف على كيفية حكم ابن سلام على الشعر بالجودة ، وما هى أسس تلك الجودة حين يقول ـ مثلاً ـ : \" كان قُرَاد بن حَنَش من شعراء غطفان ، وكان قليل الشعر جيِّدَه، أو يقول فى حسان بن ثابت : \" وهو كثير الشعر جيده، أو يقول: \" وكان الأسْودُ شاعراً فَحْلاً ، وكان يُكثِر التنقُّل فى العرب يُجاوِرهم ، فيَذمُّ ويَحْمَدُ، وله فى ذلك أشعارٌ . وله واحدةٌ رائعةٌ طويلةٌ، لاحقةٌ بأجْودِ الشعر ، لو كان شَفَعها بمثلها قدَّمناه على مرتبته.
إذن ما هى المقاييس التى استند إليها ابن سلام وهو يصدر الحكم بالجودة فيقدم شاعراً على آخر ، أو يقرن شاعراً بآخر ؟
ــ لم ينكر ابن سلام جهود السابقين ونظراتهم فى الشعر والشعراء ، بل يكاد الاعتماد على آراء أهل العلم والخبرة أن يكون أهم مقاييس الجودة عنده ، هذا ما يقرره ابن سلام فى مقدمة كتابه حين يقول : \" واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حُجَّة ، وما قال فيه العلماء، وكذلك حين يقول : \" ثم إنَّا اقتصرنا ـ بعد الفحص والنظر والرواية عمَّن مضى من أهل العلم ـ إلى رَهط أربعة اجتمعوا على أنهم أشعر العرب طبقة ، ثم اختلفوا فيهم بَعْدُ . وسنسوق اختلافهم واتفاقهم ، ونسمِّى الأربعة ، ونذكر الحجة لكل واحد منهم. فهو غالباً ما يستقصى آراء العلماء فى منزلة شعراء طبقاته ، وأحياناً يناقش تلك الآراء ويبيّن رأيه فيها . وأمثلة ذلك كثيرة متنوعة ، منها قوله فى النابغة الجعدى : \" كان الأصمعى يمدحه بهذا وينسبه إلى قلة التكلف، وقوله كان علماؤنا يقولون : أحسنُ الجاهلية تشبيهاً امرؤ القيس ، وأحسن أهل الإسلام تشبيهاً ذو الرُّمَّة\" .
ومما تجدر ملاحظته فى هذا الموضع أن عدم تعقيب ابن سلام على بعض ما يورده من آراء العلماء ، إنما يعنى موافقته على تلك الآراء ، أو فلنقل عدم تحفظه عليها ، وإلاّ لما وجدناه يخالف ما لا يروقه من تلك الآراء فى مثل قوله : \" وكان كُثَيِّر شاعر أهل الحجاز ، وإنهم ليُقَدِّمونه على بعض من قَدَّمنا عليه\"، وكذلك قوله فى رؤبة بن العجّاج : \" وقال بعضهم : إنه أفصحُ من أبيه . ولا أحسِب ذلك حقاً، ومثل هذه الآراء على قلتها تدلل على إعمال ابن سلام فكره وتقليبه الرأى قبل أن يعتد به ويعتمده.
ــ إن السبق والإبداع مقياس هام من مقاييس الحكم بالجودة عند ابن سلام ، حيث رأيناه يبرر تقديم امرئ القيس على فحول شعراء الجاهلية بقوله : \"ولكنه سبق العرب إلى أشياء ابتدعها ، واستحسنتها العرب ، واتبعه فيها الشعراء، كما نراه يبرر وضع الراعى النميرى فى طبقة فحول الإسلاميين الأولى بقوله : \" وكان يُقال له فى شعره : كأنه يَعْتَسِفَ الفلاة بغير دليل ! أى أنه لا يحتذى شعر شاعرولا يعارضه.
ــ وللمقاييس الفنية العامة أثر واضح فى حكم ابن سلام على الشعر بالجودة ، وهى كثيرة متنوعة تتصل بلفظ الشعر ؛ أو بلغته ؛ أو معانيه وصوره ..، وهى فى معظمها عامة تحتاج إلى توضيح وتحديد . ففى مفاضلته بين بيت شعر لجرير وآخر للأخطل ؛ نجده يقول : \" قال لى معاوية بن أبى عمرو بن العلاء : أى البيتين عندك أجودُ ؟ قول جرير :
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا وأنْدَى العَالَمِين بُطُـــــــونَ راحِ
أم قولُ الأخطل :
شُمسُ العَدَاوَةِ حتى يُسْتَقَادَ لهم وأعْظَمُ النَّاسِ أحْلاماً إذا قَدَرُوا
فقلتُ : بيت جرير أحلى وأسْيَر ، وبيت الأخطل أجزل وأرزن\" ، ه

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3003


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


نبيل خالد أبو علي ، الجامعة الإسلامية ، غزة
تقييم
6.88/10 (53 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.