الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل
حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل
03-31-2013 03:23 PM

بلعالية محمد*غليزان*

حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل
حازم القرطاجني
وانصهار النظم والتخييل.
يشبه موقف حازم القرطاجنّي موقف عبد القاهر الجرجاني في ما ينبغي أن يتخذه ذو الذهن الكبير من ثقافات عصره من مواقف، وفي حسم ما يكون قد وصله من قناعات وآراء تأخذ صبغة المبادئ في الحقول المعرفية التي يتعاطاها. غير أن الشبه بينهما لا يعدو هذا المنطلق، بل يمكن الإقرار بأن حصيلة موقفيهما أقرب ما تكون إلى التباين، علماً بأن هذا التباين لم يمنع حازماً من الإفادة من عبد القاهر.
وأصول هذا التباين أو الاختلاف تمتد إلى خصام النحو والمنطق باعتبارهما علامتين مميزتين لمنحيين في التفكير يرفد كلاً منهما مصدر مغاير للآخر، فالأول يتمثل في الثقافة العربية الإسلامية في حدود أصالتها من منظور علماء الإسلام وعلماء اللغة خصوصاً، وما يتفرع من ذلك من شعب تتأسس على مسلمات قائمة على أساس من الشرع أو الفكر اللغوي العربي الأصيل الذي لم يكن إلا حاشية على علوم القرآن، أما الثاني فيتجسد في الفكر الفلسفي ذي الأصول اليونانية خاصة، هذا التفكير الذي اعتبر ـ عند أقطابه ـ أسّ الأسس في كل معرفة تبتغي بلوغ اليقين.
من هنا اعتمدوه منطلقاً فيصلاً في ضبط مناهج البحث في المعارف وتأسيس دروب التفكير العقلي الصحيح. وتم له أن يطول خصوصيات في الثقافة العربية الإسلامية كالشعر والخطابة، خاصة في أعمال شراح أرسطو من الفلاسفة الإسلاميين. فكان له أن ينظّر لهذه الحقول التي تمثل في ذهن العربي أصلاً من أصول ثقافته، باحثاً في حقيقتها مؤسساً على هذا التصور غاية لها تندرج ضمن حدود التفكير الفلسفي عامة، مفرعاً القول في تحديد خصائص الأداة الفنية، ومن هنا تحدد للفلاسفة تصور للخطابة والشعر ضمن جملة المنطق.
وقد بدا لنا ضمن هذا الجدال في مستوى التصور النقدي والبلاغي تشكل منظورين في سياق الثقافة الواحدة، يهتمان ببلاغة النص الأدبي ضمن إطار من التصور الشامل لماهية الأدب عموماً وغايته: هما مفهوم التخييل ومفهوم النظم، وقد بدا لنا أن اعتماد عبد القاهر النحو لوضع ضوابط رأيه في بنية النص مؤسس على موقف عقائدي يبتغي، بالإضافة إلى التدليل على الإعجاز، إيجاد البديل لنظرية التخييل القائمة على أسس من المنطق. والواقع أن هذا الاختلاف يمتد إلى المناحي المعرفية المختلفة التي شهدتها الحضارة العربية الإسلامية عموماً وإن تشكل بطابع العلم المدروس. وتواصل هذا الصدام منوِّعاً مرافعاته إلى آخر عقول هذه الحضارة الكبيرة، من مثل ابن رشد والقرطاجني وابن خلدون...
وليس مصادفةً أن يتحاور العقل و النقل في فلسفة ابن رشد لينتهي إلى ضبط حدود فعالية كل طرف، ثم إحداث التصالح بحسب المنظور الرشدي وليس التخاصم بين الشريعة والفلسفة، لتنتهي المسألة بابن خلدون الذي شكّلت مناحي المعرفة السابقة بكل تفرعاتها اللغوية والدينية والكلامية والفلسفية، ضمن إطار من التاريخ الشامل منطلقاته في استنباط النواميس الضابطة لسير الحضارة عموماً، بحسب تصوره، والإسلامية خصوصاً. وقد تم ذلك أيضاً من خلال تفاعل ذهن كبير مع إشكال الفلسفة والنحو، أو ثقافة الأسلاف الأصيلة \"وثقافة الأسلاف الطارئة\"، ليؤسس هو نفسه تأليفاً يلحم هذه الفعاليات ضمن تكامل دقيق يتأسس من وجهة نظرنا على التخييل ويستفيد من النظم أيضاً في إطار من تخصصه في النقد والبلاغة.
كان بين يدي حازم القرطاجني، تراث في البلاغة والنقد يستقطبه منظوران يتمثلان في فكرة التخييل ومفهوم النظم، ولاشك أن عوامل شتى جعلت حازماً أميل إلى رأي الفلاسفة، باعتداده حفيداً مخلصاً في حقل النقد والتنظير لنظرية التخييل، وقد يعود ذلك إلى ثقافته الفلسفية، ذلك أنه تلميذ لتلميذ ابن رشد، أبي علي الشلوبين، وقد يكون وراء امتهان التفلسف، دوافع أملتها وقائع حضارة توشك أن تأفل، فكان من مستلزمات تعليل قوانين هذا الأفول في المسرح الحضاري العام أو في أي حقل من حقول المعرفة، الاستعانة بالفلسفة إذ بوساطتها يمكن تأسيس القول على منطلقات عقلية أو مسلمات منهجية، ومن هنا يبدو التكامل بين روافد الثقافة العربية الإسلامية عموماً في نتاج ابن رشد، وحازم القرطاجني، وابن خلدون.
ومن هنا نعتقد أن موقف القرطاجني في تبني نظرية التخييل لتأسيس تصور للشعر، لم يكن ليمنعه من استغلال نظرية النظم، إذ نجد حضوراً فاعلاً لبعض عناصر هذه النظرية في مفاصل دقيقة من نظرية حازم، كما نجد أيضاً تأويلاً لكثير من مسلمات هذه النظرية وتفسيراً جديداً لمعطيات مختلفة من نتاجها.
طعن عبد القاهر في الأساس العقلي للتخييل، وهو يؤسس مفهومه للنظم لاعتبارات مختلفة عرضنا لها في الفصل السابق، وافتعل القرطاجني موقفاً غير طيب من المتكلمين لينصر نظرية التخييل. ولم يكن مصادفةً أن عرض حازم إلى المتكلمين وهو يضبط ماهية الشعر، في حدود مفهوم التخييل في المنهج الثالث من القسم الثاني من الكتاب. هذا المنهج المخصص لبحث هذا الموضوع، خاصة أن البحث في المسألة قام على الدفاع عن الصدق في الشعر، وإزاحة ما علق به من تصورات توهن من قدره وتعتبره كذباً، ولم يكن رأي عبد القاهر في التخييل إلا كونه قياساً خادعاً.
وأسّس حازم دفاعه عن الشعر معتمداً على استشهادات من الفارابي وابن سينا خصوصاً(1)، منطلقاً أساساً من أن الخاصية المميزة للشعر هي كونه تخييلاً، وأن لا معتبر إذ ذاك بالمعنى في ذاته، إذ العبرة بالبنية والخواص الشكلية التي يتلبّس بها المعنى، من هنا ندرك مقدار قسوته على المتكلمين، إذ يقول:\"وإنما غلط في هذا ـ فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة ـ قوم من المتكلمين لم يكن لـهم علم بالشعر، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرائق الموصلة إلى معرفته، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه. فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه.(2).
وقد يكون وراء هذا الموقف وقائع شهدها حازم من معاصريه ولم يكن موقف كثير من علماء الأندلس ومفكريها من الشعر في صالحه(3)، وقد يكون من ملابسات هذا الرأي المستوى المتدّني الذي بلغه الشعر في نظر الجمهور عموماً، وعند كثير من متعاطي الشعر عن غير دراية بموالجه خصوصاً. يظهر ذلك في شكوى حازم المتكررة من معاصريه، ونعيه هوان الشعر على أيديهم، إذ يرى أن التفاعل مع الخطاب الشعري، إنما يقوم على استعداد مزدوج يظهر نوعه الأول في أن \"تكون للنفس حال وهوى قد تهيأت بهما لأن يحركها قول ما بحسب شدة موافقته لتلك الحال والهوى.. والاستعداد الثاني هو أن تكون النفوس معتقدة في الشعر أنه حكم وأنه غريم يتقاضى النفوس الكريمة الإجابة إلى مقتضاه بما أسلبها من هزّة الارتياح لحسن المحاكاة\"(4)، فإذا كان الاستعداد الأول موجوداً عند كثير من الناس في كثير من الأحوال، فإن الاستعداد الثاني \"الذي يكون بأن يعتقد فضل قول الشاعر وصدعه بالحكمة فيما يقوله فإنه معدوم بالجملة في هذا الزمان، بل كثير من أنذال العالم، و ما أكثرهم، يعتقد أن الشعر نقص وسفاهة\"(5).
غير أننا نعتقد أن خلف هذا الموقف أيضاً رأياً حاسماً من المتكلمين عموماًِ، ومن عبد القاهر الجرجاني خصوصاً، وبالتحديد ما خص به عبد القاهر بحث التخييل في أسرار البلاغة من صحائف طوال تقوم على مسلمة خلاصتها أن التخييل قياس خادع، وإن اعترف لـه بالخلابة والرونق(6).فإذا كان: \"يبدو أن حازماً عرف الجرجاني\"(7)، فإن هذه المعرفة تولد منها تدعيم نظرية التخييل واعتمادها في ضبط تصور للشعر، يظهر ذلك في أمور ومواقف عديدة: أولها أنه عرض للمتكلمين وهو يبحث في القسم المخصص للتخييل، ونحن نعلم أنه في هذا القسم أيضاً من أسرار البلاغة، درس عبد القاهر التخييل وبيّن رأيه فيه.
ويظهر ثانيها في مواصلة حازم تعليل جهل المتكلمين بالشعر من حيث أن بحثهم فيه خارج عن اختصاصهم، ذلك أن \"الذي يورّطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدَّم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعة ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعة فإذا فرَّق أحدهم بين التجنيس والترديد، وميّز الاستعارة من الإرداف، ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها\"(8).
وتجريد حازم المتكلمين من كل جهود في البحث البلاغي مدعاة إلى وصف موقفه بالعاطفي المتحيز، ذلك أن المتكلمين، عموماً، من مؤسسي البحث البلاغي عند العرب، ويكفي أن ندرك ما لمجهودات المعتزلة في حقل المجاز من تأصيل، وما للأشاعرة من الإنجازات في تأسيس بلاغة القول على مسلمة الكلام النفسي، مما يستدعي تنزيل جهودهم البلاغية في تيار مستقل خاص(9)، لنتأكد من باعهم في هذا الحقل المعرفي.
فإذا كان في مثل هذا الموقف من حازم ما يدعو إلى وسمه بالتحيّز، فإن في تعداده ـ ساخراً ـ تفريق أحدهم بين التجنيس والترديد، وتمييزه الاستعارة من الإرداف، ما قد يدل على اعتماد \"أسرار البلاغة\"، في تحديد هذه المباحث التي ذكرها حسب الترتيب السابق، ذلك أن عبد القاهر بدأ البحث في \"أسرار البلاغة\" بالتجنيس والسجع ليخلص إلى الاستعارة ومنها إلى التشبيه بفروعه، فالتخييل، ولا نظن أن الترتيب الذي اعتمده حازم، وهو ينطبق على فهرست عبد القاهر، كان مصادفة، بالإضافة إلى ما سبق تتردد اصطلاحات مصدرها أعمال عبد القاهر لدى حازم، من مثل: النظم، وصور المعاني وهيئتها، والمعاني الأوائل والمعاني الثواني، بل سيعتمد حازم في آخر المطاف، على النحو في ضبط بنية العبارة، علماً بأن توظيفه هذه المصطلحات لم يكن لمجرد الترديد أو النسخ بل فرَّع منها الجديد، وضخم بعضها لتمتد إلى أفق أشمل مما كانت لدى عبد القاهر، من هنا يمكننا الإقرار بأن إفادة حازم من عبد القاهر أكيدة، كما نقدمها فرضية في مدخل هذا الفصل، غير أنه أخفى مصدره في اعتماد بعض أصول نظرية النظم، وأبدى موقفاً ناقداً للمتكلمين ليعيد إلى التخييل اعتباره، وليخفي ـ كما يبدو لنا ـ اعتماده على مبادئ مستقاة من إنجاز عبد القاهر، وإخفاء حازم مصادره ليس جديداً فقد استفاد من ابن رشد، في مواضع كثيرة، من نظريته، بل وصل به الأمر أحياناً إلى حد نسخ بعض آرائه(10)، وهو أستاذ أستاذه، ولم يشر إليه ولو مرة واحدة في المنهاج، علماً بأنه ردَّد ذكر الفارابي وابن سينا واقتطع نصوصاً من شروحهما فن الشعر الأرسطي في أكثر من موضع من الكتاب.

اللفظ والمعنى عند حازم القرطاجني
يهمنا في بحثنا نظرية حازم في الشعر وآراءه في البلاغة، ما يخدم هذا البحث ويتفاعل مع منهجه، من هنا تكون قضايا البحث في الشعر: حقيقته ووظيفته وأسس كل ذلك الممتدة إلى أصول فلسفية عامة، ونفسية خاصة، وكذا اجتماعية تؤطر للقيمة، خارجاً عن حقل هذا البحث، وإن كنا سنستغل من هذه المفاهيم ما يخدم غرضنا. ذلك أن جسر التحرك عندنا هو انتظام بنية النص في مستوياته المتعددة، في وحدة متفاعلة أو متراكمة والقواعد المؤسسة لهذا التصور، حيث تتفرع هذه المستويات من محوري التأسيس لكل قول وهما اللفظ والمعنى، من هنا يكون الإلمام بتصور حازم للفظ والمعنى في مستوى مبدئي ضرورة يفرضها البحث.
والواقع أن حازماً أسس كتابه انطلاقاً من فكرته في اللفظ والمعنى، ذلك أن أقسام الكتاب الأربعة ليست إلا ترداداً متكرراً للفظ والمعنى في مستوى بسيط أو مستوى مركب. فالقسم الأول الضائع من الكتاب يبحث في الألفاظ، ويختص الثاني بالمعاني ليتضخم بحث الألفاظ في قسم ثالث أسماه النظم، ولتستحيل المعاني إلى قسم رابع مركّب أيضاً هو الأسلوب. وتقسيم الكتاب بهذا الشكل بقدر ما يكشف عن أثر قدامة بن جعفر في ضبط شكله ظاهراً، وقدامة حاضر في كثير من مباحث الكتاب، بقدر ما يدل على المنطلق المؤسس لثنائية اللفظ والمعنى عند حازم، وتسليمه المبدئي بكون القصيدة تركيباً متناسباً من مستويات متنوعة، ترتد إلى معان وأساليب مصوغة في ألفاظ تتلاحم في نظام جامع لشتات مركب من أغراض.
والأساس الفلسفي الذي يؤسّس منهج الكتاب وتفريعات موضوعه ويحصر تصور حازم المعنى واللفظ، يمتد إلى رأيه في الدلالة عموماً وفي طابعها العائد إلى فلاسفة الإسلام حيث تترتب مستويات الدلالة في تدرج نوعي يبدأ من الوجود الشخصي العيني، فالذهني، لتتقمص أثره المدلولات جسم الألفاظ، هذه المدلولات التي يمكنها ـ في رأيه ـ أن تستقر في رسم حروف تدل على ألفاظ، ذلك \"أن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان. فكل شيء له وجود خارج الذهن فإنه إذا أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق لما أدرك منه، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم. فصار للمعنى وجود آخر من جهة دلالة الألفاظ، فإذا احتيج إلى وضع رسوم من الخط تدل على الألفاظ من لم يتهيأ له سمعها من المتلفظ بها صارت رسوم الخط تقيم في الأفهام هيئات الألفاظ فتقوم بها، في الأذهان صور المعاني، فيكون لها أيضاً وجود من جهة دلالة الخط على الألفاظ الدالة
عليها\".(11).
فعندما يتوفر للذهن إدراك الشيء، تكون محصلة الإدراك صورة ذهنية لما أدرك من هذا الشيء، تنطبع في الذات المدركة حسب ملابسات الإدراك وحالاته، وإذا كان حازم لا يشير هنا إلى ما يلحق الشيء المدرك من تأثر ذاتي، فإن هذا لا يعني أن ما أدرك يحتفظ بخصوصيته في وجوده العيني، من هنا لا يكون الإدراك إلا بتفاعل ذات وموضوع(12). ولاشك أن صورة الشيء الذهنية التي يكون للفظ القدرة على رسمها عند التعبير ستتشكل طبيعتها بحسب صورة اللفظ، الذي يمكّنها من أن تغادر حدود الذات إلى فسحة الخطاب، وليس من المستبعد أن رسم الخط للهيئة اللفظية الحاملة للمعنى، يشكل في حد ذاته دلالة مرنة ستتعاطى كل ذات قراءتها وفق ما يحيط بالقراءة وتكوين الذات القارئة من عوامل. وعلى كل، فهذه المراتب تضبط مستويات البحث في البلاغة لدى حازم، فوجود المعنى في الشيء خارج الذات الذي يمكن أن يشمل كل ما يدرك من الوقائع والحقائق والأشياء التي تشكل حدود القول الشعري، يحدد أصل المعاني في وجودها \"الواقعي\" مما يمكّن عند ممارسة النقد من مقابلة الشيء في تجسّده الحقيقي، وفي تحولاته الشعرية مثلما يظهر في مبحث الممكن والواجب والممتنع وكذا رسم المعنى في حدوده الحقيقية وغيرها...
هذا المستوى يمثل المرجع للمعنى المستخلص ذهنياً ليستحيل أخيراً إلى تضام للمدلول الذهني مع صورته اللفظية الدالة، ذلك أن النظر في صناعة البلاغة يتحدد \"من جهة مايكون عليه اللفظ الدال على الصور الذهنية في نفسه ومن جهة ما يكون عليه بالنسبة إلى موقعه من النفوس من جهة هيئته ودلالته، ومن جهة ما تكون عليه تلك الصور الذهنية في أنفسها، ومن جهة مواقعها من النفوس من حيث هيئاتها ودلالاتها على ما خارج الذهن، ومن جهة ما تكون عليه في أنفسها الأشياء التي تلك المعاني الذهنية صور لها وأمثلة دالة عليها، ومن جهة مواقع تلك الأشياء من النفوس\"(13).
فهذا الفصل الحاسم بين حقول البحث البلاغي لدى حازم يؤكد الأساس \"الواقعي\" للشعر المتجسد في أصله الحيوي، وفعاليته المتمثلة فيكونه خطاباً يحمل إلى متلقٍّ، حيث يشكل هذا الأخير حضوراً رئيسياً في تصور حازم فعالية الشعر، إذ تقوم على المنظور الوظيفي المتأتي من كون الشعر تخييلاً وإيهاماً بخطاب تتجسد خصوصيته في كونه تأثيراً في النفس(14). ومن هنا تشكل بنيته في مستوى أول استجابة للوظيفة المسندة إليه أساساً. هذا الفصل إذ فرضه التناول المنهجي لموضوعات البحث البلاغي والنقدي، حيث تتبدى في انسجام التوزيع الظاهري للموضوعات لفظاً ومعنى ونظماً وأسلوباً، والمفهوم الخفي للدلالة في وجود المعنى في اللفظ، وفي الصورة الذهنية القائمة على الوجود العيني، يكشف عن فهم لعلاقة اللفظ والمعنى ذي مستويات متشابكة، لا يمتنع فيها مبدئياً التمييز بينهما وإن تحددت أوجه الاتصال والتلاحم بينهما في علاقات دقيقة، ذلك أن بحث اللفظ في ذاته ومن جهة هيئته وموقعه من النفوس يقوم أيضاً على بحث دلالته على المعنى، هذا المعنى الذي يتناول ضمن ما يتناول في مستوى صوره المتفرعة من أوجه التناسب بين أنماطه.
يقدم حازم في مستوى التمييز بين المعنى واللفظ فهماً بسيطاً لا يعدو أن يكون اجتراراً لمفاهيم شائعة يبدو فيها اللفظ كالوعاء المحتوي للشيء، فيصف رغبة الشعراء في رسم صورة لأحبابهم المقيمين في بيوت الشّعر، حيث يقصدون في الأقاويل التي يودعونها المعاني المخيّلة لأحبابهم، المقيمة في الأذهان صوراً هي أمثلة لهم ولأحوالهم، أن تكون مرتبة ترتيباً يتنزل من جهة موقعه من السمع منزلة ترتيب أحويتهم وبيوتهم، فيكون اشتمال الأقاويل على تلك المعاني مشتبهاً لاشتمال الأبيات المضروبة على من قصد تمثيله بها وأن تجعل تذكرة له، ويكون مابين المعنى والقول من الملابسة مثل ماكان بين الساكن والمسكن.(15).
ويتأكد مفهوم الوعاء الذي يحتوي المعنى كالساكن والمسكن في موقفه من السرقات الذي ينحو فيه منحىً تقليدياً أيضاً، حيث يظل المعنى في هذا الفهم ساكناً خاضعاً لتعدد الإخراج الذي لا يكاد يغير جوهره، ناهيك أنه يمكن أن تتفاوت عبارتان في الفصاحة وهما تعبّران عن معنى واحد، لم يستطع حازم في هذه المسألة أن يستفيد من عبد القاهر الذي أداه فهمه لصورة المعنى إلى رفض السرقات مبدئياً، باستثناء الاعتراف بهامش ضيق يظهر في الاحتذاء الذي يكون في الأسلوب الذي هو الطريقة في النظم، ذلك أن كل معنى يصاغ في صورة ما يملك الخصوصية والتفرد ويشكل تفريعاً من أصل الغرض.
يقسم حازم المعاني إلى مشترك شائع ونادر ومنعدم النظير وأوسط بينهما تبعاً لارتسام درجة كل نوع من الفكر، إذ إن من المعاني ما يوجد مرتسماً في كل فكر، ومنه ما يرتسم في بعض الخواطر دون بعض، ومنه ما لا ارتسام له في خاطر، وإنما يتهدَّى إليه بعض الأذهان في النادر من الأحيان، وينتفي ادّعاء السرقة من النوع الأول إذ لا فضل فيه لأحد على أحد،\" إلا بحسن تأليف اللفظ فإذا تساوى تأليفا الشاعرين في ذلك فإنه يسمى الاشتراك، وإن فضلت فيه عبارة المتأخر عبارة المتقدم فذلك الاستحقاق لأنه استحق نسبة المعنى إليه بإجادة نظم العبارة عنه\"(16). هذا النوع الأول من المعاني المرتسمة في كل خاطر تبدو كالمكتملة وإدراكها يتم في حدود هذا الاكتمال، فهي ثابتة وارتسامها سواء في الخواطر، ومن هنا تكون مزية تعاطي هذه المعاني في تحسين تأليف اللفظ فقط، وهذا التحسين المضاف إلى معنى منته إقرار بالتفاوت بين المعنى واللفظ، حيث يتأكد هذا الإقرار في رأيه في: \"القسم الثاني، وهي المعاني التي قلّت في أنفسها أو بالإضافة إلى كثرة غيرها فماكان بهذه الصفة فلا تسامح في التعرض إلى شيء منه إلا بشروط: منها أن يركب الشاعر على المعنى معنى آخر، ومنها أن يزيد عليه زيادة حسنة، ومنها أن ينقله إلى موضع أحق به من الموضع الذي هو فيه، ومن ذلك أن يقلبه ويسلك به ضد ما سلك الأول، ومن ذلك أن يركب عليه عبارة أحسن من الأولى\"(17).
لم يستطع حازم أن يوظف مفاهيمه في المحاكاة والتخييل باعتبارهما تناولاً خاصاً للمعنى يتحقق في تشكيل نوعي لمادة تستوفي خصائصها في الصورة المشكلة لها. ولو اعتمد هذا الأصل الذي يقوم عليه فهمه للشعر لاستطاع أن يضبط فهماً لتداول المعاني أنضج مما فعل، ولما تمادى في تمييزه بين المعنى واللفظ في تصوره للقسم الثالث النادر، إذ يرى أن \"من أبرز المعنى النادر في عبارة أشرف من الأولى فقد قاسم الأول الفضل، إذ الفضل هو اختراع المعنى للمتقدم، والفضل في تحسين العبارة للمتأخر. والقول الثاني الذي حسنت فيه العبارة بلا شك أفضل من الأول، لأن المعنى لا يؤثر فيه التقدم ولا التأخر شيئاً، وإنما ترجع فضيلة التقدم إلى القائل لا المقول فيه، فإن زاد المتأخر على المتقدم زيادة في المعنى مع تحسين اللفظ فقد استحق المعنى عليه\"(18)، وهكذا يمكن للتمييز أن يتوزع بين سبق معنوي وتحسين لفظي منفصلين أو مجتمعين.
فتوزيع حازم مادة الكتاب وما يتصوره مبحثاً في الدلالة ورأيه في السرقات الشعرية ليست إلا أدلة لفكر يميّز المعنى عن اللفظ، ولاشك أن روافد حازم القرطاجني المتنوعة التي شملت محصلة نتائج النقاد والفلاسفة والمتكلمين قبله في حقل البلاغة والنقد، أدّت دوراً حاسماً في اعتماد هذا الموقف، إلا أن هذا لا يطول كل إنجاز حازم. وبالتالي يظل له رأي في العلائق التي يمكن أن تجمع العنصرين، فهناك اقتراب يكاد يلحمها في بنية تتضام فيها العناصر مجتمعة عندما يكون الموضوع رصداً لفعالية التناول اللفظي للمعنى، أو تفريع القول في أشكال التناسب التي تنسج للمعاني امتدادات متفرعة كثيرة، خاصة عند الاقتراب من حدود النظم في معناه النحوي عند تعليل وحدة العبارة، دون أن نغفل إلحاح حازم على أشكال التناسب بين مستويات القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً وأوزاناً.
الخصائص التشكيليّة لفعل المحاكاة والتخييل.
وكما أشرنا آنفاً فإنه لا يهمنا من البحث في مفهوم الشعر سوى ما تعلق بخاصيته التخييلية النوعية، كما تتجسد في المستوى الفني ذي الطابع التشكيلي الذي يكسب المادة المعنوية صبغة خاصة، وتتجسد الخصائص المحيلة للقول شعراً في مستويات النص المختلفة، في نسيج الدلالة وفي هيئة العبارة المتعلقة أساساً بما أسماه حازم بالاستجداد والتأنق، إذ الاستجداد يعطي محور الاستبدال ويتعلق باختيار المادة اللغوية في ذاتها، في حين يختص التأنق بالتركيب الرائق، وهذان المصطلحان ليسا إلا امتداداً لما أسماه الفلاسفة التحسينات والهيئات اللفظية والمعنوية(19). من هنا ينحت للشعر حده في أنه \"كلام مخيل موزون، مختص في لسان العربية بزيادة التقفية إلى ذلك\"(20).
فالبحث في المادة نفسها من منظور صدق المعنى وكذبه أو قيمته الوظيفية المتأتية من اشتراط المعاني الجمهورية، أو ضبط حدود التحرك الشعري ضمن مدارج الممكن والممتنع والمستحيل، وغيرها من عناصر البحث في المعنى الشعري في ذاته، وإن كانت من مستلزمات البحث في القيمة المؤسسة لمهمته، إلا أن التحديد النوعي للشعر المؤسس على الصياغة المخصصة لهذه المادة هي جوهره، \"فلذلك كان الرأي الصحيح في الشعر أن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، ليس يُعدُّ شعراً من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيّل\"(21)، ذلك أن \"التخييل هو المعتبر في صناعته، لا كون الأقاويل صادقة أو كاذبة\"(22).
فإذا كان ضبط المعنى المؤدي إلى تحقيق وظيفة الشعر الأخلاقية ضمن حدود المعنى الجمهوري الذي يستسيغه الجمهور، وإزاحة مايمكن أن يعلق به من معنى علمي ضرورة يستدعيها تأكيد مهمة الشعر في المجتمع، فإن المعتبر من منظور النوعية إنما هو المحاكاة والتخييل، فأما النظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه، ولا ميزة بين ما اشتدت علاقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس لـه كبير علاقة إذا كان التخييل في جميع ذلك على حد واحد، إذ المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق ذلك\"(23).
وتتأكد هذه الخاصية التخييلية المميزة للشعر في مستوى الصياغة كتشكيل نوعي لمعنى ما في المقابلة بين الخطابة والشعر، إذ هما \"يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل والإقناع\"(24). فليست صورة التخييل أو الإقناع مجرد انطباع صوري، أو صياغة القول وفق القياس الخطابي الذي يعضده الاستغلال النسبي للصور المجازية مع الإبقاء على المادة في وضع محايد، إنما هو تشكيل لهذه المادة تستحيل إثره شعراً أو خطابة من خلال تفاعلها مع عناصر بنيتها الجديدة. ويظهر ذلك في مثال يضربه حازم يكشف التحام الفعل الشعري والخطابي النوعيين عندما يصوغان مادة معاً، إذ يقول: \"وأكثر ما يستدل في الشعر بالتمثيل الخطابي، وهو الحكم على جزئي بحكم موجود في جزئي آخر يماثله، نحو قول حبيب:
أخرجتموه بكره من سجيته


والنار قد تنتضي من ناضر السلم

فالأقاويل التي بهذه الصفة خطابية بما يكون فيها من إقناع، شعرية بكونها متلبسة بالمحاكاة والخيالات\"(25)، وهنا يبدو تلاحم الخطابة والشعر في صوغ المعنى، فخطابية البيت مصدرها الاستدلال المؤسس على التمثيل الذي يشكل إحدى وسيلتي الإقناع الخطابي، في حين يحقق الثانية القياس المضمر، فقد التبس القول القائم على الاستدلال التمثيلي بالصورة المتجسدة في التشبيه الضمني المبطن في معنى البيت، فكان تحقيق الإقناع معاضداً للبنية الصورية المؤسسة على محاكاة تشبيهية- حسب اصطلاح حازم- وهذه النوعية هي التي تهب الشعر خصوصيته- حسب رأيه أيضاً- وليس المعتبر في ذلك المادة سواء أكانت هذه المادة صدقاً أم كذباً، مؤسسة على مقدمات برهانية أو جدلية أو خطابية إنما المعتبر هو طريقة تشكيل المعنى.
ويتأكد الاقتراب من فهم البنية النوعية الصورية للمعنى من خلال الاستمرار في المقابلة بين الخطابة والشعر، ذلك أنه إذا كانت هاتان الصناعتان متآخيتين لاتفاق المقصد والغرض فيهما مما يسوّغ لهما تبادل الخصائص النوعية لكل منهما، فإن ذلك لا بد أن ينضبط وفق حدود كل نوع، لذلك نجد الخطيب أو الشاعر إذا تجاوز: \"حد التساوي في كلتيهما، فجعل عامة الأقاويل الشعرية خطابية، وعامة الأقاويل الخطابية شعرية، كان قد أخرج كلتا الصناعتين عن طريقتهما، وعدل بها عن سواء مذهبها، ووجب رد قوله
(...)(26)، ولنسبة كلامه إلى ما ذهب به من المذاهب المعنوية لا إلى ما هيأه به من الهيئات اللفظية، وأن تعد الخطابة في ذلك شعراً والشعر خطابة، فيكون ظاهر الكلام وباطنه متدافعين، وهو مذهب مذموم في الكلام\"(27).
فالمذاهب المعنوية لا الهيئات اللفظية هي المحددة لنوع الكلام، وعليه فالخاصية التخييلية للشعر إنما تكمن في المعنى، ولعل هذا قد يثير التباساً، ذلك أن الاعتبار- كما رأينا- هو في التخييل وليس في المعنى، والمسألة إذن هي في ضبط دلالة المعنى في المستويين، ذلك أن لا اعتبار له عندما يتعادل مع المادة المحايدة، أو يبحث في ذاته كقيمة مستقلة، ولكنه يستحيل شعراً بتشكله وفق المحاكاة. فالحديث عنه في هذا المستوى إنما هو بحث في المحاكاة والتخييل، ذلك أن المحاكاة ملتبسة بالمعنى من حيث تشكيله وفق خصوصية معينة، وحسب طرائق التناسب الواقعة في بنائه. وعليه فالهيئات اللفظية التي تنضبط هنا بالمستوى الصوتي للكلام من حيث اختيار اللفظ أو إحداث الترتيب المنسجم على مستوى تعاضد الكلام المؤدي إلى إحداث الوزن والإيقاع الشعريين، ليست صانعة للشعر وإن كانت تؤلف تحسينات له من شأنها أن تؤكد فعل التخييل في النفس \"لأن المحاكاة الحسنة في الأقوال الصادقة وحسن إيقاع الاقترانات والنسب بين المعاني مثل التأليف الحسن في الألفاظ الحسنة المستعذبة\"(28). فالمعنى المحاكى والمنظم وفق النسب الواقعة بين أقسامه هو المحدد لنوعية الخطاب يعضده على مستوى العبارة، الدالة طبعاً على المستوى الأول، تأليف حسن به يتكامل القول ويتدعم التخييل، غير أنه كالإضافة التي بها تكتمل البنية دون أن ينتج عنها- أساساً- تحديد نوعيتها، ذلك أنه قد يتسنى رص عبارات منتقاة وفق تناسب موسيقي موزون، دون أن يكون لمدلول هذه العبارات صفة المحاكاة فيكون الناتج قولاً منظوماً وليس شعراً(29). فأساس الشعر هو خاصيته التخييلية القائمة على المحاكاة، ذلك أنه لا تتحقق له وظيفته التأثيرية في النفس وإحداث السلوك المبتغى إلا \"بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك\"(30).
وتنبني الخاصية النوعية للشعر في تعاضد المحاكاة مع الهيئة اللفظية التي تتلبسها المحاكاة. ويتحدد المستوى هنا بخصائص في النص يتولد منها معنى مشكل وفق شروط الوظيفة المهيأ لها، محتوى ضمن هيئة تحسينية فالمعنى هنا ناتج عن لفظ مسبوك وفق بنية الشعر، \"لأن الاعتبار في الشعر إنما هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأن صنعة الشاعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضوعها الألفاظ وما تدل عليه\"(31). فالتأليف الحسن وجودة المحاكاة موضوعهما الألفاظ وما تدل عليه، فبؤرة المحاكاة تكمن في الدلالة، أما جودة التأليف فمصدرها اللفظ في ذاته، وغير هذا عرض. من هذا المستوى يتحدد خطان في بحث بنية الخطاب الشعري لدى حازم، وينضبط أولهما في مدلول الألفاظ الذي هو المعنى، ويدرس في ذاته وأشكال تناسبه ومختلف الصور الناتجة عن ذلك، ويتحدد الثاني في مستوى الألفاظ حيث تنضبط معاينته وفق المادة اللفظية في ذاتها على المستوى الإفرادي وعلى مستوى التأليف. هذان الخطّان المؤسّسان لبنية النص سيكون بحثهما في ذاتهما تناولاً نقدياً بلاغياً يدلل على الشروط النصية المؤسسة لوظيفة التأثير الشعري.
فعلى الرغم من المنطلق الوظيفي في تحديد خواص الشعر ومفهومه عند حازم متأثراً في ذلك بالفلاسفة الإسلاميين، فإن الأمر عندما يتعلق برصد تلاحم العناصر في النص ودرسها في ذاتها وتحديد فعاليتها النوعية يغدو ضرورياً إبعاد كل ما يمكن أن يعلق بها من أعراض، وتدقيق الخط الفاصل بين الجوهر واللواحق المساعدة، ذلك أن \"الصدق والكذب والشهرة والظن أشياء راجعة إلى المفهومات التي هي شطر الموضوع، فنسبتها إلى المدلولات التي هي المعاني كنسبة العمومية والحوشية والحال الوسطى بينهما والغرابة إلى الأدلة التي هي الألفاظ. وكل هذه الأصناف من الألفاظ تقع في الشعر. وصناعة الشاعر فيها حسن التأليف والهيئة. كما أن كل تلك المواد تقع فيه، وصناعة الشاعر فيها حسن المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة بين المعاني\"(32).
يميز حازم بدءاً من التصور السابق بين مستوى المحاكاة والنسب والاقترانات الواقعة في المعاني وبين الهيئة اللفظية المتأتية من حسن التأليف المقابلة للمستوى الأول. وهذا المستوى في حدود خاصيته التخييلية وأشكال التلاحم والنسب الواقعة بين عناصره ليس إلا مدلولاً للهيئة اللفظية الدالة، هذه الهيئة التي سيتميز بحثها في خطين: مستوى المدلول الراجع إلى المحاكاة والمعنى، ومستوى التأليف المنضبط وفق خصائص شكلية تطول العبارة في مرتبة الحروف والكلم المتعاضدة وفق مواصفات الفصاحة وشروطها الشائعة، وهذا التناول يستوعب في مرتبة أولى بنية العبارة ثم يتضخم في مستوى مركب يستحيل إثره المعنى المحاكى إلى أسلوب، وهيئة الألفاظ إلى نظم ليتسنى احتواء القصيدة كاملة في طبقاتها المتناسبة: أسلوباً باعتباره هيئة متشكلة من الاستمرار في المعاني، ونظماً هو خلاصة لتأليف الألفاظ في كيان قصيدة كاملة، ويتفرع من مستوى تناسبه الصوتي الوزن والقافية، فتكون طبقات متعاضدة متناسبة تحيل طبعاً إلى أشياء محاكاة خارج كيان القصيدة، وإلى شاعر صانع في حوزته قوى تمكّن من رسم هذا الكون المتعاضد وتشير إلى متلقٍّ، ومرجع يحدد أو يملي ضوابط اجتماعية وثقافية تحصر قنوات القول الشعري في تقاليد راسخة تراعي العرف والمقام. إلا أن هذه الاعتبارات وإن شكلت عناصر حافة بالخطاب الشعري فإن المعتبر في التناول البنيوي لكيان القول لفظاً ومعنىً هو النص في مستوياته اللغوية ومدلولاتها، وهو اقتطاع يفرضه كذلك موضوع بحثنا أساساً، دون أن نغفل الإطار الأشمل الذي يتنزل فيه الخطاب.
ويتحقق رصد هذه المستويات المولدة لكيان القصيدة بضبط مراحل ولادتها، وكيفية التضام الحادث في هذه المستويات في طور التكوين، فبوساطتها ندرك كيف تتلاحم هذه المستويات عند المرور بمراحل الوضع الشعري. ولكن هل تولد القصيدة كياناً مركباً دفعة واحدة تمتنع مراحله عن الضبط، أم أن للعقل القدرات على تفتيت مراحل تلك الولادة ومن ثم رصد أوجه التلاحق والتتالي ثم التناسب بين مستويات المعاني والألفاظ والأساليب والنظم والأوزان؟ وذلك يسعف على تدقيق رأي حازم في علائق المعنى واللفظ ثم الأسلوب والنظم، هذه المستويات المؤسسة لكيان القصيدة.

مراحل وضع القصيدة
يسلّم حازم بداية بانحصار عملية إبداع القصيدة مذ تكون فكرة إلى آخر مراحل التنقيح في أربعة مواطن هي: \"1-موطن قبل الشروع في النظم. 2-وموطن في حال الشروع. 3-وموطن عند الفراغ، يبحث فيه عما هو راجع إلى النظم. 4-وموطن بعد ذلك متراخٍ عن زمان القول، يبحث فيه عن معانٍ خارجة عما وقع في النظم لتكمل بها المعاني الواقعة في النظم وتستوفى بها أركان الأغراض ويكمل التئام القصائد. فأما الموطن الأول فالغناء فيه لقدرة التخيل. والموطن الثاني الغناء فيه للقوة الناظمة، ويعينها حفظ اللغة وحسن التصرف والموطن الثالث الغناء فيه للقوة الملاحظة كل نحو من الأنحاء التي يمكن أن يتغير الكلام إليها ويعينها حفظ اللغة أيضاً وجودة التصرف والبصيرة بطرائق اعتبار بعض الألفاظ والمعاني من بعض. والموطن الرابع الغناء للقوة المستقصية الملتفتة، ويعينها حفظ المعاني والتواريخ وضروب المعارف\"(33).
هذه القوى النفسية تتداخل وتتعاضد بشكل آخر، إذ إن اكتمال القول الشعري لا يكون على الوجه المختار- كما يرى حازم- \"إلا بأن تكون له قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة\"(34). وتبعاً لمراحل التلاحق في مستويات القصيدة من مستوى التصور الكلي لكيانها ثم التحكم في مستوياتها المعنوية واللفظية إلى حد اكتمالها كائناً، يكون لكل مرحلة من هذه المراحل قوة خاصة تتولى إنجاز ما علق بها من وظيفة، ويظهر إذ ذاك تمايز القوى التي يفصل بين فعاليتها نوع ما أنيط بها من مرحلة في تكوين القصيدة. وأمر هذه القوى العشر.. لا يهمنا تدقيقاً وإنما يكفي الإشارة إلى أنها تتتابع بدءاً من القوة على التشبيه فيما لا يصدر عن قريحة بما يصدر عنها، والقدرة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها، والقوة على تصور صورة للقصيدة كاملة والقوة على تخيل المعاني واجتلابها من جميع الجهات وكذا ملاحظة الوجوه التي بها يقع التناسب بين المعاني، ثم التهدّي إلى العبارات الحسنة الوضع والتأليف والدلالة على تلك المعاني، وهكذا إلى القدرة على استخلاص الوزن وتحسين وصل بعض الفصول ببعض وكذا الأبيات وتمييز الكلام بالنظر إلى حسنه والموضع الموقع فيه...(35)\" ولا جدال في أن مثل ذلك التقسيم يقوم على افتراض مؤدّاه أن العملية الإبداعية تتم على درجات متفاوتة ومراحل متباينة تخضع في كل منها لقوة نفسية أو ملكة متاميزة عن غيرها. وهذا ما يصعب قبوله، لأننا أميل إلى أن نفهم فاعلية العملية الإبداعية باعتبارها وحدة متكاملة لا تتجزأ إلى عناصر.. أو مراحل متباينة أو متعاقبة\"(36).
غير أن ما يهمنا في موضوعنا هو كيفية تصور حازم عملية تتابع المعنى واللفظ في الصياغة، بحسب ما حددناه سابقاً من مستويات وخطوط تميز بين حقول التقصي والرصد، إذ بموجب إقراره بانفصال القوى الصانعة للقصيدة وتميز كل مرحلة بخاصية الانفصال عن السابقة واللاحقة، وكونها إفرازاً نوعياً لقوة معينة، يترتب ضبطه العلاقات التي يمكن أن تشكل لحمة المعنى واللفظ، وكذا الأسلوب والنظم مع الإقرار بولادتها المتتابعة. فهل هذا الانفصال الذي أكده تحرك حازم في حدود تصور الفلاسفة لقوى النفس يطول تصور القصيدة في كل مستوى من مستوياتها أم أن حازماً استطاع أن يلحم المستويات المعنوية واللفظية خصوصاً في بعض مواقف التحليل والتدقيق؟
نحاول الاقتراب من الإجابة بداية بتثبيت هذا النص الطويل الذي يتعقب فيه حازم ولادة القصيدة ليتأكد لنا عقبه رؤيته لعلاقات مستوياتها المختلفة. يقول: \"إن للمتخيلين في التخييلات التي يحتاجون إليها في صناعتهم أحوالاً ثمانية، لكل واحدة منها في زمان مزاولة النظم مرتبة لا تتعداها.
الحال الأولى: يتخيل فيها الشاعر مقاصد غرضه الكلية التي يريد إيرادها في نظمه أو إيرد أكثرها.
الحال الثانية: أن يتخيل لتلك المقاصد طريقة وأسلوباً أو أساليب متجانسة أو متخالفة ينحو بالمعاني نحوها ويستمر بها على ما هي عليها.
الحال الثالثة: أن يتخيل ترتيب المعاني في تلك الأساليب، ومن أهم هذه التخييلات موضع التخلص والاستطراد.
الحال الرابعة: أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها ليعلم ما يوجد في تلك العبارات، من الكلم التي تتوازن وتتماثل مقاطعها ما يصلح أن يبنى الروي عليه. وفي هذه الحال أيضاً يجب أن يلاحظ ما يحق أن يجعل مبدأ ومفتتحاً للكلام، وربما لحظ في هذه الحال موضع التخلص والاستطراد. فهذه أربعة أحوال في التخاييل الكلية.
والحال الخامسة: وهي أول حال من التخاييل الجزئية: أن يشرع الشاعر في تخيل المعاني معنى معنى بحسب غرض الشعر.
الحال السادسة: أن يتخيل ما يكون زينة للمعنى وتكميلاً له، وذلك يكون بتخيل أمور ترجع إلى المعنى من جهة حسن الوضع والاقترانات والنسب الواقعة بين بعض أجزاء المعنى، وبأشياء خارجة عنه مما يقترن به ويكون عوناً له على تحصيل المعنى المقصود به.
والحال السابعة: أن يتخيل لما يريد أن يضمنه في كل مقدار من الوزن الذي قصد، عبارة توافق نقل الحركات والسكنات فيها ما يجب في ذلك الوزن في العدد والترتيب بعد أن يخيل في تلك العبارات ما يكون محسناً لموقعها من النفوس.
الحال الثامنة: أن يتخيل، في الموضع الذي تقصر فيه عبارة المعنى عن الاستيلاء على جملة المقدار المقفى، معنى يليق أن يكون ملحقاً بذلك المعنى، وتكون عبارة المعنى الملحق طبقاً لسد الثلمة التي لم يكن لعبارة الملحق به وفاء بها\"(37).
وتقسيم حازم التخييلات التي يحتاجها الشعراء في صناعتهم إلى قسمين كبيرين يحتوي كل قسم على أربعة احوال حيث يتمحور القسمان الكبيران في ما أسماه التخاييل الكلية، والتخاييل الجزئية، انعكاس لمنظوره المزدوج إلى القصيدة كاملة وإلى عناصرها الجزئية المتشكلة منها التي هي المعاني في مستواها الجزئي، وهذا المنظور هو الذي تحكّم في توزيع مادة الكتاب نفسها، فإذ يتوافق القسمان الأولان وهما بحث الألفاظ والمعاني مع قسم التخاييل الجزئية، يكون انسجام القسمين الثالث والرابع من الكتاب المرصودين لبحث النظم والأسلوب مع قسم التخييلات الكلية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يكشف هذا التقسيم عن حدود البحث في كل مستوى وطبيعة الصلة بين المستويين، حيث يتوافق قسم التخاييل الجزئية مع رصد معاني الجهات في مستواها الجزئي، وضبط هيئات العبارة في حدود اللفظ وكذا التأليف الذي لا يتعدى الجملة أو الجمل المتعاضدة في حدود ضيقة، تماماً كرصده هنا مستوى التحسينات العالقة بالمعاني المتأتية من الاقترانات والنسب الواقعة بين بعضها بعض.
ولن يكون البحث في التخاييل الكلية إلا تضخيماً للمستوى السالف، ذلك أنها ستكون محور تصور مقاصد الأغراض الكلية وانتقاء الأسلوب الملائم للمعاني المتخيرة ليتسنى تهيئة الانتقال بين بعضها بعض، وكذا رصد المستوى اللفظي الذي يعلق به تضام الفصول واستخلاص المبادئ والتخلص والمقاطع مع انسجام الأصوات في تناغم موسيقي يشكل انتظامه وزن القصيدة.
ويكشف مستويا النظر هنا تصور حازم القصيدة في شكل تكرار لمعاني جزئية، وتضخيم لدوائر منتهية مكتملة، تعاضدت هيئاتها المعنوية واللفظية في نسب وتحسينات منسجمة ليؤدي تراكمها وتتاليها إلى تكوين القصيدة، من هنا يباح تعدد معاني الجهات وكذا تنوع فصول الأغراض، فاختلاف الأغراض في ما يسميه حازم بالقصيدة المركبة التي هي أفضل من القصيدة البسيطة.
فتصور حازم لمادة كتابه ولفصول البحث في كل موضع من مواضعه دقيق يتوافق مع ضبطه كيان القصيدة، لذلك ينتظم مراحل وضع القصيدة الخيط الناظم لعلاقات المعاني والألفاظ والأسلوب والنظم، فصلة المعنى باللفظ في مراحل وضع القصيدة وكذلك صلة النظم بالأسلوب تكثيف لصلة هذه العناصر في وجودها الفاعل في كيان القصيدة المكتمل، وهاتان صورتان متطابقتان، وإن أباح التقصي في كل مستوى عند تحليله على حدة تدقيق البحث في مسائله فرادى وجماعات.
وتتحقق صلة المعنى باللفظ في قوله السالف \"أن يتخيل تشكل تلك المعاني وقيامها في الخاطر في عبارات تليق بها\"، وهذه مرحلة لاحقة لمرحلة تضبط فيها المعاني وفق الأسلوب المنتقى. وإذا كانت هذه الكيفية لا تزيح إمكان تصور تمييز بين المعاني والألفاظ، فإن حازماً استطاع في بعض مراحل البحث أن يحدث بينهما التلاحم التام، خاصة عندما يوظف النحو. أما في قوله السالف فإن في تأكيده تخيل المعاني المتصورة بداية في عبارات وألفاظ لائقة ما قد يخفف من غلواء التمييز، خاصة أن من هذه الألفاظ المنتقاة يتحدد الوزن والقافية ويتأكد ذلك في قوله في موضع آخر، إذ يرى أنه حقيق على الشاعر \"إذا قصد الروية أن يحصر مقصده في خياله وذهنه والمعاني التي هي عمدة له بالنسبة إلى غرضه ومقصده، ويتخيلها تتبعاً بالفكر في عبارات بدد، ثم يلحظ ما وقع في جميع تلك العبارات أو أكثرها طرفاً أو مهيئاً لأن يصير طرفاً من الكلم المتماثلة المقاطع الصالحة لأن تقع في بناء قافية واحدة. ثم يضع الوزن والروي بحسبها لتكون قوافيه متمكنة تابعة للمعاني لا متبوعة لها\"(38).
وعلى كلِّ تبدو أصالة حازم الحقيقية \"في تحليله للقوى الإبداعية وبحثه في الانتقالات الخاطرية التي تتكون منها القصيدة، وكتابه من هذه الناحية ثمرة ناضجة للاتجاه النفسي الذي نحا نحوه النقد العربي بتأثير علم الكلام\"(39). وهذا بقدر ما يؤكد استفادته من أعمال المتكلمين في نقده وبلاغته بقدر ما يكشف عن التكامل الدقيق بين مستويات البحث في نقد القرطاجني، وإن إلحاحه على العقل وضرورة حضوره الطاغي في صناعة القصيدة إذ يكاد يكون وضعها فعلاً واعياً، ليس إلا انعكاساً للاعتماد الكلي عليه في ضبط المنهاج. ومكانة العقل في أعمال عبد القاهر راسخة.
فعلى الرغم من أن حازماً يرى \"أن خير الشعر ما صدر عن فكر ولع بالفن والغرض الذي القول فيه \"فإنه يعقب إثر قوله السالف بأنه\" قد توجد لبعض النفوس قوة تتشبه بها في ما جرت فيه من نسيب وغير ذلك على غير السجية بما جرى فيه على السجية من ذلك، فلا تكاد تفرق بينهما النفوس ولا يماز المطبوع فيها من المتطبع\"(40). وتتنوع درجة هذه القوة من شاعر إلى آخر في مستويات مختلفة لا يهمنا أمرها في موضوعنا(41)، ولكن في الإمكان كسب مهارة القول الشعري وترسيخ مفهوم الصنعة وآلية التأليف، فإذا كان للأفكار تفاوت في تصرفها في ضروب المعاني وضروب تركيبها فإنه \"يتقوى على ذلك بالطبع الفائق والفكر النافذ الناقد الرائق، وبالمعرفة بجميع ما يحتاج إلى معرفته في هذه الصناعة من حفظ الكلام والقوانين البلاغية\"(42). ويتعاضد هذا المنظور مع طرائق اقتباس المعاني واستثارتها المؤسسة على الخيال وبحث الفكرة وعلى الاعتماد على ما سلف من نظم أو نثر وغيرهما، وذلك كله محكوم بتصور لذاكرة تحفظ ما أدرك في شكل انتظام العقد الذي يسعف الشاعر عند مزاولة النظم المتوزع كما أشرنا في قوة حافظة وقوة مائزة وقوة صانعة(43).
ولكن الذي يعنينا في موضوع بحثنا هو صلة المعاني بالألفاظ في مستوى العبارة، وفي مستوى القصيدة كاملة إذ يستحيلان أسلوباً ونظماً انسجاماً مع مرحلتي: التخاييل الجزئية، والتخاييل الكلية. من هنا سيوزع حازم بحثه اللفظ والمعنى في مستوى أول عندما يرصد علائق الألفاظ والمعاني في مستوى معاني جهة واحدة، حيث لا يكاد البحث يتجاوز حدود العبارة، وفي مستوى كلي عندما يبحث تفاعل المعاني مع المعاني في الهيئة المؤلفة لها، والنظام الشامل للقصيدة في ما أسماه النظم ويكشف هذا التوزيع عن الكيفيات التي استقام بها لحازم تحديد موقفه من المعاني والألفاظ.
الاستجداد والتأنق:
تكامل محوري الاستبدال والتركيب
يتحرك حازم في هذا المستوى الأول من بحث الألفاظ والمعاني في حدود فاصلة بين ما أسماه اللفظ وهيئته التأليفية ودلالته على المعنى، والمعنى في ذاته وأشكال تناسبه، وهذا الفصل اقتضاه المنظور المنهجي في تناول العنصرين، ومحاولة ضبط خصائص كل طرف مع الإقرار بتعاضدهما في إحداث الوظيفة التخييلية، وكذلك تأسيس وحدة النص القائمة أساساً على التناسب دون أن يغيب عن البال تمييز حازم بعض المستويات العالقة بأحد العنصرين عن مجرى بنية النص الدالة عموماً، كالشأن مع المستوى الصوتي للألفاظ.
والمنطلق في هذا البحث إيمان حازم باكتمال الفعل الشعري بالمحاكاة المحددة لنوعيته التي تتجسد في التشكيل النوعي للمعنى، غير أن هذا لا يمنع من \"تبيين ما للمحاكاة من حسن موقع من النفوس من جهة اقترانها بالمحاسن التأليفية والصيغ المستحسنة البلاغية\"(44). ومحاسن المحاكاة التأليفية التي تتعلق أساساً بأوجه التناسب بين المعاني تتقابل مع صيغ الألفاظ المتوافقة المحدثة للتحسين البلاغي. ذلك أن \"الأقاويل الشعرية يحسن موقعها من النفوس من حيث تختار مواد اللفظ وتنتقي أفضلها وتركب التركيب المتلائم المتشاكل وتستقصي بأجزاء العبارات التي هي الألفاظ الدالة على أجزاء المعاني المحتاج إليها حتى تكون حسنة إعراب الجملة والتفاصيل عن جملة المعنى وتفاصيله\"(45).
إن بناء العبارة يتعاضد فيه اختيار اللفظ وفق مقاييس الفصاحة المعروفة، ثم يتكامل في هيئة تأليفية جامعة لخصائص فصاحة المركب، وكل هذا يسير في خط أفقي شامل للبنية الصوتية للفظ. ويوازي هذا الخط مسار يتقصى الدلالة التي هي إفراز للخط الأول، وهنا تكون اللحمة التي يذوب فيها كيان المعنى واللفظ معاً في مستوى دلالي تركيبي يتبدى أساساً في المحاكاة وأوجه التناسب العالقة بالمعاني.
ويعتمد حازم في وصف خصائص الألفاظ والمعاني من حيث تطلّب التميز في استخدامهما مصطلح الاستجداد، وبمصطلح التأنق يبحث في العنصرين من منظور الترتيب والوضع إذ يرى أن \"من أصحاب الرويّة من يجهد في استجداد العبارات(...)(46) والتأنق فيها من جهة الوضع والترتيب. ومنهم من لا يستجد ولا يتأنق. ومنهم من يستجد العبارة دون المعنى أو المعنى دون العبارة، ومن يتأنق في العبارة دون المعنى أوالمعنى دون العبارة. فأما من لا يستجد ولا يتأنق فيه فليس يصدر عن مطبوع بروية. وأعني بالاستجداد الجهد في ألا يواطئ من قبله في مجموع عبارة أو جملة معنى، وبالتأنق طلب الغاية القصوى من الإبداع في وضع بعض أجزاء العبارات والمعاني من بعض وتحسين هيئات الكلام في جميع ذلك. فإن العبارة إذا استجدت مادتها وتأنّق الناظم في تحسين الهيئة التأليفية فيها وقعت من النفوس أحسن موقع. وكذلك الحال في المعاني\"(47). فتكامل الحسن في العبارة الفصيحة عنده.. يكون باعتماد الاختيار على مستوى المواد اللغوية ألفاظاً ومعاني مما اصطلح على تسميته بالاستجداد، واعتماد أشكال رائقة في الترتيب تكون بمراعاة المواضع اللائقة وفق موقع العبارات والمعاني بعضها من بعض مما أسماه بالتأنق. والحق أن وصف عملية تعاضد الوحدات اللفظية والمعنوية في السياق ووجوب مراعاة الانسجام في ذلك يبين عن إحساس ببلاغة التركيب التي تقوم هنا على كمالات جزئية أيضاً تظهر في انتقاء المواد أفراداً.
ويعتمد حازم التمييز بين حقل الألفاظ والمعاني لضبط مراتب الاستجداد والتأنق في كل حقل على حدة مع مراعاة خصائص كل طرف دون أن يغفل مستوى التحام العنصرين. فهو يبدأ الرصد على مستوى اللفظ بمدخل شارح لخصائص التكامل بين بلاغة العبارة وبلاغة التأليف في هذه المقارنة المقابلة بين الكلام البليغ والرسم يقول: \"واعلم أن منزلة حسن اللفظ المحاكى به وإحكام تأليفه من القول المحاكى به ومن المحاكاة بمنزلة عتاقة الأصباغ وحسن تأليف بعضها إلى بعض وتناسب أوضاعها من الصور التي يمثلها الصانع. وبما أن الصورة إذا كانت أصباغها رديئة وأوضاعها متنافرة وجدنا العين نابية عنها غير مستلذة لمراعاتها، وإن كان تخطيطها صحيحاً، فكذلك الألفاظ الردئية والتأليف المتنافر، وإن وقعت بها المحاكاة الصحيحة، فإنا نجد السمع يتأذّى بمرور تلك الألفاظ القبيحة التأليف عليها، يشغل النفس تأذي السمع عن التأثر لمقتضى المحاكاة والتخييل. فلذلك كانت الحاجة في هذه الصناعة إلى اختيار اللفظ وإحكام التأليف أكيدة جداً\"(48).
ونجد حازماً يقابل بين اللفظ وتأليفه وموضوع المحاكاة من جهة، والأصباغ وحسن تأليفها والصورة التي تتركب منها من جهة أخرى، وهذا بقدر ما يذكر بعبد القاهر وما درج عليه من إجراء المقارنة بين بنية العبارة وتأليف الصورة(49)، بقدر ما يكشف إمكان تجاوز هذين الشرطين المتجسدين في انتقاء المواد اللفظية واعتماد التأليف الحسن في ترتيبها، إذ يمكن للقول أن يخلو منهما مع توفره على صحة تخطيط المحاكاة، وهذا يدل على أنهما من مرتبة التحسينات المضافة إلى دلالة سليمة يشهد بذلك تأكيد سلامة الصورة المرسومة وصحة خطوطها مع الإقرار برداءة الأصباغ وتنافر الأوضاع، حيث تنسجم المقارنة في اعتماد الحس في الإدراك، إذ يكون تأذّي البصر من رؤية فساد الصورة المرسومة متطابقاً مع تأذي السمع من جرّاء تنافر الكلم المحاكى بها.
وعلى الرغم من ضياع القسم الأول من الكتاب المخصص لبحث الألفاظ، فإن نصاً نادراً يختصر بحث حازم الألفاظ يورده في موضع لاحق في الكتاب، يوثق لنا مقصوده الدقيق من انتقاء اللفظ وإحداث التأليف الرائق، وإن كان يجمل المبحثين معاً إلا أنه يمكن تلمس ما يخص به المواد اللفظية أفراداً في قوله محدداً الجهات التي تمكّن الشاعر من التهدّي إلى العبارات الحسنة المتمثلة في \"اختيار المواد اللفظية أولاً من جهة ما تحسن في ملافظ حروفها وانتظامها وصيغها ومقاديرها واجتناب ما يقبح في ذلك وقد تقدم. واختيارها أيضاً من جهة ما يحسن منها بالنظر إلى الاستعمال وتجنب ما يقبح النظر إلى ذلك. واختيارها بحسب ما يحسن منها باعتبار طريق من الطرائق العرفية وتجنب ما يقبح باعتبار ذلك\"(50). ويبدو اعتماد حازم هنا على ما حددته مباحث الفصاحة في مستوى المفرد عند السابقين، إذ يخص هنا شروطاً تتمثل في انتقاء اللفظ وفق الشيوع والاستعمال ومسايرة العرف، وكذلك مراعاة الحسن في بنية اللفظ مما يعود إلى انسجام مادته الصوتية، وانتظام صيغته وفق قواعد الفصاحة عموماً. ويسد حازم بهذه الشروط التي تراعي بنية الألفاظ وخصائص صيغها وفاء بمقتضيات الرصد الشامل لكل مستويات البنية الثغرة في إنجاز عبد القاهر الجرجاني في النظم، إذ كان غياب مبحث الألفاظ في مستواها الصوتي واعتماد المعنى المؤسس على التركيب أساساً في بحث بنية العبارة اختزالاً لمساحة البحث التي تتعلق بالمستويات الشاملة الحادثة في كل سياق مفيد.
ثم ينتقل حازم إلى رصد مستوى التأليف في مرتبة المواد اللفظية أفراداً ومركبة.. مكملاً حصر الحسن في العبارة، إذ يرى أنه \"من ذلك حسن التأليف وتلاؤمه. والتلاؤم يقع في الكلام على أنحاء: منها أن تكون حروف الكلام بالنظر إلى ائتلاف بعض حروف الكلمة مع بعضها وائتلاف جملة كلمة مع جملة كلمة تلاصقها منتظمة في حروف مختارة متباعدة المخارج مترتبة الترتيب الذي يقع فيه خفة وتشاكل ما، ومنها ألا تتفاوت الكلم المؤتلفة في مقدار الاستعمال.. فتكون الواحدة في نهاية الابتذال والأخرى في نهاية الحوشية وقلة الاستعمال، ومنها أن تتناسب بعض صفاتها مثل أن تكون إحداها مشتقة من الأخرى.. مع تغاير المعنيين من جهة أو جهات أو تتماثل أوزان الكلم أو تتوازن مقاطعها، ومنها أن تكون كل كلمة قوية الطلب لما يليها من الكلم أليق بها من كل ما يمكن أن يوضع موضعها\"(51).
ويرصد حازم في هذا القسم من ضبط أشكال الانسجام في التأليف اللفظي صفات عرفتها مباحث الفصاحة قبله.. تتحدد هنا في ضرورة إحداث الانسجام بين حروف الكلمة الواحدة والكلم المتعددة بمراعاة ما عرف من اعتماد تباعد المخارج وانتقاء اللفظ أو الألفاظ.. وفق الانسجام الصوتي المتلائم الذي لا يسبب على مستوى التلفظ توعراً أو صعوبة، ليؤكد ضرورة إحداث التلاؤم وفق الدلالة بمراعاة عدم التناقض في حشد المبتذل بجوار الحوشي، أو ضرورة إحداث التناغم بمراعاة التجنيس أو الاشتقاق أو السجع أو المزدوج. والحق أن هذه المستويات الموسيقية في اللفظ تؤكد شمول فعل المحاكاة في نظر حازم إذ لا يكون التحسين اللفظي إلا رافداً يرسخ الفعل التخيلي.
ثم يرتقي حازم في مبحث التأليف إلى مزيد من التدقيق في رصد مواقع الكلم وضرورة مراعاة التأليف بينها، هذا التأليف الذي يوجده طلب بعضها بعض وفق التلاؤم العائد إلى الصيغة أو الموقع، وتحقيق السهولة في نسق الكلام مع تزيينه باعتماد المؤاخاة فيه.. حيث يظهر ذلك مفصلاً في شروط جماعها ضرورة مراعاة \"التسهّل في العبارات وترك التكلف. والتسهل يكون بأن تكون الكلم غير متوعرة الملافظ والنقل من بعضها إلى بعض... والتكلف يقع إما بتوعر الملافظ أو ضعف تطالب الكلم أو بزيادة ما لا يحتاج إليه أو نقص ما يحتاج، وإما بتقديم وتأخير، وإما بقلب، وإما بعدل صيغة هي أحق بالموضع منها، وإما بإبدال كلمة مكان كلمة هي أحسن موقعاً في الكلام منها.. وإما بتكرار، وإما بالحيدة عن معنى تقصر العبارة عنه إلى معنى مؤد عن مثل تأديته تطول العبارة عنه. ومن ذلك إيثار حسن الوضع والمبني وتجنب ما يقبح من ذلك. فمن حسن الوضع اللفظي أن يؤاخي في الكلام بين كلم تتماثل في مواد لفظها أو في صيغها أو مقاطعها فتحسن بذلك ديباجة الكلام. وربما دل بذلك في بعض المواضع أو الكلام على آخره. ومن ذلك وضع اللفظ إزاء اللفظ.. الذي بين معنييهما تقارب وتناظر من جهة ما لأحدهما إلى الآخر انتساب.. ولـه به علقة، وحمله عليه في الترتيب. فإن هذا الوضع في تأليف الألفاظ يزيد الكلام بياناً وحسن ديباجة واستدلالاً بأوله على آخره. ومن قبح الوضع والتأليف أن تكون الألفاظ مع عدم تراخيها بعيدة أنحاء التخاطب.. شتيتة النظم متخاذلاً بعضها عن بعض كما قال:
لم يضرها، والحمد لله، شيء


فانثنت نحو عزف نفس ذهول(52)

واجتماع هذه المواصفات الواجب مراعاتها في بناء العبارة من ضرورة تحسين المفرد والمركب ينتج عنه صفات وخصائص في النص، ورغم أن هذه المادة يترجمها إحساس المتذوق، فإن التدليل على هذه الأحساسيس بكيفيات تشكل المادة توثيق للانطباع الذي توجده هذه الخصائص في النفس، ذلك أن \"بقوة التهدي إلى العبارات الحسنة يجتمع في العبارات أن تكون مستعذبة جزلة ذات طلاوة. فالاستعذاب فيها حسن المواد والصيغ والائتلاف والاستعمال المتوسط. والطلاوة تكون بائتلاف الكلم من حروف مصقولة وتشاكل يقع في التأليف ربما خفي سببه وقصرت العبارة عنه. والجزالة تكون بشدة التطالب بين كلمة وما يجاورها ويتقارب أنماط الكلم في الاستعمال وسائرها يتعلق بالألفاظ المفردة من الشروط المذكورة التي تطرد الكلم بوجودها فيها أحسن
إطراد\"(53). فالعذوبة عالقة بالمادة في مستوى الصيغة وحسن حروفها واستعمالها. والطلاوة تحدثها الحروف المصقولة المتآلف منها الكلم، ثم يكون عن تطالب الكلم وصف الجزالة، وتضام هذه الدوائر وتداخلها.. إحداث لطبقات من الحسن تتعاضد في تشكيل محسنات النص في مرتبة تناسب كلماته أفراداً وتراكيب ضمن سياق طبقاتها المختلفة.
وإذا كان ما سلف يتعلق ببحث الألفاظ في ذاتها وهيئاتها فإن من خصائص درس الألفاظ ضبط علائقها بالمعنى في مستوى ثان في ما أسماه حازم بدلالتها. فضمن الشروط السابقة يخص هذا الموضوع بقوله: \"وأن يكون اللفظ طبقاً للمعنى تابعاً له جارية العبارة من جميع أنحائها على أوضح مناهج البيان والفصاحة. هذا إذا لم يكن المقصد إغماض المعاني\"(54).
وقد خص حازم مشكلة غموض المعاني بوقفات تتيح لنا فهم علاقة اللفظ بالمعنى عندها يعالج عوامل الغموض ووسائل توضحيه، ذلك أنه يرى \"أن اشتكال المعاني وغموضها من جهة ما يرجع إليها أو إلى عباراتها يكون لأمور راجعة إلى مواد المعنى أو مواد العبارة أو إلى ما يكون عليه إجراؤهما من وضع وترتيب أو إلى مقادير ما ترتب من ذلك أو إلى أشياء مضمنة فيهما أو أشياء خارجة عنهما\"(55).
ومعالجة الكيفيات التي يحدث عنها بيان المعاني مما يرجع إلى المعنى أو اللفظ لا تخدم غرضنا وإن كانت ستبيّن أساليب إزالة أسباب الغموض العائدة إلى الألفاظ والمعاني، إذ ليست هذه الكيفيات إلا وسائل الإبانة والفصاحة عن هذا الغموض، كأن يعتمد تسهيل العبارة لإيضاح المعنى الدقيق واللطيف والخفي.
\"أما ما يرجع إلى اللفظ مما يوقع في المعاني غموضاً واشتكالاً.. فمن ذلك أن تكون الألفاظ الدالة على المعنى أو اللفظة الواحدة منها حوشية أو غريبة فيتوقف فهم المعنى عليها... ومن ذلك أن تكون اللفظة أو الألفاظ مشتركة فتدل على معنيين.. أو أكثر لا في حال واحدة... ومن ذلك أن تكون كلمة قد وصلت بحرف أو حذف منها حرف فتتصل بكلمة يحتمل لفظها أن يكون الحرف الموصول بالأول داخلاً عليها أو من جملة حروفها، أو يكون قد أدخل على الثانية حرف يخيل لك أنه صلة للأولى أو تتمة لما نقص منها فيعرض من هذا فهم الكلام على غير وجهه\"(56).
ويتحدد مما سلف غموض المعنى بصفات تعلق باللفظ مما يجعل الدلالة شركة بينهما، إذ يكون الخط المدروس هنا وصلة اللفظ بالمعنى، مما سيبيح لحازم عند بحث المعاني التي هي مدلول الألفاظ.. ضبط تنوع الصور المعنوية التي يحدثها السياق اللاحم بين مستويات المعاني ونسبها المختلفة، والهيئات اللفظية الدالة.
وينتقل حازم في نص تالٍ إلى رصد عوامل الغموض المترتبة على اللفظ في مستوى التأليف، فيرى أن من أسباب الغموض \"الإخلال بوضع الكلام وإزالة ألفاظه من مراتبها.. حتى يصير المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً فتتداخل الألفاظ بعضها ببعض فتشكل العبارة ولا يتحقق نظامها قبل التقديم والتأخير.. ولا يعلم كيف كان (...) (57) وهذا المذهب رديء جداً في الكلام. وكان همام بن غالب الفرزدق يكثر من هذا النوع -كأنه كان يقصده- ومنه قوله:
وما مثله في الناس إلا مملكاً


أبو أمه حي أبوه يقاربه(58)

وتمثيله بالبيت السابق -الشائع كمثال للتعقيد اللفظي في المركب- لغموض المعنى المتأتي من التأليف اللفظي، مع التدليل على أن مركز الغموض عائد إلى بنية العبارة إلى الإخلال بوضعها، واشتراط تحقيق النظام بإحداث تغيير يتعلق بالتقديم والتأخير، اقتراب من تناول عبد القاهر البيت نفسه حيث رأى سبب فساده الإخلال بمعاني النحو مرة، وبالتضاد بين بنية العبارة الظاهرة وبنية الفكر الخفية مرة أخرى.
أما ما يراه حازم متعلقاً بالمعنى من أسباب الغموض فهو \"أن يكون المعنى في نفسه دقيقاً لطيفاً يحتاج إلى تأمل وفهم، ومنها أن يكون المعنى قد أخل ببعض أجزائه ولم تستوف أقسامه، ومن ذلك أن يكون المعنى مرتباً على معنى آخر.. لا يمكن فهمه وتصوره إلا به، ومنه أن يكون منحرفاً بالكلام وغرضه عن مقصده الواضح معدولاً إليه عما هو أحق بالمحل منه\"(59). وترجع بعض أسباب علاج الغموض في المعنى إلى اللفظ حيث تتحقق بتسهيله، وبعضها إلى المعنى نفسه، كمحاولة الإبانة عنه بأن يقرن به ما يناسبه ويقرب منه من المعاني الواضحة ليكون في وضوحها نفي لإبهام ذلك المعنى، وهي تفسح لنا المجال إلى الانتقال إلى العلائق التي يمكن أن تضبط المعاني في قنواتها، وهو مبحث يتعادل مع قسم اللفظ، إذ سيكون بحق المعنى في نفسه موزعاً بين جوهره المتحقق في المحاكاة، وأعراضه التي تتمثل في أنماط النسب والعلاقات التي تنظم المعاني.
والحق أن مبحث المعنى يحتل ركناً مكيناً في نظرية القرطاجني في الشعر عموماً وبنية النص خصوصاً، فمن منظور كميِّ خص المعنى بقسم من أقسام الكتاب الأربعة، ثم لم يكن القسم الرابع الذي أفرده لبحث طرائق الشعر وأغراضه والأساليب والمنازع إلا تفخيماً لمبحث المعاني نفسه.. بإقرار حازم، يضاف إلى ذلك أن القسم الثالث من الكتاب الذي أسماه النظم وعالج الأوزان الشعرية التي تعتبر من مستلزمات موسيقى الألفاظ، دون أن يغفل التعرض إلى التوافق والاحتواء بين الوزن الشعري والغرض، تعرض فيه أيضاً لقواعد الصناعة النظمية وهي خلاصة صناعة القصيدة معاني وألفاظاً وأساليب ونظماً. فإذا أضفنا إلى ذلك أن منهجاً من مناهج هذا القسم الخاص بالنظم خلص إلى درس وحدة القصيدة وفصولها، وهو مبحث يرصد التحام المعاني والألفاظ، أمكن اعتبار أن أغلب مادة الكتاب، باستثناء القسم الأول الضائع الخاص باللفظ، خالصة لبحث المعنى، علماً بأن من موضوعات القسم الضائع ما يبحث صلة الألفاظ بالمعاني.
وعلى الرغم من الإقرار بقيمة اللفظ الذاتية المتعلقة بمستواه الصوتي، والتنويه بأهمية اختيار المادة اللفظية في ذاتها، ثم اعتبار هيئة اللفظ التحسينية في مستوى انسجامها الصوتي عضداً للمحاكاة العالقة بالمعنى، وهي عناصر تسد الثغرة في إنجاز عبد القاهر الذي تجاهل أو كاد مستوى الألفاظ الصوتي، أقول رغم كل ذلك فإن المعنى حظي بالقسم الوافر من العناية، وليس من المستبعد أن يكون ذلك صدى لعبد القاهر ومفهومه للنظم، ذلك أنه رغم المراهنة في النظم على السياق المؤسس للدلالة حسب ما يوفره التركيب، فإن القصد هو المعنى المتولد من ذلك، لذلك لم يكن بدٌّ لحازم من أن يؤسس مبحثه في المعاني على مسلمة تُخوّله تأكيد فكرة التفريع الحادثة عن تضام المعاني في سياق أوجه التناسب المختلفة.
يشير حازم القرطاجني إلى ما يسميه بجهات الأقاويل الشعرية التي \"هي ما يكون الكلام منوطاً به من الأشياء المقصود وصفها أو الإخبار عنها\" ويرى أنها ضربان \"ضرب يقع في الكلام مقصوداً لنفسه، وهو ما كان له بالغرض المقول فيه علقة وله إليه انتساب بوجه يوجب ذكره. والصنف الثاني ما لم يكن له بالغرض علقة.. ولكن لـه علقة ببعض الجهات المتعلقة بالغرض، فيذكر تابعاً لما ذكر معتمداً على جهة إحالة أو محاكاة أو غير ذلك، وقد يكون لـه بالغرض علقة إلا أنه لم يذكر.. إلا من حيث ما هو تابع لغيره ومتعلق
به\"(60). وهو بذلك يضع أساساً لضبط علائق جهات المعاني من حيث الصلة بالغرض الرئيسي ومن حيث الصلة ببعض جهات الغرض بنسبة ما. وستستحيل الجهات الرئيسية أوائل والأخرى ثواني، وتفاوت الشعراء في الثواني أكثر \" لأن الجهات الأولى يمكن حصرها في كل فن، وأما الجهات الثواني فقلما يتأتى حصرها لكثرة ما يمكن أن يستطرد من الشيء إليه أو
يحال به عليه أو يحاكى به أو يعلق على الجملة به لنسبة في المعنى تقتضي ذلك\".(61)
إن حازماً يبحث عن المركز المتحكم في ثراء المعاني وغناها في النص، ولا يملك هنا أن يراهن على معاني النحو إنما يبحث عن البديل، فمعاني النحو إذ تؤسس منطلقها في التركيب بمراعاة معاني الفاعلية والمفعولية والحالية... ووظائفها في إحداث الدلالة ووحدة المفهوم الناتج عن السياق، فهي تتأسس على مسلمة مفادها أن الأبنية النظرية للتركيب تمثل الأصول التي بموجبها تحدث طرائق التركيب المختلفة؛ وليست الوجوه والفروق المرتبطة بمعاني النحو سوى أبنية سطحية كثيرة تتفرع من أصولها اللغوية لتتوافق في كل سياق مع الغرض المبتغى، من هنا يرى عبد القاهر أنها تعز على الحصر، وقد استغل حازم هذا الأساس الذي سيتأكد لنا مع مسار هذا الفصل.. ليوجد البديل لنظرية النظم على مستوى العبارة، ثم على مستوى نظم القصيدة كاملة. فكان جوهر فكره المعلل لظاهرة التناسب الحاصل بين عناصر المعاني لا يقوم في المنطلق على المعاني النحوية، وإنما يتأسس على المحاكاة ووفق كل أشكال التضام التي يمكن أن تحدثها علقة معنى بآخر من تماثل وتشابه وتناظر وتقابل.. وقد اقتضاه ذلك الاستعانة بفكرة راسخة في بلاغة عبد القاهر، وهي المعاني الأوائل والمعاني الثواني، يعتمد حازم هذا الاصطلاح في وصف صلاة الجهات الأوائل والثواني ثم في وصف معاني الجهات الأوائل والثواني في قوله: \"والمعاني الشعرية منها ما يكون مقصوداً في نفسه بحسب غرض الشعر ومعتمداً إيراده ومنها ما ليس بمعتمد إيراده ولكن يورد على أن يحاكى به ما اعتمد من ذلك أو يحال به عليه أو غير ذلك، ولنسمِّ المعاني التي تكون من متن الكلام ونفس غرض الشعر المعاني الأوائل، ولنسم المعاني التي ليست من متن الكلام ونفس الغرض، ولكنها أمثلة لتلك أو استدلالات عليها أو غير ذلك لا موجب لإيرادها في الكلام غير محاكاة المعاني الأوائل بها، أو ملاحظة وجه يجمع بينهما على بعض الهيئات التي تتلاقى عليها المعاني، أو يصار من بعضها إلى بعض المعاني الثواني فتكون معاني الشعر منقسمة إلى أوائل وثوان\"(62).
واعتماد حازم مصطلح المعاني الأوائل والثواني الذي رغم الأصول الفارابية التي يتضمنها.. فإن المصطلح نفسه يذكّر بعبد القاهر الجرجاني\"(63) وهو يخفي الأساس الدقيق الذي تنبني عليه فكرته.. في الصلة بين المعاني عموماً، من هنا يحدث الانسجام بين فكرته في أوجه التناسب بين المعاني المستفيدة من رأي الفلاسفة الإسلاميين في الموضوع نفسه\"(64)، واصطلاح المعاني الأوائل والثواني الذي لا يعني به: \"مستويين متفاوتين في التعبير، وإنما يعني معاني متساندة يوضح تاليها سابقها\"(65).
يتنزل مصطلح المعنى ومعنى المعنى عند عبد القاهر ضمن تناول دلالي للصورة المجازية.. حيث يستحيل المدلول الأول المباشر إلى دال يحيل إلى المدلول المقصود. فالمنظور العمودي لطبقات الدلالة استوجب استغلال الاصطلاح ليخدم هذه الحقيقة.. تمشياً مع تعليل عبد القاهر التحولات الدلالية الحاصلة في السياق..
إثر استغلال الصور البلاغية، وهذا يتوافق مع موقفه المغاير لموقف البلاغيين.. في التدليل على أن الصور المجازية تكون في المعنى وليست نقلاً للفظ، دون أن ننسى تنزيله هذه الصور ضمن بناء العبارة إذ يراها من مقتضيات النظم.
أما حازم القرطاجني فإنه يوظف الاصطلاح ليخدم به رأيه في الفصل بين المعاني الأوائل والثواني من منظور أفقي، إن صح الوصف، حيث إن المسألة تتعلق بمعان جوهرية في الغرض تنسب إليها معان أخرى ثانوية بشكل من أشكال النسبة، ولما كانت هذه طارئة قد تثبت أو تسقط، ولكنها تزيد في جمال المحاكاة، أسماها ثواني ولكنه إذ يؤكد أن هذه الثواني تعز على الحصر.. وأن قوة الشعراء تتفاوت في هذه الثواني أكثر من تفاوتها في الأوائل، يذكر برأي عبد القاهر في الفروق والوجوه الحادثة عن النظم وأنها لا نهائية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن تصوره النسب الواقعة بين المعاني.. يخول له الامتداد بنظريته إلى أن تغطي القصيدة كاملة، بخلاف نظرية النظم التي لا تتجاوز حدود العبارة، وإذا استحضرنا الأساس الذي تقوم عليه فكرته القائمة على النسبة الحاصلة بين معنى ومعنى التي تعود أساساً إلى محاكي ومحاكى، وما يتفرع من ذلك من أوجه النسب، وأن موقفه من المتكلمين كما بدا في مطلع الفصل سيرسخ إيجاد البديل لنظرية المتكلمين الأساسية كما تبدو في النظم، والاعتماد في إيجاد هذا البديل على مفهوم التخييل أو المحاكاة وهو أساس نظرية حازم، أمكن إدراك العوامل التي جعلت حازماً يفتت من معاني النحو فكرته في النسب الحادثة بين المعاني، غير أن أمره ينطلي وشيكاً.. حين يضطر إلى مواجهة ما أسماه هو أيضاً بصور المعاني (66).
وتقوم أسس التفريعات الحادثة بين المعاني على مبادئ متنوعة محكومة بقاعدة منطقية، وبأساس من التخاطب ذلك، \"أن المعاني صنفان: وصف أحوال الأشياء التي فيها القول، ووصف أحوال القائلين أو المقول على ألسنتهم، وأن هذه المعاني تلتزم معاني أخر.. تكون متعلقة بها وملتبسة بها، وهي كيفيات مآخذ المعاني ومواقعها من الوجود أو الفرض وغير ذلك ونسب بعضها إلى بعض، ومعطيات تحديداتها وتقديراتها، ومعطيات الأحكام والاعتقادات فيها، ومعطيات كيفيات المخاطبة\"(67).
وإذا كان أصل المعاني وصف جهات الأشياء التي لها علقة رئيسية بالغرض وكذا أحوال الواصف.. فإن لمعاني الجهات الرئيسية صلات بغيرها تتبدى في تفريعات معنوية تكون من جهة ما له بها نسبة، أو ما يكون من جراء التعريف والتحديد للمعاني والأحكام.. التي تصدر في شأنها وكذا كيفيات المخاطبة، ثم ضبطها من منظور الحقيقة إن كانت واقعية أو متخيلة في إطار ما يربطها بغيرها في المكان والزمان. وهكذا يكمن خلف هذه التفريعات كل قول شعري، ذلك أن على كل قاصد للقول الشعري، مريد لتحسين المعاني \"أن يعرف وجوه انتساب بعضها إلى بعض. فيقول: إنه قد يوجد لكلِّ معنى من المعاني التي ذكرتها.. معنى أو معان تناسبه أو تقاربه ويوجد له أيضاً معنى أو معان تضاده وتخالفه. وكذلك يوجد لمضاده في أكثر الأمر معنى أو معان تناسبه. ومن المتناسبات ما يكون تناسبه بتجاور الشيئين واصطحابهما واتفاق موقعيهما من النفس، ومنه ما تكون المناسبة باشتراك الشيئين في كيفية، ولا يشترط فيها التجاور ولا الاتفاق في الموقع من هوى النفس، وما جعل فيه أحد المتناسبين على هذه الصفة مثالاً للآخر ومحاكياً له فهو تشبيه\"(68).
وتفسر وجوه التناسب السابقة بما يمكن أن يعرف بإحداث التماثل بين المعاني عندما يناظر بينها.. فيوضع أحدها في حيز يقابل حيز الآخر، أو تحقيق المناسبة عندما يقترن المعنى بما يناسبه، أو إيجاد مقابلة أو مطابقة عند إحداث التضاد في المعاني أو إيجاد أوجه الاقتران الحادثة بين المتشابهين مما ينتج عنه التشبيه والاستعارة. وللمعاني صور أخرى كالتكرار، ذلك أن المعاني ضربان \"صور متكررة وصور غير متكررة. والتكرار لا يجب أن يقع في المعاني إلا بمراعاة اختلاف ما في الحيزين اللذين وقع فيهما التكرار من الكلام. فلا يخلو أن يكون ذلك إما لمخالفة في الوضع: بأن يقدم في أحد الحيزين ما أخُّر في الآخر، أو بأن تختلف جهات التعلق في الحيزين، أو بأن يفهم المعنى أولاً من جهة الإبهام ثم يورد مفسراً من الجهة التي وقع فيها الإبهام، أو بأن يجمل ثم يفصل- وهذا يجتمع مع ما قبله من جهة ويفارقه من جهة- أو بأن يفصل ثم يجمل الضرب من المقاصد، أو بأن يورد على صورة من الجمع والتفريق كما يقال: أنت وزيد بحران تكون أنت للعذوبة وذلك للزعوقة.. أو بأن تبان الجهتان اللتان تواخى بهما الضدان على الشيء كقوله:
(...) (...) يخشى ويتّقى.. يرجّى الحيا منه وتخشى الصواعق.
فعلى هذه الأنحاء وما ناسبها يقع التكرار في المعاني فيستحسن.
وكثيراً ما تقع التفصيلات والتفسيرات والتقسيمات في المعاني التي تكون من هذا القبيل\"(69).
ويتكيف رأي حازم ودعوته إلى ضرورة التنويع في مسالك الكلام والتقاذف فيه إلى شتى أنواع النسب والاقترانات، مع منظوره لوظيفة الشعر المؤسسة على إحداث التأثير في المتلقي.. وذلك يتحقق وفق صياغة لائقة، ذلك وإن كان الأساس في إخراج الصياغة وفق أنماط التناسب والتشاكل العالقة بالمستويات المعنوية واللفظية إقراراً بخصوصيات تشكيلية عالقة بالنص، مما يقتضي فض أسرارها واعتماد العقل والتمييز والمران، إلا أنها محكومة بالمنظور الوظيفي أساساً.. لارتباطها بوظيفة التعجب الحاصلة في النفس، ذلك أنه \"يجب ألا يسلك بالتخييل مسلك السذاجة في الكلام، ولكن يتقاذف بالكلام في ذلك إلى جهات من الوضع الذي تتشافع فيه التركيبات المستحسنة والترتيبات والاقترانات والنسب.. الواقعة بين المعاني. فإن ذلك مما يشد أزر المحاكاة ويعضدها، ولهذا نجد المحاكاة أبداً يتضح حسنها.. في الأوصاف الحسنة التناسق، المتشاكلة الاقتران، المليحة التفصيل، وفي القصص الحسن الاطراد، وفي الاستدلال بالتمثيلات والتعليلات، وفي التشبيهات والأمثال والحكم، لأن هذه أنحاء من الكلام.. قد جرت العادة في أن يجهد في تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها\"(70).
ويدل الإلحاح على تحسين هيئات الألفاظ والمعاني وترتيباتها فيها الناتجة عن أشكال التقاذف بين المعاني المتناسبة والألفاظ الدالة عليها.. على تدقيق حازم رؤيته صلات المعنى باللفظ، إذ تبدو صلة التلاحم بينهما إفرازاً لأنماط العلائق المختلفة... وهنا يتحدد لحازم خط يشقه في حقل مشترك بين لفظ دال ومدلول، حيث سيؤول مفتاح التدقيق الراصد لعلائق العنصرين إلى اصطلاح صور المعاني المشار إليه.. في النص ما قبل السابق. وهذا الاصطلاح إذ يشكل ركناً في نظرية عبد القاهر في النظم- رغم الإقرار بحضوره في أعمال السابقين- يزيدنا تدليلاً على الاقتراب الحاصل بين الرجلين، هذا الاقتراب المتبدي في استثمار حازم لمعطيات نظرية النظم ومزجها بأصوله الراسخة في أعمال فلاسفة الإسلام لإحداث ائتلاف متناغم.

وينتج عن أوجه التناسب، المؤكدة في مواقف شتى لحازم، بين المعاني، صور للمعاني، ذكر بعضها كإقرار بشتى العلائق الرابطة بين المعاني في ما أسماه صلة الزمان والمكان، وأنماط التحديدات وأوجه التخاطب وكذا أشكال المحاكاة وغيرها، ولكن ما يكتنف المعاني من ملابسات وما يحيط بها من صلات يفرز صوراً أخرى جديدة، فإذا ما حددنا الصلات الزمانية والمكانية للمعاني فقط نرى أنه \"يتركب من هذه الأحوال صور شتىّ من الكلام، وتكون المعاني الواقعة بهذه الاعتبارات بحسب ما قدمته من تعدد الأفعال وتعدد مرفوعاتها ومنصوباتها أو اتحاد جميع ذلك أو اتحاد بعض من ذلك وتعدد بعض، فتتضاعف صور المعاني بذلك تضاعفاً يعز إحصاؤه. والتركيبات التي تتنوع بها هيئات العبارات وما تحتها من المعاني من جهة مواقع بعض المعاني من بعض، في الأزمنة والأمكنة على ما تقدم راجعة إلى المعاني التي تقدم التعريف بأنها تقع تحديدات في الأزمنة والأمكنة. وكثيراً ما يتأتى في هذه التركيبات تقسيم الكلام وتفصيله إلى مقادير متعادلة متناسبة\"(71).
وتزداد صور الكلام المختلفة المتأتية أساساً من التفريعات العالقة بالمعاني المترتبة على ما يكتنفها في الزمان والمكان من وقائع وحالات ثراء بصور التكرار.. الناتجة عن تعدد المفعولات والفواعل والأفعال، وهذا تأكيد خاصية التكاثر في هذه الصور.. التي يعز إحصاؤها، حيث تتلبس بهيئات العبارات وما تحتها من المعاني، وهو إقرار بتكامل التوالد بين العنصرين، المحكوم أساساً بجوهر هذه التنويعات المحدثة لكل هذه الصور.. المتمثل في المعاني. ويمكننا أن نضيف لتأكيد ذلك رأياً آخر لحازم في أشكال من الصور الأخرى.. التي يحدثها أساس آخر تقوم عليه المعاني متمثلاً في تحديداتها من العموم والخصوص أو الكلية والجزئية وكذا الأحكام الواقعة فيها، وكيفيات التخاطب \"فإن هذه الأشياء أيضاً مما تتضاعف بها الصيغ والعبارات عن تلك المعاني فيؤدي تنوع صور المعاني والعبارات، بجميع ذلك وبما قد ذكر أيضاً في غير هذا الموضع من هذا الكتاب مما تتكاثر به صور المعاني، إلى وقوع المعاني على هيئات وصور يعز حصرها ولا يتأتى استقصاؤها لكثرتها\"(72).
إن حازماً أراد أن يجد أساساً آخر- غير معاني النحو- يؤسس عليه فكرته في صلة المعاني بالألفاظ، ويدلل بواسطته على أشكال التوليدات المختلفة في المعاني المرتبطة بأسس واحدة، ويكون منطلقه في بحث بنية القصيدة الكلية، ولكن في قاعدة هذا التصور.. ما قد يقترب من معاني النحو، ذلك أن الفروق والوجوه المتعددة الناتجة عن مختلف التنويعات في الأبنية الأساسية في النحو كالتفريعات عن الحال والمبتدأ والخبر وغيرها، تتيح للبليغ إمكانية التعبير عن شتى المواقف مع إحداث التطابق بين كل بنية متفرعة من بنية نواه وغرضه المقصود، وهي تمثل معتمد عبد القاهر في تشخيص بلاغة النص وفنيته. أما المقابل عند حازم لوجوه النظم وفروقه فهو صور المعاني المتفرعة من أصول تؤسس قواعد تنتظم صلات المعاني مطلقاً، ضبطت هذه الأصول وفق تحديدات منطقية وحيوية ولغوية، من هذه الأصول مثلاً حدود المعاني أو علائقها بالزمان والمكان، إذ يمكن انطلاقاً من هذين الأسين ووفق أشكال الترابط التي يمكن أن تنتظم معنى وآخر، تفريع صُورٍ شتى يبدو فيها التعاضد تاماً بين الهيئة التأليفية اللفظية التي يتلبسها المعنى، والمعنى نفسه، فإذا أضفنا إلى ذلك أن أساس هذا التنويع الحادث في هذه الصور إنما هو المعاني، مثلما تحدد في نظرية النظم لدى عبد القاهر، من أن كل قصد للكلام إنما يتم بتوخي معاني النحو في معاني الكلم، وأن كل قصد للترتيب وتوخي معاني النحو في الكلم إحداث لصورة تماماً كتشكل صور المعاني لدى حازم.. من جرّاء تنويعات النسب بين المعاني، أمكن التقريب بين النظريتين وإن تمايزت المناهج المعتمدة في كل نظرية.
ولكن استغلال حازم لنظرية النظم(73) لا يلبث أن يبين عن نفسه صريحاً عندما يتمادى في محاصرة صور المعاني التي تتنوع مصادرها.. وإن انقسمت حسب وجودها إلى ما لها وجود خارج الذهن أو إلى التي جعلت بالفرض بمنزلة ما لها من وجود خارج الذهن، وإلى ما ليس لها\" وجود خارج الذهن أصلاً، وإنما هي أمور ذهنية.. محصولها صور تقع في الكلام بتنوع طرائق التأليف في المعاني والألفاظ الدالة عليها والتقاذف بها إلى جهات من الترتيب والإسناد، وذلك مثل أن تنسب الشيء على جهة وصفه به أو الإخبار به أو تقديمه عليه في الصورة المصطلح على تسميتها فعلاً أو نحو ذلك. فالاتباع والجر وما جرى مجراها معان ليس لها خارج الذهن وجود، لأن الذي خارج الذهن هو ثبوت نسبة شيء إلى شيء أو كون الشيء لا نسبة له إلى الشيء. فأما أن يقدّم عليه أو يؤخّر عنه أو يتصرف في العبارة عنه نحو من هذه التصاريف فأمور ليس وجودها إلا في الذهن خاصة\"(74). فالنسب الحادثة بين المعاني القائمة على أشكال الإسناد والترتيب التي تحدثها خصائص بينها مردها صلة وصف أو خبر أو فعل أو غيرها كالتقديم والتأخير، هي محصلة فاعلية النحو في الكلام، ومن ثمة فهي نتاج فعل الذهن في مادة اللغة، وهي نتيجة تماثل ما يسنده عبد القاهر إلى العقل إذ يعتبره الفاعل الأول والأساسي في صياغة الكلام البليغ.
وقد خلص لحازم أيضاً من رأيه في صور المعاني قوانين ضابطة لأصول هذه المعاني تنسحب على كل صنف منها، يتأكد إدراكها وإدراك تفصيلاتها بالفكر، يقول: \"وإنما يعرف صحتها من خللها أو حسنها من قبحها بالقوانين الكلية التي تنسحب أحكامها على صنف منها، ومن ضروب بيانها. ويعلم من تلك الجمل كيفية التفصيل، ولا بد مع ذلك من الذوق الصحيح والفكر المائز بين ما يناسب وما لا يناسب وما يصح وما لا يصح بالاستناد إلى تلك القوانين على كل جهة من جهات الاعتبار في ضروب التناسب وغير ذلك مما يقصد تحسين الكلام به\"(75).
فإذا أضفنا إلى ضرورة اعتماد العقل في إدراك ما يلائم من هذه الصور وما لا يلائم يعاضده الذوق الصحيح، وجوب الاحتكام في ذلك إلى القوانين الكلية الضابطة لهذه الأصناف التي بواسطتها يعرف صحيح هذه الصور وفاسدها، ويميّز الحسن من القبيح، تماماً كإسناد عبد القاهر هاتين الوظيفتين إلى معاني النحو، تأكدت لنا الخطوط الخفية التي تسربت منها أسس نظرية النظم إلى آراء حازم، ويزيد ذلك إبانة تأكيده \"أن الطباع أحوج إلى التقويم في تصحيح المعاني والعبارات عنها من الألسنة إلى ذلك في تصحيح مجاري أواخر الكلم\"(76). فهذا التأكيد يشبه إلحاح عبد القاهر على أن معاني النحو هي بمعزل عن أشكال الحركات الإعرابية الظاهرة إذ لا مزية في إدراك ذلك بين مدرك ومدرك، إنما الاعتبار للكيفيات التي تعمل وفقها معاني النحو في الكلم، وتلك وظيفة الطباع والعقل وليست بذات صلة باللسان.

النظم والأسلوب أو شكل الشكل وشكل المضمون
ليس النظم والأسلوب إلا تزيينات لاحقة بجوهر الفعل التخيلي الذي يتحقق في تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، حتى الهيئات اللفظية وأشكال الاقترانات بين المعاني المسببة صوراً مختلفة من نوع التحسينات الملحقة، ذلك أن التخاييل تنقسم \"بالنسبة إلى الشعر قسمين: تخييل ضروري، وتخييل ليس بضروري، ولكنه أكيد أو مستحب، لكونه تكميلاً للضروري وعوناً له على ما يراد من إنهاض النفس إلى طلب الشيء أو الهرب منه. والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ. والأكيدة والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان والنظم، وآكد ذلك تخييل الأسلوب\"(77).
فالمنظور الوظيفي لفعل المحاكاة هو الذي حدد التمايز بين أصناف التخييلات، وذلك في انعكاس الغاية التخييلية المتمثلة في وظيفة التأثير على خواص النص البنيوية. من هنا يعتمد حازم اصطلاح الأوائل والثواني مرة أخرى ليفرق بين صنفي التخييلات \"فالتخييل الأول يجري مجرى تخطيط الصور وتشكيلها. والتخييلات الثواني تجري مجرى النقوش في الصور والتوشية في الأثواب والتفصيل في فرائد العقود وأحجارها\"(78)، لذلك يتنزل النظم والأسلوب ضمن التوشية المزيّنتين لفعل المحاكاة المكتمل بمحاكاة المقول فيه بالقول تماماً كهيئات اللفظ التحسينية، أو أشكال التناسب الحادثة بين المعاني من جرّاء أنماط الاقترانات بينها.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3383


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


بلعالية محمد
تقييم
3.13/10 (52 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.