الدكتور عالي سرحان القرشي

جديد المقالات


جديد الملفات

جديد الأخبار

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المقالات
قضايا النقد القديم
حكاية الشعراء عن تجربتهم مع الشعر
حكاية الشعراء عن تجربتهم مع الشعر
04-01-2013 08:16 PM

حكاية الشعراء عن تجربتهم مع الشعر
إعداد : أمل القثامي


من المعروف، أن الشعر في أيامنا، لا يقال أو ينشد ارتجالاً – إلا ما ندر -، وإنما يكتب على الورق، إلا إن القصيدة تحتاج إلى إعادة النظر فيها، مرة وأخرى، وإجراء التعديلات عليها من خلال الحذف والإضافة، وتغيير أو تبديل عناصر بعض صورها، والكثير من ألفاظها، حتى يجد الشاعر قصيدته – حسب ظنه – في أحسن صورة لها، عندها يخرجها إلى الناس، مكتوبة أو منشدة، مما جعل كتابة الشعر، عملاً معقداً، يحتاج قائله، فضلاً عن الموهبة، الدربة والمهارة. وهذه العملية، عدها احد الباحثين المعاصرين: ((مرحلة واعية للقصيدة، ينقد فيها الشاعر نفسه من كل النواحي، أنها مرحلة مهمة للشاعر والقصيدة معاً)).

ما جعل من إنشاء القصيدة، ومن ثم الشعر، صنعة دفعت بالكثير من نقاد الشعر العربي القدامى إلى القول، بأنه: ((صناعة وثقافة يعرضها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات، منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان)).

وقد انتبه الدارسون والنقاد إلى هذه العملية، وقاموا بدراسات ذات طابع نفسي، لمعرفة الدوافع والأسباب لعملية الإبداع الأدبي، قبل وأثناء كتابة القصيدة، وما يرافق ذلك من تعديلات أثناء إعادة القراءة والفحص والتمحيص.

وتنبه الشعراء إلى أن كتابة القصيدة تحتاج إلى جهد عقلي وفكري ونفسي لا طائل لعامة الناس به، فضلاً عن الوقت الطويل في كتابة البعض منها وما يرافق ذلك من تعديلات.

وهذا ما دفع الشاعر البحتري إلى أن يقول:

والشعر ظهر طريق أنت راكبه *** فمنه منشعب أو غير منشعب

وربما ضم بين الركب منهجه *** والصق الطنب العالي على الطنب

أما نقادنا القدامى، فقد درسوا هذه العملية عندما وجدوا إن بعض الشعراء يجرون على قصائدهم بعض التعديلات، كالحذف والإضافة وتبديل في الألفاظ، أو المعاني، قبل إعلان تلك القصائد أو إنشادها، ووجدوا كذلك، إن البعض الآخر من الشعراء إما أن يرتجلوا الشعر مباشرة، أو أنهم يعلنون ما كتبوه دون أدنى تغيير. وقد أطلق النقاد على العملية التي يقوم بها هذا النفر من الشعراء ب ((التثقيف)) أو التهذيب، أو التنقيح.
إن الشاعر حين ينشئ قصيدته يروم منها امتداداً لذاته,يحمل تميز شخصيته وتفردها , ويحمل فعلاً يلحق بأعدائه الخيبة والخسران, ووداداً يتصل به إلى شغاف القلوب عند من يأنس بهم ويتقوى بوصلهم وجوده ,ولذا يبذل الشاعر كل غاية ممكنة في سبيل إقامة امتداد فاعل ومؤثر للذات, وعليه تكون القصيدة محصلة لاستنفار قوى وطاقات كامنة تصهرها القدرة الشاعرة ,لتعطي لوجودها سعة تتجاوز بها الطاقة المحدودة إلى الأفاق التي تبلغها الكلمة حباً واسترضاءً,أو بغضاً وهجاءً..
وقال حكيمهم رووا أولادكم الشعر,فإنه يحل عقدة اللسان,ويشجع قلب الجبان , ويطلق يد البخيل, ويحض على الخلق الجميل )
وما ذلك إلا لما كانوا يجدونه في الشعر من قوة تمتد بقوى النفس فغدا الشعر قوة مرهبة إلى جانب قوة السيف والسنان..
يقول حسان بن ثابت:
فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء
ولقد ظل ذلك في النفوس فعلاً ووعياً إلى الحد الذي يجعلنا نرى تسلط النفس الشاعرة على النفس المتلقية فتمحوها من الوجود على نحو ما يقصه علينا أبو الطيب المتنبي :
إن القوافي لم تنمك وإنما محقتك حتى صرت مالا يوجد

فلنتأمل حديث الشعراء عن أنفسهم لنرى كيف تتكون هذه القوافي المؤثرة.
يحدثنا سويد بن كراع عن ذلك فيقول :
أبيت بأبواب القوافي كأنما *** أصادي بها سربا من الوحش نزعا

أكالئها حتى أعرس بعدما *** يكون سحيرا أو بعيد فاهجعا

عواصي إلا ما جعلت أمامها *** عصا مربد تغشى نحورا وأذرعا

أهبت بغر الآبدات فراجعت *** طريقا أملته القصائد مهيعا

بعيدة شأو لا يكاد يردها *** لها طالب حتى يكل ويظلعا

إذا خفت أن تروى علي رددتها *** وراء التراقي خشية أن تطلعا
إن حالة إعداد الشاعر لقصيدته هي حالة قلق وتوتر تنتاب الشاعر,وتمنعه من النوم حين تستدعي اللغة عوالم الشعر,فتمثل أمامه رؤى تجسدها الكلمات, يقع بينها في حال من التجاذب نحو هذه أو تلك,وأيها التي تتيسر له وتسلم له قيادها,وأيها التي تبقى فلا تشرد من الوثاق,فيحرص على إحكام نسقها,وإقامة التلاؤم بينها,ليسيرها جميعاً على طريق واضح بين.
إن هذا ليدل دلالة واضحة في مثل حالة سويد أن القصيدة لديه تتشكل من اللغة التي سخرها له مولاه عز وجل على هذه الحقائق النافرة ,التي تتجسد في صورة كائنات حية دعاها بالوحش وجعل العصا تغشى منها النحور والأذرع,ليؤلف بينها نسقاً جديداً متلائماً.
وفي آخر الأبيات رأينا القصيدة وقد اكتملت هيئتها بعد هذه المناجزة مع عوالمها فأصبحت غريبة أمام من يتلقاها, عصية على من يريد أن ينشئ مثلها,وأن من يريد ذلك لابد له من الجهد الذي لايغادره إلا بإجهاد شديد, وعاهة تتخون استقامته,وذلك لأن نفسه ليست كنفس سويد القادرة على السجال مع كلمات الشعر حتى يستطيع السيطرة على أوابدها.
وذا ما نلحظه لدى أبي الطيب المتنبي:
أراكض معوصات الشعر قسراً فأقتلها وغيري في الطراد
ولعل الشاعر حين يضعنا على هذه المناوشة بل المعركة في عمله,يحيلنا إلى التفكير بأن الشاعر حين يدخل عالم الشعر يرى أن الكلمة تمثل مرموزها الذي يطلقه عليها تمثيلاً عيانياً محسوساً يجعل هذه الموجدات تتضخم أمام ناظريه,فيظل بين هذه العوالم يختار شيئاً ويطرح شيئاً آخر,حتى يتمكن من أن ينظم الجميع في نسق واحد فتسلك طرقاً واضحة ممهدة كما رأينا عند سويد.
ولذلك نجد أن الصفات التي يخلعها الشاعر على الممدوح ينظر إليها الشاعر فيراها وجوداً متجسدا يتخذ له حيزاً في الشعر يجعل الشاعر يشعر بقتال هذه الصفات وتصارعها ,فمن ذلك ما يقوله أبو تمام :
تغاير الشعر فيه إذا سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل.
وفي سياق وصف القصيدة بالتوحش والغرابة نلقى قول المسيب بن علس :
فلأهدين مع الرياح قصيدةً مني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياه فما تزال غريبة في القوم بين تمثل وسماع.
ونجد الثقافة العربية خارج إطار النص, قد وعت ذلك وأنست به , وجعلته مسمى عربيا للقصيدة وأجزائها , يتجاوز تمثيل الشعراء وخيالهم إلى أن يصبح من المدلولات المعجمية للألفاظ ويقولون : ( والآبدة : الكلمة أو الفعلة الغريبة , وجاء فلان بآبدة أي بداهية يبقى ذكرها على الأبد ويقال للشوارد من القوافي أوابد , فقال الفرزدق :
لن تدركوا كرمي بلؤم أبيكم وأوابدي بتنحل الإشعار
ويقال للكلمة الوحشية آبدة وجمعها أوابد ) .
ونجد هنا إن الثقافة العربية أدركت أن الكلمات بالنسبة للشاعر أبية عصية المراس قبل أن نتلقف ذلك على جون بول سارتر ومن إليه حين يقول سارتر والكلمات للمتحدث خادمة طيعة , وللشاعر عصية أبية المراس لم تستأنس بعد , فهي على حالتها الوحشية والكلمات للمتحدث اصطلاحات ذات جدوى , وأدوات تبلى قليلا قليلا باستخدامها , ويطرح بها حين لا تعود صالحة للاستعمال وهي للشاعر أشياء طبيعية تنمو طبيعية في مهدها كالعشب والأشجار )
ويدلنا ذلك أن الشعر ليس بالعمل الذي يتأنى لمبتغيه متى أراد , ولكنه الجهد اللغوي الذي يجعل الشاعر يبحث عن الكلمات التي تحمل مضامين رؤيته بحثا مضنيا ينبأ فيه الشاعر عن وقوعه في اسر الخيار بين الكلمات , ذلك الخيار الذي يجعله يختار كلمة ويجهد في ترويض أخرى , بحثا عن التركيب المتفرد المتميز , الذي يجعل الشعراء يعبرون عن هذه المعاناة بتجسيد يظهر حزون الجبال تتخون قواهم , وهم يحثون خطاهم للظفر ببيت فريد على النحو الذي نراه عند تميم بن مقبل :
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها قائلا بعدي أطب واشعرا
وأكثر بيتا سائرا ضربت له حزون جبال الشعر حتى تيسرا
أغر غريبا يمسح الناس وجهه كما تمسح الأيدي الغريب المشهرا
ولعل بعضنا يقول : أن هذه نرجسية من الشاعر , وفرحة بالانجاز, ولكنها وان كان فيها شي من ذلك إلا أنها تنم عن تهيؤ البيت الذي كونه الجهد الشعري , ليصبح قيمة ثمينة يفاخر بها أمام من تعودوا على أن يسمعوا الفخر بمثل ذلك , فيزهو إعجابا حين يرى الناس أمام هذا التشكل يتأملونه بكل أحاسيسهم .
يقول المتنبي :
وتعذلني فيك القوافي وهمتي كأني بمدح قبل مدحك مذنب
ولكنه طال الطريق ولم أزل أفتش عن هذا الكلام وينهب
فقد وضعنا أمام رحلة إلى الشعر , رحلة بحث وتنقيب , للظفر بالمنيع على الآخرين فيناله , في الوقت الذي كانت همة الآخرين دون همته , فهم يمعنون في انتظاره حتى يقول فينهبون كلامه , ولا ينهبونه إلا لما انسوا فيه من قوة وتفوق .

والبحث عن المبتكر في الشعر هو الذي يجعل الشعراء والمتنبي ليس اقل شانا منهم في ذلك , يزعمون لشعرهم الغرابة , والتفرد , والخروج إلى حيز حصين يليق بما منحه الشاعر له من مكانه , فيسمون شعرهم بالشوارد والغرائب , فمن ذلك قول المتنبي :
وعندي لك الشرّد السائرات لا يختصصن من الأرض دارا
قوافي إذا سرنا عن مقولي وثبن الجبال وخضن البحارا

وإذا كان من معاني الشرود التأبي والعصيان , فان وصف الشعر بذلك يجلو مايراه الشاعر في قصيدته من استحواذ على ماشرد منها , حيث أصبحت بين يديه يمدح بها من أراد , ثم إن ذلك يشير أيضا إلى تمنعها على غير قائلها , فإذا أراد احد إخراجها من مكانها ليقيمها في شعره أبت ذلك عليه , لبراعة الأول في سبكها , ووضعها في سياق خاص تقلق إذا أزيحت عنه .
على نحو ما يفهم من قول الآخر :
شرود إذا الرآوون حلوا عقالها محجلة فيها كلام محجل
وبقدر ما يشير قول المتنبي السابق إلى سير الشعر في الأفاق , فان هذه الصور من القوافي الشرّد في وثوب الجبال وخوض البحار تشير إلى القوة الكامنة فيها .
ويمكن لنا أن نزعم من تأمل هذه الإشارات الموجزة التي بثها المتنبي في شعره , انه كان يدرك بوعي معاناة الشاعر مع اللغة , ومغامرته في البحث عن القول البكر , وإحداث العلاقة الجيدة , تلك العلاقة التي لا تقدم اللغة في كل قصيدة على نحو جديد مطلق , وإنما تقدم اللغة في سياق خاص بها .
المراجع :
الوساطة بين المتنبي وخصومه عبد العزيز الجرجاني
طبقات فحول الشعراء محمد بن سلام الجمحي
طاقات الإبداع ، عالي القرشي
رحلة الذات في فضاء النص الشعري القديم ، عالي القرشي

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 941


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


إعداد أمل القثامي
تقييم
3.40/10 (43 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.