الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
الخصومة بين القدماء والمحدثين
الخصومة بين القدماء والمحدثين
03-31-2013 04:06 PM

أثر قضية اللفظ والمعنى على الخصومة بين القدماء والمحدثين
من القضايا التي شغلت حيزا كبيرا في النقد القديم قضية الخصومة بين القدماء والمحدثين .
- أولا/ مفهوم القدماء والمحدثين :
يشمل عصر القدماء الشعرَ العربي منذ عهد نضجه قبل الإسلام بقرن ونصف أو قرنين حتى منتصف المائة الثانية للهجرة [نهاية الدولة الأموية] ، وآخر شاعر اعتدّ به العلماء وجعلوه آخر سلسلة القدماء هو إبراهيم بن هَرْمَة .
أما عصر المحدثين أو المولّدين فيبدأ مع قيام الدولة العباسية ويستمر حتى الآن ، وأول سلسلة المحدثين هو الشاعر بشار بن بُرد ومن جاء بعده كالبحتري وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي ومن جاء بعدهم .
وضع هذه القسمة واخترعها اللغويون والنحاة ، وقد كان هذا البرزخ الذي وضعوه بين الشعر القديم والمحدث بداية تعصبٍ شديدٍ للقديم لا يكاد يُعرف له نظير ، فقد سيطر اللغويون والنحاة على سوق الشعر في العصر العباسي ، وعدّوا أنفسهم سدنته وحراسه ، فتمسكوا بالمثل الشعري القديم تمسكاً شديداً حتى أسقطوا كثيراً من الشعراء العباسيين ، فقد كانوا لا يُقرّون بإحسان لمحدث ، ولا يعترفون بفضلٍ لمولد .
وسبب هذه القسمة بإيجاز هو التعصب الشديد للنموذج الشعري القديم وإسقاط ما يأتي به المحدثون .
- نماذج من آراء النقاد المتعصبين :
كان ابن الأعرابي يقول : \"إنما أشعار هؤلاء المحدثين -مثل أبي نواس وغيره -مثل الريحان يُشم يوماً فيذوي فيُرمى به ، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر كلما حركته ازداد طيباً\" .
أما أبو عمرو بن العلاء فقد كان يقول : \"لقد حسُن هذا المولّد حتى هممت أن آمر صبياننا بروايته\" ، وذلك تحقيراً وانتقاصاً من قدر شعر المحدثين .

أما الأصمعي فقد حُكي عن إبراهيم الموصلي أنه قال : \"أنشدتُ الأصمعي :
هل إلى نظــرةٍ إليــكِ سبيــلُ فيُبلَّ الصدى ويُشفى الغليلُ
إن ما قلَّ عندكِ يكثُر عندي وكثيـــــرٌ ممـــن تُحـــب القليـــلُ
فقال : والله هذا الديباج الخسرواني ، لمن تُنشدني ؟ فقلت : إنهما لليلتهما ، فقال : لا جرم أن أثر التكلف فيهما ظاهر\" ..!!
- من أسباب تعصب اللغويين والنحاة للقديم :
1. معرفتهم العميقة بالشعر القديم بأساليبه ولغته وديباجته ، فقد أصبح مادة حرفتهم وصناعتهم ، مرنوا عليه ، وعرفوا مداخله ومخارجه ، وألفهم وألفوه ، مقابل جهلهم بطرائق المحدثين الذين كانوا يصدرون عن ظروف عصرهم وتغيراته الفكرية والثقافية مما جعل علماء اللغة والنحو يطعنون عليهم ويُسقطون شعرهم كله أو جُلَّه .
2. اقتناعهم بأن اللغة العربية لغةٌ صحراوية تزدهر في البداوة وتُشرق في أحضان الأعراب ، وأن الإقامة في الحضر تفسد السليقة وتقتل المَلَكة وتؤدي إلى تسرب اللحن .
وإذا كانت هذه الأسباب تسوّغ لهم أحياناً أن يتخذوا شاهدهم من الشعر القديم لأنه أصفى وأنقى ؛ إلا أنها لا تسوغ لهم هذا الانتقاص الشديد من قدر المحدثين ، وقد لاحظ ابن رشيق أن القضية قد خرجت عن مجرد كونها حاجة إلى الشاهد إلى أن أصبحت لجاجةً عمياء .
- أثر قسمة اللغويين والنحاة الشعر إلى قديم ومحدث :
1. تقديس القديم وتعظيمه لدرجة عدم الجرأة على الطعن عليه أو رميه بعيب ، من ذلك ما لحظه القاضي الجرجاني في كتابه (الوساطة بين المتنبي وخصومه) أن عيب النقاد لا يتناول إلا المحدثين وشعرهم ، مع أن القدماء لا يقلون عنهم أخطاءً ، ولكن للقدماء عند الناس حرمةً تستر عيبهم فلا ينالهم الناس كما ينالون المحدثين .
2. الإجحاف بحق المحدثين ومحاولة إسقاط شعرهم بعدِّ سقطاتهم التي كانوا يُتابعون فيها القدماء مما رأوه ضرورةً شعرية ، أو لغةً شاذة ، أو مما استُحدث من أبنية واشتقاقات وُضعت في ضوء المقاييس اللغوية التي لُقِّنوها على يد اللغويين والنحاة العرب .
يقول أحمد بن المبارك : \"حدثني أبي قال : قلت لبشار بن برد : ليس لأحدٍ من شعراء العرب شعرٌ إلا وقد قال فيه شيئاً استنكرته العرب من ألفاظهم وشُكَّ فيه ، وإنه ليس في شعرك ما يُشك فيه ، قال : ومن أين يأتيني الخطأ ؟ وُلدت هاهنا ونشأت في حجور ثمانين شيخاً من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحدٌ يعرف كلمةً من الخطأ ، وإن دخلت على نسائهم فنساؤهم أفصح منهم ، وأيفعتُ فأبديتُ إلى أن أدركتُ ، فمن أين يأتيني الخطأ ..\" .
3. الاحتكام في تقويم الشعر إلى الزمن لا إلى الذوق والمقاييس النقدية الفنية السليمة ، وهو أمرٌ خارجٌ عن حدود الإنصاف للشعر والشعراء ، فقد كانوا يُعجبون ضمنياً بكثير من هذا الشعر المحدث ويحسون بما فيه من إحسان ، ولكن الزمن هو الذي كان يمنعهم من إظهار هذا الاستحسان ، وقد كان الأصمعي يقول : \"إن بشاراً خاتمة الشعراء ، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثيرٍ منهم\" .

- آراء النقاد المنصفين في قضية القديم والحديث :
• أبو العباس المبرّد : قيل إنه كان شديد الالتفات لأشعار المحدثين ، وقد أولاها عنايته واهتمامه ، وقد جمع مختارات منها في كتابه (الروضة) بدأ فيه بأبي نواس ثم بمن كان في زمانه . كما كانت له آراء طيبة في أبي تمام ، وقد كان يستجيد شعره ويفضله ، وقد كانت له أيضاً نظرته الصائبة في قضية القديم والحديث فهو يقول : \"وليس لقِدم عهدٍ يفضل القائل ، ولا لحدثان عهدٍ يُهتضم المصيب ، ولكن يُعطى كلٌ ما يستحق ...\" .
• الجاحظ : كان ينتصر للشعر الجيد سواء كان قائله محدثاً أو قديماً ، ولكنه كان يرى أن العرب المحدثين أفضل من المولدين في قول الشعر ، يقول : \"والقضية التي لا أحتشم منها ، ولا أهاب الخصومة فيها أن عامة العرب والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب أشعر من عامة شعراء الأمصار والقرى من المولدة والنابتة ...\" .
• ابن قتيبة : منذ البداية وفي مقدمة كتابه أعلن ابن قتيبة تمرده على أنصار القديم ، وهو في تمرده
إنما كان يصدر عن نظر فلسفي أكثر من كونه صادرا عن حكم استقرائي من طبيعـة الشعرالقديم والحديث ونسبة الجودة في كل منها ، حيث يقول : \" ولم أسلك فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارا له سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره . وﻻ نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجﻼلة لتقدمه وإلى المتأخر بعين اﻻحتقار لتأخره بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كﻼ حظه ، ووفرت عليه حقه .
هكذا نﻼحظ أن ابن قتيبة يسخر بالتعبد بالقديم ، ومن المؤكد أن مثل هذا التعبد كان
ظاهرة شائعة ، إذ نجده يعتب على نقاد الشعر ودارسيه من أهل زمانه بقوله : \"فإني رأيت من علمائنا ما يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله ، ويضعه في متخيره ويرذل الشعر الرصين ، وﻻ عيب له عنده إﻻ أنه قيل في زمانه ، أو انه رأى قائله\" ، وﻻ يكتفي ابن قتيبة برأيه فيهذه القضية فيقدمه جزافا بل يحتج لما يقول بحجج تقوم على المﻼحظة والمنطـق والعقـل ،فيقول : \"ولم يقصر اﷲ العلم والشعر والبﻼغة على زمن دون زمن وﻻ خص به قوما دون قوم ، بل جعل ذلك مشتركا مقسوما بين عباده في كل دهر ، وجعل كل قديم حديثا في عصره، وكل شرف خارجية في أوله ، فقد كان جرير والفرزدق واﻷخطل ، وأمثالهم يعدون محدثين.
وكان أبو عمرو بن العﻼء يقول : \"لقد كثر هذا المحدث حتى لقد هممت بروايته\" ، ثم صار
هؤﻻء قدماء عندنا ببعد العهد منهم . وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا ، كالخريمي و العتابي والحسن بن هاني وأشباههم ، فكل من أتى حسن من قول أو فعل ذكرناه له وأثنينا به عليه ،ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله ، وﻻ حداثة سنه كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أوالشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه وﻻ تقدمه\" .
• نلاحظ أن ابن قتيبة حاول أن يعطي المحدثين حقهم ، ووضع المقياس الصحيح حين قال إن الشعر ليس مقصوراً على قومٍ دون قوم ، ولا زمنٍ دون زمن ، بل الله قد \"جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر ، وجعل كل قديمٍ حديثاً في عصره ... فقد كان جرير والفرزدق والأخطل وأمثالهم يعدّون محدثين ... ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم ، وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا ...\" .

• القاضي الجرجاني :
رأى الجرجاني بعض علماء عصره يفضلون شعر القدماء على شعر المحدثين ، مع
أنهم يعلمون \"أن الشعر علم من علوم العرب يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء ثم تكون
الدربة مادة له ، وقوة لكل واحد من أسبابه\" .
وقد دافع عن المحدثين دفاعاً شديداً ، والتمس لهم الأعذار ، وقارن أخطاءهم بما للقدماء من أخطاء ، كما أوضح موقفه الصريح وهو أنه لا فضل لقديم على محدث لأنهم جميعاً يشتركون في اللغة واللسان .
وإذا كان اﻷمر كذلك فإن الجرجاني يقرر أن تمييز شاعر عن آخر يكون حسب مقياسه التالي: \"فمن اجتمعت له هذه الخصال - أي التي ذكرها آنفا - فهو الحسن المبرز وﻻ تفضيل في هذه القضية بين القديم والمحدث إﻻ أن حاجة المحدث إلى الرواية أمسّ . \" أما القول بأن شعر المحدثين أبعد عن الغربة والبداوة وأسهل من شعر القدماء ، فإن تعليله عند الجرجاني :\"
إن سﻼمة اللفظ تتبع سﻼمة الطبع ، وأنت تجد ذلك ظاهرًا من أهل عصرك وترى الجلف منهم كز اﻷلفاظ ، معقد الكﻼم وعر الخطاب ومن شأن البداوة أن تحدث ذلك ، ولذلك تجد شعر عدى بن زيد أسلس من شعر الفرزدق لمﻼزمة عدي الحاضرة واستيطانه الريف ، وبعده عن جﻼفة البدو وجفاء اﻷعراب ، أي أن الشعر ينبع من بيئة الشاعر ويتﻼءم معها ، وأناختﻼف بيئة القدماء عن بيئة المحدثين هو الذي أوجد هذا اﻻختﻼف في الشعر وفي طبائع الشعراء ، والجرجاني ﻻ يطلب من المحدثين أن يقلدوا القدماء وينفصموا عن عصرهم وبيئاتهم وإﻻ سيكون شعرهم متكلفا.
• ابن رشيق : لم يرَ للمتقدمين فضلاً على المحدثين لمجرد تقدمهم وسبقهم ، ولا تكتسب معانيهم فضيلة لمجرد ذلك ، فإذا كان للقدماء فضيلة السبق إلى بعض المعاني ، فإن للمتأخرين فضيلة الزخرفة والتزيين والتجميل ، ثم إن المتأخرين قد أضافوا إلى المعاني كثيراً من الاختراعات والزيادات اللطيفة .
• المراجع:
الوساطة بين المتنبي وخصومه للقاضي عبد العزيز الجرجاني
الخصومة بين القدماء والمحدثين :د/عثمان موافي
الشعر والشعراء لابن قتيبة .
دلائل الإعجاز ، عبد القاهر الجرجاني





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 12620


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


إعداد وفاء الطلحي
تقييم
9.60/10 (63 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.