الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
التناص والسرقات الشعرية
التناص والسرقات الشعرية
03-31-2013 04:17 PM




الأحد 31 مارس 2013م


الرئيسيةالسيرةالصورالمحتوياتالأخبار
أثر قضية اللفظ والمعنى «^» الخصومة بين القدماء والمحدثين «^» حازم القرطاجني وانصهار النظم والتخييل «^» أثر قضية اللفظ والمعنى «^» كتاب طبقات فحول الشعراء «^» مقرر قضايا النقد القديم «^» الملكة النقدية ومرويات العصر الجاهلي النقدية «^» الحركة الثقافية في منطقة مكة المكرمة «^» التشظي والالتئام في نص المرأة «^» نموذج تطبيقي على نص الثبيتي لإجراء التشظي والالتئام جديد المحتويات


المحتويات
طلاب الكلية
التناص والسرقات الشعرية



السبت, 4 28, 2012 | آخر تحديث : 24 04 2012 الساعة 18:28


التناص ومصطلح السرقات في التراث النقدي

بقلم : أحمد صالح النهمي

تتكون بنية العنوان السابق من مصطلحين نقديين بينهما فارق زمني شاسع جدا، فمصطلح التناص بدأ بالظهور في ستينيات القرن الماضي، بينما يعود الحديث عن السرقات الشعرية كموضوع له حضور بارز في الكتابات النقدية إلى القرن الثالث الهجري، فكيف أمكن لنا الجمع بينهما في العنوان السابق؟، وهل هناك من وشائج حقيقية بين المصطلحين ؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات تقتضي الوقوف على مصطلحي التناص والسرقة وتحديد النقاط التي يلتقي فيها المصطلحان، وبيان الفروق بينهما، أي أنها بعبارة أخرى تقتضي الإجابة عن التساؤلات الآتية:

1/ ما التناص؟ وما السرقات الشعرية؟
2/ ما أوجه التشابه بينهما؟ وما أوجه التباين؟
وذلك من خلال الوقوف على مفهوم التناص ورصد تطبيقاته على النصوص الإبداعية كما ورد عند بعض أعلام التناص في النقد الغربي وبالمقابل الوقوف على مفهوم السرقات كما ورد في تراثنا النقدي العربي عند بعض أعلام التراث النقدي العربي كابن رشيق القيرواني وعبد القاهر الجرجاني ... وغيرهما.

ما التناص ؟
تجدر الإشارة إلى أن مصطلح التناص قد وفد إلى الدراسات النقدية العربية من الغرب، وهو يعد \"من المصطلحات المستحدثة التي تم التواضع عليها في مجال الدرس الأدبي والنقدي ، وخاصة بعد استفاضة الحديث عن البنائية والأسلوبية ، وما قدماه من جديد على مستوى الإبداع أو على مستوى التفسير، وقد أصبح المصطلح أداة كشفية صالحة للتعامل مع النص القديم والجديد على سواء\"[1] .
ومع أن الناقدة البلغارية جوليا كريستيفا تعد أول من أطلق مصطلح التناص عندما نشرت أبحاثها في تحليل العلامة عام 1966م ، إلا أن هذا المصطلح قد ظهر بصورته الأولية في كتابات ميخائيل باختين عن روايات \"دستويفسكي\" ولكن دون تحديد دقيق له، إذ تحدث باختين عن \"المبدأ الحواري\" أو \"الصوت المتعدد\" أو \"تداخل السياقات\"وبين أن العلاقات الحوارية في النص، تعد من مكوناته الأساسية \"بشرط أن يصطدم فيها صوتان اصطداما حواريا\"[2]
والتناص عند كريستيفا في أبسط صوره هو أحد مميزات النص الأساسية، التي تحيل إلى نصوص أخرى، سابقة أو معاصرة له(3) أي أنه \"عملية نقل لتعبيرات سابقة أو متزامنة في النص الجديد\"[3] فهي تنظر إلى النص باعتباره نتاجا لنصوص سابقة ، يعقد معها النص الجديد علاقة تبادل حواري، ويكسر بالتالي فكرة مركزية النص وانغلاقه على ذاته، باعتباره بنية مكتفية بذاتها، ذلك أن النص ينشئ علاقة مع الماضي في سياقاته الثقافية والتاريخية والاجتماعية ... الخ لكنها علاقة محملة بدلالات معاصرة ، ومستحضرة لصور تعبر عن الواقع \"([4])
وترى كريستيفا أن المدلول الشعري يحيل إلى مدلولات خطابية مغايرة ، بشكل يمكن معه قراءة خطابات عديدة داخل القول الشعري ، وهكذا يتم خلق فضاء نصي متعدد حول المدلول الشعري تكون عناصره قابلة للتطبيق في النص الشعري الملموس وهو ما نسميه فضاء متداخلا نصيا.
وقد ميزت كريستيفا بين ثلاثة أنماط من الترابطات بين المقاطع الشعرية للأشعار والنصوص الملموسة والقريبة من صيغتها الأصلية لشعراء سابقين وهذه الأنماط هي:

1/ النفي الكلي:
وفيه يكون المقطع الدخيل منفيا كلية ومعنى النص المرجعي مقلوبا، وقد مثلت لهذا النمط من التداخل النصي بهذا المقطع من شعر باسكال:
\"وأنا أكتب خواطري ، تنفلت مني أحيانا، إلا أن هذا يذكرني بضعفي الذي أسهو عنه طوال الوقت، الشئ الذي يلقنني درسا بالقدر الذي يلقنني إياه ضعفي المنسي، ذلك أنني لا أتوق سوى إلى معرفة عدمي\".
وهو ما يصبح لدى يوتر يامون \"حين أكتب خواطري فإنها لا تنفلت مني ، هذا الفعل يذكرني بقوتي التي أسهو عنها طوال الوقت ، فأنا أتعلم بمقدار ما يتيحه لي فكري المقيد، ولا أتوق إلا إلى معرفة تناقض روحي مع العدم\"[5].

2/ النفي المتوازي:
حيث يظل المعنى المنطقي للمقطعين هو نفسه، إلا أن هذا لا يمنع من أن يمنح اقتباس لوتريامون للنص المرجعي معنى جديدا معاديا للعاطفية والرومانسية التي تطبع الأول مثلا ، هذا المقطع للأروشفوكو: \"إنه لدليل على وهن الصداقة عدم الانتباه لانطفاء صداقة أصدقائنا\"
والحال إنه يصبح لدى لوتريامون:\"إنه لدليل على الصداقة عدم الانتباه لتنامي صداقة أصدقائنا\" وقد علقت على هذا النمط بقولها: هكذا تفترض القراءة الاقتباسية من جديد تجميعا غير تركيبي للمعنيين معا[6] .

3/ النفي الجزئي:
حيث يكون جزء واحد فقط من النص المرجعي منفيا، مثلا هذا المقطع لباسكال:\"نحن نضيع حياتنا، فقط لو نتحدث عن ذلك\"
ويقول لوتريامون\"نحن نضيع حياتنا ببهجة المهم ألا نتحدث عن ذلك قط\"[7]

هكذا يفترض المعنى الاقتباسي القراءة المتزامنة للجملتين معا([8])
وخلاصة الأمر في مصطلح التناص أنه جاء كرد فعل على الآراء الرومانسية ، التي فصلت علاقة الأدب الحديث عن التراث، وبالتالي تَشَكَلَ اتجاهٌ يدعو إلى العودة إلى التراث واستحضاره في العمل الأدبي، ومن هنا تشكلت بعض الجذور الأولى لمفهوم التناص، والعامل الثاني هو ظهور البنيوية والدرس اللغوي في عملية النقد الحديث ، وبالذات نظرية النص المغلق التي جاء بها رولان بارت، من حيث كون النص مغلقا لا يحيل إلا على نفسه فالدراسة تبدأ من النص ، وتنتهي فيه، وهو الأمر الذي مهد لظهور التناص كي يكون ثورة على هذا المفهوم وهدمه ، وبناء رؤية جديدة لدراسة النص تعتمد على فتح النص.
الجدير بالذكر في هذا المقام هو أن التناص قد تعددت مدارسه بعد باختين وكريستيفا حتى وصل المفهوم إلى مرحلة التعقيد والصعوبة والغموض والتطرف، بحيث أفقد النص هويته ، وجعل النص عبارة عن مكونات تناصية متداخلة ، تحت مستويات عدة، تبدأ من المستوى اللغوي ، مرورا بالأفكار والتوجهات الفكرية ، وانتهاء بالأساليب ، وهذا مما جعل النص في حالة حركية مستمرة ، وبالتالي فإن قراءته لن تصل إلى نهاية ، فنحن سنعود إلى تلك المرجعيات، وهذه المرجعيات ستحيلنا إلى مرجعيات أخرى ، وهكذا إلى أن نصل إلى نهاية مفتوحة لا تنتهي.
التناص في التراث النقدي العربي:
تشير الدلالات التي يمكن استقاؤها من المعاجم العربية إلى أن أصل المادة هو \"نصص\": والنَّصُّ: رفْعُك الشيء. نَصَّ الحديث يَنُصُّه نصّاً: رفَعَه. والمنصة ما تظهر عليه العروس لترى، وكل ما أُظْهِرَ، فقد نُصَّ. وقال عمرو بن دينار: ما رأَيت رجلاً أَنَصَّ للحديث من الزُّهْري أَي أَرْفَعَ له وأَسْنَدَ. يقال: نَصَّ الحديث إِلى فلان أَي رفَعَه، وكذلك نصَصْتُه إِليه. وأَصل النَّصّ أَقصى الشيء وغايتُه، ثم سمي به ضربٌ من السير سريع. والنَّصُّ الإِسْنادُ إِلى الرئيس الأَكبر، والنَّصُّ التوْقِيفُ، والنصُّ التعيين على شيءٍ ما، ونصُّ الأَمرِ شدتُه.[9]
ويمكن إرجاع الدلالات السابقة إلى الارتفاع ، أي رفع الشئ وإظهاره، وإلى الإسناد أي إسناد الحديث إلى قائله ، وإلى السرعة أي السير الشديد، وإلى مرجع الشئ أي أصله ومنبته.
وتجدر الإشارة إلى أن الإحساس بهذه الظاهرة الفنية كان له وجود عند المبدعين العرب ، حيث ترددت بعض مقولات تشي بعملية التداخل الدلالي على نحو من الأنحاء ، ويروي صاحب العمدة في هذا السياق ـ مقولة علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ \"لولا أن الكلام يعاد لنفد\" تأكيدا لحقيقة فنية رددها عنترة في قوله: هل غادر الشعراء من متردم
ثم ذكرها أبو تمام في قوله:
يقول من تقرع أسماعه كم ترك الأول للآخر[10]
وقد انعكس هذا الإحساس على الدارسين القدامى ، حيث دارت ملاحظاتهم حول تداخل المعنى أحيانا، وتداخل اللفظ أحيانا أخرى، ومن ثم كانت هذه الملاحظات مفتاحا لمقولة السرقات وما يتصل بها بعد ذلك [11]
ماالسرقات الأدبية؟
تحظى قضية السرقات في كتب النقد والبلاغة باهتمام كبير عند النقاد والبلاغيين ، فقد أولوها عناية كبيرة في كتبهم، وذلك \"لارتباطها بالأخلاق في فكرنا الإسلامي، وقد انعكس هذا التوجه على مفهومها وطبيعتها الاصطلاحية\"[12]
ويكاد يلتقي المعنى اللغوي للسرقة مع مفهومها الاصطلاحي، جاء في لسان العرب : \" و السارق عند العرب : من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس. ويقال: هو يُسارِق النظَر إليه إذا اهْتَبَل غَفلتَه لينظر إليه، ومنه تَسْتَرِق الجِنُّ السَّمْع؛ هو تفتعل من السَّرِقة أي أنها تسمعُه مختفِيةً كما يفعل السارِق\" .[13]
ولم يبعد النقاد العرب القدامى عن هذا الأصل اللغوي لمصطلح السرقة في سياق تحديداتهم الاصطلاحية لمفهوم السرقة الشعرية إلا في أنهم قد تلطفوا في هذا التصرف الأدبي \" فعبروا عن السرقة كثيرا بلفظ الأخذ، وبينوا أحيانا ما للسابق من فضل في اختراع المعنى ، ثم أخذ اللاحق له، إما مع اللفظ أو بعضه\"[14].
ولعل من أهم نقادنا القدماء الذين ناقشوا هذه القضية وساهموا في إرساء قواعدها سواء في مراحلها الأولى أم في مراحل نضجها نذكر تمثيلا لا حصرا: محمد بن سلام الجمحي)ت.232هـ( في كتابه طبقات الشعراء ومحمد بن أحمد ابن طباطبا (ت.322هـ) في كتابه عيار الشعر، والحسن بن بشر الآمدي ( ت. 370هـ) في موازنته بين الطائيين والقاضي الجرجاني ( ت.392هـ) في وساطته بين المتنبي وخصومه وابن رشيق القيرواني (ت. 456هـ) في كتابه العمدة، وحازم القرطاجني ( ت. 684هـ) في منهاج البلغاء وسراج الأدباء ...وغير هؤلاء كثير. وسنكتفي بالإشارة إلى بعض أقوال هؤلاء :
ابن طباطبا في عيار الشعر:
كتب ابن طباطبا عن السرقات تحت باب المعاني المشتركة (السرقات) فقال: \"وإذا تناول الشاعر المعانيَ التي قد سُبقَ إليها فأبرزها في أحسن من الكسوة التي عليها لم يعب بل وجَبَ له فضل لطفه وإحسانه فيه..... إلى قوله ويحتاج من سلك هذه السبيل إلى إلطاف الحيلة وتدقيق النظر في تناول المعاني واستعارتها، وتلبيسها حتى تخفى على نقادها والبصراءِ بها، وينفرد بشهرتها كأنه غير مسبوق إليها[15]
القاضي الجرجاني في الوساطة:
أما الجرجاني في وساطته فقد أورد ما نصه \"والسرق ايدك الله داء قديم, وعيب عتيق, ومازال الشاعر يستعين بخاطرِ الآخر، ويستمدّ من قريحته، ويعتمدُ على معناه ولفظه؛ وكان أكثره ظاهراً كالتوارد الذي صدّرنا بذكره الكلام، وإن تجاوزَ ذلك قليلاً في الغموض لم يكن فيه غيرُ اختلاف الألفاظ، ثم تسبّب المحدثون إلى إخفائه بالنقل والقلب؛ وتغيير المنهاج والترتيب، وتـكلّفوا جبْرَ ما فيه من النقيصة بالزيادة والتأكيد والتـعريض في حال، والتـصريح في أخـرى، والاحتجاج والتعليل؛ فصار أحدهم إذا أخذ معنى أضاف إليه من هذه الأمور ما لا يقصر معه عن اختراعه وإبداع مثله.\"[16]
أبو هلال العسكري في الصناعتين:
أما أبو هلال العسكري فقد عالج قضية السرقات في كتابه الصناعتين، فقد جاء بها في باب حسن الأخد قائلا : \" ليس لأحد من أصناف القائلين غنىً عن تناول المعاني ممّن تقدّمهم والصعبّ على قوالب من سبقهم، ولكن عليهم إذا أخذوها أن يكسوها ألفاظاً من عندهم، ويبرزوها في معارض من تأليفهم، ويوردوها في غير حليتها الأولى، ويزيدوها في حسن تأليفها وجودة تركيبها وكمال حليتها ومعرضها، فإذا فعلوا ذلك فهم أحقّ بها ممّن سبق إليها\"[17].
ابن رشيق في العمدة:
وقد وردت قضية السرقات في العمدة في قول ابن رشيق \"وهذا باب متسع جداً، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وأخر فاضحة لا تخفى على الجاهل المغفل..... \" [18].
ومن الملاحظ أن ما كتب ابن رشيق في قضية السرقات يكاد يكون أكثر نضجاً مما ورد قبلا فقد ميز بين أساليب النقل ، فأشار إلى وجود التأثر المباشر والتأثر الغير مباشر.
عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة:
وحين ننتقل إلى عبد القاهر الجرجاني نجد أنه خير من تناول هذا الموضوع في قوله\" فأما الاتفاق في عموم الغرض، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلاً في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، ولا ترى من به حس يدعي ذلك، ويأبى الحكم بأنه لا يدخل في باب الأخذ، وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل، ولا ينعم التأمل....\"[19] وبهذا يفرق عبد القاهر بين الاتفاق في المعاني العامة وبين السرقة التي اقترح لها أكثر من مسمى منها ( الأخذ , الاستمداد , الاستعانة ) .
ضياء الدين ابن الأثير في المثل السائر:
ويعد ابن الأثير أكثر من فصل الحديث في السرقات في كتابه المثل السائر حين كتب بابا في السرقات الشعرية , ومن ثم أقسام السرقات الشعرية\" وقسمه إلى ثلاثة أقسام: نسخا، وسلخا، ومسخا.
أما النسخ فهو: أخذ اللفظ والمعنى برمته، من غير زيادة عليه، مأخوذا ذلك من نسخ الكتاب.
وأما السلخ فهو: أخذ بعض المعنى مأخوذا ذلك من سلخ الجلد الذي هو بعض الجسم المسلوخ .
وأما المسخ فهو: إحالة المعنى إلى ما دونه، مأخوذا ذلك من مسخ الآدميين قردة.
وههنا قسمان آخران أخللت بذكرهما في الكتاب الذي ألفته، فأحدهما أخذ المعنى مع الزيادة عليه، والآخر عكس المعنى إلى ضده، وهذان القسمان ليسا بنسخ ولا سلخ ولا مسخ\"[20].
ومن أمثلة الأمثلة التطبيقية على السرقة في كتب التراث العربي قول المبردفي الكامل:
\"وكان إسماعيل بن القاسم لا يكاد يخلي شعره مما تقدم من الأخبار والآثار ، فينظم ذلك الكلام المشهور ، ويتناوله أقرب متناول ، ويسرق أخفى سرقة[21] ، فقوله:
\"وأنت اليوم أوعظ منك حيا\"[22]

إنما أخذه من قول الموبذ ـ قاضي قضاتهم ـ لقباذ الملك حين مات\" كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وأما قوله:
وعبروا الدنيا إلى غيرها فإنما الدنيا لهم معبر
فمأخوذ من قول الحسن:

اجعل الدنيا كالقنظرة، تجوز عليها ولا تعمرها.

وأما تعبيرهم عن السرقة بالأخذ: فقد مثل له المبرد بأمثلة كثيرة نكتفي منها بالآتي:
يروي المبرد قصيدة لرجل يكنى أبا مخزوم ، ومنها قوله[23]:
لو كان في الألف منا واحد فدعوا من فارس خالهم إياه يعنونا
ثم يتبعه بقوله: وهو مأخوذ من قول طرفة:
إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
ومن قول متمم بن نويرة:
إذا القوم قالوا من فتى لعظيمة فما كلهم يدعى ولكنه الفتى
ومن خلال ما سبق نصل إلى أن السرقات كانت حاضرة في التراث العربي وقد دارت حولها ملاحظات نقدية تتعلق بالإبداع والقدرة على محاورة النصوص ، وبالمقارنة بين المصطلحين يمكن أن نصل إلى النتائج الآتية:

1/ إن مصطلح السرقات قد ارتبط لدى الدارس العربي القديم أولا بقيمة أخلاقية، ومن ثم فنية، بينما التناص في الدراسة الحديثة يعد تقنية فنية خالصة، ولعل النقاد العرب القدماء قد فضلوا مصطلح السرقة لوقوعه العميق في مساحة التعبير الحقيقية لمفهوم التأثر والتأثير الذي كان يحمل معه شيئا من الإدانة.
2/إن مفهوم التناص لا يشكل أسبقية في الطرح، إذ أن قضية السرقات قد حققت الأسبقية ، ولكنها فقدت الاصطلاح المعبر ، وارتبطت بالمنطق الأخلاقي حينما اتخذت مصطلح السرقات مما أضعف بنيتها التنظيرية والتطبيقية، ولكن هذا لا ينفي نضج المضمون والتعاطي مع النصوص ، فقد جاء عند النقاد العرب تطبيقات تقترب إلى حد التماثل مع ما جاءت به المدرسة الغربية ولا سيما جوليا كريستيفا أحد أبرز من تناول قضية التناص.
3/إن السرقة ليست مرادفا للتناص ، لكن أشكالها الموظفة تعد ضمن الحالات التي يتضمنها هذا المصطلح الحديث ، فهو أعم وهي أخص، وهي حكم خارجي على بناء يتسم بالنشاط الخيالي ، وهو صفة ملازمة لهذا البناء الخيالي الذي يتجاوز فيه الحاضر مع الماضي، وهي تعتمد على المشابهة ، أما هو فيعتمد أكثر على التضاد[24].

الهوامش:

[1]قضايا الحداثة عند عبد القاهر، محمد عبد المطلب، الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان1995م،ص136.

2 شعرية دستويفسكي ، ميخائيل باختين :– ترجمة: د جميل نصيف التكريتي ، دار توبقال للنشر _ الدار البيضاء – ط1، 1986م، ص269

3ـ ينظر: علم النص، جوليا كريستيفا، ترجمة فريد الزاهي، مراجعة عبد الجليل ناظم، توبقال للنشر، الدار البيضاء ، المغرب، ط2، 1997،ص23.

[3] قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني ، ص147.

[4] مجلة علامات، ج64 مجلد 16 صفر 1426هـ - فبراير 2002م ص67

[5] علم النص، كريستيفا، ص78.

[6] المصدر نفسه، ص79

[7] علم النص، كريستيفا، ص79.

[8] علم النص، جوليا كريستيفا، ص78ـ79.

[9] لسان العرب لابن منظور مادة ن ص ص .

[10] العمدة في محاسن الشعر وآدابه، ابن رشيق القيرواني، 1/26.

[11] ينظر: قضايا الحداثة عند عبد القاهر، ص138

[12] التناص الشعري ، قراءة أخرى لقضية السرقات ، مصطفى السعدني، منشأة معارف بالإسكندرية، 1991م، ص7.

[13] لسان العرب ، ابن منظور, دار إحياء التراث الإسلامي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت، 1995م ، مادة س ر ق ز.

[14] أبو العباس المبرد والبلاغة في كتابه الكامل، مصطفى السيد جبر، مكتبة الآداب القاهرة، ط1، 2007، ص407

[15] عيار الشعر لمحمد أحمد بن طباطبا العلوي , دار الكتب العلمية بيروت 1402هـ , ص 79 , 80

[16] الوساطة بين المتنبي وخصومه , القاضي الجرجاني , دار المعارف للطباعة والنشر تونس , ص 174

[17] الصناعتين \" الكتابة والشعر\" أبي هلال الحسن عبدالله بن سهل العسكري , المكتبة العصرية صيدا بيروت, ص 196

[18] العمدة في صناعة الشعر ونقده, أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني , مكتبة الخانجي القاهرة, ج 2 , ص 1072

[19] أسرار البلاغة , الامام أبي لكر عبدالقاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني , مطبعة المدني القاهرة, ص 339

[20] المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر , ضياء الدين بن الأثير, نهضة مصر , ج3 ص 222

[21] الكامل، 2/25.

[22] صدر البيت \"وكانت في حياتك لي عظات\" ينظر ديوانه :492.

[23] الكامل، 1/111.

[24] التناص الشعري ، قراءة أخرى لقضية السرقات ، مصطفى السعدني، ص8.





تعليقات 0 | إهداء 1 | زيارات 7806


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


أحمد صالح النهمي
تقييم
7.07/10 (48 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.