الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
أثر قضية اللفظ والمعنى
أثر قضية اللفظ والمعنى
03-31-2013 04:10 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

أثر قضية اللفظ والمعنى في القضايا المحورية في النقد القديم:
النظم: تعددت تعريفات النظم عند علماء اللغة فقد عرفه الفيروز أبادي في القاموس المحيط بقوله : ( النظم : التأليف ،وضم شيء إلى شيء آخر. ونَظَمَ اللؤلؤ يَنْظِمُهُ نَظْمَاً ونِظاماً ونَظَّمَهُ:ألّفَهُ وجمعه في سلك فانْتَظَمَ وتَنَظَّم )
وعرفه ابن منظور بقوله النّظم : التأليف ، نظمه نظما ونظاما ونظمه فانتظم وتنظم ، ونظمت اللؤلؤ أي جمعته في السلك والتنظيم مثله ومنه نظمت الشعر ونظمته ، ونظم الأمر علي المثل ، وكل شى قرنته بأخر أو ضمت بعضه إلي بعض قد نظمته ، والانتظام والاتساق)
وجاء في المعجم الوسيط: ( نَظَمَ الأشياء نَظْمَاً: ألفها وضم بعضها إلى بعض ، ونظم شعرا أي ألف كلاما موزونا مقفى، ونظّم الأشياء: نظَمها،وانتظم الشيء: تألف واتسق،
وانتظم أمره: استقام)
يتضح لنا مما سبق أن المعنى هنا مشترك في معاجم اللغة وهو ضم الشيء إلى الشيء وتنسيقه على نسق واحد .
أما المعنى الاصطلاحي للكلمة فنجد أن هذه الكلمة (مرادفة لكلمة (الأسلوب ) ،ويبدو أن أول من استعملها في المسائل العلمية إبراهيم بن سيار النظّام ، فإنه كان يرى أن القرآن معجز بما فيه من الإخبار عن الغيوب ، وبصرف العرب عنه، قال: ( أما التأليف والنظم والأسلوب فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أن الله صرفهم عن الإتيان بمثله)
وقد شاعت هذه الكلمة (النظم) وكثر استخدامها في مجال البحث حول إعجاز القرآن ، فقد كان الجاحظ (ت:255هـ) يرى أن إعجاز القرآن يكمن في (نظمه) وقد ألف كتابا أطلق عليه (نظم القرآن) يقول : ( إن الرسول تحدى البلغاء والخطباء والشعراء بنظمه وتأليفه)
وكان يكثر من ترداده لهذه الكلمة ،يقول في موضع آخر ومثل ذلك ما رَفَعَ الله من أوهام العرب، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن ، بعد أن تحداهم الرسول بنظمه)
ويقول أيضا وفي كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه حق نظمه البديع

الذي لا يقدر على مثله العباد ، مع ماسوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به)
ومما قيل في وصف كتابه ( نظم القرآن) من بعض من قرأه ووقف عليه قول الخياط المعتزلي:
( ولا يعرف كتاب في الاحتجاج لنظم القرآن وعجيب تأليفه وأنه حجة
لمحمد صلى الله عليه وسلم على نبوته غير كتاب الجاحظ)
ويقول أيضا : ( فمن قرأ كتاب عمرو الجاحظ في الرد على المشبهة وكتابه في الأخبار و إثبات النبوة وكتابه في نظم القرآن علم أن له في الإسلام غناء عظيما لم يكن الله عز وجل ليضيعه له )
ويقول الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن وقد صنف الجاحظ في نظم القرآن كتابا لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون من قبله ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى)
وقد عقد ابن قتيبة الدينوري (ت:276هـ) في كتابه (تأويل مشكل القرآن) بابا أفرده لتأويل الكلام الذي يبدو مخالفا للنظم وترجم له بقوله باب تأويل الحروف التي ادعي على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم) لكن النّاظر في مباحث هذا الباب يجد أنّ ابن قتيبة إنما قصد بالنظم هنا، صفة كلام العرب ونسقه ونظامه مجملاً، أو بمعنى آخر جريان الكلام وفق سنن العرب وقواعدهم، لا النظم الذي هو التأليف والترتيب.
وهذا المعنى يتماشى مع هدف الكتاب كلّه ومنهجه فيه، ومع مواضيع هذا الباب ومسائله.

وقد جاء بعده أبو العباس محمد بن يزيد المبرد(ت:286هـ) وفي نصّ المبرّد الذي أورده غير واحد من الدارسين لنظرية النظم وهو قوله: \"...حقّ البلاغة إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام، وحسن النظم؛ حتى تكون الكلمة مقاربة أختها، ومعاضدة شكلها، وأن يقرِّب بها البعيد، ويحذف منها الفضول\".
فالمبرّد ذكر لفظ النظم صراحة وذكر بعض معانيه؛ كمقاربة الكلمات بعضها لبعض وتعاضدها في الشكل. فهي إشارة في غاية الأهمّية، لكنّها تبقى ناقصة لا ترتقي للتعبير عن نظم الجرجاني ؛ لأنّها محتملة لمعانٍ أخرى غير معنى تعليق الكلم بعضها ببعض وفق قواعد النحو ومعانيه، فقد يكون قصد المبرد من وراء هذا النّص مطابقة الكلام لمقتضى الحال والمقام، ولعلّ في قوله \"إحاطة القول بالمعنى\" وقوله: \"اختيار الكلام\" ما يشير إلى ذلك. وقد يكون قصده من معاضدة الكلمات أصواتها وأجراس حروفها، بدليل وصف الكلمات بالمقارِبة وفي بعض النسخ بالمقارِنة وتصريحه بالشكل يؤكّد هذا المعنى، وقد يكون

قصده من كلّ هذا \"المعنى الصحيح\"؛ مطابقةً للمقام، وموافقةً للّفظ، وروما للإفادة، وطلباً
للإيجاز... فقد بدأ قوله بالحديث عن المعنى من جهة الإحاطة والاختيار وختمه بالحديث عن المعنى كذلك من جهة الإفادة والإيجاز، ولم يبق من نصّه سوى حديثه عن
الكلمات والألفاظ التي قصد بها موافقة ومطابقة المعاني، يعضّد هذا الفهم ويؤكد هذا المقصد سياق النّص.
وقد تناول ابن جرير الطبري (ت:310هـ( قضية النظم في تفسيره
يقول في آخر تفسيره لسورة الفاتحة: \"...ومن أشرف تلك المعاني التي فضل بها كتابُنا سائر الكتب قبله، نظمه العجيب ورصفه الغريب وتأليفه البديع؛ الذي عجزت عن نظم مثلِ أصغرِ سورة منه الخطباء، وكلّت عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتحيَّرت في تأليفه الشعراء، وتلبَّدت –قصوراً أن تأتي بمثله – لديه أفهام الفُهماء، فلم يجدوا إلاّ التسليمَ والإقرارَ بأنه من عند الواحد القهار.\"

ووصفه في موضع قريب من هذا بقوله: \"...برصفه العجيب ونظمه الغريب، المنعدل عن أوزان الأشعار وسجع الكهّان وخطب الخطباء ورسائل البلغاء، العاجز عن رصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العباد...\"

يبدو اصطلاح النظم عند الطبري وإطلاقه قريبا جدّاً من استعمال عبد القادر الجرجاني.... فالنظم الذي يعنيه الإمام الطبري ها هنا، نظمٌ فَضَلَ به القرآنُ الكريم سائر الكتب، وعجز عن الإتيان بمثله أفصح الخطباء وأبلغ الشعراء...فهو مكمن الإعجاز القرآني والتحدّي الربّاني.
ولعلّ في استعماله هذه المترادفات المتتابعة \"نظمه\" \"رصفه\" \"تأليفه\" ما يؤكّد أنّ قصد الإمام الطبري عليه رحمة الله بالنظم هو مواضع الكلم وترتيبها؛ لأنّه معنى مشترك بين جميع هذه المترادفات... وهو قريب جدّا من معنى تعليق الكلم بعضها ببعض.

والمقصود بالنظم عند الإمام الطبري ليس معاني القرآن ومضامينه؛ لأنّه يشترك مع الكتب السابقة في كثير منها، ولأنّه جعلها منفصلة عن النظم بقوله في لاحق النّص الأوّل: \"...فلم يجدوا له إلاّ التسليم والإقرار بأنّه من عند الواحد القهار. مع ما حوى، مع ذلك، [أي إضافة للنظم وزيادة عليه] من المعاني التي هي ترغيب وترهيب، وأمر وزجرٌ، وقصص وجدل ومثل، وما أشبه ذلك من المعاني التي لم تجتمع في كتاب أنزل إلى الأرض من السماء.\" كما أنّه عليه رحمة الله لم يقصد بالنظم ألفاظ القرآن؛ لاشتراكه فيها مع فصحاء العرب وبلغائهم، الذين ملكوا ألفاظ القرآن ولغته ولكنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله...

ولو رجعنا إلى سياق هذه النصوص سنجد هذا المعنى يتأكّد أكثر وهذا الفهم يتقرر أكثر وأكثر... فهذان النّصان أوردهما الإمام الطبري في آخر تفسير سورة الفاتحة للردّ على من زعم أنّ في القرآن تطويل فأجابه بأنّ القرآن توسّع في المعاني والمضامين وفصّل فيها كما لم يفصّله كتابٌ قبله – وهو توسّع وتفصيل يتناسب وشموليته وكماله وديموميته وختمه للرسالات...- وأنّ هذا التوسّع جاء وفق نظم عجيب وتصريف غريب قصد منه تعجيز العرب أفصح الأمم وأبلغهم عن الإتيان بمثله، حتى تقوم الحجة على صدق الرسالة والنبوة...فالحديث هنا عن أسلوب عرض مضامين القرآن لا عن معانيها ولا عن ألفاظه....


وقد جاء بعده قدامة بن جعفر ( ت:337هـ) و كان يرى أن المهارة في صناعة الشعر ليست في مادته وهي المعاني وإنما في النظم و (الصورة ) وهي تأليف ألفاظه.

وكان أبو هلال العسكري (ت: 395هـ) أبرز من كتبوا في اللفظ والمعنى بعد الجاحظ وكان الواسطة بين الجاحظ والإمام عبد القاهر وقد احتج في كتابه لارتفاع شأن اللفظ على المعنى .
وقد كان يتبنى رأي الجاحظ في قضية اللفظ والعنى فهو يرى أن مدار البلاغة على تخير اللفظ يقول: ( وليس الشأن في إيراد المعاني ، لأن المعاني العربي والعجمي والقروي والبدوي،وإنما هو في جودة اللفظ وصفائه ،وحسنه وبهائه ،ونزاهته ونقائه ،وكثرة طلاوته ومائه ،مع صحة السبك والتركيب،والخلو من أود النظم والتأليف،وليس يطلب من المعنى إلا أن يكون صوابا).
وكان يرى أنه إذا كان المعنى جليلا ، واللفظ غثا كان الكلام مردودا،ولو كان ما احتواه أجل معنى وأنبله وأرفعه وأفضله.




وعندما نذكر كلمة (النظم) بمعناها البلاغي لابد أن نذكر إمام البلاغة عبد القاهر الجرجاني(ت:471هـ) فهو صاحب هذا المصطلح ومتبنيه وقد بنى كتابه (دلائل الإعجاز) عليه، وتعتبر نظرية النظم عنده من أهم النظريات النقدية والبلاغية حتى عصرنا الحاضر،حيث بلغت مرحلة من النضج والاكتمال لم تصل إليه من قبل.

وقد جاء النظم عند عبد القاهر مختلفاً عمّا كان عليه عند الجاحظ ، فالنظم عند الجاحظ مرادف
للتأليف اللفظي وقد كان يرى أن الإعجاز يكمن في ذلك .
أما عبد القاهر فقد كان يرى أن النظم يرجع إلى المعنى ، فهو (ترتيب المعاني في النفس،ثم النطق بالألفاظ على حذوها)(11)


والألفاظ عند عبد القاهر تابعة للمعاني ، يقول وإذا كان لا يكون في الكلم نظم ولا ترتيب إلا بأن يصنع بها هذا الصنيع ونحوه , وكان ذلك كله مما لا يرجع منه إلى اللفظ شيء , ومما لا يتصور أن يكون فيه ومن صفته ،بان بذلك بأن الأمر على ما قلناه ، من أن اللفظ تبع للمعنى في النظم وأن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس وأنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد أصواتا واصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر،أن يجب فيها ترتيب ونظم ، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل ، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك ) (12)

لقد اهتم عبد القاهر الجرجاني بنظرية النظم القائمة على حسن الصياغة و توخي معاني النحو، و التي تنظر إلى العلاقة التي تنشأ بين اللفظ و المعنى من وجهة لغوية دقيقة نتيجة التحامها و شدة ارتباطها حيث نظر إليهما نظرة المتفحص العارف بمقادير الكلام، لذلك عرف قيمة اللفظ في النظم، و عرف طريقة تصوير المعاني على حقيقتها، ثم جمع بين اللفظ و المعنى، و سوى بين خصائصهما، و رأى اللفظ جسدا و المعنى روحا يعتمد على حسن الصياغة و دقة التصوير التي نضجت في بحوثه، و بهذه الطريقة انتهى من فكرة الفصل بين اللفظ والمعنى.

وقد عقد عبد القاهر فصلا للرد على من يقول أن الفصاحة للفظ وتلاؤم الحروف ،
يقول وهذه شبهة أخرى ضعيفة ، عسى أن يتعلق بها متعلق ممن يقدم على القول من غير روية :وهي أن يدعى أن لا معنى للفصاحة سوى التلاؤم اللفظي،وتعديل مِزاج الحروف حتى لا يتلاقى في النطق حروف تثقل على اللسان)(13)

نستخلص مما سبق أن النظم قبل الإمام الجرجاني رحمه الله إنما كان يقصد به
مطلق التأليف والترتيب دون النظر إلى قوانين هذا الترتيب وقواعده وجاء
الجرجاني فوضع لهذا العلم قواعده وبين أسباب الأحكام الواردة فيه وعلاته
وقد كان له السبق في ذلك .


المراجع:
ـ القاموس المحيط ،الفيروز آبادي.
ـ الشعر والشعراء،ابن قتيبة الدينوري.
ـ دلائل الإعجاز،الجرجاني.
ـ قضية اللفظ والمعنى وأثرها في تدوين البلاغة العربية،الدكتور علي محمد العماري.
ـ لسان العرب ، لابن منظور.
ـ نظرية عبد القاهر في النظم،الدكتور درويش الجندي.




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2170


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


إعداد وفاء الطلحي
تقييم
6.51/10 (52 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.